12‏/10‏/2008

- مؤازرة ( 1 )





صحبة . د . الشهابي امام العين الزرقاء وباب البحر طرابلس 1983






   د. احمد الحار . د. سعيد الكردي . د . نبيل الشهابي ( مناقشة ) كلية التربية 23 . 12 . 1983 



مع الاصدقاء .د. العارف تصر . د . محمد سعيد ( جامعة سبها وطلبة الدراسات العليا  ) د. الشهابي  في الوسط . وعلى يمينه . د . الفيتوري . م . محمد الهمالي . يليه م. سليمان محمد ..  





الصورة عدسة د . نبيل 


                                          قاعة اجتماعات ومناقشات كلية التربية ( مناقشة درجة الماجستير )



قاعة اجتماعات ومناقشات كلية التربية









الأستاذ الدكتور نبيل الشهابي أستاذ المنطق وفلسفة العلوم . عمل كأستاذ جامعى بكندا . ومن تم بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية . انتقل للتدريس بكلية الآداب جامعة محمد الخامس الرباط بالمغرب ، وله بها عدة إسهامات لعل أبرزها ما نشر ضمن أعمال ندوة ابن رشد ابريل 1978 ف . ( النظام الفلكي الرشدى والبيئة الفكرية في دولة الموحدين ) ، إضافة إلى مداخلاته ومساجلاته صحبة الأساتذة ( طه عبدا لرحمان ، محمد عابد الجابري وغيرهم ) . ودراسات أخرى منها ما نشر بمجلة " البنية المغربية " ( العلة في بواكير أصول الفقه وعلم الكلام ) ، ودراسات في قضايا التحليل النفسي . انتقل للتدريس بجامعة الفاتح كلية التربية قسم التفسير ( الفلسفة ) طرابلس أوائل عقد الثمانينات ، ساهم في الإشراف وتنظيم ومناقشات المؤتمر الفلسفي الأول لعلم التفسير ( الفلسفة ) والذي نظم بهدف تدشين حقل الدراسات الفلسفية العليا بالجامعات الليبية . وكان له أن اشرف وناقش عدة رسائل للماجستير والتي تعد باكورة الإجازات العليا التي يمنحها القسم آن ذاك في هذا المجال المعرفي .عرف بين زملائه وتلامذته بالتميز والكفاءة العلمية ، والعطاء المتواصل دون كلل أو ملل .السؤال فيما إذا كان من المناسب لجامعة الفاتح . ذكر أو تكريم المسيرة العلمية والمساهمة الخلاقة لهذا الرجل وقد ترك بصماته المميزة والمتألقة واللامعة في سماء الإبداع داخل أروقتها .وفيما إذا كان من المناسب إزالة الغموض حول الدواعي التي دفعت به إلى مغادرة الجماهيرية صمتا ، والرواية التي تحكى محاولة الانتحار قبل المغادرة ، وقد مكث على أثرها بالمستشفى لأكثر من أسبوعين ، واختار المغادرة بعد شفائه .أما فيما إذا كان من الواجب لتلامذته تدوين كلمة وفاء وإجلال وتقدير لشخصه الكريم ـ ولن ننصفه حقه - فقد ترآى لي كأحد تلامذته أن أذكّر كل هؤلاء بجانب من محاضراته ومناقشاته في أروقة كلية التربية قسم الدراسات الفلسفية ، وكلية العلوم جامعة الفاتح . والى شخصه الكريم أينما هو اليوم أتقدم بكل التقدير والامتنان . أرجو أن يجد في كلماتي القليلة هذه ما يعكس مدى تقديري له .
د. عابد ا لقادر الفيتورى الجامعة الليبية


  • Professor Dr. Nabil Al-Shihabi professor of logic and philosophy of science. Work as a university professor in Canada. He has been teaching as well at Harvard University in the United States of America. Moved to teach at the Faculty of Arts, University of Mohammed V, Rabat, Morocco, where he has several contributions, most notably what was published in the Proceedings Symposium Ibn Rushd April 1978 P. (Astronomical system and intellectual environment in Almohads state ), in addition he has performed several miscellaneous interventions and debates with company of professors (Taha Abdul Rahman, Mohammed Abed al-Jabri and others). Along with other studies published in the journal "Moroccan architecture" (the weakness of the early jurisprudence and theology), and studies in psychoanalytic issues. He Moved to teach in al-Fatih University College of Education Department of Interpretation (Philosophy) Tripoli in the early eighties where he contributed to the supervision and regulation of the first conference on the philosophical discussions of the science of interpretation (philosophy) inaugurating the field of philosophical studies in the Libyan Supreme universities. He supervised and discussed several theses of Master degree, which is the first fruits by then in this area of knowledge. Known among his colleagues and his students of competency and academic efficiency, and of his devotion and sincerity. thus I urge his students and colleagues to confer honor upon his scientific march and to commemorate the contributions he has left . As well I think it is appropriate to remove ambiguity about the reasons that prompted him to leave Libya in silence, particularly the incident about his attempt to commit suicide before his departure, and that he stayed in the hospital for more than two weeks, and chose to leave after his recovery. As a student of professor Nabil I stand in awe and reverence for the accomplishments he has implemented in the lectures and discussions in the corridors of the Faculty of Education Department of philosophical studies, The Faculty of Science, Al-Fateh University expressing thus my gratitude and appreciation anticipating to find a few in my words this reflects the extent of appreciation to him.
    .

    dr. Abdelghadir al- Faitori tr. by dr.talat murad badr

تمت إضافة ‏‏3‏ صور جديدة‏ من قبل ‏‎Talat Murad Badr Badr‎‏.
· 
قصة انتحار صديق
هل شاهدتم من قبل صديقا منتحرا ؟
معطمك سوف تكون اجابته بالنفي , لكنني شاهدت ذلك عام 1988
كنا دائما معا عام 1987 الي 1988 كلانا كان اعزبا.... زميلين بقسم الفلسفة بجامعة الفاتح ..... افتقدته يوما اذ لم يعتاد الذهاب الي غرفته دون المرور عليّ في غرفتي بالطابق الرابع بال(المباني الايطالية ) بجامعة الفاتح .... بمعيتي ذلك اليوم جلس أمحمد حسين نصر (الدكتور امحمد الان ) ايامها كان يحضر للماجستير تحت اشراف زميلي الذي افتقدناه لمدة يومين كاملين ...... . قررنا الذهاب اليه في غرفته في الطابق الثاني . كان ذلك حوالي الساعة الثانية والنصف ظهرا ,طرقنا الباب برفق خوفا من ان نوقظه فقد يكون نائما ..... جأنا من الداخل صوت يئن , حاولنا انا وأمحمد كسر الباب فما استطعنا ...... واخيرا فتح لنا الباب وهو علي وشك ان يتهاوي وقد قطع عروق كلتا يديه بشفرة الحلاقة وهو يستنجد بنا ( الاسعاف ... الاسعاف ). أُسقط في يدينا انا وأمحمد فقد كانت هذه اول مره نشاهد فيها رجلا ينتحر. جرينا دون وعي بعد ان خلعت حذائي بدلا من ان اثبت رباطها وجريت حافيا ومن خلفي أمحمد . اتصلنا بالمصحة الملحقة بالجامعة واحضرنا معنا طبيبا مصريا . دلفنا الي غرفته فوجدناه ممددا وقد أصفر وجهه بعد ان صفي دمه في (طنجرة ) حتي لا تتسخ سجادة الغرفه (احتفظت بهذه الطنجرة الي عام 1993) . الطبيب المصري كان سخيفا في كلامة (أزاي تعمل كده ؟ كده كويس ؟ ) . انتهره صديقي المنتحر قائلا ( امشي من هنا خليني أموت ) . اخذته الي المستشفي المركزي بطرابلس قسم العناية المركزه كنت بمفردي بعد ان لم يتحمل امحمد المنظر وراح في حال سبيله . طلب مني انا اكون معه الي اخر لحظة . ووقفت معه وخاطوا مكان القطع . مكث بالمستشفي قرابة يومين زاره خلالهما الزملاء والزميلات بالجامعة اذكر منهم المرحوم الدكتور علي فهمي خشيم الذي اخبرته بحادثة الانتحار والدكتورة فوزيه عمار عطيه واسرتها . غادر بعدها المستشفي الي الفندق الكبير. اوصاني بأحضار بعض الاغراض من غرفته . ذهبت الي هناك فوجدت الغرفة وقد (ٌقُلبت ظهر علي عقب ) لقد حضر اليها من كان يبحث عن شيء لم نعرفه حتي الان . وجدت اثناء ذلك عنوان اخته غير الشقيقة بلوس انجلوس (مي حداد) الذي تركه منعمدا علي الطاولة سافر بعدها الي سويسرا بعد حوالي اسبوع ثم عاد ادراجه الي طرابلس ليغادرها من جديد الي كندا حيث يقيم ..... دون ان يفي بوعد قطعه لي ان يحكي لي عن تجربته في الانتحار وعلاقتها بالله .... فلقد كان صديقي المنتحر ملحدا
ذلكم هو الاستاذ الدكتور نبيل الشهابي ( رحمه الله ) من مواليد مدينة القدس والذي مات بعد حادثة الانتحار تلك (التي صفي فيها كل دمه في تلك الطنجرة )بعد قرابة اكثر من عشرين عاما او يزيد (سبحان الله) لم اجد من اعزي فيه الا تلميذه وصديقه ( وصديقي) الاستاذ الدكتور عبدالقادر الفيتوري والذي للامانه اثبت انه من اوفي اصدقاء المرحوم االدكتور نبيل فكلما قابلت دكتور الفيتوري تذكرت المرحوم دكتور نبيل ..... فنعم الرجال انت يا دكتور عبدالقادر

أضيف في 28 يونيو 2012 الساعة 09 : 03






حوار مع المفكر المغربي الأستاذ الدكتور حمو النقاري  

حول قضايا التراث والمنهج والتصوف   
  
أجرى الحوار الأستاذ الباحث محمد البغوري  

 
اعتاد قراء الحوارات التي نجريها مع أساتذتنا أن يتعرفوا على بعض المحطات الرئيسية في حياة المحاور، فماذا يمكن أن يقوله الباحث الأستاذ حمو النقاري في هذا الإطار؟   

 
بالنسبة للمسار العلمي الخاص: ربما محطته الأساسية أو الأساس على الأصح هي تتلمذي على أستاذي الفاضل الدكتور طه عبد الرحمن بدءا من بداية السبعينات من القرن الماضي. فبفضل هذا التتلمذ فتحت أمامي آفاق معرفية وعلمية ولغوية، فكانت مناسبة لبروز جملة من الإشكالات النظرية في ذهني، وأنا أنداك طالب في شعبة الفلسفة بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباطهذه الإشكالات النظرية هي التي ستتحكم فيما بعد في اختياراتي لمواضيع البحث والنظر في مواضيع ستكون محطات نظرية لتحضير شهادة أكاديمية في المستقبل. 

 
لقد اشتغلتم في أطروحتكم لنيل دبلوم الدراسات العليا في:"المنهجية الأصولية بين ابن تيمية والغزالي"، وكان موضوع أطروحتكم لنيل دكتوراه الدولة تحت عنوان:"المنهج في المعارف الكلامية و حفظها في الفكر الإسلامي المعاصر: بحث في منطق الحجاج". فهلا بينتم لنا الخلفيات والدواعي التي كانت وراء هذه الاختيارات العلمية والأكاديمية الرزينة؟  

 
 هذه الأعمال الأكاديمية ابتدأت بدبلوم الدراسات المعمقة، و قد كان ذلك ـ حسب ما أذكر ـ سنة 1977 في تخصص المنطق وتاريخ العلوم. و لقد كان الفضل في إنشاء هذا التخصص للأستاذ الفاضل طه عبد الرحمن، ثم لزميله المرحوم الدكتور نبيل الشهابي، الذي أستغل هذه المناسبة لأنوه بالمجهودات التي بذلها في كلية الآداب بالرباط، و في تدريس مادة المنطق بصفة عامة، و في تاريخه بصفة خاصة. بعد هذه المحطة، محطة الدراسات العليا المتخصصة، ستأتي محطتان 
ـ محطة دبلوم الدراسات العليا 
ـ محطة دكتوراه الدولة. 
في المحطة الأولى، محطة دبلوم الدراسات العليا، وقع اختياري على موضوع الموازنة بين منهج الأصوليين من جهة، و منهج المناطقة من جهة ثانية، منهج الأصوليين كما يشهد له ابن تيمية، و منهج المناطقة كما يشهد له أبو حامد الغزالي، الذي استوعب المنطق اليوناني وقربه للثقافة الإسلامية العربية القديمة، بل وظفه  في هذه الثقافةوقد كان الغرض من تناول هذا الموضوع الانتهاء إلى  تتميم النظرية المنطقية الأصولية بصفة عامة، ومنطق الأصول بالمنطق الطبيعي، الذي أعيد له الاعتبار في الدراسات المنطقية بدءا من منتصف القرن العشرينلقد كانت نهاية هذا البحث مجهودا نظريا ثمن من طرف مجموعة من الباحثين، وبهذا التثمين نال جائزة المغرب الكبرى للكتاب بعد صدوره سنة 1991. 
أما المحطة الثانية فهي محطة البحث الثاني الذي أنجز بقصد الحصول على دكتوراه الدولة في المنطق وتاريخ العلوم، هذا البحث تناول مسألة أو إشكالا مكملا للإشكال الذي تناولته "المنهجية الأصولية والمنطق اليوناني" في المحطة السابقة. باختصار يمكن أن أحدد هذا الإشكال، في طلبي الموازنة بين المنهج المطبق في أصول الدين بالمنهج المطبق في الحوار بصفة عامة، أو في الحجاج بصفة عامة، أيا كان ميدان هذا الحجاج وهذا الحوار. بهذا البحث انتهيت إلى إبراز الطابع المناظراتي أو الحجاجي أو الحواري لعلم أصول الدين. فعلم أصول الدين ليس مجرد دفاع عن العقائد الإيمانية، بقدر ما هو تنظير للكلام في العقائد الإيمانية، إن إنشاء و إثباتا، أو حفظا أو احتجاجا، وبالتالي كان لزاما على الباحث أن يحاول إبراز المعالم الأساس لهذا المنهج الإنشائي والمنهج الحافظ. وقد انتهيت إلى بيان التوافق التام بين هذا المنهج الأصولي العقدي الإسلامي العربي القديم، والنظريات المعاصرة المنظرة للحجاج بصفة عامة. وقد تسنى لي ذلك بفضل إبراز نظرية أخرى في الحجاج انتشرت في المجال التداولي العربي الإسلامي القديم، نظرية سميتها بالنظرية الجدلية الفلسفية، وقد تميزت هذه النظرية الجدلية بمميزات وخصائص لا تتوافق مع المطلوب عقلا و نظرا في تقنين الحجاج الصادق، بحيث نجد في النظرية الجدلية الفلسفية طغيان الغاية التمويهية و التلبيسية، و بالتالي طغيان وظيفة الغلبة. فالنظرية الجديدة الفلسفية غايتها هي بيان الوجوه التي يمكن بفضلها أن تغلب خصمك و تهزمه، في حين أن النظرية الحجاجية الأصولية الغاية فيها هي التوافق من أجل اكتشاف الصدق، سواء تم هذا الاكتشاف على يد الخصم أو على يد المخاصمفالنظرية الحجاجية الأصولية نظرية تعاون من أجل الوصول إلى الصدق، في حين أن النظرية الجدلية الفلسفية هي نظرية من أجل غلبة الخصم. 
 توجهان إذن عرفهما المجال التداولي الإسلامي العربي من جهة التنظير للمنهج، وجهان متكاملان، وجه أول يتجلى في علم أصول الفقه، ووجه آخر يتجلى في علم أصول الدين، والوجهان معا متكاملان، وهما موصولان فيما بينهما، يشكلان ما يمكن أن نسميه بمنطق أو منهج كان للفكر الإسلامي العربي الفضل في تبريزه وتنصيصه وإظهاره. 
   و هذا الأمر لا ينبغي أن يدفعنا للحديث عن خصوصية إسلامية عربية، بل هذا الذي تم تبريزه على مستوى أصول الفقه، وعلى مستوى أصول الدين، من الناحية المنهجية، ليس خاصا بالفكر الإسلامي العربي، وليس من الأمور التي يتفرد هذا الفكر، بل هي من الأمور المتداولة اليوم نظرا وتقنينا، وتحريرا وكتابة، ومناقشة ومناظرة، في الدراسات المنطقية والمنهجية الغربية المعاصرة. فالمنهج الأصولي هو الذي يتناول اليوم بالضبط في مجال التقنين للنظر القانوني، تأويلا للقوانين، وتوليدا للأحكام الشرعية من هذه القوانين...الخ.  والمنهج الكلامي هو أيضا المنهج المنظور فيه اليوم، حينما يتم استشكال قضايا الحوار، وقضايا المناظرة، و قضايا الاحتجاج لإثبات الدعاوى، أو لنقضها و ردها. 
 و بالتالي فإن فضل أستاذي الدكتور طه عبد الرحمن، الذي أشرت إليه سابقا، من حسناته، ومن نتائجه، أنني طيلة عقدين من الزمن، أجد نفسي أنتهي إلى جملة من النتائج تتوافق كل التوافق مع ما كتبه ويكتبه في مسائل المنهج والتراث. 
 في العملان الأكاديميان السابقان أشرفنا على استشكالات لقضايا متعددة تنتمي إلى ميدان البحث في المناهج من جهة، وميدان البحث في التراث من جهة ثانية- أقصد بالتراث هنا تراثنا الإسلامي القديم ـ فمن نتائج هذا الاهتمام المنهجي التراثي، التي يمكنني أن أذكرها بهذه المناسبة نتيجتان 
ـ النتيجة الأولى: تمثلت في الاهتمام بمسألة إعادة الاعتبار للغة العربية لأهمية هذه اللغة، ألفاظا وتعبيرا في التراث من جهة، وفي التواصل مع الغير من جهة ثانية، اهتمامي بإعادة الاعتبار للغة العربية انشد أو انجذب بمحاولة استشراف آفاق التشارك مع الغير، وليس آفاق الانفصال عنه والتقوقع على الذات. إن غايتي هي إبراز أهمية اعتبار اللغة العربية، دلالة و تركيبا وتداولا هي المناداة على الآخر والانفتاح عليه والتواصل معه، أي أننا استشرفنا آفاق جديدة للبحث و النظر، وقد ضمنا هذه الاستشرافات التي هي بمثابة تنبيهات و إشارات تحتاج إلى توقعات وتدبيرات مستقبلية منا ومن غيرنا. ضمنا هذه الاستشرافات كتابنا، أو كتيبنا على الأصح الذي نشرناه بعنوان "المشترك المنسي" 
النتيجة الثانية هي أننا انتبهنا بفعل هذا المسار العام إلى الإنشداد أو الاهتمام بتراثنا الإسلامي العربي، وهو انشداد أو رجوع لمساءلته ببواعث و دواعي منهجيةإن هذا الاهتمام بالتراث اتصف أساسا، بالتوجه نحو غاية معرفية، تتمثل في الدعوة إلى تجديد النظر في هذا التراث بوسائل جديدة، و بمفهوم جديد أيضاوأعتقد أن هذا التوجه يتكامل مع توجه أستاذي الفاضل الدكتور طه عبد الرحمن، الذي عرفت مساهماته الكثيرة في تجديد النظر في التراث 
إن هذا التوجه تظهر أهميته الكبرى وقيمته العظمى إن نحن استحضرنا الأغاليط والمغالطات التي سادت كثيرا اليوم في دراسة التراث الإسلامي العربي، خصوصا في جانبه المنهجي. 
لقد كانت خطتي في مساءلة التراث ببواعث ودوافع منهجية، تتمثل في انتقاء بعض المفاهيم لبيان إمكانية التجديد النظري فيها، وكذلك لبيان الآفاق التي تنفسح أمام الناظر والمتسائل لهذه الاعتبارات المنهجية. 
وفي هذا الشأن أشير إلى بعض الأعمال التي تنتمي إلى هذا التساؤل، و التي إما أنها نشرت، وإما أنها قيد النشر، أريد أن أذكر في هذا المقام عملان فقط: 
أحدهما: ينتمي إلى التراث الإسلامي في مظهره الأصولي، والآخر ينتمي إلى التراث الإسلامي العربي في مظهره الفلسفي. 
ـ العمل الأول نشر باسم"الاستدلال في علم الكلام: آلية الاستدلال بالشاهد على الغائب نموذجا". 
و قد حاولت أن أبين في هذا العمل الأغاليط والمغالطات التي راجت بأن الاستناد إلى هذه الآلية يؤدي إلى التنقيص والتقليل من قدر كل المعارف التي بينت بها. ومعلوم أن بعض المؤلفات التي كتب لها الرواج الكبير لهذا السبب أو ذاك، قد أستندت إلى فهم خاطئ لهذه الآلية، معتبرة أو رابطة الشاهد بالمحسوس، والغائب بالغيبي، و هو ربط مرفوض و مردود أصلا.
فالشاهد مقولة علمية، والغائب أيضا مقولة علمية، الشاهد هو ما يعلم، هو المعروف، والغائب ما لا يعلم، أي هو المجهول، وبالتالي كان الاستدلال بالشاهد على الغائب استدلال بالمعلوم على المجهول، وكل الاستدلالات لا تخرج عن الاستناد إلى المعلوم لمعرفة المجهول. وبالتالي فإن الاستدلال بالشاهد على الغائب هو أس كل الاستدلالات.
ـ العمل الثاني: الذي ينتمي إلى مساءلة التراث الفلسفي العربي الإسلامي القديم، أخذ نموذجا فيلسوفا إسلاميا عربيا، عد المعلم الثاني، بعد المعلم الأول الذي نعلم أنه هو أرسطو، و أقصد الفارابي، فالفارابي نموذج للتفلسف الإسلامي العربي، نموذج أمثل، تشهد لقيمته أعماله بصفة عامة، وأعماله المنطقية بصفة خاصة. لقد كان الفارابي الحلقة الثانية في سلسلة التفلسف الإسلامي العربي بعد الكنديونعلم أن الفارابي هو الذي وضح أغراض أرسطو لابن سينا بتصريح هذا الأخير، فابن سينا ما أدرك أغراض أرسطو، خصوصا في "ما بعد الطبيعة" إلا بعد اطلاعه على كتابات الفارابي.
الرجوع إلى التراث الإسلامي العربي القديم في حلقته، أو في مظهره الفلسفي تجسد في اهتمامي بالرجوع إلى الفارابي بصفة عامة، وبالرجوع إلى نقطة أساسية في فلسفة الفارابي هي نظريته في العلم، فقد انتهى هذا الرجوع إلى وضع كتاب هو الآن قيد الطبع، يتعلق ب"نظرية العلم عند الفارابي"1 (وهو الآن مطبوع ضمن منشورات دار رؤية للنشر ).
توخيت من هذا الكتاب إثبات مسألة هامة جدا، تفيد في تقويم التراث الإسلامي العربي. النتيجة التي خلصت إليها هي أن نظرية الفلاسفة بصفة عامة في العلم، كانت هي المسؤولة الأساس والمباشرة في عدم تبلور علم تجربي في الفكر الإسلامي العربي القديم.
إن العلم عند الفلاسفة لا علاقة له بما يفهم اليوم من هذه اللفظة، لفظة العلم عندهم، هو إدراك للمفاهيم، وإدراك للترابطات بين المفاهيم، والتعالقات بين المفاهيم، المفاهيم كمواضيع من جهة، وكمحاميل  أو صفات تحمل على هذه المواضيع، أي أن العلم عند الفلاسفة في نهاية، كما يشهد بذلك أبو نصر الفارابي هو  علم بالتصورات، لا علما بالوقائع والظواهر، وبالتالي كان المنطق هو البرهاني بصفة عامة، ونظرية التحديد بصفة خاصة هي حجر الزاوية في التنظير للمعرفة العلمية. ومعلوم أن التصورات هي مجرد موجودات ذهنية، قد تكون متحققة في الواقع وقد لا تكون، والعلم المعاصر في جانبه الأساسي راجع إلى الاهتمام بالوقائع والظواهر، لا بالتصورات والمفاهيم، كما أن العلم المعاصر في انشداده للبحث عن الأسباب، ينشد بالبحث عن العلاقات بين الظواهر والوقائع، في حين أن العلم في منظور فلاسفة الإسلام في انشداده للسبب، كان ينشد للسبب باعتباره محمولا، وباعتباره صفة واحدية، لا باعتباره علاقة، السبب هو صفة عند الفلاسفة وإن كنا نفهم أن السبب هو علاقة، والغريب في الأمر أن السبب عند الأصوليين يعني الحمل، ويعني العلاقة، في حين أنه عند الفلاسفة يعني صفة واحدية تنطبق أو تحمل على الموضوع، وتدخل في بيان ماهيته. وشتان بين السبب كصفة والسبب كعلاقة.
فالاهتمام المنهجي والتراثي في صورتيه: الأصولية والفلسفية، ينتهي أو يفضي إلى نتيجة بارزة وهي: المساهمة  في ضرورة ربط المجهود النظري الإسلامي العربي في ميدان الأصول، أصول الفقه، أو أصول الدين، بالأعمال النظرية المعاصرة التي يطغى  فيها الهم المنهجي، و بذلك نكون مساهمين في بيان أهمية تراثنا الإسلامي العربي، خصوصا في المجال الأصولي من الناحية العلمية المعاصرة، و بذلك يتم الوصل ما بين نتائج اجتهاد النظار المسلمين القدامى، ونتائج اجتهاد النظار المعاصرين. وفي هذا  انفتاح لآفاق جديدة، على مستوى بحث قضايا المنهج، أو على مستوى بحثقضايا التراث

إن المتتبع لما تكتبونه من أبحاث ودراسات لا يغيب عنه الحس المنهجي العلمي الدقيق، وتلك الصرامة المنطقية التي تطبع أبحاثكم، فماذا عن هذا الهم المنهجي فيما يخص النظر في التصوف والفكر الصوفي؟ أو بصيغة أخرى كيف يتصور الأستاذ، العلاقة بين التصوف والمنطق؟    

إن هذا الهم المنهجي وهذا الهم التراثي، اللذين شكلا أساس استشكالاتنا واستدلالاتنا في الأبحاث المذكورة سابقا يمكن أن يطالا مختلف جوانب الإنتاج النظري الإسلامي العربي القديم، في قطاعاته المختلفة، وفي مطالبه المعنية المتعددة.
ومن هذه المجالات يمكن أن نذكر مجال التصوف، فهو مجال يمكن أن يُستشرف منهجيا وتراثيا بالتركيز على مختلف مكوناته المضمونية والبنيوية. ومعلوم أن التصوف مبحث علمي وعملي أيضا، يحتوي على جملة من الاعتبارات يتم تناسيها اليوم، أو على الأقل لا تحظى بالعناية اللازمة.
بالنسبة إلي، وتبعا لطبيعة مساري العلمي، أنخرط الآن في النظر إلى التصوف من الزاوية المنهجية أساسا، ولقد سبق لي أن خصصت لهذا النظر مقالة بعنوان: المنطق و التصوف: "نظرية الحق" في فكر ابن البنا المراكشي (654 - 724هـ). ومعلوم أن نظرية الحق موضع تتقاطع فيه الاعتبارات المنطقية بالاعتبارات التصوفية بصفة خاصة.
لا يمثل التصوف مبحثا نظريا وعلميا فقط،، ولكنه يمثل أيضا مبحثا سلوكيا بالأساس، مبحثا سلوكيا تدخلت فيه ربما كل الاعتبارات الإنسانية، نظرية كانت، أم نفسية أم عملية أم كيميائية أم طبية أم فيزيولوجية أم بيولوجية... الخ. وقد يمثل النظر المنطقي في مبحث التصوف إضافة جديدة، أظن أنه بالإمكان أن يساهم في بلورتها كل من اعتد بالعدة المنطقية في نظره مطالب وإشكالات مبحث التصوف.
في نظري مبحث التصوف هو: المبحث الذي يهتم أساسا بمسألة الاتصاف، أي بمسألة اتصاف الذات الإنسانية في تقربها من الألوهية، بجملة من الصفات، سميت مقامات، وتترتب على الاتصاف بهذه الصفات، أي تترتب على المقامات جملة من الصفات الأخرى، تكون انفعالات، أو ردود فعل على الاتصاف، وهي تسمى بالأحوال، وكل من المقامات والأحوال يحيل إلى مسألتين أساسيتين في التصوف هما: مسألة التلوين من جهة، والتمكين من جهة أخرى، فالتلوين عند الصوفية بصفة عامة هو تقلب في المقامات، وهو تقلب دائم بدوام الحياة. أما التمكين فهو بصفة عامة أيضا تمكن في مقام من المقامات، يكون أقرب ما يكون من النهاية، أو المآل التي يتوخاه المتصف والمتصوف.
المسألة إذن في التصوف بصفة عامة هي مسألة سعي نحو الاتصال أو الاتحاد أو التقرب من المطلوب ومن المراد، هذا المطلوب وهذا المراد الذي نريده ونطلب معرفته والعلم به. فالغاية إذن هي غاية معرفية، ومن هنا سماه البعض عرفانا أو معرفة، أو وجودا، و الوجود في اللغة العربية يعني في جملة ما يعني المعرفة أيضا.
التصوف إذن مبحث معرفي، وإن اختص المعروف فيه بخصائص معينة، هذه الخصائص هي خصائص التعالي، خصائص الانشياط  والاشتياق، خصائص الحب وخصائص الإرادة، وخصائص الطلب...الخ من الخصائص التي تجتمع في الذات و الإلهية.
التصوف إذن مبحث في السعي و السلوك، والنهج والطرق... الخ من التسميات، وهو نهج تعريفي، نهج اقترابي، نهج محب، نهج عاشق، نهج مشتاق، وهذا النهج يمكن أن يدرس منهجيا ومنطقيا، فالمناهج هي مساعي، وما من ناهج أو عالم أو ساع أو ناظر أو طالب إلا وهو محب، و مشتاق، ومريد، وطالب لما يريد أن يعرفه
في التصوف الإسلامي العربي نجد بحث المقامات، و نجد بحث الأحوال، ونجد خلاصات ونهايات استخلصت، وانتهي إليها في هذا المجال. وهذه النهايات والخلاصات لها قيمة منطقية، وقيمة عملية، وقيمة ايستمولوجية، يمكن أن تعدى وتنقل إلى البحث الميتودولوجي باللغة المتداولة والمشهورة الآن. وبالتالي يمكن أن يستخلص منها بعض الخلاصات التي يمكن أن تُقوّم وتفحص في إطار المناهج والعلوم ومبحث الميتودولوجيا ومبحث الابستمولوجيا.
تشكل هذه الأمور مجتمعة مسوغا علميا قويا للنظر المنطقي في علم التصوف، وخصوصا النظر في علاقة الباحث بالمبحوث فيه، أيضا علاقة الباحث بالغاية التي يتغياها من بحثه فيما بحث فيه. أيضا ما يلم بهذا الباحث من آلام القديم، أي بالآثار التي تؤثر في هذا الباحث بفعل البحث الذي أنجزه في هذا الأمر الذي بحثه. وأيضا فيما يترتب على هذه الآلام، أو الملمات على مختلف أحواله وصفاته التي كانت له قبل انخراطه في البحث الذي انخرط فيه، لا على المستوى النظري والعلمي فقط، ولكن أيضا علي المستوى العملي والسلوكي.
بحيث نجد أنفسنا لو اعتبرنا التصوف مبحثا ينظر في السلوك نحو المعرفة ونحو المشاهدة، و نحو المحاضرة بدلالتها الصوفية، نجد أننا نستشرف آفاق ما يسمى اليوم"بالنظرية الاجتماعية للمعرفة"، والنظرية الإبيستمية للمعرفة، والنظرية السكولوجية للمعرفة... الخ من المجالات التي يمكن أن يتلمس فيها نظرا و بحثا.
الخلاصة التي أريد أن أبرزها في هذا المقال هي: أن التصوف الإسلامي العربي لم يكن مجرد استعادة لبعض المعلومات التي كانت تعد في عصرها معلومات عملية ثابتة، فلا تتجلى أهمية التصوف الإسلامي العربي في هذه الأمور، ولكن تتجلى أيضا في هذه الإمكانيات الاستثمارية المنهجية والمنطقية.
فضلا عن ذلك هناك إمكانيات استثمارية أخرى في غاية الأهمية، بل وفي غاية الخطورة، وهي الإمكانيات الاستثمارية اللغوية للألفاظ التي رفعت لمستوى المصطلح الصوفي، أو التي خصصت كمصطلحات صوفية تبرز إمكانية نظرية، قد تكون مجالا للتشارك بين العقول البشرية مهما كانت ألسنتها و لغاتها.
ويكفي في هذا المقام، أن أنبه إلى مفهوم الهداية أو الاهتداء الذي يشكل وصفا خارجيا للسلوك الذي اهتم به المتصوفة، إن هذا الاهتداء أو الهداية كان هو الأصل في مفهوم  La Méthode ، فكلمة  La Méthode مكونة، كما أثبت ذلك في المقال من  metaو hodos و الهودس هو طريق الهداية، فالأصل في الـ hodosهو الهود، وهو الهداية و os هو صيغة اسم الفاعل، فالهودس لغة هو الطريق الهادي أو هو الهادي على وزن صيغة اسم الفاعل، فالهدي D و H هو الهدايةوmeta  تعني "نحو" أو "من أجل"، "بحثا عن". فالـ"ميتود" باعتباره هو الأصل في الميتودولوجي، والأصل في المنطق بصفة عامة معناه بحثا عن الهداية، أو بحثا عن الهادي.  وبالتالي فإن بداية الفلسفة الحديثة مع صاحب Discours de la Méthode   وهو ديكارت، ليست غريبة و لا منقطعة عن البحث عن الهداية، وبالتالي في بحثنا عن الهداية، ينبغي أن نستحضر كل المباحث التي تعلقت بهذه المسالك الهادية، أو كل المباحث التي استشكلت مسألة الهداية والاهتداء، لا بد أن نستحضر الحاصل من هذه الهداية، أو الحاصل من عملية الاهتداء. والتصوف الإسلامي العربي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعزل، أو يتجاهل فيه أمر هذه الهداية.
فحضور الهداية يتتبع حضور   méthode و حضور méthode يعني: حضور المنطق.  فالتصوف إذن مبحث عام، يمكن أن تستشكل فيه مسائل المنطق، بل و يمكن كما قلنا سابقا أن يستثمر منطقيا.
         هذه آفاق تنبه أو على الأقل تشير إلى خصوبة، وثراء الإنتاج التصوفي الإسلامي العربي بمختلف توجهاته، وإن طغى في بعض التوجهات التصوفية الإسلامية  العربية هذا البعد أو ذاك، ولكن بصفة عامة نجد في التصوف الإسلامي العربي أمورا أربعة أساسا.
 الأمر الأول: و هو: المطلوب.
 الأمر الثاني: و هو: الطالب.
 الأمر الثالث: و هو: الطلب.
 الأمر الرابع و الأخير، و هو ما يترتب على هذا الطلب من وصول، أو عدم وصول.
و هذه العناصر الأربعة كلها تترتب عليها جملة من النتائج، تتعلق بما يمكن أن نسميه بالظاهرة الطلبية، التي تتمفصل فيها هذه العناصر الأربعة و تتشابك.
     و لا يهم في نظري من الناحية المنهجية طبيعة الطالب، و لا طبيعة المطلوب، و لا طبيعة مراحل الطلب وخطواته، و لا طبيعة الآثار الناجمة عن فعل الطلب. فيمكن أن تكون هذه الطبائع مخصصة دينيا، و عقديا، ويمكن أن تخصص بخصائص أخرى، لا طبيعة دينية لها، أي في النهاية يمكن أن ننزع عن التصوف طابعه التديني والتعبدي الخاص، إسلاميا كان أم مسيحيا أم شيئا آخر.
     هذه استشرافات أعتقد أنها جديدة، ما كان من الممكن، أن ندركها بدون الانطلاق من إعطاء الأسبقية والأولوية لمسائل المنهج والتنظير المنهجي، مقدمات، و نتائج ووسائط.
     وأظن أن هذا الاستشراف يستدعي ويستلزم تضافر جهود من باحثين وناظرين يجمعون بين آلة اللغة، وآلة المنطق، في إيلاء ما يبحث حقه، و استيفاء هذا الحق في البحث، واستيفاء الحقوق ليس بالأمر الهين. 

تشهد الساحة الفلسفية المغربية نشاطا ملحوظا، فما نظرتكم لهذه الممارسة الفلسفية حاليا؟ 

الحديث عن الممارسة الفلسفية المغربية في الوقت الراهن، حديث يمكن أن نميز فيه جملة من التوجهات، متفاضلة من حيث قيمتها العلمية، ومن حيث حديثها، ولن أدخل في مسألة التقويم، أو التقييم، فهذه مسألة تبقى للتاريخ فهو الوحيد الذي يمكن أن يحكم عليها.
من هذه التوجهات يمكن أن نذكر بعضا مما تعرفه الساحة الفلسفية المغربية المعاصرة:
-   أولا توجه يستثمر الفلسفة والتراث في الإبداع الروائي، وهو استثمار له أهداف وغايات لا داعي للخوض فيها، أدخل في هذا المجال إبداعات الأستاذ بنسالم حميش، وإبداعات الأستاذ أحمد توفيق.
-   التوجه الثاني في الممارسة الفلسفية المغربية المعاصرة هو توجه تهم فيه مسألة تقريب الفلسفة الحديثة، في انتمائها الفرنسي أساسا، وهذا التوجه يتمثل في جملة من الكتابات التقريبية للفلسفة الغربية، يطغى في هذا التوجه البعد التأريخي للفلسفة. 
و لعل المثير للانتباه في هذا التوجه هو الخصاص في القدرة على استيعاب النصوص الفلسفية الغربية في لغاتها الحقيقية، فلا يبعد أن تجد من يتحدث عن الفلسفة الفرنسية الحديثة المعاصرة، ويكتب فيها، وهو لا يتقن الفرنسية، ويفهمها فهما خاطئا، تنقلب فيه الدلالات والمعاني، وبالتالي المقاصد، ولا يبعد أيضا أن تجد من يكتب في الفلسفة الألمانية، وهو لا يعرف الألمانية، وهكذا دواليك. هذا التوجه الذي  تبرز فيه الانشغالات بالفلسفة الحديثة ربما هو في بدايته، قد يؤدي إلى ظهور أسماء لها مكانها في تقريب هذه الفلسفة، من جهة استيعاب مضامينها بوجوهه الحقيقية. و من جهة تقريبها للمتلقي العربي بوجوه حقيقية وسليمة أيضا.
-   توجه فلسفي آخر تشهده الساحة الفلسفية المغربية، يبرز فيه الاهتمام بالفكر العربي المعاصر، وهذا التوجه تطغى فيه - في نظري - اعتبارات صحفية، وسياسية ظرفية، و لا يمثله إلا قلة من الأشخاص.
-   توجه آخر تبرز فيه الانشغالات بالقضايا الفكرية الإسلامية العربية القديمة، سواء في جانبها الفلسفي أو في جانبها الأصولي و التصوفي، وهذا التوجه في نظري يفضل بكثير، التوجهات المذكورة سابقا.
-          توجه فلسفي آخر تشهده الساحة الفلسفية المغربية، وهو توجه تبرز فيه الانشغالات المتعلقة بمسائل الإبستيمولوجية، ومسائل تاريخ العلوم، وهو توجه يعطي الآن ثمرات أعتقد أنها ثمرات نافعة ومنتجة، وهذه الثمرات تشهد لها المؤلفات الجماعية التي تصدرها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ويكفي المرء أن يطلع على هذه المؤلفات الجماعية، ليدرك جديد العمل، وطابعه المتأني والمتريث، والمستشرف للمستقبل.
-   أخيرا نجد في الممارسة الفلسفية المغربية المعاصرة توجها يغلب عليه الهم الانتقادي من جهة، والتنظيري من جهة ثانية، ويكفي هنا أن نشير إلى أعمال الأستاذ محمد عابد الجابري وأعمال الأستاذ طه عبد الرحمن، فهما الممثلان لهذا التوجه الأخير، التوجه الانتقادي التنظيري.
و بالمناسبة، و كما قلت في بداية هذا الحديث عن مساري العلمي الخاص، لا بد و أن أذكر اعتزازي وفخري بانتمائي إلى هذا التوجه الأخير في شعبته التي يمثلها الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمن والذي تشهد مؤلفاته المتعددة على قدره وقيمته العلميين.

سيرة الأستاذ حمو النقاري في سطور 
  • الولادة سنة 1951 بسوق أربعاء الغرب (المغرب)
  • سنة 1974 التحق أستاذ محاضرا بجامعة محمد الخامس بالرباط (الفلسفة الإسلامية) 
  • سنة 1988 نال دبلوم الدراسات العليا بميزة حسن جدا في موضوع: "المنهجية الأصولية بين ابن تيمية و أبي حامد الغزالي". 
  • سنة 1997 حصل على دكتورة الدولة بميزة حسن جدا، في موضوع: "المنهج في المعارف الكلامية و حفظها في الفكر الإسلامي المعاصر: بحث في منطق الحجاج ". 
 أسهم بالعديد من الأبحاث و المؤلفات نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر:
المنهجية الأصولية و المنطق اليوناني من خلال أبي حامد الغزالي و تقي الدين ابن تيمية. الطبعة الأولى، 1991، ولادة
-  المشترك المنسي، منشورات المدرسة العليا للأساتذة بتطوان، مارس 2000
-  منطق المدافعة العقدية، دار التنوير، القاهرة 1990
-  نظرية العلم عند الفارابي، قيد الطبع
-  منطق الكلام من المنطق الجدلي الفلسفي إلى المنطق الحجاجي الأصولي. الطبعة الأولى 2006
*   حاز على جائزة المغرب الكبرى للكتاب في العلوم الإنسانية و الاجتماعية لسنة 1992.





في رحاب كلية الآداب

في رحاب كلية الآداب
اختارت مجموعتنا من الطلاب السودانيين الدراسة في كلية الحقوق شعبة العلوم السياسية، اعتقاداً منا ان الحصول على ديبلوم هذه الشعبة سيفتح المجال للعمل في وزارة الخارجية السودانية ، فقد كانت وظيفة الدبلوماسي من الوظائف المغرية .
بيد ان المفارقة ان لا احد من تلك المجموعه إلتحق بالسلك الديبلوماسي بإستثناء الزميل عادل احمد شرفي ، اما البقية فقد تشتت بهم السبل .
ورغم انني كنت أغوص في السياسة حتي أخمص قدمي فاني لم اساير المجموعة في إختيارها ، فقد قررت رفقة الزميل محمد عثمان الخليفة ان نلتحق بكلية الآداب لدراسة الأدب الانجليزي .
ذهبنا الى الكلية، ذات صباح من تلك السنوات البعيدة ، ووجدناها كلية أنيقة نظيفة ومرتبة ، واعجبتنا تماماً وكان علينا إستكمال إجراءات التسجيل .
قيل لنا لابد في البداية من إحضار رخصة من تكوين الاطر وموافقة وزارة الخارجية على إعتبار اننا اجانب ، وقد كان .
بعد ذلك ، شرعنا في إعداد ملف التسجيل ، وكتبنا في خانة الشعبة: ادب انجليزي . لكن عندما سلمنا الملف لموظفة كانت مكلفة بالتسجيل أخبرتنا ان الشعبة تشترط لقبول اي طالب ان يكون قد درس الالمانية او الروسية في المرحلة الثانوية، ولمدة لا تقل عن ثلاث سنوات .
من اين سنأتي إذن بهاتين اللغتين؟
ورغم محاولتنا إقناع تلك الموظفة اننا لا نحتاج للروسية او الالمانية ، فإن شروط التسجيل كانت واضحة ، إما لغة تكميلية او لا تسجيل .
وهكذا لم يكن امامنا الا التسجيل في واحدة من الشعب الثلاث الاخرى : التاريخ والجغرافيا او الادب العربي او الفلسفة والاجتماع وعلم النفس مع دراسة اللغة الانجليزية كلغة تكميلية .
وقع إختيارنا على شعبة الفلسفة والاجتماع وعلم النفس رغم اننا لم ندرس هذه المواد في المرحلة الثانوية .
لعلها روح التحدي .
بعد إستكمال إجراءات التسجيل في شعبة الفلسفة والاجتماع وعلم النفس طلب منا الإلتحاق فوراً بالدراسة فقد كنا في شهر نوفمبر(تشرين الثاني) والدراسة بدأت في شهر اكتوبر(تشرين الاول).
سلم لنا جدول "إستعمال الزمن" وهو تعبير جديد على أسماعنا، وما أكثر التعابير الجديدة التي سمعناها آنذاك .
كان فوجنا يضم في حدود 30 طالباً وطالبة جميعهم من المغاربة بإستثناء طالبة مصرية .
رحب بنا زملاؤنا المغاربة ترحيباً حاراً لكنهم استغربوا كثيراً كيف يريد هذان السودانيان دراسة الفلسفة وهما لم يطلعا من قبل على جملة فلسفية واحدة .
من الأساتذة الذين اتذكرهم الآن عبد الرازق الدواي وعبد السلام بومجديل وادريس الكتاني وخديجة المسدالي ورشدي فكار وابراهيم بوعلو وطه عبد الرحمان والطاهر واعزيز ونبيل الشهابي . اما عابد الجابري وعلي اومليل ومبارك ربيع فسندرس عليهم في السنوات اللاحقة .
كانت دروس عبدالرزاق الدواي تركز على الفلسفة المادية وكان يبدو معجباً بالمادية الجدلية وفلاسفتها .
اما عبد السلام بومجديل فقد تلقينا منه دروساً قيمة في الفلسفة الاسلامية ، خصوصاً مذاهب الشيعة والخوارج .
وتركزت دروس ادريس الكتاني حول علم الاجتماع وكانت نزعته الاسلامية واضحة ، وكانت خديجة المسدالي تلقي علينا دروساً في علم الاجتماع الحديث ، في حين كانت دروس رشدي فكار التي يمزج فيها بين علم الاجتماع والفلسفة مثيرة للإهتمام وكانت محاضراته تحظى بإقبال منقطع النظير .
والقى علينا ابراهيم بوعلو دروساً في مادة الاخلاق ، كان يتمشى داخل القاعة وهو يشرح الدرس ، ثم ينهيه بخلاصة مركزة .
اما طه عبد الرحمان فقد درسنا المنطق وكان شغوفاً بالارقام يشرح دروسه على السبورة في صبر وتمهل .
في حين كان الطاهر واعزيز يلقي علينا بصوته الخفيض دروساً في نظرية المعرفة . مادة صعبة وجافة، لكنه كان يبذل جهداً واضحاً في الشرح .
اما نبيل الشهابي، بقامته المديدة وصوته القوي النبرات ، فقد كان محط اعجاب الجميع .
القى علينا محاضرات قيمة في الفلسفة اليونانية ، والواقع انني شخصياً تأثرت به تأثراً كبيراً، لذلك كانت افضل النقاط التي حصلت عليها طوال دراستي في الكلية في مادة الفلسفة اليونانية ، وقد حبب الى نفسي تلك المادة خصوصاً الثورة الفكرية التي قام بها السفسطائيون في وجه العمالقة الثلاثة : سقراط وارسطو وافلاطون .
بيد ان التأقلم مع الدروس والمحاضرات لم يكن أمره سهلاً ، فقد واجهتنا صعوبات كبيرة ، تتعلق في الاساس باننا كنا نتعلم مواد لم نسمع بها من قبل ، إضافة الى صعوبات اخرى.
واجهتني عقبة كبيرة في بداية دراستي في شعبة الفلسفة ، تكمن في ان الاساتذة المغاربة كانوا أحياناً يخلطون الفصحى بالعامية.
ومع التكيف مع مفردات العامية سواء في الكلية او مع الزملاء في الحي الجامعي او في التعامل اليومي مع الناس في الشارع، بدأت هذه المشكلة تتلاشى .
لكن المعضلة الكبرى العويصة تمثلت في ان الاساتذة كانوا يستعملون احياناً تعابير فرنسية في شرح الدروس ، بل ان بعضهم كان يحاضر بلغة تتداخل فيها الفرنسية مع العربية تداخلاً كبيراً .
كنا نلجأ للزملاء المغاربة ليشرحوا لنا، لكن المسألة باتت مزعجة ، اذ كانوا يفضلون بالطبع التركيز مع الاستاذ وهو يلقي دروسه ، وفي كثير من الاحيان يعتذرون عن الشرح .
مشكلة اخرى تكمن في ان بعض المراجع المهمة في مكتبة الكلية كانت بالفرنسية ، ولا توجد مراجع بالانجليزية سوى الكتب الادبية التي تفي بحاجة طلاب شعبة الادب الانجليزي.
اذن ، ما العمل؟
قررت رفقة زميل لي كان من أقرب افراد المجموعة الى نفسي ، يدعى محمد خالد ، وكان يدرس في كلية الحقوق ، ان ندرس اللغة الفرنسية في مدرسة تابعة للمركز الثقافي الفرنسي توجد في حي ديور الجامع في الرباط ، واظن انها ماتزال هناك.
والمفارقة انني عندما اخبرت زملائي المغاربة بذلك ، كانوا يعتقدون ان إتقان الانجليزية يجعل دراستنا للفرنسية مضيعة للوقت ، على إعتبار ان الانجليزية هي اللغة العالمية الاولى.
لكنني لم أكترث كثيراً لوجهة النظر هذه .
حزمنا امرنا وذهبنا الى المدرسة الفرنسية لمتابعة دروس تكوينية في اللغة الفرنسية ، بيد اننا فوجئنا بمشكلة لم تكن في الحسبان ، فقد كان مطلوباً تسديد رسوم للدراسة .
كان المبلغ في حدود 150 درهماً ، لكنه في تلك الايام كان يعد رقماً فلكياً .
لم نكن قد تقاضينا حتى ذلك الوقت المنحة الدراسية التي تسلم كل ثلاثة اشهر، وكانت في حدود 1200 درهم ، وبالتالي تعذر علينا تدبير المبلغ . وهكذا تأجلت فكرة دراسة اللغة الفرنسية في انتظار صرف المنحة الدراسية.
لكن، حتي لا نضيع الوقت اتفقنا مع احد الغابونيين على اعطائنا دروساً في الفرنسية على ان ندفع له تعويضاً عندما نتسلم المنحة .
لم اعد اتذكر اسم ذلك الغابوني، رغم انني سألتقي به مجدداً وبعد سنوات في مبنى صحيفة "العلم"، فقد كان يعمل مصححاً في "لوبنيون" ولااعرف الآن اين طوحت به الظروف.
كان يسكن آنذاك في شقة متواضعة في حي" ديور الجامع" نذهب عنده في المساء، ويخصص لنا ساعة ونصف، واحياناً ساعتين، ثلاث مرات في الاسبوع ، والواقع انه بذل جهداً طيباً، فبعد مضي فترة ليست طويلة استطعنا ان نركب بعض الجمل بالفرنسية ، كنا ننطقها بلكنة تضحك من يسمعها من المغاربة ، لكننا كنا سعداء باكتساب لغة جديدة . وقد شجعت تلك التجربة زملاء آخرين لدراسة اللغة الفرنسية .
وعندما تسلمنا المنحة قرر عدد لا بأس به من زملائنا تسجيل انفسهم في المدرسة الفرنسية .
كنت وزميلي محمد خالد نشعر بالتفوق على الآخرين، لان دروس ذلك الرفيق الغابوني مكنتنا من بعض التعابير الفرنسية .
لم تستمر الدراسة في المدرسة الفرنسية طويلاً نظراً لضيق ذات اليد، فقد ارتأيت شراء دراجة نارية لاستعمالها في تنقلاتي ، وتلك كانت كذلك فكرة تراود زملاء آخرين من مجموعتنا.
كان حي ديور الجامع يعج بمحلات بيع الدراجات النارية، ولم يكن شراء دراجة نارية امراً سهلاً ، فقد كانت المحلات تقدم تسهيلات الاداء للموظفين فقط طبقاً لشروط خاصة، اما إقراض الطلاب فقد كان صعباً للغاية، لكن رغم ذلك استطعنا إقناع احدى المحلات بيعنا دراجات نارية باقساط .
اتذكر ان صاحب المحل إشترط ان ندفع ربع القيمة نقداً وما تبقي يقسم على اربعة اقساط وطلب كضمانة الاحتفاظ بجوازات سفرنا، وافقنا على الصفقة واشتريت شخصياً دراجة نارية كان سعرها في حدود 1300 درهم من نوع بيجو .
كانت تلك اول مرة أقترض فيها . بعدها سيظل الإقتراض عادة تلازمني بلا إنقطاع : إقتراض من الاصدقاء ...إقتراض من المصارف... وإقتراض من شركات القرض، فقد اصبحت الحياة لا تحلو لنا الا بالإقتراض .
أثقل ذلك القرض كاهلي وبالتالي اصبحت المنحة لا تكاد تكفي لمصاريف الاكل والسكن وبالطبع لمحروقات الدراجة النارية ، وهكذا أضطررت للإنقطاع عن دروس اللغة الفرنسية لعدم تمكني من تسديد مصاريف الدراسة على ضآلتها ، ولن أستأنف تلك الدروس الا بعد سنوات طويلة كانت خلالها الفرنسية التي تعلمناها من الرفيق الغابوني ودروس مدرسة ديور الجامع قد تبخرت .
***
أعود مجدداً الى زملاء الدراسة في شعبة الفلسفة ، او بالاحرى الي الفوج الذي كنت ضمن طلابه .
كان طلاب الفوج من جميع انحاء المغرب ، نظراً لعدم وجود كليات للآداب آنذاك باستثناء كلية الآداب في فاس .
لقد غابت عني اسماؤهم، لكن ما زلت الذاكرة تختزن بعضاً من تلك الاسماء :
ياسين من الدارالبيضاء ، اليزيد من طانطان ، حسن من القصر الكبير ، عبد الرحيم من بني ملال ، بوخبزة من تطوان ، محماد من اكادير ، المختاري من تازة ، نجية من الدارالبيضاء . هذه هي الاسماء التي ظلت عالقة بالذاكرة .
كانت هناك مجموعة من اربعة طلاب من مراكش، لم اعد اتذكر اسماءهم ، لكن حيويتهم ومشاغباتهم ما تزال ماثلة .
كانوا يجيئون من الحي جماعة يجلسون بجوار بعضهم بعضاً داخل القاعة ، يطلقون النكات وأحيانا يشاغبون شغباً بريئاً .
اتذكر انهم كانوا اول من إبتدع ظاهرة التصفيق للأساتذة حين يكون الدرس ممتعاً . كان نبيل الشهابي الاكثر حظوة في هذا الجانب ، ما ان يدخل بقامته المديدة ، وحتي قبل ان يبدأ الدرس ، تدوي القاعة بالتصفيق .
كانت الجامعة آنذاك تمور بالأفكار اليسارية ، لذا كان الاستاذ الذي يجاري تلك النزعة يجد قبولاً وترحيباً ، وعندما يأتي استاذ بافكار مغايرة تتعالى الهمهمات لتصل الى حد الاحتجاج احياناً .
ثمة ظاهرة اخرى لفتت إنتباهي آنذاك ولم اجد لها تفسيراً واضحاً .
كان هناك عدد من الاساتذة المشارقة ، اذكر من بينهم على سامي النشار ورشدي فكار ونبيل الشهابي وطه فرج ومحمد ايوب، وآخرين.
كنا نسمع بعض الهمس حول ضيق بعض الاساتذة المغاربة من هؤلاء المشارقة .
لم اكن اعرف على وجه الدقة مرد ذلك الضيق . ربما تعلق الامر بحساسيات سياسية وايديلوجية .
والواقع اننا نأينا بأنفسنا عن تلك الحساسيات ، فنحن في السودان لا نعتبر انفسنا جزء من المشرق او المغرب ، نحن في الاطراف ننتمي الى الامة العربية في صيرورتها ، ولا نبحث عن ريادة . واعتقد ان ذلك التصور الذي كان يناسبنا تماماً جعل أمر إندماجنا في الوسط الطلابي المغربي مسألة سهلة .
لم يقتصر حضوري آنذاك على محاضرات كلية الآداب ، فقد كنت اسمع من زملائي الذين اختاروا كلية الحقوق اصداء طيبة عن بعض اساتذتهم .
لذلك، كنت حين اجد وقتاً اذهب معهم للاستماع الى محاضرات هؤلاء الاساتذة في كلية الحقوق .
كانت بعض تلك المحاضرات تلقى في معهد المغرب الكبير غير بعيد عن الحي الجامعي مولاي اسماعيل ، ولا ادري ما اذا كان ذلك المبني الذي كان في الاساس يحمل اسم "المعهد المصري" ما يزال تابعا لكلية الحقوق. كنت احضر محاضرات الدكتور محمد البوزيدي في القانون الدستوري ، وفتح الله ولعلو في الاقتصاد وكان آنذاك متدفقاً متحمساً في محاضراته ، والمفارقة انني وبعد ان سلكت دروب الصحافة ظلت علاقتي مع ولعلو لا تتعدى تبادل تحيات فاترة ، ولا اعرف حتي الآن سبباً لذلك .
كما كنت حريصاً على متابعة الدكتور رشدي فكار رغم انه كان يحاضرنا في شعبة الفلسفة ، ربما لان دروسه في كلية الحقوق كانت تناقش قضايا سياسية معاصرة .
وحضرت مراراً محاضرات للدكتور صلاح الدين هارون في الاقتصاد ، ومازلت اتذكر واقعة طريفة حدثت له اثناء إلقائه درساً في معهد المغرب الكبير.
كان الدكتور هارون يلقي محاضرة قيمة حول عالم الاقتصاد ورجل الدين مالتوس ، وربما بسبب الارتجال كان يلحن في بعض الجمل والكلمات ، ويخطئ في النحو والصرف .فتصدر همهمات احتجاج من الطلاب. تضايق الدكتور هارون من ذلك وخاطب الطلاب قائلاً : اذا كنتم تعتقدون بانكم سيبويه فاحملوا طباشيركم وغيروا لافتات العاصمة فقد مررت اليوم بعربة كتب عليها " نقل الألحام" بدلاً من نقل اللحوم .
والواقع انني استفدت كثيراً من تلك المحاضرات ، الى حد راودتني فكرة الانتقال الى كلية الحقوق .
واتذكر انني فاتحت الدكتور نبيل الشهابي بتلك الفكرة ، فسألني عن سبب اختياري لكلية الاداب وشعبة الفلسفة على وجه التحديد. قلت له انني كنت ارغب في دراسة الادب الانجليزي لكنهم اشترطوا إتقان احدى اللغتين اما الروسية او الالمانية كلغة تكميلية . كان جوابه ان من يختار دراسة الفلسفة يفترض ان تكون لديه اسئلة تشغل باله ويبحث لها عن اجوبة . قلت لها اخشى ان تكون العملية عكسية بالنسبة لي ، فانا لدي اجوبة ابحث لها عن أسئلة .



جهلنا بالدارجة المغربية جعلنا نحول «الساروت» إلى «سباط»






فضل جميع الطلبة من فوجنا التسجيل في كلية الحقوق لدراسة العلوم السياسية، في حين سجل طالبان في شعبة القانون، لكنني، مع زميل لي يدعى محمد عثمان خليفة (هو الآن يعمل أستاذا جامعياً) اخترنا التسجيل في شعبة الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية. وبعد التسجيل في الكلية شرعنا في استخراج بطاقة الإقامة. أتذكر أنه واجهتنا مسألتان عندما ذهبنا إلى مفوضية الشرطة لاستخراج تلك البطاقة، الأولى عندما طُلب منا كتابة الاسم الشخصي والعائلي، ونحن في السودان ليست لدينا أسماء عائلية، حيث تتكون الأسماء في الأوراق الرسمية من الاسم الشخصي واسم الأب والجد ثم الجد الثاني، أي أسماء رباعية. والمسألة الثانية هي تاريخ «الازدياد»، إذ لم نكن نعرف ماذا تعني كلمة «ازدياد»، لأننا في السودان نستعمل مصطلح تاريخ الميلاد. والمسألة الأكثر تعقيداً، أن معظمنا لم تكن لديه تواريخ ميلاد حقيقية، بل تقديرية لأننا نتحدر من قرى لم تكن بها سجلات ميلاد حقيقية. شخصياً، وكما أسلفت، لا أعرف حتى اليوم الذي ولدت فيه، سواء تعلق الأمر باليوم أو بالشهر أو بالسنة، لذلك كنت في كل مر أستخرج جواز سفر جديدا، وأختار تاريخ الميلاد على مزاجي. 







- لم يكن الإطار النقابي المعروف باسم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وقتها موجودا داخل الجامعة، لأنه كان محظوراً. ما كان مسموحا به حينها هو تمثيليات تعرف باسم التعاضديات، وهي تمثيليات لم تكن تحظى بموافقة لطلاب لأسباب يمكن لزملائي المغاربة في تلك الفترة أن يشرحوها. كان الفكر اليساري هو السائد، ليس في جامعة محمد الخامس، وإنما في كل الجامعات المغربية والشارع المغربي والعربي أيضا. دعنى أقول إننا، كطلبة سودانيين، كنا نحظى وسط الفصائل الطلابية اليسارية باحترام وتقدير خاصين، لأن أصداء الحزب الشيوعي السوداني وشهرة زعمائه كانت قد سبقتا إلى المغرب، والحزب الشيوعي السوداني كان من الأحزاب القوية، ليس في السودان فحسب وإنما في كل إفريقيا، وكان يعتبر من أقوى الأحزاب الشيوعية في العالم الثالث، إذ كانت له جماهيرية كبيرة ويضم شرائح واسعة من المتعلمين والمثقفين السودانيين. بيد أن هذا الحزب سيتعرض لنكسة كبيرة بعد أن نفذ انقلاباً ضد نظام جعفر النميري في يوليو عام 1971، وفشل ذلك الانقلاب بعد أربعة أيام، إذ عاد النميري إلى السلطة من جديد، وأعدم أبرز قادة الحزب، من بينهم زعيم الحزب عبدالخالق محجوب. 





هناك 3 تعليقات:

عابدالقادر الفيتوري يقول...

ندوة ابن خلدون
دعوة الحق
196 العدد

* نظمت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط ندوة كبرى من المؤرخ العربي الإسلامي الكبير عبد الرحمن ابن خلدون تخليدا لمرور 600 سنة على تأليف مقدمته الشهيرة، شارك فيها عدد من المحاضرين من الوطن العربي وأوروبا.
وقد استقطبت هذه اهتمام طلبة الجامعة والمثقفين وجمهور عريض من المواطنين، وكان لها الفضل في إثارة الاهتمام الجاد بالتراث العربي الإسلامي من خلال مراجعة «المقدمة» ودراستها من جديد وقراءتها على ضوء تطور العلوم الاجتماعية الحديثة.
وفيما يلي قائمة بأسماء الأساتذة المشاركين في هذه الندوة مع عناوين محاضراتهم. وبالمناسبة نلح على نشر جميع هذه المحاضرات بالعربية والفرنسية في وقت قريب، كما يجب نشر محاضرات ندوة ابن رشد الذي نظمتها الكلية في السنة الماضية.
- الأستاذ محمد أركون (جامعة باريز الثالثة):
(نحن وابن خلدون).
- الأستاذ دومينيك شوفالي (جامعة باريز الرابعة):
(ابن خلدون والتحليلات المعاصرة للتاريخ الاجتماعي للبلاد العربية).
- الأستاذ جاك لانغاد (جامعة بوردو الثالثة):
(فلسفة اللغة لابن خلدون).
- الأستاذ طه عبد الرحمن (كلية الآداب بالرباط):
(عن الاستدلال في النص الخلدوني).
- الدكتور محمد عابد الجابري (كلية الآداب بالرباط):
(أبستيمولوجيا المعقول واللامعقول في مقدمة ابن خلجون)
- الأستاذ ميكل كوزهيرنا نديز (الجامعة المستقلة بمدريد):
(تكوين ابن خلدون الفلسفي وحدود وضعيته التاريخية).
- الدكتور عبد الرحمن بدو (كلية الآداب بجامعة الكويت):
(ابن خلدون ومصادره اللاتينية)
- الأستاذ مبارك رجالة ( المركز الوطني للبحث العلمي- باريز):
(مخطوط جديد من النسخة التونسية للمقدمة)
- الدكتور محمد بنشريفة (كلية الآداب بوجدة):
( ابن تاويت الطنجي محققا لأعمال ابن خلدون)
- الأستاذ السيد محمد بدوي (كلية الآداب بفاس):
المورفولوجيا الاجتماعية وأسسها المنهجية عند ابن خلدون)
- الأستاذ شارل ليمانويل دوفورك (جامعة باريز نانتير):
(اتحاد أوروبا الغربية نحو المغرب من عهد ابن خلدون)
- الدكتور عبد الله العروسي ( كلية الآداب بالرباط):
(ابن خلدون وميكافيلي )
- الأستاذ محمد الطالبي ( كلية الآداب بالجامعة التونسية)
(نظرية النشوء والارتقاء: جدورها في التفكير الإسلامي وأثرها في مقدمة ابن خلدون)
- الأستاذ نبيل الشهابي (كلية الآداب بالرباط):
(تاريخ المعارف والصنائع في المقدمة)
- الأستاذ عبد المجيد التركي ( جامعة باريز 4 السربون):
(ابن خلدون المؤرخ والعلوم الدينية)
- الدكتور محمد زنيبر (كلية الآداب بالرباط ):
(الصناعة في المجتمع الإسلامي كما يراها ابن خلدون)
- الأستاذ هنري لاوست (كوليج دو فرانس بباريز):
(الفكر السياسي عند ابن خلدون )
- الدكتور علي أومليل (كلية الآداب بالرباط):
( فكر ابن خلدون والتجاوز الممكن )
- الأستاذ محمد القبلي ( كلية الآداب بالرباط ):
( ما لم يرد في كتابات ابن خلدون )
- الأستاذ أحمد التوفيق ( كلية الآداب بالرباط ):
(المقدمة دليلا للمؤرخ )
- الدكتور عبد الهادي التازي (المعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط ):
(ابن خلدون سفيرا)
- الأستاذ بنالم حميش (كلية الآداب بالرباط):
(ابن خلدون وتجربة التاريخ المسدود )
- الأستاذ محمد المنوني ( الخزانة الملكية بالرباط ):
(تأثير المقدمة الخلدونية في بعض المؤلفين العرب )
- الدكتور محمد عزز الحبابي ( كلية الآداب بالرباط ):
التعقيب على الندوة.

عابدالقادر الفيتوري يقول...

Ajouter le résultat dans votre panier Affiner la recherche
تاريخ المعارف و الصنائع في مقدمة ابن خلدون / الشهابي، نبيل
PublicISBD
Titre : تاريخ المعارف و الصنائع في مقدمة ابن خلدون
Type de document : texte imprimé
Auteurs : الشهابي، نبيل, Auteur
Editeur : كلية الآداب والعلوم الإنسانية (الرباط)
Année de publication : 1981
Importance : ص. 219-256
Note générale : بداخل:أعمال ندوة ابن خلدون
Langues : Arabe (ara)

Tags : HISTOIRE


Cote : P 02.101

عابدالقادر الفيتوري يقول...


إنا لله وإنا إليه راجعون .. غفر الله لنا وله .. بعد سنوات من السؤال والبحث .. تلقينا ببالغ الأسى نبأ وفاة المغفور له استاذنا الدكتور نبيل الشهابي .. عزاءنا للأسرة والأهل .. والى شقيقته ( مي الشهابي وأبناءها ) أين ما كانوا اليوم .. والى زملائه وتلامذته .. وليسوا أولى بالعزاء فيه منا .. والى روحه الطاهرة .. نقول .. لقد بدلنا ما في وسعنا منذ سنوات لتتبع أخباره ، ولم نفلح .. ولا زلنا نتذكر أخر العبارات التي نطق بها يوم ان قرر مغادرة ليبيا قسرا ، ردا على ما حدث معه . لقد همس قائلا : " سأكتب عن كل ما حدث ذات يوم .. ولا ندري الآن هل كتب عن سيرة تلك الأيام الخوالي ورحلته إلى ليبيا ام لا .. ربما في مكان ما .. لا يزال البحث عن ذلك الغموض الذي اكتنف المرحلة .. والمصير الذي انتهى إليه .. ولعلها مسئولية كل الزملاء . وان لم نوفق فلابد ان يأتي من يكمل المشوار وينصف هذا الرجل .. انه وبشهادة احد تلامذته والحائز على شهادة المغرب الكبرى للكتاب في العلوم الإنسانية و الاجتماعية لسنة 1992.المفكر المغربي الأستاذ الدكتور حمو النقاري .. وقد " نوه بالمجهودات التي بذلها في كلية الآداب بالرباط ، و في تدريس مادة المنطق بصفة عامة، و في تاريخه بصفة خاصة." وفي تدشين حقل الدراسات الفلسفية العليا بجامعة محمد الخامس الرباط . ولينتقل فيما بعد للقيام بنفس الدور بكلية التربية جامعة طرابلس ..
وكذا شهادة احد تلامذته : د . طلحت جبريل من السودان ضمن وصفه للبيئة الفكرية بقسم الفلسفة وسلوك زملائه التلامذة : " اتذكر انهم كانوا اول من إبتدع ظاهرة التصفيق للأساتذة حين يكون الدرس ممتعاً . كان نبيل الشهابي الأكثر حظوة في هذا الجانب ، ما ان يدخل بقامته المديدة ، وحتي قبل ان يبدأ الدرس ، تدوي القاعة بالتصفيق . كانت الجامعة آنذاك تمور بالأفكار اليسارية ، لذا كان الاستاذ الذي يجاري تلك النزعة يجد قبولاً وترحيباً ، وعندما يأتي استاذ بافكار مغايرة تتعالى الهمهمات لتصل الى حد الاحتجاج احياناً . ثمة ظاهرة اخرى لفتت انتباهي آنذاك ولم اجد لها تفسيراً واضحاً . كان هناك عدد من الاساتذة المشارقة ، اذكر من بينهم على سامي النشار ورشدي فكار ونبيل الشهابي وطه فرج ومحمد ايوب، وآخرين. كنا نسمع بعض الهمس حول ضيق بعض الاساتذة المغاربة من هؤلاء المشارقة " . وفي هذه النقطة الاخيرة بالذات اذكر إنني استمعت منه للكثير من المماحكات اثناء رفقتي له اوائل الثمانينات بطرابلس . وكانت وراء اختياره مغادرة المغرب قسرا . لا داعي للخوض في تفاصيلها المظلمة . .
وكذا اعتراف زميلنا سويا ورفيق اللحظات الاخيرة معه . د. طلعت مراد .. والاشادة به وبتميزه .. ولربما اقل ما يقال بعد كل هذه الرحلة الطويلة وسنين انقضت " انه دفع ثمنا باهظا جراء ذاك التميز والتفرد .. عاش طريدا هنا وهناك .. رحمه الله وغفر لنا وله " .