14‏/10‏/2008

مح (3) اختبار الفروض والنظريات

- إختبار الفروض أو النظريات وتبريرها -
يتم إخـتبار الفـروض العلـمية بأن نضعها كمقدمات تأخد شـكل قضايا كلية ، مثل : المغناطيس له قطبين شمالى وجنوبى ( بمعنى أن كل مغناطيس له القطبين المذكورين ) . والرصاص يتمـدد بالحـرارة ( أى كـل قـطعة رصاص تتمدد بالحـرارة ) . من هـذه الفروض أو القضايا الكلية نسـتنتج قضايا مفردة تصف وقائع محددة زمانا ومكانا . مثل هـذه القطـعة المغناطيسـية التى أمامى الآن لـها قطـبين شـمالى وجنوبى . هـذه القضايا المفـردة هى التى نطابقـها بالواقـع ، لأن الواقـع يتكون من وقـائع مفصـلة متحـددة . إذا كذبت هذه القضايا المفـردة المسـتنتجة ، أى إذا لم تطابق الواقـع ، سـنقول بأن القـضية الكلية ( أو الفرض العلمى ) المستنتجة منه كاذب . ذلك أن لدينا فى المنطق قانونا يقول : أن كذب النتائج يؤدى الى كذب المقدمة او المقدمات التى أسـتنتجت منها النتائج . أما إذا صـدقت النـتائج ، أى إذا طـابقـت الواقـع ، فلا يعـنى هـذا أن المقدمـات صـادقة بالضرورة . فقد تكون المقدمة (او الفرض العلمى ) صادقة وقد تكون كاذبة . ذلك أن المنطق لا يسـمح لنا بالقـول بأن النتيجـة الصادقة تعـنى بالضرورة أن المقدمة صادقة . فقد نسـتنتج نـتائج صادقة من مقـدمات كاذبة . وحتى لو أسـتنتجنا عـدد كبير من النـتائج عن فـرض معـين ، فلا يعـنى هذا أن الفـرض صادق ضرورة ، فمثلا فى مثال الحمى التى تصيب السـيدات الوالـدات أفـترض الطـبيب ان دق جـرس القسـيس قد يكون سـبب الإصابة ، ولإخـتبار فرضه أفـترض أن عدم دق الجرس سـيخفض الإصابة أو يقـضى عليها . أو إذا وضعنا هذا فى شـكل إستدلال فسـنقول : - إذا كان سبب الحمى دق الجرس ، فإن عدم دق الجرس سيقضى عليها .- عدم دق الجرس لم يقضى على الحمى . - إذن سبب الحمى ليس دق الجرس .أو بالرموز : إذا كان ق فإن ل ليس لإذن ليس قهـذا الإسـتدلال صـحيح منطـقيا . ومنه يتـبين أن بالأمكان بيان كذب فرضنا إذا كذبت نتيجة معـينة أسـتنتجناها منه ، أى إذا لم تطابق تلك النتيجـة الواقع المشـاهد . لكن حـين أفـترض الطـبيب أن سـبب الحمى مـادة آتـية من جـثث الموتى تدخـل الدم وتسـممه أخـتبر فرضه كالأتى : - إذا كان سـبب الحمى مادة آتية من الجثث ، فإن التطهير بمادة كيـماوية قاضية على تلك المواد سـيقضى على الإصابة . - التطهير بمادة كيماوية تقضى على الحمى . - إذن سبب الحمى مادة آتية من الجثث .أو بالرموز : - إذا كان ق فإن ل .- ل- إذن ق . هذا الإستدلال غير صحيح منطقيا . فصدق النتيجة لا يعنى صدق المقدمة بالضرورة . وكما تبين للطـبيب فيما بعـد أن الفـرض بأن سـبب الحمى مادة آتية من الجثث لم يكن صادقا ، لأنه عرف من تجربة تالية أن المادة العفنة الآتية من خلايا حية ( السرطان ) تسبب الحمى نفسها .وكما قلت أن إسـتنتاج عـدد كبير من النـتائج الصادقة عن فـرض معـين لا يعنى أن الفرض صادقا ضرورة . فالإسـتدلال التالى أيضا غير صحيح منطقيا :- إذا كان ق فإن ل1 أو ل2 أو ل3 ....الخ - ل1 و ل2 و ل3 .....الخ - إذن ق لايعنى هذا أننا نضيع وقتنا فى البحث عن شـواهد صـادقة نسـتنتجها من فـرض معين . فإن أى شاهد جديد نبحث عنه ويكون مستنتجا من الفرض قد يؤدى الى تكذيب الفـرض إذا كان شـاهد كاذبا . هناك بالطبع طرق للتنويع فى مثل هذه الشواهد سـنشير اليها . فإذا طابقت كل الشـواهد المسـتنتجة المنوعة الواقع ، قـلنا أن للفـرض ( الذى أستنتجت الشواهد كلها منه ) سـندا من التجربة ، أو أن التجربة تؤيده أو تعضده .واضح مما سبق أن طريقتنا فى الإختبار أو التبرير أن نضع فرضنا كمقدمة نستنتج منها منطقيا قضية أو قضايا جزئية نطابقها بالواقع لنعرف صدق أو كذب النتائج . وأن نتيجة هذه المطابقة هى التى تجعلنا نعضد الفرض او نكذبه .هذا الأسـلوب فى التبرير هو الذى نسميه المنهج الفرضى الإستنباطى . لابد أن أقول هـنا أن كلـمة منهـج هنا تشـير لا الى المنهـج كطـريق للإكتشـاف العلـمى ، بل كطـريق للأختبار والتبرير . ولكن ما القول فى طريقة التبرير التى تسمى عادة بمنهج الإستقراء ( أو أحيانا منطق الإستقراء ) ؟ حسـب منهج الإسـتقراء نسـتنتج الفـرض العلـمى ( أو القضية الكـلية ) من شـواهد عيـنية أو قضايا مفـردة . فمثلا لتـبرير الفـرض القائل أن الإبرة المغناطيسية إذا علقت من وسطها فإن أحد طرفيها سـيتجه نحو الشـمال والآخر نحو الجنوب . سنستخدم الحجة الإستقرائية الآتية : - الأبرة المغناطيسية (1 ) التى أمامى الآن علقت من وسطها وأتجه أحد أقطابها للشمال .- الأبرة المغناطيسية (2) التى أمامى الآن علقت من وسطها وأتجه أحد أقطابها للشمال .- الأبرة المغناطيسية .....الخ ----اذن كل أبرة مغناطيسية إذا علقت من وسطها أتجه أحد أقطابها للشمال . إن النتـيجة هنا لا تلزم عن المقـدمات . فالنتيجة أعـم من المقـدمات ، وتكون كذلك مهـما جمعنا من الأبر المغناطيسـية فـوق ظهر الأرض . فـقد توجـد أبر مغناطيسـية لم نشـاهدها تتصرف بطريقة مغايرة . أو قد تكون وجـدت فى الماضى أو قد تكون أبر فى المسـتقبل تتصرف بطريقة مختلفة . وأيضا فإنه لو كذبت المقدمات أو المقدمة فلا يعنى هـذا كذب النتيجة ، لأن النتـيجة الصادقة قـد تستنتج من مقدمة صادقة او كاذبة . مشكلة الإسـتدلال الإسـتقرائى وتحـت أى ظـروف يـتم مشـكلة قـديمة وتسـمى عـادة مشـكلة الإستقراء .من الطرق المتبعة عادة لتبرير النتائج من مقدمات مفردة ( تعبر عن شواهد عينية ) إسـتخدام ما يسـمى بمـبدأ الإسـتقراء ، وهـو قضـية كـلية تقـرر بأن لنا أن نسـتنتج من شـواهد عيـنية او قضـايا مفـردة قضـية كـلية عـامة . والمبدأ يقـول بأن الحوادت الغـير مشـاهدة سـتكون دائمـا مثل الحـوادث المشـاهدة ، وبالـتالى فلا ضـرورة لأن نجـمع كل الشواهد أو الإبر المغناطيسية مثلا لنستنتج القضية الكلية التى ذكرناها مسبقا .أول إعـتراض على هـذا المبدأ أنه هو نفـسه غـير مسـتنتج من التجـربة بل يفـترض أوليا . وإذا كـنا نـفـترضه أولـيا فإن الإسـتنتاج الإسـتقرائى الـذى يأخد مثـل هـذا المبدأ كمقدمة يصبح إستنتاجا إستنباطيا . الإعتراض الثانى أن المبدأ المذكور سيسمح بالتعميم دون قيد ، وبالتالى إستنتاجاته تافهه . فمن مجموعة قليلة من الشواهد يمكننا أن نقول أن ما لاحظناه فيها ينطبق على ما لم نلاحظه، ومن تم نستطيع أن نفهم دائما وفى كل حالة بناء على عدد محـدود أو حتى عدد كبير من الشـواهد ، وهـذا شئ لا يحدث فى العـلم . أما الإعـتراض الثالث وهـو أن الإسـتقراء يعطى العـلم صورة إسـتاتيكية . فهو يصور فروضه على أنها قضايا مستنتجة من التجربة بشكل نهائى وقاطع ، إذ بإستخدامنا لمبدأ الإسـتقراء سـنقول أن النـتيجة ( أى الفـرض العلـمى ) ينـتج ضرورة عن المقـدمات . وحيث أن المقدمات صادقة فلابد منطقيا أن تكون النتيجة صادقة . كما ذكرت من قـبل لا نسـتطيع بحال أن نقـول بأن قضـايا العـلم وفـروضه صـادقة بالضـرورة أو مبرهـن على صـدقها ، فـما نراه فى تاريخ العـلم الطـويل يخالف هـذا التصور الإستاتيكي .لابد من التـنبيه أن مؤيدى المنهج الإسـتنباطى والإستقرائى المعاصرين يتفقون على أهمية التجربة الحسـية فى العلم ومن تم يمكن أن نســميهم تجريبيون . بشـكل عام يمكن القـول بأن التجريبـيين يرون ان للتجـربة الحسـية والشـواهد العيـنية دور هـام فى قـبول النظـريات العـلمية وفى رفـضها . المشـكلة بالنسـبة لكل التجريبـيين أنه سـواء وضعـنا شواهـدنا كمقدمات ( إستقرائيين ) أو كنتائج ( إستنباطيين ) فإننا لا نستطيع أن نقول أن هذه الشواهد وحدها يمكن أن تكون وسـيلة تبرير قاطع للأخد بفـرض علمى معين . يصوغ البعض مشكلة تبرير الفروض العلمية دون لجوء الى الإستقراء أو الإستنباط أنها مشكلة تتعلق من ناحية بفرض معين أو قضية كلية معينة ، ومن ناحية أخرى بمجموعة من القضايا المفردة التى تعبر عن شواهد عينية خبرناها تتعلق بذلك الفرض.السؤال الآن هو: الى أى حد يمكن القول أن هذه القضايا المفردة يمكن الإعتماد عليها كوسيلة لتعضـيد ذلك الفرض او لبيان كذبه ؟ وعلى هذا يعتقد البعض أنه إذا كانت تلك القضايا المفـردة تـتعلق بالفـرض إيجابا أى تؤيـده ، فإن بإسـتطاعتنا القـول بأن الفـرض صـادق بدرجـة إحتمال معينة . يرى ( كارناب ) مثلا أن الزيادة فى الشـواهد الإيجابية يزيد من درجة إحتمال الفـرض العلمى ويحصنه ضد النقد .المشكلة أننا نجـد نظرية مثل النظرية النيوتـينية وجدت من التعـضيد التجـريبى ما لم تجده أى نظرية علمية اخرى . ومع هذا فكل الشواهد الإيجابية على مدى القرون لم تحصن هذه النظـرية ضد النقـد . لـذلك يرى تجريبيى آخـر أعنى ( بوبر ) بأن هـدف العالم يجب أن يكون البحث عن شواهد مكذبة . لأنه حسب المنهج الإستنباطى ( وبوبر يأخد وينادى به ) الشـواهد المكـذبة تؤدى بالضـرورة الى كذب الفـرض العـلمى . فلو جمعنا مجـموعة من الشـواهـد حول فرض علمى معـين ووجدناها تتفـق مع الواقع قـبلنا الفـرض وقـلنا بأن الواقع المشـاهد لا يخالفه ، دون ان نقـول ان درجة إحتمال الفـرض زادت مع زيادة مثل هذه الشـواهد ، أما إذاوجدنا شاهدا كاذبا يتعلق بذلك الفرض ، قلنا حـينئد أن الفـرض كاذب بالضرورة . المشـكلة بالنسـبة لوجهة النظـر هـذه أن الشـواهد المكذبة قـد لا تؤدى بنا أحيانا الى رفـض فـرض أو نظـرية عـلمية معينة ، فالفـرض او الفـروض العـلمية غالبا ما تعـتمد على فـروض ونظـريات أخرى تكون خلفية لها . فإذا أسـتنتجنا نتيجة معـينة من فرض معين فنحن فى الحقيقة نستنتجها من ذلك الفرض ومن فـروض أخرى ، فإذا كذبت النتيجة فلسـنا دائما نسـتطيع أن نحسـم ونحدد أى واحد من هذه الفـروض كاذب . فقـد تكون كلها كاذبة وقـد يكون واحد منها فـقط كاذب . وبالرموز : إذا كان ( ق و ل و ن )ليس نإذن ليس ( ق و ل و ن )واضح أننا ننفى فى النـتيجة أن تكون القضـية العطـفية كلها صادقة ، وقد يعنى هذا أن ( ق و ل و م ) كاذبة ، وقـد يعـنى أن تكون واحـدة أو أثنين منهما كاذب . لذلك فلا نسـتطيع أن نرفـضها جـميعا ، لأن هـذا يعنى أننا نرفـض قـضية صـادقة بالإضـافة الى رفـضنا لقـضية كاذبة .يتضح من هذا أن التجريـبيين يتـفقون على أن التجربة هى وسـيلتنا لتبرير الفروض العـلمية ؟ ولكنهم يختلفون حول دور التجربة الأساسى فى العلم . هل هو زيادة إحتمال الفـرض أو تكذيب الفـرض ؟ كذلك فهم يخـتلفون حول مدى الإعـتماد على التجربة فى زيادة إحـتمال الفـروض وفى تكذيـبها . لكن رغم كل هـذه الخـلافات فإنه لابد من التوضـيح بأن العـلماء أنفـسهم حـين يكتـبون أبحـاتهم العـلمية يعـتمدون فى تـبريراتهم للفـروض على التجربة . وهم يستخدمون التجربة الحسية أحيانا لتعضيد فرض معين أو لبيان خطأه . وفى الحالتين ( التعضيد والتكذيب ) يلجأ العلماء لوسائل منوعة يعتمدون عليها كسـند قوى على التعضيد أو التكذيب دون إدعاء منهم أن التجربة " تبرهن " على صدق أو كذب فرض علمى معـين . وأيضا فلا بد فى هذا المقام أن نشير الى أن العلم التجريبى يتـميز فيما يبدو عن أى نشاط عـقلى آخر فى أنه يتقدم بإستمرار وينمو ، وأن ذلك يرجـع أساسا لإعـتماده على التجـربة الحسـية . إذ لا يبدو أن هناك ما يشـبه النـمو الحاصل فى العلوم الطبيعية فى فروع المعارف الأخرى . فنظرية جاليليو تفسر ظواهر معـينة ، ولكنها محددة إذا ما قـيست بالنظـرية النيوتـينية التى تفـسر كل الظواهـر التى فسـرها جاليليو مع زيادة أكبر وقدرة أعـم على التفسـير . ثم إذا قارنا النظرية النيوتينية بنظرية أينشـتين نجد أن الأخيرة تفسـر كل الظواهر التى تفسـرها النظرية النيوتينية مع قدرتها على تفسـير ما لم تفسـره النظـرية الأخـيرة . وهـكذا نجـد للتجربة دورا هاما لا شك فيه فى نمو العلم .

ليست هناك تعليقات: