27‏/06‏/2016

الجامعة العربية .. دار المسنين والعجزة







        العراق ، سوريا ، ليبيا ، اليمن ، تشتعل معا وفي وقت واحد .. والبقية .. حال مصر .. نار تحت الرماد تنتظر الفوران .. إيران تتحدى الخليج للهيمنة على المنطقة .. تقارب وتجاوب ايراني امريكي .. انحسار الدور الامريكي بوصفه الضامن النهائي للاستقرار.. كل هذا يحدث في وقت واحد .. يمكن للمرء أن يفكر او يتوقع من الجامعة العربية مسعى لاثبات وجودها ولتأكيد ذاتها .. لكن بدلا من ذلك ، اضحى هذا الجسم الرميم يتدحرج نحو انجراف الى العمق اكثر من أي وقت مضى .. على ما يبدو، وببساطة لا تحمل فكرة التجديد ، سوى اقالة الأمين العام الثمانيني ، وتنصيب اخر سبعيني .. ولا جديد . ومع ان دورها الافتراضي .. تقريب وجهات النظر بين الاشقاء وتوحيد صفوفهم واستيعاب خلافاتهم .. لم يحدث ان خرجت باجتماع توافقي دون انحياز لطرف مع ان دستورها التصويت بالاجماع .. وكان يمكن لها ان تحدو حدو بسمارك موحد ألمانيا ، أوان تعتبر بتجارب اخرى كالوحدة الايطالية .. لكنها لم تكن يوما جامعة عربية ، بقدر ما كانت مكتب جانبي لقسم العلاقات بوزارة الخارجية المصرية . تأسست الجامعة عام 1945 بالقاهرة عندما كانت مصر منارة للعلم والمعرفة .. وفي هذه الأيام فإنه بالكاد تجمع الطاقات للتوافق حول اختيار رئيس جديد .. وفي وقت سابق من هذا العام ، أصرت مصر على ترشيح آخر وزير خارجية لديها .. متقاعد وعاطل عن العمل ، أحمد أبو الغيط ، وفي العادة تجاري الدول العربية الأخرى المطالب المصرية بالابقاء على المقر والرئيس ادراكا منها بأن لا دور لهذه المؤسسة يزيد عن لقاءات وحفلات مجاملات .. مع ان قطر قدمت التماسا تطلب فيه تجديد دماء الجامعة وتقديم الشباب بدل الكهول المتقاعدين من بقايا عهد مبارك المتصلب .

     المشاحنات العربية العربية والتوترات فيما بين رؤساء الدول العروبية .. ليس شيئا جديدا. والفجوة بين الخطاب والواقع لازمت معارك الجامعة منذ البدايات الاولى . اغتصاب فلسطين عام 1948، كان بفعل غياب التنسيق الذي هو دور الجامعة .. بل انها فشلت في كل المحاولات الساعية الى توحيد أعضاء الجامعة ضد اسرائيل . ولكن الآن يبدو ان شيئا فاسدا ليس فقط في المؤسسة ، ولكن في الفكرة التي بنيت اطنابها عليها .. وبمعنى ما " الدور الذي انيط بها عفا عليه الزمن " ، فكرة القومية العربية قد ماتت .. وفاحت منها مع مرور الزمن روائح العنصرية النتنة .. بعدما افقدت العرب اقوام ناصروا قضاياهم ، وجمعهم تاريخ وعيش مشترك .. وهم شركاء لهم في الاوطان .. كالامازيغ مثلا . اقتصاديا ، رغم كل الوعود والاجتماعات والقرارات بتحقيق منطقة للتجارة الحرة العربية ، إلا انه لم يتحقق شيء أبدا .. وحجم التجارة وتداول راس المال بين الدول العربية اليوم .. أقل من 10٪ . سياسيا، إسرائيل ، العدو المغتصب اللدود .. صار شريكا في السلام ثم اضحى حليفا .. وصارت الدول العربية اكثر قبولا لاسرائيل ، والسعي للتطبيع من تحت الستار بالامس ، بات جهارا نهارا وفي العلن ، وسقطت شعارات مقاطعة الكيان الصهيوني ، ليحل بدلا عنها التطبيع ، والسلام الابدي ، وابناء العم سام .. مع محاصرة الجيوب التي لا تزال يرهقها التعنت ، بل وصار من اليسير للاسرائليين الدخول الى بعض الدول العربية ، ومن الصعب على الفلسطينيين .. والسفارات الاسرائيلية ومكاتب التبادل التجاري وافواج السواح .. حدث بلا حرج .. ولعل من بين الاوصاف الصائبة للمشهد المترهل ما قاله احد القادة في القمة الأخيرة للجامعة الغروبية .. " أن اللغة العربية هي الشيء الوحيد الذي لا يزال القاسم المشترك بين العرب ".. واضمر التسابق على الارتماء في احضان اسرائيل طلبا لحماية العروش .

     بعد ستة عقود من التهريج وشعارات الوحدة وبرامج التعريب ، تعود المستعمرات الفرنسية السابقة في شمال أفريقيا لتتخلى عن الخطوة نهائيا .. اللغة العربية لم تطور نفسها كما العبرية ، ولغة تدريس العلوم والتقنية تجاوزت الكائن الحي الميت بقرون .. واكثر من أي وقت مضى .. البعض يرمي بالاعباء على الحكام ، واخر على دور الجامعة التي هي ليست سوى غرفة للقاء الحكام ذاتهم .. ويبدو أن المستعمرات البريطانية السابقة في الشرق الأوسط تفعل الشيء نفسه مع اللغة الإنجليزية ..فالشباب العرب في الخليج اليوم .. يؤثرون استخدام اللغة الإنجليزية أكثر من العربية . الجامعة العربية خسرت الرهان في حلبة المصارعة مع نهاية عصر الأبطال ، وتآكل الأيديولوجيات المتعددة ..القومية منها بالذات .. وفشلت في إيجاد آلية لإدارة التنافس .. نخرها السوس .. واصابها الشلل .. بسبب الخلافات الطائفية والإقليمية ، واصبحت اليوم مكتوفة الايدي تقف على مدرجات المتفرجين .. تتحسر على الدول العربية تحترق في صمت .. والقنابل تنهمر امطار تقصف المأذن وتطمر الاطفال والنساء تحت الانقاض .. بل ووقع اعضائها صكوك الغفران مسبقا لتبرير كل التدخلات الاجنبية .. ولعل افضل وصف يليق بالجامعة العربية اليوم .. دار العجزة والمسنين لايواء الدبلوماسيين المصريين المتقاعدين والعاطلين عن العمل .

    وثمة راي اخر يزفه مغردون في مناسبة اعلان جامعة الدول العربية أن أمينها العام الجديد، أحمد أبو الغيط، سيدأ مهام عمله رسمياً، الأحد المقبل ..  : (  أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يواصل إعادة رجال النظام السابق و”أعداء” ثورة 25 يناير إلى الساحة السياسية بقوة، وأن أبو الغيط عيّن “مندوبا لإسرائيل وممثلا لها” في الجامعة العربية..   تذكيربالمؤتمر الصحفي الذي عُقد في القاهرة بين أبو الغيط وتسيفي ليفني ، الذي أعلنت فيه الأخيرة بدء الحرب على غزة، بينما وقف الوزير المصري صامتا )
 
    المغرب اختصر المسافة ..   رفض  استضافة مؤتمرالقمة السنوية لجامعة الدول العربية .. بسبب عدم وجود فائدة حقيقية لأنشطة الجامعة.

20‏/06‏/2016

القائد العزيز







        جار وقلب ظهر المجن .. وجلب المحن .. تنكب ظهر دبابة .. وأعلنها غابة .. اغتصب السلطة .. فكانت ورطة .. اما وقد اخذته العزة بالإثم .. وحل زمن النقم .. تمرس في التشفي بمعاناة شعبه الغريق  .. حملات التطهير والتدقيق ..  والأمن الشعبي والتحقيق  .. ونفوس مرعوبة كل في شأن .. وفي امن واطمئنان .. قد لا يكون هناك جنود يقرعون بابنا ، ولكنهم موجودون في رؤوسنا ، وعلينا محاربتهم طوال الليل .. ستؤدي نفسك اذا عرفت الكثير .. وتجب طاعة القادة ليس لأنهم عادلون ، بل لأنهم قادة .. حتى وان طال الرجاء .. واستعصى الداء .. ونضب الدواء .
         اطبق نفوذه المطلق على الهوية الثقافية .. استأثر بوسائل الاعلام والفنون وأعلنها اشتراكية .. حيث تكون الايدولوجيا اكثر اهمية .. من السلع المادية ..الدكتاتورية الثقافية .. الحرب الايدولوجية .. مسح جبينه العريض ، وحشد كل القلق الذي تمكن من جمعه خلف ثنايا تجاعيده العميقة .. وشرب رشفة اخرى من الزوتشية في فلسفة كوريا الشمالية .. ومطية الاتكال على الذات والرمزية .. ولا استقلال لشعب يأكل من وراء حدوده .. عدا القائد وزبانيته وجنوده .. وأصدر كتاب الزمان .. عن ما سيكون وكل ما كان .. بلون الخضرة ونكهة الزهر والرمان .
     يقال : ما الفرق بين كتاب وكتاب !.. جمال الكتاب كفيلاً ببقائه. وثمة فرق بين كتاب يؤلفه فرد ويبثه في الشعب ، وكتاب ينشئ بذاته شعبا .. حكمنا بالكلمة .. قال احدهم يوم مآتم دفنه .. تكون الحقيقة اكثر قوة كلما قل التلاعب بها .
      الرحلة شاقة ، ولكن لنمض قدما ضاحكين .. وبدأت المراقبة المؤسساتية للفكر بتعزيز اللغة ، ووضع حدود صارمة للكلمة المكتوبة والمحكية .. سلطة الفكر التي تراقب .. لم يتبدل ، كما لو ان الزمن توقف عنده  .. تكرر مشهد الاشياء التي بقيت على حالها تماما ، وبسبب القدم صار ملطخا .. استنزف حياة اهله وبلده ووطنه  .
      إن أبعد أمور العالم عن العقل تصبح أقربها بسبب فوضى البشر. أي أمر أقل صواباً من اختيار ولد الملكة البكر ليسوس الدولة ؟ لا يختار أعرق المسافرين نسباً لقيادة السفينة .. وقد تكون هذه الشريعة مضحكة وجائرة. ولكن بما أن الناس هم كذلك أيضاً ، وسيبقون كذلك أبداً ، فإنها تصبح معقولة عادلة ، إذ من عساهم يختارون ؟ أأكثرهم فضيلة أم أكثرهم مهارة ؟ هنا تقع الواقعة فوراً إذ كل يدعي أنه الأفضل وكذلك الأمهر. فلنربط هذه الصفة إذاً بما لا يقع الجدل حوله. أنه بكر الملك. إن الأمر واضح ولا منازعة البتة ، والعقل لا يستطيع أفضل من ذلك ، لأن الحرب الأهلية أعظم الشرور .. وهكذا .. صدح رؤوسهم .. ودغدغ وجدانهم .. لا للملكية .. وعندما استوى على العرش توج نفسه ملك الملوك .
          حواسي المتبلدة تجوب تخوم يأسي الضيقة على غير هدى .. سلمت بنهاية بائسة .. دفعتني الى نهاية العالم .. وتوقفت دموعي ..  وأدركت ان الدموع لا تذرف إلا عندما تكون هناك يد اخرى لمسحها .. لقد اعترتني شكوك مقلقة ، ولكنني اعرف انها خطيرة ولن تحقق اي شيء .. اذا كان قائدنا وملكنا عظيما ، فلماذا يتضور شعبه جوعا حتى الموت اذا ؟
    قائدنا هو الشمس . اذا اقتربت منه كثيرا فستحترق حتى الموت ، ولكن اذا ابتعدت كثيرا عنه فتتجمد حتى الموت .. كلما اقترب الكادر من القمة ، كانت نهايته اكثر عنفا .. باستطاعة الام الغوص في اعماق قلب ابنها بمجرد النظر الى ظله .. الاباء والابناء لا يمكنهم تشاطر السلطة ( قول مأثور ) .. الحكم الخالي من اية رحمة .. المرتكز على التطهير من دون استثناء افراد عائلته .. اجتثاث الغصن الفرعي .. في شجرة يجب تقليمها لتزداد ارتفاعا وقوة .. الوفاء للقائد يؤدي الى الشهرة ، والتمرد يؤدي الى الموت .. لا يجب ان يعرف اي غريب هذه القصة ، لا تدونها . اعلم بها فقط . اسمعها لتفهمها ، ومن ثم امحها من ذاكرتك .. كلما كانت رتبة المرء اعلى ، اعتبر الانشقاق اكثر غدرا ، وجاءت العقوبة اكبر .. وبشراسة اكثر.
    لم اشعر بأي ارتياح لدى رؤية وجوههم .. بشرة السكان القاتمة الهزيلة ، والتجاعيد العميقة المتعرجة دليلا صامتا على معاناتهم .. فقدت رباطة جأشي وطفرت الدموع من عيني .. شعرت بأسف عميق لأنني اخفي دموعي عنهم ،  ولكنني خجلت جدا من اظهارها لهم . كيف يمكنني التعبير عن بؤسي  .. امام اولئك الذين لم يتبق لهم شيء وحرموا حتى من وسائل التعبير عن بؤسهم .
   في معصرة الحرية حيث يُعبد القائد ويمجد كإله وحياتك ومماتك منوطة بقراراته ونزواته وجنونه ..  قصصهم ليست مجرد وسيلة لإثارة الشفقة . اولئك الذين ماتوا من دون التمكن من التعبير عن ارائهم ، ودفنوا تحت انظار عالم معقود اللسان .. فالتعبير عن ارائهم بإلحاح انتصارا للإنسانية ، لأنهم نجوا من صراع وحشي مع الطاغية .. قد يمضي وقت طويل قبل ان تظهر الحقيقة ، ولكنها ستدوم بعد وقت طويل من اضمحلال الاكاذيب .
    هذه السلطة المطلقة .. وهذا النفوذ .. لا يمكن ان يكون نابعا من رجل قوي . إنها سورة غضب رجل مهزوم مأزوم .. ومتابعة الحياة بجبن خيانة اكثر سوءا .. اشعر بالخجل .
      ما شعرت به عندما وطئت قدماي خارج سجنه .. اختبارا لا يعود لي وحدي حق الاستمتاع به . فهو يخص الحرية ، ويجب علي مشاطرته اكراما للحرية .. الحرية تعطى مجانا لكل مولود على ارض حرة . ولكن على الاخرين المجازفة بحياتهم للحصول عليها .. تجاهل حقنا في الحياة من خلال المجازفة بحياتنا .
        الصديق افضل من وطن ..  اذا كان البؤس هو كل ما تبقى .. طقطقة براجم اصابعها بمزاج عصبي .. تعيد ذكرى رحيل زوجها في حرب الجنون .. وفلذة كبدها وراء اقفاص السجون .. وانه لم يبك حزنا .. بل لسحقه ظلما .. لقد تعين عليه تثبيت عينيه الخاليتين من اي تعبير على سقف فارغ حتى لحظاته الاخيرة .. وتداركت .. كف عن الحديث عن الوطن بهذه الطريقة .. ما نفع الشعور بالأسف الان .. وراء كلماتها كلمات اخرى لا يمكن قولها ..  انك لن تعيش طويلا اذا عرفت كل اجابات الاسئلة المطروحة عن الحياة ..  لقد القى بنفسه عن اعلى الصخرة لأنني لم اكن هناك  .. لامسك بيده .
    كتاب " القائد العزيز " .. للمنشق الكوري الشمالي .. عضو الجهاز الدعائي الاعلى في كوريا الشمالية ..  جانغ جين - سونغ .... كتاب يفرض على المرء قراءته .
     علق احدهم : ( تخيل اكثر افكارك النمطية عن كوريا الشمالية .. واستدعي من ذاكرتك كل الزعماء العرب الفاشيين والشموليين .. واخلطهم ف بعض هيبقوا ملايكة مقارنة باللي بيحصل ف كوريا الشمالية .. لما تيجي تهرب من كوريا الشمالية متقولش للاهلك لان لو تم رصد اي معلومة ان اهلك عارفين او كانوا عارفين او داعمين للموضوع يبقي الله يرحمهم .. كتاب صادم لو 10% بس من الكتاب حقيقي فهو كارثي .. بس كدا ) .
       وعلق اخر : ( عندما تقرأ هذا الكتاب ستدرك كم هي غالية تلك الجوهرة التي تسمى .. " حرية " ..  ستعرف حتماً أن أغلى ما يملكه الإنسان هو حريته .. " الحرية أغلى من الأوطان " بكل تأكيد .. ما فائدة الوطن إذا كانت الأغلال قد جمدت عروقك ومزقت حريتك وكتمت كلمتك ..

أنصح وبشدة .. لن تندموا على قرائته صدقوني :)