14‏/10‏/2008

المذهب الظاهرى والمنطق (مقدمة )

المذهب الظاهرى والمنطق عند ابن حزم
مقدمة
من الملاحظ بشكل عام أن الباحثين المهتمين بالفكر الإسلامي التجريدي يتوجهون في دراساتهم وبحوثهم إلى دراسة الإنتاج الفكري الذي تم على أيدي من قد نسميهم "الفلاسفة الرسميين" مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد ، وبالخصوص إلي إنتاج هؤلاء " الفلاسفة" الذي يسايرون فيه بشكل أو آخر عمل "فلاسفة"اليونان ، ليس فقط في نوع المواضيع المعالجة ، بل وفي أسلوب المعالجة وطريقة التعبير واختيار المفردات .هذا التوجه بل أقول التفضيل من قبل الباحثين المعاصرين يعود إلى اعتبار أن هؤلاء "الفلاسفة" هم الممثلون الشرعيون "للفلسفة" الموروثة من اليونان ، وحيث أن "الفلسفة" كما ورثت من اليونان تمثل في رأى عامة مؤرخي الفكر اعلي مستويات التجريد الفكري بل والعلمي ، فليس غريبا إذن أن نري هذا التحيز الواضح نحو دراسة من أسميناهم "فلاسفة"الإسلام الرسميين . وأيضا فان التركيز على هؤلاء "الفلاسفة" كلما ابتدأ باحث في دخول الفكر الإسلامي ، يعطي للدارسين فرصة تقييم منجزات المفكرين المسلمين وذلك بمقارنة ما تم على أيديهم من فكر وما أخذوه من مفكري اليونان، أو إنكار إنجازات المسلمين عند مقارنتهم بأعلام الفكر اليوناني . كذلك فالتركيز على "الفلاسفة" الرسميين يفتح للباحثين باباً آخراً لتقييم إنجازات المسلمين وذلك بمقارنة ما تم من فكر ضمن حضارة العرب والإسلام من ناحية ، ومدى تأثر أوروبا اللاتينية بهذا الفكر ، بل والحد الذي ساهم فيه الفكر العربي في نهضة أوروبا .على أننا نري اتجاهاً آخراً في البحث العلمي المهتم بالفكر العربي الإسلامي يخرج عن هذا الاتجاه السابق . فهو يهتم بنوع آخر من المفكرين المسلمين لا ينتمون إلى "الفلاسفة" الرسميين ، أعني الفقهاء ، وقد ظهر هذا الاتجاه في بحث الفكر الإسلامي لأول مرة في العالم العربي . يبدو أن أول من نادي به الشيخ مصطفي عبد الرازق في كتابه "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية "(1) ، وكان من أهم من تبعه في ذلك تلميذه الدكتور على سامي النشار في دراسة لنيل درجة الماجستير نشرت بعنوان "مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي" (2) .
رغم مضي فترة طويلة على ظهور هذين البحثين فان هذا الاتجاه ما زال ضعيفا ، ولم يلق العناية المطلوبة والمرجوة حتى الآن . اعتقد إن هذا الاتجاه الأخير هو من الأهمية بحيث لا يجب أن يبقي ممثلا للأقليّة القليلة ضمن الدائرة الواسعة التي تشمل الباحثين في الفكر العربي الإسلامي الآن . وذلك أن فكر الفقهاء يعتمد أولا في مادته على تقاليد وأفكار هي في أصلها إسلامية ، وتنتمي حضاريا إلى المنطقة الجغرافية التي تغطي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا . وكذلك فهو يعتمد اللغة العربية كعنصر أساسي لا هامشي بالنسبة للفكر العربي . وعلى هذا فان من الضروري أن نري المدى الذي ذهب إليه هؤلاء المفكرون ، اعني الفقهاء ، في تفكيرهم في القانون الإسلامي وفي اللغة العربية ، وما هي الأدوات التي ارتأوا أنها ضرورية لهم من اجل فهم أفضل لموضوعاتهم . وحيث أن الأبحاث القليلة التي تمت للان في هذا الموضوع والذي اسماه هؤلاء الفقهاء "أصول الفقه" تشير إلى فكر ناضج متعدد الاهتمامات ، كان واجبا ان نستكمل فهمنا لجذورنا الفكرية لدراسة هؤلاء المفكرين المهملين نسبيا .ليس يعني هذا الاهتمام بفكر الفقهاء إننا سندرس فكرا منعزلا. إذ لا شك أن جزاء (ولعله الجزء الكبير ) من أفكارهم قد تسربت لأوروبا اللاتينية عن طريق الترجمات الشفوية أو حتى الكتابية ، وقد تم ذلك عن طريق الأندلس . هذه نقطة لم تدرس للان ، ونتمنى أن يوليها الباحثون عنايتهم . يكفي أن نقول إن بعض ما قاله المفكرون اللاتين حول اللغة يقترب كثير من آراء الفقهاء في هذا الموضوع(3) . وأيضا فان بعض الباحثين من ناحية أخري يؤكدون تأثر الفقهاء بالفكر الرواقي اليوناني بل والارسطي . وسيري القارئ من خلال هذا الكتاب شيئا من هذا الأثر .
إن أهمية الأندلس وشمال إفريقيا لا تقتصر في رأينا على مجرد كونها طريقا لانتقال الفكر العربي الإسلامي لأوروبا ولا أكثر من ذلك . فالأندلس وشمال إفريقيا (أو الغرب الإسلامي) كان لهما دورا هاما في إحياء وتطوير الفكر الإسلامي ، سواء في بداية نشأة الفكر العربي في الغرب الإسلامي ، أو عندما ابتدأت الحياة الفكرية في المشرق الإسلامي في الغروب . هذا الموضوع أيضا لم يلق العناية الكافية من الباحثين في الفكر العربي الإسلامي وما زال فكر المغرب الإسلامي يدرس لحد كبير باعتباره مجرد وسيلة لفهم ما نقل لأوروبا عن طريق الأندلس من حضارة العرب والمسلمين ، دون تركيز على ما تم في منطقة شمال إفريقيا والأندلس نفسيهما من إنجازات هي في حد ذاتها إضافة بارزة للفكر الإسلامي العربي .
في دراستنا التي نقترحها سنحاول أن نبدأ في سد بعض الثغرات في موضوع أصالة ونضج فكر الفقهاء ومدي ما قدمه الغرب الإسلامي للفكر العربي الإسلامي . وقد وجدت من الأنسب أن يكون بحثي محددا ، خصوصا إن الدراسات المركزة المفصلة في هذين الميدانين ما زالت قليلة جدا . وقد اخترت لذلك مفكرا وفقهيا يعد في طليعة مفكري المغرب الإسلامي ألا وهو علي بن حزم ( 384- 456 هـ) وكان تركيزي حول عمله في حقل المنطق بوجه خاص . لقد كان على من اجل فهم دقيق وواضح لموقف ابن حزم أن ادرس إسهامات ابن حزم في هذا الميدان في سياق مذهبه الظاهري الفقهي الذي كان بلا شك ماثلا ومؤثرا في تفكير ابن حزم عندما كتب في المنطق . وقد وجدت أيضا أن عمله في حقل المنطق وكذلك مذهبه الظاهري كانا وليدا ظروف الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشها مفكرنا الاندلسي .وقد شكلت هذه الظروف نظرة ابن حزم العامة لكل الجوانب والمواضيع الفكرية التي عرفها في وقته . لذلك فدراستي ستكون شاملة لكل المواضيع المذكورة هذه .
لقد قسمت الدراسة إلى ثلاثة أبواب :
الباب الأول وعنوانه : حياة ابن حزم واهتماماته الفكرية يتكون من أربعة فصول .
تناولت في الفصل الأول حياة ابن حزم في ظل البيئة الاجتماعية والسياسية ، بدءا من الطفولة حتى وفاته. واستعرضت الأزمات الرئيسية التي مرّ بها والدور السياسي الايجابي الذي لعبه في الحياة السياسية في عصره ، والأغراض التي كان يطمح إلى تحقيها من وراء ذلك .
وفي الفصل الثاني تناولت مراحل تعليم ابن حزم ونموه الفكري وقسمتها إلى ثلاث مراحل : مرحلة التلقين والأخذ ثم المناظرة وإبداء الرأي وأخيرا التأليف والدعوة للمذهب الظاهري الذي اعتبرته احد مظاهر تجديده واستقلاله الفكري .
في الفصل الثالث وعنوانه:"شخصية ابن حزم" قمت بتحليل الجانب السيكولوجي (النفسي) لشخصية ابن حزم معتمداً في ذلك علي ما يقوله عن نفسه بالذات .
في الفصل الرابع وعنوانه: " اهتمامات ابن حزم الفكرية " رأيت انه كي نفهم سبب اهتمامات ابن حزم ببعض العلوم دون بعض لابد من تصنيف اهتماماته الفكرية حسب المواضيع المعالجة فيها . لذلك ابتدأت في هذا الفصل بالتمييز بين العلوم الإسلامية أي المعروفة في العالم الإسلامي في عصر ابن حزم والعلوم اليونانية (أي الموروثة عن اليونان) ومن خلال هذا التمييز ألقيت نظرة علي الموضوعات أو العلوم التي وافق عليها ابن حزم وأهتم بالكتابة فيها ثم انتقلت إلى الإشارة لوجهة نظره أو رأيه في العلوم التي لم يعالجها وما أوصي منها بمعالجتها .
أجمالا لقد كان اهتمامي في الباب الأول يتلخص في المحاولة للقيام بمسح شامل للجوانب المختلفة الممثلة لشخصية ابن حزم والمنازع الفكرية التي اختار الكتابة فيها ومناقشتها وتلك التي تجنبها ومدي معرفته بهذه كلها وما لكل ذلك من دلالات فكرية .
الباب الثاني وعنوانه : المذهب الظاهري . وينقسم إلي فصلين،تحدثت في الفصل الأول عن نشأة المذهب الظاهري في المشرق ومن خلال المعلومات التاريخية القليلة حاولت رسم صورة لهذا المذهب كما نشأ علي يد داود الاصفهاني . ثم شرحت كيفية انتقال المذهب إلي الأندلس وإحيائه وتطويره علي يد مفكرنا ابن حزم . لقد ذكرت في هذه المعالجة بعض الرجال الذين أثبتت المصادر التاريخية دورهم في انتقال المذهب إلي الأندلس . ولما كان اهتمامي الرئيسي بالمنطق وعلاقته بالمذهب الظاهري عند ابن حزم فقد اقتصرت الحديث في الفصل الثاني من هذا الباب أي (المذهب الظاهري الحزمي) علي ذكر الخصائص العامة للمذهب الظاهري والمناهج الاستدلالية التي يقبلها ابن حزم في مذهبه ويعمل بها . وفي هذا السياق تحدثت عن نفي ابن حزم للقياس الفقهي وعلاقته بنفيه للتقليد وأخيرا إقامته لما يسميه الدليل البرهاني
أما الباب الثالث وعنوانه : اللغة والمنطق . فقد قسمته إلي خمس فصول .الفصل الأول يتعلق باللغة ، ويحوي آراء ابن حزم وملاحظاته حول البنية اللغوية ونظريته في اصل اللغة وعلاقة ذلك بمذهبه الظاهري . أما بقية الفصول (الثاني والثالث والرابع والخامس) فقد قمت فيها بمسح شامل لمنطق ابن حزم من خلال كتابه الوحيد في المنطق "التقريب" .ألقيت في الفصل الثاني نظرة عامة على مفهومه للمنطق والدور الذي يريده له ابن حزم . في الفصل الثالث تحدثت عن "المقولات "أو الأسماء المفردة ، بتعبير ابن حزم ، وألحقت ذلك بمبحث التعريف ومبحث ما بعد المقولات . في الفصل الرابع خصصت الحديث عن الأخبار أو العبارة . أما الفصل الخامس وعنوانه "البرهان " فقد تناولت فيه الاستدلالات القياسية وأشكالها والقضايا الشرطية بنوعيها المتصل والمنفصل ثم بعض الموضوعات المتعلقة بالاستدلالات الباطلة الداخلة في السفسطة والجدل ، وأخيرا ملاحظات ابستمولوجية حول العلوم ومقدماتها واليقين فيها . وفي نهاية الدراسة وضعت خاتمة قصيرة دونت فيها بعض النتائج الهامة التي خرجت بها من كل ما ذكرت (1)
د .عبد القادر الفيتورى –الجامعة الليبية
للحصول على نسخة ورقية ( المكتبة العالمية - طرابلس )

ليست هناك تعليقات: