15‏/10‏/2008

الـعـبر

.كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر ( لابن خلدون ).الكتاب من نفائس دخائر الثرات العربي ..التي تستحق عناء القراءة والدرس والتمحيص .
شوارد من الكتاب
1 = إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة ، فتكسر حينئذٍ من سورة بأسهم، وتذهب المنعة عنهم، لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة.. لأن وقوع العقاب به، ولم يدافع عن نفسه، يكسبه المذلة... الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأذيب والتعليم.. ينقص ذلك من بأسهم كثيراً، ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه، وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة.. الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس.
****
2 = أخلاق البشر، فيهم الظلم والعدوان، بعض على بعض، فمن امتدت عينة إلى متاع أخيه، فقد امتدت يده إلى أخذه ، إلا أن يصده وازع. قال الشاعر:والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم
****
3 = العرب .. لخلق التوحش الذي فيهم، أصعب الأمم أنقياداً بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبعد الهمة، والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم.. وهم مع ذلك أسرع الناس قبولاً للحق والهدى، لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الأخلاق، لما كان من خلق التوحش القريب المعاناة، المتهيء لقبول الخير، ببقائه على الفطرة الأولى، وبعده عما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات .
****
4 = سياسة الملك والسلطان، تقتضي أن يكون السائس وازعا بالقهر والقوة، وإلا لم تستقم سياسته .
****
5 = إن كثير من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين، يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه، والأمر بالمعروف، رجاء في الثواب عليه من الله، ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل مأزورين غير مأجورين، لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم، وإنما أمر به حيث تكون القدرة.. فإن لم يستطع فبقلبه .إن كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق، ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته.. وأكثر المنتحلين لمثل هذا نجدهم موسوسين أو مجانين، أو ملبسين يطلبون بمثل هذه الدعوة رئاسة امتلأت بها جوانحهم، وعجزوا عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية، فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك، ولا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة، فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة، وتسوء عاقبة مكرهم .
****
6 = دولة الموحدين بإفريقية.. صاحبها كثيراً ما يتخذ أجناده.. ويترك أهل الدولة المتعودين للترف، فتستجد الدولة بذلك عمراً آخر.
****
7 = الملك إذا كان قاهراً باطشاً بالعقوبات ، منقباً عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل ولاذوا بالكذب والمكر والخديعة، فتخلقوا بها ، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحرب.. وإذا كان رفيقاً بهم، متجاوز عن سيئاتهم ، استناموا إليه، واستماتوا دونه .
****
8 = اشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولى عصبية غالبة على من معها لعصرها، ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية.. ولا يخاطب بالأمر إلا من له القدرة عليه.. وقل أن يكون الأمر الشرعي مخالفاً للأمر الوجودي .
****
9 = الأمامة من أركان الدين كما يزعمون.. وليس كذلك. وإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى أمر الخلق .
****
10 = الشرطة.. كان أصل وضعها في الدولة العباسية لمن يقيم أحكام الجرائم، ولم تكن عامة التنفيذ في طبقات الناس، وإنما كان حكمهم على الدهماء.. والضرب على ايدى الرعاع.. ثم عظمت نباهتها في دولة بني أمية بالأندلس، ونوعت إلى شرطة كبرى، وشرطة صغرى، وجعل حكم الكبرى على الخاصة والدهماء، وجعل له الحكم على أهل المراتب السلطانية، والضرب على أيديهم من الظلامات، وعلى أيدي أقاربهم ومن إليهم من أهل الحياة، وجعل صاحب الصغرى مخصوصاً بالعامة .
****
11 = الحرب هو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل، وسبب هذا الانتقام في الأكثر: إما غيرة ومنافسة، وإما عدوان، وإما غضب لله ودينه، وإما غضب للملك وسعى في تمهيده، الأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة، والعشائر المتناظرة. والثاني أكثر ما يكون من الأمم الوحشية، والثالث: هو المسمى في الشريعة بالجهاد، والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها.. الصنفان الأولان منهما حروب بغي وفتنة، والصنفان الأخيران حروب جهاد وعدل .
****
12 = أبو بكر الصيرفي شاعر لمثونه وأهل الأندلس في كلمه يمدح بها تاشفين بن علي بن يوسف.. منها:
يأيها الملأ الذي يتقنع
من منكم الملك الهمام الأروع
ومن الذي غدر العدو به دجى
فانفض كل و هو لا يتزعزع
ومنها في سياسة الحرب:
أهديك من أدب السياسة ما به
كانت ملوك الفرس قبلك تولع
لا أنني أدري بها لكنها
ذكرى تحض المؤمنين وتنفع
خندق عليك إذا ضربت محلة
سيان تتبع ظافراً أو تتبع
والواد لا تعبره وانزل عنده
بين العدو وبين جيشك يقطع
وأصدمه أول وهلة لا تكترث
شيئاً فإظهار النكول يضعضع
واجعل من الطلاع أهل شهامة
للصدق فيهم شيمة لا تخدع .
****
13 = الشهرة والصيت، قل أن تصادف موضعها في المنتحلين للفضائل على العموم، .. ذك أن الشهرة والصيت إنما هما بالأخبار، والأخبار يدخلها الذهول عن المقاصد عند التناقل، ويدخلها التعصب والتشيع، ويدخلها الجهل، .. ويدخلها التقرب لأصحاب التجلة والمراتب الدنيوية. بالثناء وإشاعة الذكر بذلك، والنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطاولون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا من الأكثر براغبين في الفضائل، ولا منافسين في أهلها .
****
14 = لما يتوقعه أهل الدولة من المعاطب.. الكثير منهم ينزعون إلى الفرار عن الرتب، والتخلص من ربقة السلطان، بما حصل في أيديهم من مال الدولة إلى قطر آخر، ويرون أنه أهنأ لهم وأسلم في إنفاقه، وحصول ثمرته، وهو من الأغلاط الفاحشة، … إن الخلاص من ذلك بعد الحصول فيه عسير ممتنع.. لأن ربقة الملك يعسر الخلاص منها. لاسيما عند استفحال الدولة وضيق نطاقها، وما يعرض فيها من التخلق بالشر .أخلاق الملك.. أخلاق غريبة مخصوصة، يحتاج مباشرها إلى مدارتها، ومعاملتها بما يجب لها وربما جهل تلك الأخلاق منهم بعض من يباشرونهم، فوقع فيمالا يرضيه. فسخطوا وصاروا إلى حالة الانتقام، فانفرد بمعرفة هذه الآداب الخواص من أوليائهم، وحجبوا غير أولئك الخاصة عن لقائهم في كل وقت، حفظاً على أنفسهم من معاينة ما يسخطهم على الناس .
****
15 = السياسة المدنية.. عند الحكماء، ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع، في نفسه وخلقه، حتى يستغنوا عن الحكام رأساً، ويسمون المجتمع الذي يحصل فيه.. بالمدينة الفاضلة.. وهذه المدينة بعيدة الوقوع .
****
16 = كانت بالمغرب لهذه العصور القريبة نزعة من الدعاة إلى القيام بالسنة. ينزع منهم في بعض الأحيان الواحد فالواحد إلى إقامة السنة وتغير المنكر، ويعتني بذلك، ويكثر تابعه، فيأخذون في تغيير المنكر بما استطاعوا، إلا أن الصبغة الدينية فيهم لم تستحكم.. لا يعقلون في توبتهم، وإقبالهم إلى مناحى الديانة غير ذلك. لأنها المعصية التي كانوا عليها.. فتجد ذلك المنتحل للدعوة والقائم بزعمه بالسنة غير متعمقين في فروع الاقتداء والإتباع، إنما دينهم الإعراض عن النهب والبغي وإفساد السابلة، ثم الإقبال على طلب الدنيا، فاتفاقهما ممتنع لا تستحكم له صبغة في الدين، ولا يكمل له نزوع عن الباطل جملة .
****
17 = الثقة بكل أحد عجز، وتدل على العجز.. إلا أن العوائد تقلب طباع الإنسان إلى مألوفها، فهو ابن عوائده، لا ابن نسبه، ومع ذلك، فالخديم الذي يستكفي به، ويوثق بفنائه.. لا يعدو أربع حالات: إما مضطلع بأمر ولا موثوق فيما يحصل بيده، وإما العكس في إحداهما فقط مثل: أن يكون مضطلعاً غير موثوق، أو موثوق غير مضطلع، فإما الأول وهو المضطلع الموثوق، فلا يمكن أحد استعماله بوجه، إذ هو باضطلاعه وثقته غني عن أهل الرتب الدنيئة،.. فلا يستعمله إلا الأمراء أهل الجاه العريض لعموم الحاجة إلى الجاه، وأما الصنف الثاني، وهو ممن ليس بمضطلع ولا موثوق، فلا ينبغي لعاقل استعماله،.. فهو على كل حال كلّ على مولاه. فهذان الصنفان لا يطمع أحد في استعمالها، ولم يبق إلا استعمال الصنفين الآخرين: موثوق غير مضطلع، ومضطلح غير موثوق.. الا أن المضطلع ولو كان غير موثوق، ارجح لأنه يؤمن من تضييعه، ويحاول التحرر من خيانته جهد الاستطاعة. وأما المضيع ولو كان مأموناً، فضرره بالتضييع أكثر من نفعه .
****
18 = النوع الإنساني لا يتم وجوده إلا بالتعاون، … ثم أن هذا التعاون لا يحصل إلا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع، ولما جعل لهم من الاختيار، وأن أفعالهم إنما تصدر بالفكر والروية، لا بالطبع. وقد يمتنع من المعاونة، فيتعين حمله عليها، فلابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم، لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع.. لأنه قد لا يتم الخير الكثير إلا بوجود شر يسير .
****
19 = اعلم أن الكبر والترفع من الأخلاق المذمومة، إنما يحصل من توهم الكمال، وإن الناس يحتاجون إلى بضاعته، من علم أو صناعة، كالعالم المتبحر في علمه، والكاتب المجيد في كتابته، والشاعر البليغ في شعره، وكل محسن في صناعته، يتوهم أن الناس محتاجون لما بيده، فيحدث له ترفع عليهم بذلك، وكذا يتوهم اهل الأنساب ممن كان في أبائه ملك أو عالم مشهور.. فيستنكف أحدهم عن الخضوع، ولو كان للملك. ويعده مذلة وهوانا وسفها، ويحاسب الناس في معاملتهم أياه، بمقدار مايتوهم في نفسه،.. ويستمر في عناء عظيم،.. أما الثروة فلا تحصل له أصلاً، ومن هذا اشتهر بين الناس، إن الكامل في المعرفة، محروم من الحظ، وإنه قد حوسب بما رزق من المعرفة، واقتطع له ذلك من الحظ.. ومن خلق لشيء يسر له.
****
20 = أهل الصنائع الدينية لا تضطر إليهم عامة الخلق، وإنما يحتاج إلى ما عندهم الخواص، ممن أقبل على دينه، وأن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات، فليس على وجه الاضطرار والعموم، فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الأكثر،.. وهم أيضاً لشرف بضائعهم أعزة على الخلق وعند نفوسهم .
****
21 = إن التجار في غالب أحوالهم، إنما يعانون البيع والشراء، ولا بد فيه من المكايسة ضرورة،.. والمكايسة بعيدة عن المرؤة التي تتخلق بها الملوك والإشراف.. فأجدر بذلك الخلق أن يكون في غاية المذلة.. ولذلك تجد أهل الرئاسة يتحامون الاحتراف بهذه الحرفة .
*****
22 = يحمد الرخص في الأقوات.. والعمالة من الخلق هم الأكثر في العمران، فيعم الرفق بذلك، ويرجح جانب القوت على جانب التجارة في هذا الصنف