14‏/10‏/2008

مح ( 2 ) اكتشاف الفروض والنظريات

( محاضرة 2 ) – منهج البحث العلمى(1 ) - إكتشاف الفروض والنظريات .Discovery of Hypotheses and Theories.

    لبيان الجوانب الهامة فى طرق البحث العلمية ، سأبدا بمثال مبسط ، يتعلق ببحث طبيب فى حمى النفاس والذى جاء نتيجة تجاربه فى أحدى مسـتشفيات فيينا فى عام 1844 – 1848 م . لاحظ الطبـيب أن عدد كبير من النسـاء اللآتى يلدن فى جناحه يصبن بحمى تنتهى فى كثير من الأحيان بالوفاة . فى عام 1844م ماتت بهذه الحمى 260 سيدة من مجموع 3175 أى بنسبة 8,2 ./ . وفى عام 1846م بلغت النسبة 11,4 ./. الغريب أن نسـبة الوفاة بهذه الحمى فى جناح مجاور لم تتجاوز 2,7 ./.بدأ الطبيب بحثه عن سـبب الحمى بأن نظـر أولا فى التفسـيرات التى كانت موجودة فى وقته لأسـباب الحمى . حسب أحد التفسيرات وصفت الحمى بأنها نتيجة وباء يتعلق بالجو والتغيرات الكبريتية فيه . وأن هذا الوباء ينتشر فيصيب مناطق بأكملها .أسـقط الطبيب هذا الرآى او الفرض من حسـابه ، لأنه لو كانت الحمى وباء لأصابت الجناح المجاور لجناحه بنفس النسبة او قريب منها . عدا عن كونه لم تكن فى فيينا كلها إصابات بها سوى ذلك الجناح وحده .حسـب تفسـير آخر أرجعت الحمى الى الزحام . لكن الطـبيب أسـقط هذا الفرض من حسابه أيضا ، لأن الجناح المجاور كان أكثر زحاما ، خصوصا أن السيدات بدأن يخفن من جـناحه ويهربن للجناح المجاور . كذلك أسـقط الطـبيب فرضـين آخـرين يعزوان الحـمى الى نوع الأكل والعناية الطبية .فى عام 1846 م عينت لجنة لبحث الموضوع . خرجت اللجنة برآى مؤداه أن سـبب الحـمى والوفاة منها يرجعان الى جروح تصاب بها السـيدات ، لأن الطـلبة الذين يؤدون فترة التمرين بالمسـتشفى يكشـفون على السـيدات بطريقة غير سـليمة لنقص فى خبرتهم وتكوينهم العلمى . ردّ الطبيب على هذا بأن الجروح التى تنجم عن عملية الولادة أوسع وأكـثر من الجـروح المتسـببة عـن الكشـف من قبل الطـلبة ، وأن الطلبة يكشـفون على السـيدات فى الجناح المجاور بنـفس الطريقة . تم أنه أنقص عدد الطـلبة الى النصف فى جناحه وفى المقابل زادت نسـبة الإصـابة بالحمى والوفاة .أقترح البعض أسبابا نفسـية فقالوا بأن القسـيس الذى يحضر قبل الوفاة يسـبقه شخص يدق جرسا . وأن القسـيس يمر بديوان طويل قبل وصوله فتسمع النساء صوت الجرس فيفـزعن . على أثر ذلك طـلب الطـبيب من القسـيس أن يدخـل دون دق الجـرس . لكن الإصـابات بقيت بنفـس النسـبة . أقترحت أسـبابا أخرى ، لم يكشـف اى منها عن سـبب الإصابة .أخيرا وفى أوئل عام 1847 م كشـف حادث الحـل للطـبيب . فقد جـرح زميل له فى إصبعه حـين كان يجرى عملية تشريح ، ومات بعد مرض مؤلم . أثناء المرض ظهرت عليه نفس الأعراض التى لاحضها الطبيب عند السيدات المذكورات .
    رغم أن دور الميكـروبات لم يكن معـروفا بعـد فى مثـل هذه الإصـابات . فقد ضمن الطـبيب أن مـادة توجد فى جثث الموتى جاءت من الجـثة المشـرحة ودخـلت دم زمـيله وقتلته . وأن نفـس هـذه المادة لابد أنها دخـلت دم النسـاء المتوفـيات فى جـناحه وسـببت لهن الحمى القاتلة .وقد لاحـظ أنه وزملائه والطـلبة كانوا يدخلون مباشـرة للجناح المذكـور بعـد إجـراء التشـريح فى غـرفة مجاورة ، وأنهم كانوا يغسـلون أيديـهم بطـريقة عـفوية قـبل كشـفهم على النسـاء . اقترح الطـبيب أن يغسل الجميع أيديهم بمادة كيماوية مطهرة بعد التشريح وقبل الكشف .أثر ذلك نزلت الإصـابة الى 1,27 ./. كانت هذه أول محاولة له لإخـتبار فرضـه . وقد كانت نتيجتها إيجابية .وفى محـاولة البحـث عن أسـانيد أخرى لفرضه ، تبـين له أن السـيدات فى الجـناح المجاور ، الـذى كانت فـيه نسـبة الإصـابة منخفـضة ، كن يضـعن بمسـاعدة مولـدات وهؤلاء لم يكن يقمن بالتشـريح .على أن الطـبيب لم يقف عند هذا الحـد فى فرضـه ، بل توسـع فيه حين كشـف مرة على سـيدة مصابة بالسـرطان وتوجـه بعـدها مباشـرة وكشـف على 12 سـيدة فى نفـس الغرفة بعـد أن غسـل يديه دون عـناية . ماتت على أثر ذلك 11 إمرأة من نفـس الحمى .
     تأدى الطـبيب من ذلك الى القـول بأن الحـمى قد تأتى عن مادة عـفنة آتـية من كائنات حـية وليـس فقط من جثث الموتى .لنأخد مـثالا ثانيا مخـتلفا . كان معروفا أيام ( جاليليو ) أن المضخة العـادية لا ترفع الماء أكثر من 10,3 مترا فوق سـطح ماء البئر . حاول جاليلو تفسير تلك الظاهرة دون نجاح . بعد موته قـدم تلميذه ( توريشللى ) حلا عام 1644 م . أفترض توريشللى أن الأرض محاطة ببحر من الهواء . هذا الهواء له ثقل ، وبثقله هذا يضغط على السـطوح التى بأسـفله ، وبالتالى فهو يضغط على سـطح ماء البئر .ما تفعله المضخة أنها تخـلـق فراغا فى أعلى أنبوبتـها ، ولذلك يرتفـع المـاء فى تلك الأنبوبة . إن طـول عـمود المـاء فى المـضخة ( وهو 10,3 ) يسـاوى ضـغط الهـواء الجوى على سـطح البئر . لكى يتأكد توريشللى من صدق فرضه لابد أن يختبره بالواقع . وحيث أنه لا يستطيع ذلك بطريق مباشر ، لجأ الى الطريقة التالية : إذا كان الفرض القائل بأن الأرض يحيط بها بحر هوائى يضغط على السطوح بأسفله ، فإن هذا الضغط سـيرفع أيضا عـمود من الزئبـق فى أنبوبة مدلاه فـوق إناء مـملؤ بالزئبـق ، وحـيث أن الكثافة النوعية للزئبق تزيد 13,5 مرة على الكثافة النوعية للماء ( أى وزن متر مكعب من الزئبـق يزيد 13,5 مرة على وزن متر مكعب من المـاء ) ، فإن عمود الزئبـق لابد أن يكون طوله 76 سم .وقد وجد بالتجربة أن هذا صحيحا فى تجـربة كان نتيجتها إكتشـاف البارومتر . وقد حاول باسكال التأكد من فرض توريشللى بتجربة من نوع آخر ، وذلك بأن أختبر نتيجة تلزم عن ذلك الفرض ، وهى أنه إذا كان عمود الزئبـق يرتفع فى الأنبوبة بفعل ضغط الهواء ، فلابد أن يقـل إرتفاع الزئبـق فى الأنبوبة كلما أرتفعنا عن سطح الأرض . ذلك لأن وزن الهواء يصبح أقل .بطلب من ( باسكال ) قاس ( بريه ) عـمود الزئبـق وهـو على سـطح الأرض قرب جبل إرتفاعه 150 متر . تم حمـل البارومتر الى قمة الجبـل وقاس طول عـمود الزئبق فوجد أنه أقصر 8 سنتيمترات من طوله عند قاعدة الجبل .

   واضح أن الإكتشاف فى العلم يقوم على : معين لمواجهة مشكلة معينة . hypotheses 1 – تقديم فرض 2 - محاولة إختبار الفرض للتأكد من صحته . لكن كيف نصل الى الفـروض ونكتشـفها . 
    واضـح مما ذكـرت أن نقـطة البـداية فى البحـث العـلمى هى المشـكلة . والمشـكلة ( موقف واقعى ونظرى ) لا يفـهم ولا يمكن مواجهته بما لدينا من معـلومات أو نظريات . وظيفة العالم تتلخص فى فهم المشكلة وما قـيل عنها لكى يعرف ما قدم من حـلول لها غير ناجحة . ثم على العالم أن يقدم حلا أو فرضا أو نظـرية جديدة توضح لنا الموقف المشـكل وتحله .المشكلة إذن تحدد أولا فى مجال البحث العلمى . فهى تعطى العالم الفرصة للتركـيز ، لان العالم بفكره المحـدود لا يمـكنه مواجـهة الأشـياء دفعـة واحـدة . والمشـكلة ثانـيا توجهنا بشكل عام نحو الفرض المطلوب . فإذا طابق الفرض الواقع فى تجربة أو أكثر قبلناه ولو مؤقتا . وإن لم تؤيده أستبدلناه بغيره ، وهكذا حين نقدم فرضا جديدا بعد فشـل الأول .
     سنأخد فى الإعتبار أن ظواهر معينة لا علاقة لها بالمشكلة ، وبالتالى سـنحاول إسـتبعادها عـند تقـديم الفرض الجـديد . وحتى لو لم يؤدى بنا الفرض الجـديد الى حل ، فإننا نكون قد تعلمنا شـيئا . لأننا نعـلم اللآن أن ما ضنناه من الظـواهر مرتبطا بالمشكلة ليـس كذلك . وهذا نوع من التقدم نحو الحل . مشكلة ---- فرض (1) ---- إختبار ونقد ---- فرض (2) ... الخ .
    المشـكلة هى التى تحدد لنا أى الحلول ناجح وأيـها فاشل . فى المثال الأول كانت المشكلة هى مرض معين له ظواهـر معينة ، حـين ربط الطـبيب بين المرض والأسـباب التى قيـل أنـها تؤدى اليه وترتـبط به ، لم يتمكن من إيـقاف المرض ، أى حل المشـكلة . عنـدئد أسـتبعد تـلك الأسـباب ، وهذا فى حـد ذاته تقـدما نحو حـل المشـكلة كما قلت وإن لم يكن حلا . لقد أكتشـف الطبيب الفرض الذى أعتبره سليما فى ضوء المشكلة التى شـغلته. فموت زميله قد لا يثـيره فـكريا . ولكن بسـبب إنشـغاله فى مشـكله معينة أسـتطاع الربط بين واقعتين : واقعة ظهور الحمى عند السيدات الوالدات ، وواقـعة إصـابة زمـيله بنفـس الحمى . ثـم فى ضـوء فرضـه بدأ يجـمع وقـائع معـينة لإخـتبار الفرض والتأكد من سلامته . هذا أيضا ما فـعله فى كل مرحـلة من مراحـل بحثه . فمثـلا حـين خـمّن أن جـرس القسـيس قد يكون سـبب الإصـابة بالحـمى ، توجـه إنـتباهه الى ما سـيقع لـو أن جـرس القسـيس لم يدق . إذ ما سـيقع حينئد سـيكون متـعلقا بالفرض . أما تـنظيف الأيدى بمادة كيـماوية وبعد التشـريح فهى واقـعة لا تـتعلق بذلك الفـرض بعـينه . ومن تم لم يوجـه الطبيب نظره إليها .السؤال اللآن : أى الوقائع هى التى نقول أنها تتعلق بالفرض ؟
    واضـح من الأمـثلة أن الوقائع المتعـلقة بالفرض هى التى يمكن إسـتنتاج حدوثـها او عدم حدوثها من الفـرض . مـثلا أسـتنتج توريشـللى من نظريته فى وجـود ضغظ جـوى على السطوح فوق الأرض ، بأن ذلك الضغط سـيؤدى الى رفع عمود الزئبق فى أنبوبة بمقدار 76 سم ، وقد تبين بالتجربة أن هذا هو فعلا طول عـمود الزئـبق . لذلك نقول أن واقعة إرتفاع الزئبق فى الأنبوبة بمقدار 76سم تتعلـق بالفـرض إيجابا أى تؤيده . أما لو أنخفـض عمود الزئبق أو بقى كما هو فسنقول أن الواقعة تتعلق بالفرض سلبا أى تنفيه .لم نتبين حتى الآن عـما إذا كانت هـناك طريقة للوصول الى الفـرض فى العـلم تحل المشاكل عملية او نظرية . بالطبع ليست هناك طريقة آلية نطبقها لتوصلنا الى الفروض . إذ تبقى القـدرة على الأخـتراع الذهـنى المعـتمد على الخـيال والموهـبة عاملا هاما فى الإكتشـاف . على أن هناك عوامل تسـاعد على تنشـيط الخـيال وتنمـيته . مثـل الخـبرة الطويلة فى بحث معين ، والتركيز الذهنى الدائب فى البحث العلمى ، خصوصا إذا كان ذلك فى ميدان متخصص أو فى حل مشاكل من نوع معين . كذلك فقـرأت العالم تعطيه الفرصة للإسـتفادة من خبرات الغير فى حل المشـاكل العـلمية ، أو فى رؤية وجه الشبه بين مشـكلة معينة سـبق حلها ، والمشـكلة التى يواجهها . كذلك هناك عوامل إجـتماعية للإكتشـاف العلمى لا شـك فى أهميتها ، أعنى إنتماء العالم الى مؤسسة علمية أو مجتمع يسـاعد ويشـجع على البحـث ويحـض عليه . مما يؤدى الى خلـق جـماعة عـلمية تهـتم بالبحـث فينشـأ بينـها التنافـس والتعـاون معا . لكن إذا كان العـلم يعتـمد على الخـيال فى الإكتشاف ، فهل يعنى هذا أنه لا يختلف عن باقى الأنشـطة الفكرية ؟هـناك فارق أسـاسى بين العـلم وغـيره من الآفـاق الفـكرية ، وهو أن فروض العـلم تخضع لأنواع من النقـد والتحقـق التجريبى ( سنشير لها فيما بعد ) تختلـف فى طبيعتها عن غيرها . من المهم ان أضيف هنا الى أن القدرة على الإخـتراع الذهـنى تلعب دورا هاما ليـس فقـط فى إكتشـاف الفـروض ، بل وفى إسـتنتاج النتائـج المتعـلقة بالفـروض . فنحن نعـلم من عـلم المنطق أنه من أى قضـية يمكن إسـتنتاج عدد لا متناه من القضايا . وبالتالى فليسـت لدينا وسيلة آلية للإستنتاج من فرض معين النتائج التى تكون ذات دلالة ومتعلقة بالفرض ، كما هو الحال فى إسـتنتاج توريشـللى الذى أداه لإكتشـاف البارومتر . ومع هذا فبالإمكان القول أن الإطلاع على ما فعله الغـير فى ذلك الشأن يشـحد الذهـن ويوجهه .يقال أحيانا أن النظريات العلمية تستنتج مباشـرة من الشواهد التجريبية . حسب رآى البعض ، هـناك أربع مراحل فى البحث العلمى :
    1 - المشاهدة وجمع كل الوقائع .
   2 - تحليل وتبويب الوقائع .
    3 - إستنتاج قضايا عامة من الوقائع المحللة .
   4 - إختبار تلك القضايا العامة بالوقائع مرة أخرى للتثبت منها .
   إذا نظرنا للمرحلة (1) نجـد أولا أن جمع الحقائق كلها غير ممكن . فهى لامتناهية العدد ومتعددة الأنواع . فأى الوقائع هى التى نريد .كما قلـت أننا نبحث عن وقائع تتعلـق بالفـرض ، وبالتالى فالفـرض الذى وضع لحل مشكلة معينة ، والمشكلة نفسها هما اللذان يحددان ما نريد من الوقائع ، وحتى المشاهدة نفسها فهى لا تكون دائما ذات أهمية إلا فى ضوء مشكلة معينة نريد حلها . لو قلت الآن : شـاهدوا ، فلابد أنكم ستجيبون : نشـاهد ماذا ؟ لابد لتوجيه الذهن نحو وقائع معينة ، أن تكون لدينا مشكلة معينة وفرض معين وضع ولو مؤقتا لحلها .
     لو نظرنا للمرحلة (2) سنجد أنفـسنا نتسأل أى التبويب والتحليل نتبع ؟ فقد لا يكون لتـبويب ما أى علاقـة بالبحـث الذى نقـوم به . كان بإمكان الطـبيب فى المثال الأول أن يصنف النساء حسـب سـنهم ، أو عاداتهم فى الأكل ، أو الأمراض التى أصـيبوا بها فى الماضى . ولكن كل هـذه التصـنيفات لم تكن لتفـيده . التصـنيف الـذى قـدم له الحـل هو تصـنيف النسـاء فى ضوء فرضه ، الى أولئـك الذين تم الكشـف عليـهن من قـبل أطباء ملـوثى اليـدين ، وأولئـك الذين لم يكشـف عليهـن من قبلـهم . التـبويب يتم بتوجـيه من نظرية ، وبدونه يصبح التـبويب عملا طويلا لا نهاية له . أى ينتـهى الى وضع قـوائم لا نـدرى ما فـائدتـها . وهـذا ما يحـدث أحـيانا فى مكاتب الإحصاء حـيث تعـد قـوائم كثيرة وتصـنيفات دون إعتبار لمشـكلة معـينة ، وقد لا يكون لاى منها أى دلالة فى حل مشـكلة معينة بذاتها .
     أما المرحلة (3) أى إسـتدلال قضية كلـية من الجزئيات ، فسـنعود لها حـين نتكلم على تبرير الفروض .
    أما بالنسبة للمرحلة (4) فهى تتعلق بإختبار الفروض كما ذكرنا وهذا عمل أساسى فى العلم لا مجال للشك فى أهميته .

ليست هناك تعليقات: