14‏/10‏/2008

مح ( 7 ) القوانين والنظريات

القوانين والنظريات
يهتم التفكير العلمى أساسا بالواقع . فمن خلال القوانين يحاول فهم الوقائع بتنظيمها ، كما يحاول إختبار القوانين بالواقع ليعرف مدى إتفاقها معه رغم أن عددا كبيرا من القوانين العلمية ليس إلا صياغة لعلاقات بين أشياء أو أحداثمشاهدة يمكن مشاهدتها ( سواء مباشرة عن طريق الحواس أو بطريق غير مباشر بإستخدام الأجهزة والأدوات ) . الحقيقة أن قوانين العلم ليست منهذا النوع . فهناك عدد منها لا يمكن أن نقول عنه أنه صياغة لعلاقات بين أشياء أو أحداث يمكن مشاهدتها . مثلا القانون القائل بأن الماء إذا غلى تبخر ، هو من النوع الذى يتعلق بأشياء يمكن مشاهدتها . لكن العلم يفسر تبخر الماء المغلى بالرجوع الى مبادىء تتعلق بالتركيب الجزيئى للماء . هذه المبادىء لا تتعلق بأشياء يمكن مشاهدتها . فلا الجزئيات ولا حركتها أشياء يمكن مشاهدتها . تسمى القوانين من النوع الأول عادة قوانبن تجريبية ، وتميز عن الثانية التى تسمى قوانين نظرية أو نظريات ، رغم أن التمييز المذكور معترف به إلا أنه يثير بعض المشاكل التى لابد من الإشارة إليها .من الخطأ القول بأن القوانين تتعلق كلية بمعطيات يمكن مشاهدتها ، فالقضايا العلمية مهما بلغت من البساطة ( كقولنا هذا كوب من الزجاج ) تحتوى مفهومات تتجاوز معطيات الحس . مثلا القانون القائل بأن سرعة الصوت تزيد فى الغازات القليلة الكثافة وتقل فى الغازات الكثيفة . هذا القانون يفترض أن المادة حين تتجمع فى حالة معينة تكون غازا ، وأن الغاز يجب تمييزه عن تجمعات أخرى مثل " الأجسام الصلبة " و " السوائل " .كمايفترض أن الغازات لها كثافات مختلفة فى ظروف معينة . وأيضا أن الأدوات التى تقيس المسافة التى يقطعها الصوت والتى تقيس الزمن ، تشرح أنواعا من الإنتظام يمكن صياغتها فى قوانين . فالكلمات المستخدمة فى القانون المذكور والقانون نفسه يفترض مجموعة أخرى من القوانين .من ناحية أخرى فالأمثلة التى قدمناها للنظريات تحتوى فروضا وتتحدث عن أشياء لا يمكن مشاهدتها . ومع ذلك فمن الممكن أن نحدد خصائص أساسية لما لا يمكن مشاهدته بطريقة غير مباشرة ، وذلك بالإعتماد على ما يمكن مشاهدته . مثل تكون الغازات من جزيئات حسب النظرية الحركية الجزيئية للغازات . هذه الغازات لا يمكن مشاهدتها . ومع ذلك نستطيع أن نحدد عددها فى حجم معين من الغاز ، كما نستطيع تحديد سرعتها وتحليلها بالرجوع ضغط الغاز وحجمه وتطبيق قوانين نيوتن للحركة . كنتيجة لهذا التطبيق نتبين أن المشاهدات تؤيد إفتراضنا . لا يبدو من هذا الكلام أن هناك فرقا أساسيا بين القوانين التجريبية والنظريات ، ومع هذا فهناك من الفروق بينهما ما يدفع الى التمييز ويبين أهميته : 1 - أحد هذه الفروق أننا نجد فى القونين مجموعة من الكلمات التى تشير الى صفات أشياء فى الخارج وتسمى كلمات وصفية . مثل هذه الكلمات نجدها أيضا فى النظريات . لكن فى القونين كل الكلمات التى من هذا النوع ترتبط بطريقة عمل نحصل عن طريقها على شواهد حسية تقابل تلك الكلمات . بالنسبة للنظريات لا يصدق هذا إلا على قليل من الكلمات الوصفية المذكورة فى النظرية . مثلا فى القانون الخاص بسرعة الصوت فى الغازات ، نجد طرق عمل تحدد كثافة الغاز لقياس سرعة الصوت فى الغازات . لذلك يمكن إختبار القانون فى ضوء المعطيات التى نحصل عليها بإستخدام طرق العمل المذكورة . وطرق العمل المذكورة هذه هى التى تحدد معنى الكلمات الوصفية فى القانون . لكن لو نظرنا لكلمات مثل " الكترون " أو " نيترون " أو " مورث " التى ترد فى النظريات نجد أن معانيها لا تتحدد بطرق عمل نستطيع بواسطتها أن نحدد أشياء مشاهدة تقابل الكلمات "الكترون " و" نيترون " و" مورث " . كل الشواهد على النظريات تكون عادة شواهد غير مباشرة ، أى شواهد على القوانين التجريبية المستنتجة من النظريات . وحيث أن الشواهد تكون مباشرة فبالإمكان أن نحتفظ بالقانون رغم سقوط النظرية. لكن لا يعنى هذا أن للقانون التجريبى أفضلية على النظرية . إذ قد تستخدم النظرية أحيانا لتصحيح قانون تجريبى . فنظرية نيوتن مثلا أستخدمت لتصحيح قانون جاليليو فى المقدوفات ، رغم أن الشواهد على النظرية كلها غير مباشرة . 2 - فرق ثلنى يميز النظرية عن القانون أن الأولى تتكون عادة من عدة قضايا ، بينما يتكون القانون دائما من قضية واحدة . أهمية هذا الفارق أن النظرية أكثر عمومية ، وبالتالى لها قدرة أشمل على التفسير . كماذكرنا سابقا تستخدم القوانين لتفسير وقائع مفردة أو لتفسير قوانين أخرى . لكن حين يفسر قانون ما قانونا آخر فإن قدرة الأول على التفسير تكون محدودة بحيث لا يتعدى فى التفسير الأشياء التى تكون فى نفس المجال . فمثلا قانون أشميدس القائل بأن قوة دفع السائل لجسم مغمور فيه تساوى وزن السائل المزاح ، يفسر قوانين الأجسام الطافية فقط . بالنسبة للنظريات فهى تستخدم لتفسير أنواع مختلفة من القوانين تتعلق بظواهر قد لا يبدو أن هناك أى علاقة بينها . مثل تفسير بظرية نيوتن لحركةالمقدوفات وحركة الأفلاك وحركة المد والجدر وحركة الأجسام الساقطة والكثير غيرها من القوانين . وايضا تتجاوز وظيفة النظرية مجرد تفسير القوانين المعروفة فى وقت ما وتفتح المجال لإكتشاف قوانين او طرق عمل جديدة . فنظرية الأكترون القائلة بأن كل الكترون يحمل شحنة أساسية هى التى دفعت ميليكان لإكتشاف طريقة يحدد بها قيمة تلك الشحنة ( طريقة نقطة الزيت ).
النظريات العلمية :
من اجل الوصول إلى تصور واضح للنظريات العلمية لابد ان نميز ثلاثة عناصر أساسية فيها : 1- بنية مجردة اى هيكل منطقي .2- مجموعة من القواعد تعطي ذلك الهيكل أو البنية محتوى تجريبيا ، وذلك بان تربط تلك البنية بالمشاهدات وتسمى قواعد التقابل .3- نموذج يستخدم فيه مفهومات مألوفة وقريبة للدهن ، يؤتى بها عادة من ميادين معروفة وتتعلق عادة بأشياء مشاهدة . هذا النموذج يعطى البنية شيئا من الألفة بحيث تصبح اقرب باشياء مشاهدة . هذا النموذج من هذه العناصر بشيء من التفصيل :1 – في اى نظرية يستخدم نوعين من المفهومات . مفهومات تدخل في باب المنطق . وهذه المفهومات غالبا ما تكون روابط بين قضايا مثل " إذا كان ... فإن ... " أو " إما ... أو ... " الخ . مثل هذه المفهومات تختلف عن المفهومات تختلف عن المفهومات أو الكلمات الوصفية مثل مفهوم " الجزئي " أو " سرعة " ..الخ . والتي تتعلق بموضوع محدد بذاته . هذا بينما تتعلق المفهومات المنطقية بأي موضوع كان . لو ركزنا انتباهنا على العلاقات المنطقية في النظرية بحيث نهتم فقط بالطريقة التي تترابط بها القضايا ويستنتج إحداها من الأخر تتحول النظرية إلى نسق صوري مجرد . عندئذ سننظر للقضايا النظرية على أنها قضايا مجردة . وهذا هو ما نسميه البنية المنطقية أو الهيكل المنطقي .أفضل مثال على هذا هو هندسة إقليدس حيث تحتوى تلك النظرية الهندسية على قضايا تحتوى بدورها مفهومات مثل " نقطة " و " خط " و " يطابق " و " يقع بين " ... الخ . تشرح هذه الكلمات على أنها وصف لأشياء أو أشكال معينة في المكان الخارجي ، وبالتالي تربط الأشكال الهندسية الاقليدية بالأشكال الموجودة في الواقع . ولكن هذه الكلمات ليس لها اى قيمة في استنتاج النظريات الهندسية .، ومن تم يتم الاستنتاج بدونها ، من اجل ذلك تصاغ تلك الهندسة في صورة رمزية . فبدلا من " نقطة " نستخدم الرمز " ن " وبدلا من " خط " نستخدم الرمز " خ " وهكذا .وإذا سألت ما هي النقطة أو ما هو الخط ، فإن الإجابة ستكون بالرجوع إلى قضايا النظرية نفسها وتعريفاتها لا بالرجوع إلى الأشياء التي في الخارج والتي نقول أنها تطابق معنى كلمة " نقطة " أو " خط" . بنفس الطريقة يمكن النظر للنظريات الطبيعية . فنظرية الغازات تتحدث عن " جزيء " أو " طاقة " . كما تحدد الشروط التي يجب أن يستوفيها اى شيء نسميه " جزيء " أو " طاقة " . كما تحدد النظرية العلاقات بين هذه الكلمات . فإذا سأل سائل عن طبيعة هذا الجزيء ، فالإجابة لابد أن تكون بالرجوع إلى قضايا النظرية والمعنى الذي تحدده هذه القضايا لما أطلق عليه اسم " الجزيء " .2 - لكي تفسر نظرية معينة قانونا ما ، اى لكي نستنتج القانون من النظرية ، لا يكفى أن نحدد الكلمات في النظرية التحديد السابق ، بل لابد من ربط الكلمات المستخدمة في النظرية بكلمات أو أفكار موجودة في القانون . بدون هذا الربط لا يكون للنظرية اى فائدة . إذ بهذا الربط يتم التقابل بين مفهومات النظرية والأشياء المشاهدة . هذه المهمة بواسطة ما يسمى أحيانا قواعد التقابل . كي نشرح قواعد التقابل سنأخذ كمثال صياغة " بور " لنظرية بنية الذرة التي قدمها لتفسير قوانين خطوط الطيف الخاصة بالهيدروجين وغيره من العناصر إلى جانب قوانين أخرى غيرها . تقول النظرية بأن هناك ذرات يتكون كل منها من نواه ثقيلة نسبيا تحمل شحنة كهربائية موجبة والكترونات ذات كثل صغيرة تحمل شحنات سالبة . تدور الالكترونات حول النواة في مدارات قريبة في شكلها من المدارات الاهيليجية . تتمايز المدارات عن بعضها وتتناسب أقطارها تبعا للمعادلة : هـ 2 ن 2 (حيث هـ ثابت بلانك و ن عدد صحيح ، بحيث أن ن المدار الأول : = 1 و ن الثاني = 2 وهكذا ) تتحدد الطاقة الكهرومغناطيسية التي للإلكترون حسب قطر مداره .تضل طاقة الإلكترون ثابتة ما دام الإلكترون في مداره ولا تصدر عنه اى إشعاعات . قد يقفز الإلكترون من مداره إلى مدار آخر ذو طاقة اقل ، حين يفعل ذلك تصدر عن الإلكترون إشعاعات كهرومغناطيسية تتحدد طول موجاتها حسب الفرق بين طاقتي المدار .ما يهم في هذا كيف يمكن ربط تلك البنيات والمتعلقة بأشياء لا يمكن مشاهدتها بأشياء شوهدت فعلا .؟ .. إذ لا نشاهد في المختبر الالكترونات ولا مداراتها ولا قفزها ..الخ . إلا أننا نعلم أن كل عنصر كيماوي يصدر عنه خطوط طيف معين . وهذا الطيف موجة كهرومغناطيسية نستطيع أن نحدد طول الموجه فيها بالمختبر . يمكن لنا أن نربط فكرة الإلكترون الذي يقفز من مدار ذا طاقة اقل وتصدر عنه موجات كهرومغناطيسية بمفهوم إشعاع الطيف ( وهو موجه مغنطيسية ) . وحيث أن كل عنصر كيماوي له إشعاع طيفي مختلف ، والنظرية تحدد الاختلاف هذا بإختلاف عدد الالكترونات التي تتمايز أقطارها حسب معادلة معينة .فيمكن لنا من النظرية أن نحسب طول الموجة ونرى أن كانت حساباتنا تقابل ما نشاهده في المختبر . حين يتم التقابل وغيره نجد أننا في وضع يسمح لنا باستنتاج كل قوانين الطيف من نظرية بور .3 – توضح نظرية بور عادة باستخدام نموذج قريب للفهم كما قدمنا للقارئ . فالنموذج الذي استخدم لشرح قضايا النظرية هو نموذج المجموعة الشمسية ، حيث الشمس تمثل النواة ، والأفلاك الدائرة حولها في مدارات اهليليجية هي مدارات الالكترونات . بالطبع يمكن أن نقرأ نظرية بور بدون النموذج المذكور ، لكن ميزة النموذج انه يعيننا على ربط النظرية بالواقع إلى جانب انه يساعد على تقريبها للفهم باستخدام شيء مألوف ( المجموعة الشمسية في المثال السابق ) . لكن النموذج وحده لا يكفي لاستنتاج القوانين التجريبية من النظرية ، إذ نحن بحاجة إلى قواعد التقابل كما ذكرت . بنفس الطريقة لكي يتم استنتاج قوانين الغازات التي تقول بأنها مؤلفة من جزيئات متحركة ذات طاقة حركة معينة ( تجددها النظرية ) لابد من أن نقابل مفهوم جزيء الغاز بمفهوم درجة حرارة الغاز .هناك نقطة متصلة بقواعد التقابل وهى الخاصة باكتشاف مجالات جديدة وقوانين جديدة في ميدان علمي نستنتجها من النظرية . في مثال نظرية بور يلاحظ أننا لم نعط قواعد للتقابل في كل المفهومات المقدمة في النظرية مثلا ( بغض النظر عن قفزه ) . الحقيقة انه ليست لدينا قاعدة كهذه . كثيرا ما نجد في النظريات العلمية مفهومات ليس لها قواعد للتقابل ، هذه ميزة في النظريات ، إذ معنى هذا أن هناك إمكانية لتطبيق النظرية في مجالات جديدة كل الجدة . في واقع الأمر تقدم النظرية بهدف تفسير قوانين موجودة في مجالات معروفة ، هذه القوانين كما ذكرت أكثر من مرة تتعلق بموضوعات وأشياء مختلفة ، لذلك من المهم أن تكون مفهومات النظرية من العموم بحيث يمكن لنا استنتاج هذه القوانين المختلفة فيها . لكن كيف نستنتج قوانين جديدة غير معروفة من نظرية معروفة قدمت لتفسير قوانين معروفة ؟ حوالي عام 1860 قدم ماكسويل معادلاته التي تعالج الظواهر الكهرومغناطيسية . باختصار يمكن القول أن هذه المعادلات تعالج الشحن الكهربائية والطريقة التي تسلكها هذه الشحن في المجالات الكهربائية والمجالات المغناطيسية . في ذلك التاريخ لم يطن مفهوم الإلكترون قد ظهر بعد .كل ما نجده عند ماكسويل افتراض وجود أجسام صغيرة متميزة عن بعضها وذات طبيعة مجهولة ، وهى قادرة على حمل شحنة كهربائية أو قطب مغناطيسي . لو تسألنا ما الذي يحدث حين يمر تيار كهربائي في سلك من النحاس ؟حسب قاعدة للتقابل يقابل مرور تيار كهربائي في سلك حركة الأجسام الصغيرة المذكورة . وحيث أن معادلات ماكسويل تحدد بالضبط حركة هذه الأجسام الصغيرة ، فإن بالإمكان أن نستنتج قوانين الكهرباء ( وأيضا المغناطيسية ) من نظرية ماكسويل . لكن اتبثت نظرية ماكسويل قدرة في التفسير اكبر من واهم . حسب النظرية تصدر التغيرات في المجالات الكهربائية والمغناطيسية عن موجات معينة لها سرعة = 3 x10سم في الثانية تقريبا . هذا الرقم كان مساويا لسرعة الضوء كما كانت معروفة في ذلك الوقت . اثأر العلماء السؤال الآتي : هل الضوء حالة خاصة من حالات الذبذبة الكهرومغناطيسية ؟ في إجابتهم على هذا التساؤل تبين أن الضوء ذبذبة كهرومغناطيسية وانه يسير في موجات ذات تردد عالية جدا . بعد ذلك أمكن استنتاج قوانين الضوء والبصريات من معادلات ماكسويل . ثم تلى ذلك استنتاج قوانين جديدة كلية . إذ حسب ماكسويل تكون للموجات الكهرومغناطيسية درجة تردد بين العالية والمنخفضة .في حوالي عام 1890 صمم هرتس تجارب ليرى أن كانت هناك موجات كهرومغناطيسية ذات درجة تردد منخفضة كان نتيجة هذه التجارب اكتشاف موجات الراديو بعد ذلك تم اكتشاف أشعة اكس وهى موجه مغناطيسية وان كانت ذات تجارب درجة تردد عال جدا على من تردد موجة الضوء أن الهدف الأخير للعلماء محاولتهم البحث عن نظرية واحدة تفسر كل الظواهر الطبيعية ، وهذا هو بالضبط ما حاوله اينشتين في نظرية النسبية .
خلاصة :
لا نستطيع أن نقول بأن درايتنا بالمعلومات العلمية المتوفرة في وقت معين كافية وحدها وفي ذاتها لان تدخلنا ميدان البحث العلمي . كما لا نستطيع أن نقول بأن للأشياء حولنا في حد ذاتها تؤدى الغرض . إن الدافع الهام في البحوث العلمية يكون عادة المشكلة . ومهمة الباحث إيجاد حل مقبول لها . في اغلب الأحوال لا يتم هذا الحل مرة واحدة . ومن تم قد تقترح عدة حلول مؤقتة نعتبرها فروضا .حين يقترح عالم حلا لمشكلة واقعية لابد أن يأخذ في اعتباره ضرورة الإجابة على سؤالين :أولهما : هل الحل المقدم تؤيده الوقائع المشاهدة ؟ وثانيهما : هل يأخذ الحل شكل قانون علمي ؟لكي يكون حل المشاكل الواقعية علميا ومقبولا لابد أن تكون الإجابة على هذين السؤالين بالإيجاب . بالنسبة للسؤال الأول ينبغي إجمالا أن نراعى الآتي :أن الفروض العلمية تأخذ صورة قضايا كلية وقوانين ، وبالتالي لا يمكن مطابقتها مباشرة بالواقع . إن المطابقة المباشرة تتم بين الوقائع التي هي في ذاتها مفردة وقضايا مفردة تصف هذه الوقائع نستنتجها من الفرض . إذا تم التطابق تكون النتائج المستنتجة من الفرض صادقة وإذا لم يتم تكون كاذبة . المشكلة هنا أن صدق هذه النتائج في ذاته لا يعنى ضرورة صدق الفرض .وإن كان كذب النتائج يعنى عادة كذب الفرض .يكون الفرض عادة مكون من قضايا وبالتالي لا ندرى إن كانت كاذبة آو أن بعضها كاذب والى واى هذه بالتحديد هو الكاذب .لمواجهة هذا نحاول التنويع في الاختبارات . فإذا صدقت قلنا أن الواقع يعضد الفرض ، وإذا كذب أحداها وأمكن تحديد القضية التي أدت إلى هذه النتيجة الكاذبة استبعدنا الفرض . ينبغي أن نذكر هنا ان عملية اكتشاف الفروض واستنتاج النتائج ذات الدلالة منها تحتاج إلى دراية وخبرة ، كما تحتاج إلى الجهد والخيال بالإضافة إلى عوامل أخرى اجتماعية ونفسية . وبالتالي فلا يمكن بأي حال أن نتصور المنهج العلمي على انه عملية تتم عند تطبيق قواعد معينة تطبيقا آليا .بالنسبة للسؤال الثاني لا بد أن نأخذ في حسابنا انه ليست كل القضايا الكلية قوانين ، وبالتالي حلولا مقبولة في العلم لمشاكلنا . فنحن نريد لحلولنا مثلا أن تتجاوز مجال وصف وقائع محددة بعينها نشاهدها في مكان وزمان محددين متعينين . أهم ما نفعله في هذا المجال محاولة استنتاج الحل ( القانون ) أو تفسيره بالرجوع إلى قانون أو قوانين أخرى اعم منه لكي يتأكد لنا اتفاق الحل مع ما يقوله العلم " أو جزء منه " في الوقت الذي قدم فيه الحل . ثم في النهاية لكي يتأكد لنا إمكانية استنتاج الحل " القانون " من نظرية عامة .إذ أن النظرية في العادة من العموم بحيث تسمح باستنتاج أو تفسير مجموعة من القوانين تتعلق بظواهر متعددة قد لا نرى علاقة بينهما . وفي أحسن الأحوال تفسر النظرية كل القوانين الموجودة في ميدان علمي معين ، اى تفسير مثلا كل الظواهر الطبيعية . احد النتائج الربط بين القوانين عن طريق النظرية زيادة التأكد من صدقها ، أو مدى تعضيد الواقع لها . إذ تعضد القوانين بعضها بعضا ما دامت كلها مترابطة ومستنتجة من نفس النظرية . وبهذا تصبح الشواهد المباشرة على احد القوانين شواهد غير مباشرة على الباقي . كذلك تتسق القوانين مع بعضها اى يتضح عدم تناقضها وتنسق معلوماتنا في نسق موحد مترابط تحت مظلة النظرية . وهذا فيما يبدو هو المميز الرئيسي للعلم على بادئ الرآى والجهد الانسانى المعتمد على الذكاء وحده .

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

اريد ان اطورالبحث في حركة المقدوفات بالنسبة الى المعالم