14‏/10‏/2008

مح (4 ) معايير تعضيد الفروض

(3) – معايير تعضيد الفروض العلمية -

يمكن أن نقول إجمالا أن العـلم يبحث دائما عن شـواهد تجريبية متـكررة تؤيد فـرضه ، وأنه مع زيادة عدد هذه الشواهد ( التى قد تكون شواهـد مباشرة عن طريق الحـواس أو عن طريق غير مباشر بإستخدام التجربة المعملية ) كلما زادت درجة التعـضيد للفـرض العلمى . ففى مثال الإبرة المغنطيسـية السابق يمكن القـول أن الزيادة فى عدد الشواهـد المؤيدة يزيد الفرض تعضيدا ، لكن يبدوا أحيانا أن التكرار تقل قيمته بالتدريج كوسـيلة لتعضيد فرض علمى معـين . وبالتالى يتجه العـلم كخطوة ثانية فى طريق التعـضيد الى التنويع فى الشواهـد ، فأى شاهـد جـديد مخالفا نوعا للشواهـد السـابقة المتكررة سـتكون قيـمته أفضـل فى التعـضيد . خد مثلا قانـون ( سنل ) القائـل بأن الشـعاع المنحنى إذا أنـتقل من وسـط الى آخر فإنه ينكسر بحيث يكون جيب زاوية السقوط على جيب زاوية الإنكسار يساوى مقدارا ثابتا . للتأكد من سلامة هذا القانون يمكننا أن نصمم مجموعة منوعة من الإختبارات . فى الإختبار الأول نسـقط شعاعا بزاوية قدرها 30 درجة من وسط هوائى الى وسط مائى . ثم نكرر الإختبار عدة مرات .فى إختبار ثان يمكننا ان نغـير زاوية السـقوط دون تغـيير الوسـطين السابقين فنسقط شـعاعا مرة بزاوية 20 درجة ، ومرة بزاوية 40 درجـة ، ونكرر هـذه الإختبارات كل على حده .فى إخـتبار ثالث يمكننا أن نغـير من زاوية السـقوط مع تغـيير الوسـطين ، فـنجرى إختبارات لاشـعة سـاقطة بزاوية مخـتلفة مرة من الهـواء الى الماء ومرة من الهواء الى الزئبق او من الهواء الى الزجاج ...الخ .لابد من الإشارة هنا الى مشـكلة تكرار الإخـتبارات فى العلوم . إذ قـد يبدو التكرار أحيانا تكرارا حقـيقيا ، بمعنى أن الشروط المتعـلقة بإخـتبار معـين نقـوم به عـدة مرات واحدة تماما لم تتغـير . وهـذا ما لا نسطيع البث والحسـم فيه غالبا . ففى إختبار قانون سنل قـد يكون لبعـد القـمر أو قـربه من الأرض تأثير على الإختبار . وكـذلك قـد يكون لضغـط الهواء الجـوى عليه . حين نتأكد أن شروط إجراء الإختبار واحـدة فى كل مرة نجربها يصبح التكرار تافها مع الوقت وتنحصر قيمته كوسيلة للتعلم . المشكلة الحقيقية هى : كيف نعلم فى وقت ما أى العوامل يمكن أن يكون له تأثير على الإختبار أو أن لا تأثير له أو أن تأثيره مما يمكن إهماله ؟ ذلك يتوقف على معلوماتنا العـلمية وقـت إجراء الإختبار ، كما يتوقف على خبراتنا السـابقة . فـفى ضوء معارفنا العـلمية نعـلم أن إجراء الإخـتبار الخاص بقانون سنل فى أماكن مختلفة على أبعاد مختلفة عن القمر لا تأثير له على ذلك الإخـتبار . ولكن يجـب أن لا نسـتبعد أن تكون معـلوماتنا خاطئة وأن إسـتبعاد نا لعـامل معـين قـد يؤدى بنا الى طريق خاطىء . خـد مثلا القانون الذى كان مقـبولا حتى وقـت قـريب من كافـة عـلماء الطبيعة وكان يمثل الخلفية التى لم يشك فيها أحد حين يقـوم بتجارب فى مختبره ، أعنى مبدأ التعادل . حسـب هذا المبدأ قوانين الطبـيعة لا تفرق بين يمين ويسار . عام 1956 وجـد (ينج) و (لي) أن هـذا المبدأ لا يصـدق فى كل الحـالات ( وبالذات فى الطـبيعة الذرية) وبعدها بقليل أيدت إختبارات جديدة إكتشافاتهم. أحد الطرق الهامة التى يتم بها تعـضيد فـرض علمى محاولة إسـتنتاج شـواهد جديدة من الفـرض لم تكن معـروفة قـبل تقـديم الـفرض وظـهوره . فإذا تأيدت هـذه الشـواهـد بالواقع زادت درجة تعـضيد الفـرض . فالفـرض فى هـذه الحالة يكشـف لنا عن جوانب فى الواقع لم تكن معروفة لنا قبل العثور على الفرض .فى عام 1885 مـثلا قـدم عالم سويسـرى يدعى بالـمر معـادلة تحـدد طول موجات الخطوط الصادرة عن طـيف غاز الهـيدروجين . فى إكتشافه للمعادلة أعتمـد بالمر على طـول موجـات خطوط أربعة كانت معـروفة فى وقـته . لكن بمسـاعدة المعادلة الجـديدة أمكن إكتشـاف 35 خطا جديدا .كذلك يزيد من تعـضيد الفـرض العـلمى حـين نتمكن من إسـتنتاجه من نظـرية عـامة تفسـر ذلك الفـرض . فكما سنبين فيما بعد أحد خصائص النظرية العامة إمكان إستنتاج عـدة فـروض مختلفة منها . وحيث أن كل فرض تؤيده شواهـد مسـتقلة نعـتبر كل هـذه الشـواهـد مؤشـرات على صدق الفـرض الذى نود تعـضيده . فمثلا فى عام 1913 بين ( بور ) أن معادلة بالمر يمكن إستنتاجها من نظريته العامة المتعلقة بذرة الهيدروجين ، وهى نظرية تؤيدها شواهد أخرى غير الشواهد التى تؤيد معادلة بالمر .فى هـذا السـياق لابد أن أشير الى أن للنظرية أفضلية على فـرض محـدود منعـزل . فإذا تعارضا نختار جانب النظرية . السبب فى هذا أن النظرية يؤيدها أكثر من نوع من الشواهد ( كما سأذكر فيما بعد ) ولأن قيمتها العلمية أكبر ، وحتى لو تبين أن النظرية لا تصدق فى كل الحالات فإنا نضطر أحـيانا إستخدامها فى المجالات التى لا تؤدى الى إشكال . لإن الحصول على نظرية عامة صعب جدا . لا يعنى هذا أن النظريات العامة مسلحة ضد النقـد . لكن لكى نقضى على نظرية لابد أن تكون الشـواهد المقـدمة ضدها ذات قيمة كبيرة .لإعتبارات عـملية نضطر أحيانا بقـبول نظرية عامة رغم أن فرضا منعزلا يضادها تؤيده التجـربة بدرجـة قـوية . حين قـدم أينشـتين نظـريته القائلة بأن الضوء يتكون من جسـيمات أو كمات ( كوانتا ) ليفـسر ظاهـرة التأثـير الفوتوكهربائى أقـترح هـو نفـسه إسـتخدام النظـرية الموجبة فى الضوء لتفـسير ظواهـرالإنعكاس والإنكسـار مثلا . لأن النظـرية الموجبة كما قال أيـنشـتين يـبدو أنه لا يمكن التخـلى عـنها فى عـدة مجـالات ، والنظريتان ما زالتا تستخدمان معا رغم إعطائهما تصورين مختلفين للضوء . ( 4 ) - تكذيب الفروض والنظرياتقـلت أن أخـتبار الفـروض يتم أولا بإسـتنتاج قضية مفـردة من الفـرض ، ثم ثانيا بمطابقة تلك القـضية بالواقع . إذا وافقـت القـضية الواقع يكون ذلك تعـضيدا للـفرض . وإذا خالف الواقع القضية المستنتجة كذب الفرض .مثلا : كان الرآى السـائد عام 1890 أن الهـواء مكون من الأكسـجين والنيتروجين . لكن تـبين للعـالم ( ريلى ) أن النـيتروجـين المسـتخـرج من الهـواء الجـوى أثـقـل من النيـتروجـين المســتخـرج مـن مصـادر أخـرى . وقـد أفـترض ريـلى أن النـيتروجـين المسـتخرج من الهواء الجوى ليس نقيا بل ممزوج بشئ آخر . أستطاع ريلى وغيره أثر ذلك إسـتخراج الهيدروجـين وغـاز آخـر هـو الأرجون . أى أننا أسـتنتجنا من الفـرض القائل بأن الهواء الجوى ( أيا كان وفى أى وقت ) مكون من الأكسـجين والنيـتروجين قضية مفردة تقول أن هواء معينا أمامنا فى المختبر لابد أن يحوى هـذين الغازين . وقد تبـين فى الواقع وجود أربع غازات . نتـيجة لذلك تأدينا الى تكذيب الفـرض المذكور . على أن مثل هذا التكـذيب لا يمكن تطـبيقه فى كل الحالات ، وبالذات حـين تكون فروضـنا نظـرية أو مركبة من عـدة فروض . فى الحالة الاخـيرة قـد يتم التكـذيب إذا أستطعنا عـزل فرض معين منها وإستنتاج نتيجة كاذبة منه . خد المثال الأتى : أفترض فى وقت ما أن الحرارة جسـم يسيل من جسم لآخر كسيلان الماء من مكان مرتفع لآخر منخفض . حسب هـذا الفرض يمكن بيان كيف يأخد جسم بارد الحرارة من جسم ساخن قـرّب منه بحيث يصبحا فى درجة حـرارة واحـدة . حســب النظـرية المـذكورة تسـيل الحرارة من الجسـم السـاخن ( الأعلى حرارة ) الى الجسـم البارد ( الأقـل حرارة )حتى يصبح معـدلهما واحـدا . كذلك يمكن بإسـتخدام النظرية بيان سـبب إمتداد الأجسام حين تسـخن . إذ حسب النظرية يدخل " جسم " الحرارة الى الجسم المسّخن . كما يمكن بيان وتفسير ظواهر أخرى بنفس النظرية . لكن المشـاهد أن قطـعة الحديد حين تسخن يبقى وزنها ثابتا . فإذا كانت الحرارة جسـما فلابد أن قطـعة الحديد المسخنة قد أكتسبت وزنا إضافيا . واضح أن هذا شـاهد مكذب للنظرية . لكن مؤيدى النظرية حاولوا تفاديه حين أضافوا للفـرض شـرطا جـديدا معدلا بإفـتراضهم أن الحرارة جسم لا وزن له . فى هذا الشكل سـميت النظرية بنظرية الكالوريك . على أن النظرية واجهت صعوبات جـديدة . فالحرارة تولد باللإحتكاك مثلا ، كما نفعل حين نحك قطعتين من الخشب ببعضهما فإذا كانت الحرارة جسما ، والأجسام لا تفـنى ولا تخلق من عدم ( حسب قانون بقاء المادة ) فكيف نفـسر حدوثها من العدم فى هذه الحالة ؟ حاول مؤيدى النظرية إنقادها بأن قدموا فرضا جديدا مؤداه ، أن حك قطعتيى الخشب يغير من خاصية معينة للخشب ، وأن هذا التغـيير يغـير حـرارة الخـشـب الـنوعـية بأن يحـفظـها . وحـيث أن الحـرارة الـنوعـية المنخـفضة تعـنى أن المـادة سـتحتاج لكمـية أقـل من الحـرارة لتسـخن ، فإن نفـس كمـية الحرارة سـترفع درجة حرارة الخشب . مند حوالى 150 عاما لاحظ ( رمفورد ) أنه أثناء صنع المدافع تكون درجة حرارة أجزاء الصلب المتـناثرة من جراء ثقب المدافع شديدة . تساءل رمفورد من أين أتت كل هـذه الحرارة ؟ لا يمكن أن يكون مصدرها قـطع الصلب المتـناثرة نفـسها حين تغيرت حرارتها النوعية . فكما تبين له ، فإن الحرارة النوعية لهذه القطع لم تتغير . كان نتيجة تكذيبه للـفرض أن قدم فرضا جديدا مؤداه أن الحرارة حركة . هل نعـتبر عمل رمفورد تجربة حاسـمة تكذب النظرية ؟نلاحـظ أن عـمله بين أن الحرارة النوعية لجسـم لا تتغـير مع زيادة حـرارته . ولكن كما رأينا تـتضمن نظـرية الكالوريك فـروضا أخرى . حـيث أن بإمكاننا أن نحـدد أى فروض النظرية يكذبه الواقع نستطيع أن نقول أن باقى أجزاء النظرية ما زالت قائمة .

ليست هناك تعليقات: