15‏/10‏/2008

الفلسفة - تشخيص الجابرى .

الفلسفة اليوم اما غائبة واما مهمشة، كما في اقطار المشرق . اما في المغرب العربي حيث كان للفلسفة مكان و اعتبار في المدارس الثانوية والجامعات وسوق الثقافة عموما .. فقد تراجع حضورها وتقلص لاسباب سياسية في الغالب .
الفلسفة مطلوبة، اليوم على الاقل .. من الكلام في الشؤون العامة ومناقشتها وابداء الراي فيها والحجاج حولها نشات الفلسفة في اليونان ، ومعلوم ان الكلام والمناقشة و الحجاج والجدال في الشئون العامة ، كل ذلك انما يتم بواسطة اللغة ، واللغة السياسية بالتحديد. وبتعبير – (جان فيرمان ) في كتاب له صغير لكنه جيد و مرجع في الموضوع –.. الحضور الدائم للكلام وتفوقه على الوسائل الاخري التى تمارس بها السلطة.. "العقل اليونانى لم يتشكل من خلال علاقة الانسان بالاشياء (الطبيعة) بقدر ما تكون خلال علاقة الناس بعضهم ببعض". العودة الي الفلسفة هى اليوم ، كما كان الشان بالامس ضروره .. العودة الي الفلسفة حكمة.
المفكر المغاربي : محمد عابد الجابرى
قضايا في الفكر المعاصر.

هناك 3 تعليقات:

د.الفيتوري يقول...

محمد عابد الجابري يفوز بجائزة ابن رشد للفكر الحر لعام 2008


فاز المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري بجائزة ابن رشد للفكر الحر لعام 2008 وقالت المؤسسة ان سبب منح الجابري هذه الجائزة المهمة لانه تقصّى في دراساته أسباب تعثّر النهضة العربية.
ويعتبر المفكر المغربي الكبير محمد عابد الجابري أحد رواد الفكر العربي المعاصرين الذي أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والدراسات التي تهدف إلى إعادة قراءة التراث العربي كخطوة تمهيدية ضرورية للمُضي قدماً في المشروع النهضوي الذي عالجه الجابري على مدى نصف قرن من الزمان.
ويرى الجابري بضرورة احتواء الماضي بعد تصحيح معرفتنا به، وبضرورة هضم الثقافة العالمية واستيعاب مضامينها استيعاباً واعيا.
وكان الجابري قد عمل في المجال التربوي كمعلم ومفتش ومدير مدرسة وأصدر كتباً في هذا المجال وشارك في تحرير العديد من الصحف والمجلات الثقافية وأدى انخراطه في العمل السياسي المعارض إلى اعتقاله وفي ما بعد عين الجابري أستاذاً للفلسفة والفكر الإسلامي بكلية الآداب في جامعة محمد الخامس بالرباط.
وستُمنح جائزة ابن رشد للفكر الحر للمرة العاشرة على التوالي وذلك يوم الأربعاء الموافق 12 كانون الأول (ديسمبر) 2008 وهو ذكرى وفاة فيلسوف العرب الأكبر ابن رشد وذكرى الاعلان عن حقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة.
وتكرس مؤسسة ابن رشد جهدها لدعم حرية الرأي وممارسة الديمقراطية في العالم العربي مهتدية بذلك بفكر الفيلسوف ابن رشد ودوره البارز في الحوار بين الثقافات. وقد قدّمت المؤسسة جوائزها حتى الآن للمبدعين العرب في حقول: الصحافة والإعلام، تحرر المرأة، الفكر النقدي، السياسة، الفلسفة، الأدب الملتزم، الإصلاح الديني وحقوق الإنسان والإخراج السينمائي .
وكان محمد عابد الجابري قد اكد في احدى كتاباته (إن بلدا متخلفا لا يمكن أن يشق طريقه نحو التنمية الحق إلا مع نشر الثقافة والتعليم على أوسع نطاق وفي كل مجال: لنترك مئة وردة تتفتح وحينئذ سنقطف من الثمار ما لا يقدر ثمنه).
أما الإشكاليات التي شغلت ذهن الجابري طيلة هذا الوقت فهي: هل بإمكان بناء نهضة بدون عقل متفتّح؟ ولماذا لم تتطور أدوات المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية خلال نهضتها في القرون الوسطى لتمتد حتى يومنا الحاضر؟ وكان المدخل الذي اختاره الأستاذ الجابري في أبحاثه هو المنهجية النقدية القائمة على العقل والتحليل المعرفي (الأبستيمولوجي) .
وقد بدأ المشروع الفكري النهضوي للجابري عام 1980 وأدى صدور كتبه المتعاقبة في هذا المجال إلى إثراء مجال الدراسات النهضوية. وقد انتشرت أفكار الجابري في أنحاء الوطن العربي في ذات الوقت الذي لاقت أفكاره فيه انتقادات ودارت حولها المناقشات في العديد من الندوات والمحافل الفكرية .
وشهد عقد الثمانينات من القرن المنصرم أهم الأعمال الفكرية للجابري والتي بدأت بـ (نحن والتراث، 1980) الذي مهّد لرباعيته انقد العقل العربيب (تكوين العقل العربي 1984، بنية العقل العربي 1986، العقل السياسي العربي 1990، العقل الأخلاقي العربي 2001( .
كما صدرت له في عقد التسعينيات كتابات هامة تناول فيها بدقة إشكاليات الفكر العربي المعاصر. ولا بد من الإشارة هنا إلى كتبه التي واصل فيها نقد العقل العربي في قضايا معاصرة مثل (الديمقراطية وحقوق الإنسان، 1994) و(المسألة الثقافية في الوطن العربي، 1994) و(الدين والدولة وتطبيق الشريعة، 1996) و(قضايا في الفكر العربي المعاصر،1997) و(المثقفون في الحضارة العربية، 1996). والذي كان هدف الجابري الأساسي في هذا الكتاب هو الحد من اغتراب المثقف العربي وإثبات النهج المستقل في تحليل حوادث التاريخ وتداخل السياسي في الديني كما جاء في تفسيره لمحنة المفكر ابن حنبل في الشرق الإسلامي ونكبة ابن رشد في الغرب الإسلامي.
استطاع الجابري عبر سلسلة (نقد الفكر العربي) شرح العقل العربي عبر دراسة المكونات والبنى الثقافية واللغوية التي بدأت من عصر التدوين ثم انتقل إلى دراسة العقل السياسي ثم الأخلاقي، وهو الذي ابتكر مصطلح االعقل المستقيلب وهو يعني به ذلك التفكير التقليدي الذي يسود في بعض الأوساط العربية الذي يبتعد عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرى ويرى بذلك أن العقل العربي بحاجة إلى إعادة إحياء.
وتجب الإشارة في هذا السياق الى أنّ الجابري قام بالإشراف على تحقيق علمي ونشر الكتب الأصيلة لابن رشد أي تلك التي ألفها (خارج شروحه على أرسطو) مع تزويدها بمدخل ومقدمة تحليلية وشروح وذلك للكتب التالية: افصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصالب الذي يدافع فيه ابن رشد عن الفلسفة موظفاً فهمه العقلاني للعلاقة بين الدين والفلسفة وبالكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملةب الذي انتقد فيه طريقة المتكلمين الأشاعرة في إثبات العقيدة الإسلامية، وبتهافت التهافتب الذي رد فيها على كتاب الغزالي اتهافت الفلاسفةب وكتاب االكليات في الطبب وكتاب االضروري في السياسةب وهو تلخيص السياسة لأفلاطون الذي تعاون الجابري فيه مع زميل له بترجمة النسخة الوحيدة المتبقية من الكتاب من اللغة العبرية إلى العربية وإعادة صياغة عبارات الكتاب وفق أسلوب ابن رشد واصطلاحه.
وقد ختم الجابري تحقيقه لأعمال ابن رشد بكتاب خاص بعنوان: اابن رشد سيرة وفكرب شرح فيه مراحل حياة ابن رشد ومشاريعه الإصلاحية في الفقه والنحو والعقيدة والطب والفلك والفلسفة والسياسة.
ويرفض الجابري القراءات التي تقوم على ما أسماه 'الفهم التراثي للتراث' ويدعو إلى التعامل مع التراث بشكل يجعله 'معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا في آن واحد' وبالتالي يجب أن نتطلع إلى بناء مستقبلنا من فهم واع لمعطيات واقعنا وخصوصية تاريخنا ومقومات شخصيتنا.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى اشتهرت حوارات الجابري المطولة مع المفكر المصري حسن حنفي وقد نشرت في كتاب احوار المشرق والمغربب تطرقت لقضايا سياسية واجتماعية هامة، وقد أثارت هذه الحوارات ردود فعل واسعة في الأوساط الفكرية والسياسية حتى أُطلق عليها احوار الثمانينياتب. وفي الوقت الذي يقرأ فيه الجابري فلسفة ابن سيناء بسلاح النقد لنزوعه إلى دمج الفلسفة في الدين والدين في الفلسفة في إطار رؤية إشراقية سماها بعض الباحثين االتصوف العقليب يأخذ على الفارابي جموحه القوي إلى التوفيق بين الفلسفة والدين على أساس مقولته الشهيرة اما في الدين مثالات لما في الفلسفةب.
ويعتبر الجابري أن الفلسفة العربية الحقة هي التي تفصل ما بين خصوصية الفلسفة وخصوصية الدين كما تتمثل في فلسفة ابن باجة وابن طفيل، وفي فلسفة ابن رشد بصفة خاصة.
هذا وقد صدر مؤخراً للجابري كتاب جديد بعنوان امدخل إلى القرآن الكريم : التعريف بالقرآنب 2006، أتبعه بكتاب من ثلاثة أجزاء: افهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزولب (بدل ترتيب المصحف)، وقد صدر منه الجزء الأول 2007، والثاني 2008 .
وخلاصة القول أن مؤلفات الجابري تشكل مشروعاً فكرياً رصيناً وإسهاماً جليلاً في تحديث الفكر العربي المعاصر.
وقد اعتذر المفكر محمد عابد الجابري عن الحضور إلى برلين لتسلم الجائزة لأسباب صحية (عملية جراحية) وسترسل له لاحقاً. كما ستنشر له المؤسسة مقالاً باللغتين العربية والألمانية سيرسله لاحقاً عوضاً عن الاحتفال الذي كان مرتبطاً بحضوره بالإضافة إلى مقالة تكريمية من السيد ميخائيل جيبل.

ومن الجوائز التي وافق على استلامها:
ـ جائزة بغداد للثقافة العربية التي تمنحها اليونسكو 1988
ـ الجائزة المغاربية للثقافة. تونس 1999
ـ جائزة الدراسات الفكرية في العالم العربي تحت رعاية اليونسكو - 2005
ـ جائزة الرواد مؤسسة الفكر العربي بيروت 2005
ـ وميدالية ابن سينا من اليونسكو في حفل تكريم شاركت فيه الحكومة المغربية بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة الرباط/الصخيرات 2006
اما الجوائز التي اعتذر عنها فهي :
ـ اعتذر في أواخر الثمانينات عن الترشيح لجائزة صدام حسين 100 ألف دولار
ـ اعتذر عن جائزة المغرب مرارا
ـ اعتذر في عام (2001) عن جائزة الشارقة التي تمنحها اليونسكو 25) ألف دولار(
ـ اعتذر في سنة 2002 عن جائزة العقيد القذافـي لحقوق الإنسان (32 ألف دولار) .
ـ اعتذر عن العضوية في أكاديمية المملكة المغربية مرتين مع تأكيده في المرة الأولى على تفضيله البقاء ضمن موقعه في المعارضة، وككاتب بهذه الصفة

بسام عويضه
برلين - االقدس العربي

د. الفيثو يقول...

الرأسمالية القديمة تحولات مفصلية
د. محمد عابد الجابري


2009/05/07





قدم لينين تبريراً معقولا ومقبولا لعدم انفجار تناقضات الرأسمالية الأوروبية في بلدانها, بسبب تدخل عامل جديد في المعادلة هو: الاستعمار الذي وجدت فيه الرأسمالية عنصراً معطلا للمعادلة التي ارتأى ماركس أنها تحكم على الرأسمالية بالانهيار. ومع أن الاستعمار الأوروبي قد بدأ في عصر ماركس فإنه قد استهان به, بل لقد رأى فيه عاملا على تحويل النضال ضد الرأسمالية في أوروبا إلى نضال عالمي سيعجّل بالثورة "البروليتارية" ضدها. ذلك أنه كان يتوقع أن تساعد الطبقة العاملة الأوروبية, التي "تهاجر" مع الاستعمار, على تطوير وعي الفئات العمالية التي تتكون في المستعمرات من خلال مشاريع المستعمِرين الصناعية هناك, فتجعل المستعمرات تنخرط في الثورة العالمية على الرأسمالية, ومن هنا نداء ماركس المشهور "أيها العمال في جميع أنحاء العالم اتحدوا!".

لكن ماركس أخطأ خطأ كبيراً حينما تجاهل "المسألة القومية", فجعل التاريخ كله عبارة عن صراع الطبقات, ممدداً النتائج التي استخلصها من تحليل واقع أوروبا, الذي كانت تبنيه الثورة الصناعية, على جميع البلدان التي سميت ب¯"البلدان المتخلفة".

وهنا سيلعب ما سماه هيجل ب¯"مكر التاريخ" دوره كاملا. لقد انقض لينين لقيادة الوضع الثوري في بلاده روسيا القومية الملكية, فنادى بما سماه "إمكانية قيام الثورة الاشتراكية في بلد واحد", الشيء الذي يعني ركوب "النزعة القومية" التي كانت تحرك البرجوازية الروسية وتوجيه نضالات الطبقة العاملة التي كانت تتكون في حضنها إلى "الثورة" على البرجوازية الروسية نفسها أولا ثم على الرأسمالية العالمية التي تحولت إلى "إمبريالية" (توسع إمبراطوري الطابع والأهداف).

إن قيام "الثورة الاشتراكية" في روسيا البلد المتخلف كان الإخفاق الثاني لما عرف ب¯"تنبؤات ماركس", فلننظر كيف يبرر هذا الإخفاق أحدُ المنظرين الماركسيين القدامى الذي كان من المعجبين بلينين وستالين ثم بالرئيس تيتو الذي شغل لديه منصباً في منزلة "نائب الرئيس", وذلك قبل أن يرتد من "الشيوعية إلى الديمقراطية".

عقد ميلوفان دوغلاس (الشيوعي اليوغوسلافي المنشق على نظام تيتو) في كتابه "الطبقة الجديدة المسيِّرة" La nouvelle classe dirigeante 1957 فصلا تحت عنوان "خصائص ثورة", حلل فيه بإيجاز الأسباب التي أدت إلى قيام الثورة في بلد متخلف كروسيا القيصرية, خلافاً لما توقعه ماركس. ويمكن تلخيص نظريته في عبارة واحدة هي: عجز البرجوازية المحلية في البلد المتخلف عن إنجاز الثورة الصناعية أمام ضغط ضرورة التصنيع. لقد تخلفت روسيا القيصرية عن ركب الثورة الصناعية -وهي البلد الأوروبي الوحيد الذي لم "يحضر" عهد النهضة والإصلاح. ورغم البروليتاريا الروسية قد حققت تقدماً وازدهاراً في بعض المؤسسات الاقتصادية الأساسية فإن روسيا قد بقيت ترزح تحت نظام شبه إقطاعي وتحت نظام ملكية مطلقة وبيروقراطية مركزة. وهكذا لم يقدَّر لروسيا أن تستيقظ من سباتها حتى وجدت نفسها فريسة للرأسمالية الحديثة وتحت قبضة البنوك الأجنبية الكبرى.

أما الرأسمالية المحلية فلم تكن قادرة على القيام بأي عمل, بل إنها لم تكن إلا أداة وذيلا للرأسمالية الأجنبية. وهكذا لم يكن من الممكن أن تقوم البرجوازية الروسية بمهام الثورة الصناعية بل بالعكس من ذلك فإن البروليتاريا التي أوجدها الفقر المتزايد في وسط الفلاحين هي وحدها التي كانت تتوقف حياتها على الثورة الصناعية, وهي وحدها التي كان في إمكانها القيام بهذه الثورة. ولم يكن من الميسور في روسيا اتباع الطريق التقليدي نحو الثورة الصناعية, طريق نمو النظام الرأسمالي, فكان لا بد من سلوك طريق آخر هو "التحالف بين العمال والفلاحين".

إن الحاجة إلى التصنيع هي التي كانت -في نظر دوغلاس- الدافع الأساسي لقيام الثورة في البلدان المتخلفة كروسيا! ولم تجد هذه البلدان إلا الأحزاب الشيوعية كمعبر عن حاجتها. وهذا ما مكن تلك الأحزاب من الوصول إلى الحكم لتقوم بالدور الذي فشلت البرجوازية في القيام به. ففي روسيا لم يكن في إمكان أي حزب أن ينجح ما لم يقرن كفاحه ضد الرأسمالية بعزمه على القيام بمهام إحداث الثورة الصناعية. وتلك هي "الطبقة الجديدة المسيرة" التي حلت, في آن واحد, محل ممثلي الإقطاع وممثلي البرجوازية!

ويلخص دوغلاس رأيه بهذا الصدد في هذه الفقرة: "مهما كان الحال فإن الأمر الواقع, (السائد في زمانه 1957), في بلدان أوروبا الشرقية هو أن الاشتراكية فرضت نفسها إيديولوجياً كشعار وكالتزام وكعقيدة وكمثل أعلى, وفرضت نفسها عملياً: كشكل خاص من "الحكم الملكي" (حكم ستالين) يُمكِّن من قيام الثورة الصناعية ويجعل من الممكن قيام إنتاج أكثر اعتماداً على العقل والعلم وأوسع مجالا".

ويبقى السؤال: هل حققت أوروبا الشرقية "اشتراكيتها" بنفسها أم بتدخل الجيش الروسي (السوفييتي في الحرب العالمية الثانية)? ثم هل كانت "الثورات الاشتراكية" في روسيا ومعسكرها السوفييتي طريقاً لمحاصرة الرأسمالية وشل انتشارها أم أنها كانت بالعكس من ذلك, في أوروبا وامريكا, عامل "تضامن توحيد" وتحالف عسكري واقتصادي وسياسي وديني ضد الشيوعية التي باتت تعني "عالم الديكتاتورية" في مقابل "العالم الحر", عالم "الديمقراطية"?

فعلا كان وجود الاتحاد السوفييتي كقطب عالمي ثانٍ من أهم العوامل الخارجية التي دفعت عالم الرأسمالية إلى التحالف والتضامن, وبالتالي إلى تحويل التناقض "التاريخي" بين البرجوازية والطبقة العاملة إلى مجموعة من التناقضات الثانوية التي تُسَكَّن أو تُحل بالحوار والالتجاء إلى الحلول الوسطى وتقاسم المنافع بصورة ما!

كان هذا "التحول والتحويل", اللذان حدثا ابتداء من نجاح الثورة البلشفية, هو ما ركز عليه الكاتب الإنجليزي العمالي ذو النزعة التطورية جون ستراشي, في تحليله لأهم التطورات التي اعْتَرت الرأسمالية الحديثة وأنقذتها من انفجار تناقضاتها, وذلك في كتابه القيم "الرأسمالية المعاصرة" (Contemporary Capitalism 1956).

يبدأ ستراشي بالإشارة إلى أن الاقتصاد الرأسمالي إنما قام أساساً على التنافس, مؤكداً أن عملية التنافس تعمل باستمرار, وبقوتها الذاتية وتمشياً مع منطقها الداخلي, على خلق وحدات اقتصادية ضخمة, قليلة العدد, تخوض هي نفسها معركة التنافس بشكل جديد. ذلك أن التناقض بين التضخم في الحجم (وحدات اقتصادية واسعة السيطرة والنشاط) والتقلص في العدد (اندماج شركات عدة في شركة واحدة) قد غير من طبيعة الرأسمالية! ذلك أنه عند نقطة معينة من هذا التنافس يغدو مديرو هذه الوحدات العملاقة قادرين على التأثير في الأسعار بدلا من التأثر بها, هذا فضلا أن تمركز بعض ميادين الاقتصاد, داخل البلد الواحد, بسرعة أكبر من غيرها يفقد الرأسمالية ذلك التناسق الداخلي الضروري لازدهارها. وفقدان التناسق في عملية التمركز تلك يقلب ميزان القوى في المنافسة بين دولة وأخرى, كما بين الرأسمال والعمل, وبين الصناعة والزراعة, داخل البلد الواحد نفسه. ثم إن ظهور الأوليغوبولي (وحدات كبيرة الحجم قليلة العدد) قد عزز الصناعة على حساب الزراعة, كما عزز مركز الأقطار الصناعية على حساب الأقطار غير المتطورة. وفي هذه الحالة تصبح الدولة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعملية الإنتاج, وبالتالي يتقلص دورها الحكَم, لتلعب دوراً يزداد أهمية في "لعبة الإنتاج".

ومن جهة أخرى تعمل هذه الوحدات الكبيرة الحجم والقليلة العدد على تحقيق تراكم ما هو ضروري من الرأسمال الجديد, لتحقيق التقدم التكنولوجي. وهكذا لم يعد الأفراد هم الذين يقومون بالادخار كما كان الأمر في المراحل السابقة من الرأسمالية, بل إن المؤسسات العملاقة هي التي باتت تقوم بمهمة الادخار الجم, بعملية بسيطة, هي عدم توزيع نسبة كبيرة من الأرباح على حملة الأسهم. واستعمال تلك الأرباح كرأسمال جديد.

ومن خصائص الرأسمالية الحديثة أيضاً أن الرجل الرأسمالي, الذي كان من قبل يملك أدوات الإنتاج ويشرف على الإنتاج بنفسه لم يعد اليوم بإمكانه ذلك: إن مديري الشركات هم الذين يديرون العمل مع أنهم "لا يملكون"! وانفصال الملكية عن الإدارة يغير من طبيعة الأسلوب في التسيير ومن طبيعة الأهداف المتوخاة. إن الاقتصاد يصبح خاضعاً أكثر فأكثر لسيطرة رأسمال المالي (البنوك), وليس للأشخاص...

تلك أهم خصائص المرحلة الجديدة من الرأسمالية في نظر ستراشي, خصائص غيرت من طبيعة الرأسمالية إلى درجة "أن المرحلة النهائية للرأسمالية -كما يقول- سيخلفها شكل جديد من "النظام الرأسمالي", سيكون من قبيل استعمال الألفاظ جزافاً تسميته "رأسمالية". وللمقال صلة.

د. الفيثو يقول...

التسلية الفلسفية

فرانس ريختين - إذاعة هولندا العالمية

17-05-2009


"ورثنا الفلسفة من العائلة" يقول مارتن. "الفلسفة هي في جوهرها طرح الأسئلة، والنقاش حولها، وقد كان والدانا في خلاف دائم حول كل شيء. وهذا ينطبق علينا نحن الاثنين أيضاً." ويضيف شقيقه فرانك: "أنا اكتب متابعات ومقالات لمجلة "فيلسوفي مغازين" وقد طلبوا مني أن أكتب شيئاً مشابها، ولكن لقراءته في مقهى. عندها اقترحت علي زوجتي أن أفعل ذلك بالاشتراك مع أخي مارتن، قائلة: لديكما دائماً خلاف في الرأي."



"من يكتب استعراضات للكتب، لديه سلطة، يمكنه أن يروج لكتاب، وأن يسفه كتاباً آخر، لكن ما يكتبه يظل رأياً شخصياً. في هذه التجربة، يسمع الجمهور رايين مختلفين، وله أن يخرج بتقييمه الخاص." مارتن يرى أن ما ذكره أخوه فرانك يتعلق بجوهر الفلسفة: تحريض الناس على التفكير. "هذا هو أيضاً ما أسعى لتقديمه لهم. اقرأوا الفلاسفة الكبار، ثم كونوا آرائكم."



السعادة ومضادات الكآبة

ماذا بوسعك الآن أن تفعل بالفلسفة؟ يجيب مارتن ميستر من خلال مثال: "أظهر إحدى الدراسات مؤخراً أن سكان هولندا هم الأكثر سعادة في العالم. مع ذلك فإن حوالي مليون هولندي يتناولون الحبوب المضادة للكآبة. يمكن للفيلسوف أن يفكر بهذا الأمر ويطرح أسئلة حوله. على ضوء هذه الاسئلة يستطيع العلم أن يجد أجوبة."



يرى كلا الأخوين أن هولندا كانت لزمن طويل "بلد المواعظ الكنسية". بالمقارنة مع بلدان قريبة مثل ألمانيا وفرنسا، نلاحظ أن هولندا اقل اهتماماً بالفلسفة، على سبيل المثال في المدارس الثانوية.


فيلوتينمينت

ولكن هل الـ "فيلوتينمينت"، أو "التسلية الفلسفية" هي الطريقة الصحيحة لتشجيع الفلسفة؟ يجيب مارتن: "خذ مثلاً الفيلسوف التلفزيوني باس هارينغ، إنه يقول: انظروا جيداً إلى الشجرة، إنها جميلة، ومهمة وذات قيمة. ولكن لماذا؟ نحن لا نحبذ أن يكون أمام منزلنا عمود كهرباء، وقد يقلل هذا من قيمة المنزل في السوق. لكن لماذا نراه قبيحاً؟ في الماضي كان الناس يرون الطبيعة شيئاً قبيحاً ومخيفاً، وفجأة مع ظهور المذهب الرومانسي بدأنا نرى الطبيعة جميلة، وصرنا نذهب للتنزه فيها."


ما هي أجمل المقولات الفلسفية حسب الشقيقين؟ مارتن ميستر يختار عبارة مفكر الأنوار عمانوئيل كانت: "تجرأ على التفكير." أما فرانك فيردد عبارة جياني فاتيمو "أعتقد أني أعتقد." لكن الأخوين يتفقان على أن العبارة الأجمل هي لشوبنهاور: "كلما كان المرء أكثر استعداداً للشر، كلما كان بوسعه أن يبدو حميمياً."

http://www.rnw.nl/hunaamsterdam/culture/culturbarnch/17050902