14‏/10‏/2008

مح (1) العلم وبادىء الراى

محاضرات فى فلسفة العلوم The Method of scientific Research( محاضرة 1 ) _ العلم وبادىء الرآى
لدينا الآن من المعلومات الدقيقة ما يشير الى أن الإنسان أستطاع أن يحصل على الكثير من المعلومات عن بيئته دون إستعانة بذلك النسق المعرفى الذى نطلق عليه إسم العلم . بل نجد فى حياتنا العادية اليومية الآن من الناس من يحصل على هذه المعلومات رغم عدم درايته بالعلم الحديث .اسـتطاع الإنسـان مثلا أن يمـيز المواد التى تغدى جسـمه ، كما أكتشـف فوائد الـنار وتحـويل المواد الخـام الى أدوات عمـل مفـيدة . أمكن للإنسـان أيضـا أن يكـتشـف فـن الزراعة وفن الحكم ، حكم نفسه بنفسـه . نعرف أن البعض تبين إمكانيـة نقل اللأجسـام الثقـيلة بسـهولة إذا ما حملت على عربة تجـرها العجلات ، كما تبيـن إمكانية مقـارنة مسـاحة الاجسـام والمزارع إذا أسـتخدم مقياس واحد موحد لذلك . مثل هذه الإكتشافات والكثير غيرها تمـت دون إنتـظار لظهور العلم والوعى بمنهجه وتطبيـقه بشـكل منسـق ودقيق . بل بعضها – كما قلت – يتم يوميا من قبل أناس لا دراية لهم بالعلم ومنهجه . يمكن القول إن هذه الإكتشافات تمت بإستخدام بادىء الرآى .إذا كان بإمكـان الإنسـان أن يكتشـف كل ما ذكـرنا وغيره بالإعتماد على بادىء الرآى ، فما هى إذن مـيزة العلم ومنهجه ؟ وما الذى يمكن معرفته وإكتشـافه بالعلم ولا نستطيعه بإستخدام بأدىء الرآى ؟يعتقد البعض أن العلم هو مجموعة من المعلومات الصـادقة صدقا ثابتا لا يقبل التفنيد والنقـد . فهم حـين يصـفون فكرة او نظـرية معينة بأنها علمـية يعنون بهـذا أنـها نهاية المطاف فى البحث عن الحقيقة . وبالتالى فمن وجهة نظر هؤلاء ، هذه الأفكار او النظريات تتـميز عن بأدىء الرآى فى أنها حقيقية وقاطعة . حسـب هذا الرآى لا يمكن أن نصــف أى نظرية ســابقة على أخر نظـرية لدينا بأنها علمية . معنى هذا أولا : أن آخر نظرية لدينا هى الحقيقة النهائية . كما يعنى ثانيا : أن العلم موضوع لا تاريخ له ، لإن كل النظريات السـابقة على النظرية النهائـية التى لدينا نظريات غير علمـية . مثل هذا الرآى لابد أن نزيله من أذهاننا من البداية . فليسـت هناك أى نظرية فى أى ميدان يمكن أن نصـفها بأنـها نهائـية وتمثل الحقـيقة فى ذاتـها . وحتى لو كانت تلك النظـرية نهائية – فكما سنبين من بعد – ليسـت لدينا وسيلة لمعرفة ذلك . كيف نميز العلم عن غير العلم إذن ؟ وكيف نفصـل بين العلم ومناهـجه من ناحية ، وبادىء الرآى وطرقه من ناحية أخرى ؟لابد أن نقول أنه ليست هناك حدودا قاطعة بين العلم وبادىء الرآى ، ومع هذا فلدينا من الخصائص المميزة لكليهما مما يبرر فى نظرنا الفصل بينهما بشكل واضح ، وتبين مغزى الفصل وضرورته .1 - لا يمكن أن ننكر أن الكثير من فروع العلم أستندت أول نشأتها على المعلومات التى حصلها بادىء الرآى فى محاولة حل بعض المشاكل العلمية التى يواجهها الإنسـان . الهندسة مثلا تولدت عن مشاكل البناء وفنون الحرب . والكيمياءعن مشاكل الصباغة والتعدين . والإقتصاد عن مشـاكل تذبير المنزل والسـياسة . يجب أن لا ننكر أهمية مثل هذه المشـاكل العلمـية ( والتى تدخل الآن فى باب التكـنولوجـيا ) فى نشـأة النظـريات العلمية الحديثة . السؤال الآن : هل هناك فارق أساسى بين المشاكل العملية المحددة التى نحلها ببادىء الرآى وبين النظريات العلمية ؟يعـتقد البعـض أن الفارق هو أن النظـريات العلمـية ليسـت إلا تنظيما وتنسـيقا لبادىء الرآى . لا شـك أن التـنظـيم والتنسـيق مهـمان فى العـلم . بل يمكن القـول بـأن العـلوم بمخـتلف فروعها ليسـت إلا أنسـاقا منظـمة من المعـرفة . ومع ذلك فالتـنظيم والتنسـيق وحدهما لا يكفـيان للتمـييز بين العلم وغير العلم . فالجداول التى يعـدها أمناء المكـتبات مثلا تحوى معلومات منظـمة ومنسـقة ، ولكنها لا يمكن أن توصـف بأنها عـلم . كـذلك فيوميات صـحفى أو رحالة حتى لو وضفت فى شـكل منظم منسق لا يمكن أن توصف بأنها علم إجتماع او جغرافيا .المشـكلة حين نصـف العـلم بأنـه معـلومات منظـمة ومنسـقة ، فإننا لم نحدد أى نوع من التنظيم والتنسيق نطلب فى العلم .إن تحديد نوع التـنظيم المطلوب فى العلم سيقودنا الى الميزة الأولى اللأسـاسـية للعلم على بادىء الرآى ، وهى أن المعـلومات المتوصـلة بـبادىء الرآى نادرا ما تـكون مصحوبة بتفسير . أى أنها لا تقول لنا لماذا تحكم نظرية معينة بأن وقائع معينة مثلا لها هذا المسار وليس ذاك . ففى المجتمعات التى أكتشـفت أهمـية العربة التى تجـرها العجلات فى حمل الأثـقال من مكان لآخر ، لا نجد معلومات تفســر لنا لماذا تكون لتلك العربة الخصائص التى لها . إذ لا يصحب هذا الإكتشاف معلومات عن عملية الإحتكاك مثلا . كذلك عرفت بعض المجتمعات أهمـية روث الحيوان كسماد للأرض ، ولكنها لم تعرف السـبب فى ذلك . أى أنها لم تفسـر لنا دور روث الحيوان كسـماد للأرض . كما عرفـت بعـض المجـتمعات دور بعـض الأعشـاب كـدواء دون أن تعطـينا تفسـيرا لذلك .أحيانا قد نجد تفسيرا لهذا ، مثلا قد يفسر دور عشب فى شفاء مرض القلب بأن أوراقه تشـبه القلب . مثل هذا التفسـير لا يقبل الأخـتبار التجريبى ولا علاقة له بالواقع – كما سنبين فيما بعد – وبالتالى فهو غير مقبول .إن هدف العلم هو محاولة إعطاء تفسيرا للظواهر بحيث يكون التفسير قابلا للإختبار التجـريبى ، هذا التفسـير هو فى الحقـيقة الذى ينـظم المعـلومات المتـفرقة فى نسـق. فالتفسـير العلمى يتم بإسـتنتاج وقائع متفـرقة من مبادىء مفسـرة ، هى التى تجـمع المعلومات بشـكل منظم ومنسـق . او بطـريقة أخرى ، تحاول العلوم المختلفة إكتشـاف الشـروط التى تحـدث بقتضـاها احداث معـينة . إن تحديد هذه الشـروط وصـياغـتها فى قضايا مكـتوبة ، هو الذى نسـميه " تفسيرا " للأحداث او الوقائع المذكورة . ومن أجل تحقـيق هذا الهدف لابد من عزل بعـض الخصـائص فى الموضـوع قـيد البحـث ، وبيان علاقتها المتكررة بعضها ببعض .يكون من شأن مثل هذا البيان أحيانا أن نرى علاقة بين وقائع قد لا يكون بينها فى الظاهر أى علاقة . مثلا أستطاع نيوتن من خلال نظريته التى تحوى مجموعة قليلة من المبادىء أن يبين العـلاقة بين وقائع متـفرقة ، مثل حـركة المـد والجدر ، وحركة القمر ، وحركة المقدوفات ، وإرتفاع السـوائل فى الأنابيب الرفيعة .لقد بين نيوتن ذلك حين بين إمكان إستنتاج هذه الوقائع من المبادىء التى صـاغها . لهذا السـبب نقول إن نظـرية نيـوتن تفسـر هذه الوقائع او الظواهر المتفـرقة . بالطبع لا يمكننا أن نصـل دائما الى مثل هذا النوع من التفسـير الشـامل . لكن يضل هذا التفسـير هدفا وأملا نسـعى الـيه فى كل فروع العلم . وبإختصـار يمكن أن نقـول أن العلم يتمـيز بإعطائه تفسـيرات للظـواهر وبيان العلاقات الرابطة بينها حتى تلك التى لا يبـدو أحيانا أنها مترابطة . هذا النوع من التنظيم والتنسـيق حقـيقة لا نجدها فى بادىء الرآى .2 – فرق ثانى بين العـلم وبادىء الرآى هو نتيجـة للفرق الأول . نادرا ما نجد فى بادىء الرآى أى وعى بحـدود هذا الرآى ومدى إمكانية تطبيـقه ، فرغم نجاح إسـتخدام روث الحيوان كسماد مخصب ، فإن إستخدامه عاما بعد آخر وبإسـتمرار يؤدى التربة . هذا ما لا يتبينه الإنسان إلا حين يكون لديه تفسـيرا للأسـباب التى من أجلها يؤدى روث الحيوان هذه الوظيفة ، أعنى حين نربط بين خاصية الإخصاب هذه ومبادىء البيولوجيا وكيميا التربة . حينئد نتبـين حدود إســتخدامه كسـماد . كذلك تسـتخدم الطحالب كأدوية حتى قبـل ظـهور علـم الصـيدلة . لكن لا نجد تفسـيرا للسـبب الذى من أجله تؤدى هـذه الطحـالب هذا الدور . مثل هذا التفسـير يؤدى الى الإعتـدال فى الإسـتخدام بل قد يؤدى الى الحذر من ذلك الدواء الذى قد تكون له تأثيرات جانبية مؤدية للمريض .3 - كثيرا ما نجد تناقضا فى بادىء الرآى نلحظه بوضـوح حين تصـاغ تلك الأراء أحيانا فى شكل حكم وأقوال مأثورة . يمكن القول أن أحد الدوافع فى تطور العلم ونشأته هو حل مثل هذه التناقضات ، وذلك بتقديم تفسـير نسق معلوماتنا عن الوقائع ، وبالربط بين تلك الوقائع بما يزيل التناقض .نجد أحيانا تناقضـا فى الرآى حول ما إذا كانت أكلة معينة مفيدة صـحيا ام لا ، او إذا كان سـلوكا معينا مجدى أم لا . لاننكر أن هـناك أحيانا تناقضـات فى العلـم نفسـه ، فمثلا أفترض فى بعض أجزاء الفـيزياء أن الذرات أجسـام مرنة تماما ، بينما فى فروع أخرى من العلم الطبيعى أفترض أنها ليسـت مرنة تماما . مثل هذه التناقضات قد توجد أحيانا ولكنها تكون مؤقـتة . أى يكون العلماء على وعى بـها ويحـاولون التخـلص منها بإكتشـاف نظرية مفسـرة موحدة ومتسقة منطقيا . على أى حال إن التناقضات الصارخة فى بادىء الرآى لا توجد فى العلم وليست توجد بنفس الكثرة .4 - يلاحـظ أحـيانا أن الأفكـار المتوصـل اليـها ببادىء الرآى لها قدرة على البقاء والإسـتمرار قرونا دون تغير ، بينما قد نجد النظريات العلمـية تنهار فى فترة قصيرة ، أحد أسـباب هذا يتضح فى المثال الاتى : حسـب بادىء الرآى يمكن لنا القول بأن الماء يتجـمد حين يبرد كثيرا . إن إسـتخدام كلمة " ماء " فى العبارة السـابقة غير واضح ، وهو كإسـتخدام الكلمة عند الناس العادييـن الذين لا خبرة لهم بالعـلم . إذ تسـتخدم الكلمة عندهم لتشمل سوائل متفرقة تتميز عن بعضها بخصائص فيزيوكيميائية لا معرفة للناس العادييـن بها . كذلك قد لا يطلق هـؤلاء كلمة ماء على سـوائل قد لا يكون بينـها فوارق فيزيوكيميائية هامة . فكلمة ماء تطلق على المطر وعلى ماء الينابيع وماء النهر والبحر . ولكن قد يتـردد الإنسـان العادى فى إطلاق كلـمة الـماء على العصـير المسـتخرج من الفاكهة او عرق الإنسـان مثلا . فى العبارة السـابقة نجد أيضا الكلمات " يبرد كثيرا " دون تحديد للدرجة التى يتجمد عندها الماء المذكور . من هذا المثال نخرج بالآتى :أولا : إن استخدام الكلمات فى بادىء الرآى كثيرا ما يكون غامضا لا نستطيع من خلاله أن نعرف ما هى الأشياء التى يمكن إدخالها او عدم إدخالها تحت هذه الكلمة .ثانيا : إن الكلمات غير دقيقة دقة رياضـية كافية . وبالتالى فالعـلاقات الرابطة بين الوقائع لا تكون محـددة بدقة كافية فى بادىء الرآى . نتيجة لهذا ليـس من السهل تكذيب بادىء الرآى او محاولة تغييره . فالرجل العادى يضل يؤمن بأن الماء يتجـمد حين يبرد كثيرا حتى بعـد أن يرى أن مـاء المحـيط لم يتجـمد حـين تجـمد مـاء البحـر عند درجـة حـرارة جوية معينة . على العكـس نجـد أن الكيمياء الفيزيائية لا تقنع بالصـياغة العامة للجملة السـابقة . لأن فى الكيمياء الفيزيـائية نجـد محاولة لتفسـير السـبب الذى من أجله يتجـمد مثلا مـاء الشـرب والحـليب فى درجات حـرارة معـينة بينما لايتجـمد عندها مـاء المحيط . لهذا السـبب تميز الكيمياء بين أنواع من المـاء وأنواع من التبريد .لكى تتحدد اللغة بشـكل دقيق . يلجأ العلماء الى وسـائل رياضية فى القياس والعد . وبسـبب هذه الدقة تتعرض النظريات العلمية الى التكـذيب بشـكل أقوى بكثير من بادىء الرآى ، ومع هذا فللـنظريات العلـمية أفضـلية على بادىء الرآى . ذلك أننا حـين نبنى نسـقا تفسيريا فى علم من العلوم ، فإننا فى الواقع نجمع تحت مظلة واحدة مجموعة من الوقائع متـفرقة . وعلى هذا فإن أى شـاهد مؤيد لأحد هـذه الوقائع يكون مؤيدا فى نفـس الوقـت لكـل الوقائع المرتبـطة مـع الواقعـة الأولى فى نظـرية تفسـيرية واحـدة . فمـثلا تسـتخدم معطـيات التحليل السـبكتروسـكوبى للإخـتبار فروض خاصـة بالبـنية الكيميائية لمواد مختلفة ، كما أن التجارب المتعلقة بالخصـائص الحرارية للمواد الصـلبة تسـتخدم لتأييد نظرية الضوء .5 - ذكرت سـابقا أن العلم تطور عن إهتمامات بمشـاكل فى الحياة العادية ، لكن لا يعنى هذا أن العلم فى مسـتوياته النظرية لا يرتفع فى التجـريد عن مستوى أحداث اليوم . فكما ذكرت أيضا فى السـابق ، يهـتم العلماء ( خصـوصا النظريون منهم ) بصـياغة أنساق مفسـرة تصاغ فى صورة مبادىء تبرز العلاقات بين الأحداث . وهذا هو الهدف الأسـاسى للعالم أولا وقـبل كل شـىء ، بل يسـتخدم العـلم مفـهومات مجـردة عالـية فى التجريد لحد أنها لا تعود تفهم ببادىء الرآى وحده أو الذكاء الفطرى الفج .هذه الدرجـة العالية من التجـريد ضـرورة لابد منـها فى صـياغة الأنسـاق النظـرية المفسـرة ، وهى التى تســمح بالربـط بين الوقائع المتناثرة . لهذا يعتـمد العلماء الإشارة للخصـائص البنـيوية للأشـياء والعـلاقات العامة بيـنها . الأمر الذى لا نجـده فى بادىء الرآى .6 - فارق آخـر هو اننا فى العلم نعتمد وضع النظـريات والقوانين موضع الإخـتبار والنقـد ، وذلك بتصـميـم تجارب دقـيقـة ومعـقـدة أحـيانا من شـأنها أن تبـين مـدى تأيـيد الواقع للنظـرية . بالطبع لا يعنى تاييد الواقع صدق النظرية – كما سنبين – لكن التاييد الناتج عـن التجـارب المتكـررة يعطى النظـرية صـلاحـية فى التطـبيـق وفى التفسـير لا توجـد فى أفكـار بادىء الرآى .

ليست هناك تعليقات: