15‏/10‏/2008

مغامرة جان جاك روسو

قصة مغامرة الفيلسوف الفرنسى جان جاك روسو بنشر كتابه " رسائل من الجبل " . اختار ان يروى احداثها في مذكراته التي عنونها بـ "الاعترافات" . ( ت . اللجنة اللبنانية لترجمة روائع الثرات الإنسانى . والكتاب يحوى وبالخط الرفيع مايقارب سبعمائة صفحة . دوّن فيه من ادب السيرة الذاتية وعمق التجربة والمعاناة التى أثرت فى جل مراحل حياتة ، وبعدما جّد الناس فى أثره وطردوه من مقامه فى فرنسا فسويسرا فبروسية ).
فى عام 1750 فازالمؤلف بجائزة " الأخلاق " من اكاديمية العلوم والآداب بديجون عن موضوعته :" فيما إذا ساهم تجدد العلوم والفنون فى تهذيب الأخلاق ؟" وكتب يقول " إنه بقدر ما كانت علومنا وفنوننا تتقدم نحو الكمال ، كانت اخلاقنا تفسد ، ونفوسنا تتعفن " وخاطب الفضيلة ، العلم الأسمى للنفوس البسيطة قائلا :" ألا يكفى من أجل تعلم قوانينك أن يعود المرء الى ذاته ، وأن يصغى لصوت ضميره أثناء صمت الشهوات " . وجوهر أطروحته الذى يثمتل فى القول بأن " النمو المتتالى للحاجات كان شرا ، وأن تكاثرها الذى لا ضرورة له تهورا كبيرا " . وكذا سؤاله حول " اصل الامساواة بين البشر ، وما إذا كان القانون الطبيعى يسمح بذلك ؟ " واراد لنا ان نرى إنسان الطبيعة الذى لم يكن طيبا ولا شريرا والمتحلى بفضيلة الشفقة التى هى شعور طبيعى ظابط لنشاط حب الذات . وكذا فى مقارباته للملكية الخاصة التى هى قبر المساواة ومنها قولته : " إن الشخص الأول الذى أستهدف ، بتسويره لأرض ما ، أن يقول هذه لى ، ووجد أناسا بسطاء ليصدقونه ، كان المؤسس الحقيقى للمجتمع المدنى ، كم من جرائم وحروب وقتل ، كم من بؤس وفضائع كان يمكن أن يوفرها على الجنس البشرى ذاك الذى كان يمكن أن يصرخ امام اقرانه ، وهو ينتزع الأوتاد او يطمر الحفر، قائلا : ان الأرض ليست ملكا لأى شخص ".ويمكن القول ان مؤلفه " العقد الإجتماعى " والذى حوى افكاره حول الحالة الطبيعية والحق الطبيعى قد نال إهتماما بالغا ، وإن مؤلفه " رسائل من الجبل " كان بمثابة القشة التى قسمت ظهر البعير .
,, صدر كتاب " رسائل من الجبل " كانت الضجة قد هبت ، فأحرق المؤلف ،. فما عتمت السنة اللهيب ان امتدت من جنيف .. برن .. فرساى .. نوشايتل .. ولاسيما في" فال دى ترافير" حيث ابتدأ بعضهم يعمدون الى مكايد مستترة يهيجون بها الشعب .. وإنى لاجرؤ على القول انه قد حق لى ان يحبنى شعب هذا البلد ، إذ كنت في الصدقات سخي اليد فلم أدع معوزا من حولى إلا أغثه ، ولا صددت أحدا ما أمكنني خدمته الخدمة العدل ، وربما أسرفت في مؤانستى الجميع ، ولكن بدلت جهدي للهرب من كل تمييز يوغر على الحسد . بيد ان ذلك باسره لم يمنع الاهالي– وقد أثارهم خفية من لست ادرى من هو – على ان ينبعثوا عليّ تدريجا حتى اهتاجوا وجاشوا ، ولا منعهم عن ان يهينونى علنا في جلية النهار .. فإذا اللذين اليهم احسنت اكثر ما يكون هم أشد الخلق إنهيالا عليّ , وحتى ان فيهم من كنت لا ازال أسدى اليهم فلم يتجاسروا على الظهور ، بل هيجوا غيرهم وكأنما هم ينتقمون من مذلة كونهم مدينون لى بالمعروف .. وأبيت ان أتيح للشعب مثل هذه العلة فينادوا بالكافر الزنديق . فلذلك رفضت ما سالنيه القس ، فأنصرف عنى مستاء وأفهمنى أن سوف أندم ...
لكن ماذا ؟ لقد وجب على أن أتكلم , فأهتدى الى الافكار والألفاظ والعبارات .. فما الذى كنت ارجو من نفسى وقد طالما شعرت بعييى عن الارتجال ؟ .. افهمنى انه إذا تعهدت بهجر القلم ، ساهلونى في شأن ما مضى .. تعقبنى القوم في الريف كأنى ساحر مشعود .. وربما رمونى بالحصى في بعض الاحيان ، وكنت إذا مررت امام البيوت كثيرا ما سمعت من يقول : هاتوا بندقيتى لأطلق عليه النار . غير انهم اكتفوا بالوعيد ، في ما يتصل بالاسلحة النارية على الأقل .
كان أشد ما آلمنى هو أن أرى أسر أصدقائى ، او من دعوا هكذا ، قد حالفوا مضطهدى فجهروا بمخالفتهم .وخلاصة القول ان كل من في البلاد من ذوى النجابة والالطاف قد اقبلوا يزورونى ، فاجمعوا على حضى والطلب الىّ ان أذعن للاعصار فاخرج . ولو الى حين من رعية لم يبق في وسعى الاقامة بينها على الامان والعز ، ولقد لاحظت ان حاكم القصر هالته سورة ذلك الشعب الغضبان ، فخشى ان تمتد اليه . فود لو ارتحل باسرع ما يكون ، فاكفية مشقة حمايتى .. وإذا ، فقد أدعنت لم اسف إلا قليلا ، فإن ضغينة الشعب كانت قد مزقنى مشهدها فبت لا أقوى على إحتماله
كان امامى غير معتزل واحد اختاره مسكنا . جزيرة "سان بيار" فكان ما اخترته جد موافق لطبعى المسالم ولمزاجي المتفرد الكسول ، حتى اني لأعده في الذ ماهمت به من طيبات احلام اليقظة . فخيل اليّ أن ساكون وأنا في تلك الجزيرة أبعد إنفصالا عن الناس ، وان ساكون من إهاناتهم على ما هو اوثق أمانا وان سيبيتون أعظم نسيانا لى . وخلاصة القول انه خيل اليّ ان ساغدو أسلس إنقيادا لحلاوة الفراغ ولعذوبة حياة التأمل ، فوددت حقا لو أنتفي الى تلك الجزيرة فلا يبقى لى إتصال بالبشر . والمؤكد اننى قد عملت جميع ما يمكنك أن تتصوره لكى أنجو من ضرورة هذا الإتصال .وكان مدار شأنى ضمان القوت .. فجاز بى "دوبيرو" تلك الصعوبة كلها .. فحل هو محل التجار الذين كانوا قد تولوا الاصدار لمجموع مؤلفاتى ثم تخلوا عنه .. أسلمته مذكرات العمر ، واودعته اورقي كلها .. شرطت عليه الايستعملها الا بعد وفاتى شرطا واضحا لا لبس فيه ، إذ تمنيت ان أنهى أيامى بسلام فأعود لا اذّكر بى الجمهور .
كتب على ان الشرف سيلجئنى ان أصد عنى جميع الموارد التى جعلها في تناولى حظى وعملى . وكتب علىّ ان اموت فقيرا كما عشت ... فودعت عصرى ومعاصرى وودعت العالم أريد الاعتزال في تلك الجزيرة بقية العمر .. المكان السعيد حيث الخلق نيام . وحيث هم اكثر عملا ، وحيث لا يعملون شيئا .. لم أطق حلقات الناس وقد تعطلوا وداروا في الفراغ ، وهاندا قد نشدت العزلة لا لامر إلا توخيا للفراغ . بيد انى على هذه الطينة جبلت ، فان يكن بها تناقض ، فانما سببه الطبيعة لا انا. فالفراغ الذي أحب ليس فراغ إمرئ مكسال ، مكتوف اليدين ، على شمول تعطل فكرا وعملا ، بل هو في نحو ما ، فراغ الطفل ما ينى في حركة لا تصنع شيئا ، وفراغ الأحمق يهدر وساعداه لا تعملان. فاني أحب إتيان التوافه فأبدا بألف شىء لست أكمل منها شيئا ، واحب ان أنطلق ذاهبا عائدا ، على حسب ما يخطر لى ، أبدل خطتى كل حين ، أتعقب بعض الذباب أينما حط وطار ، أبتغى ان اقتلع صخرة لكى أرى ما تحتها . .. لقد امسيت في عذاب ، وصعقتنى ضروب الاعاصير وأعيتنى الاسفار والاضطهادات .. بيد انى لم أفكر مرة في الأعمال التي كنت بسبيل الإقدام عليها .. إلا اطبقت علىّ المخاوف . وإذا كانت عظمة قصدى وروعته وفائدته قد الهبت شجاعتى ، فلقد أهمدها عجزى أن أبدل نفسى فدية هذا القصد .

ليست هناك تعليقات: