14‏/10‏/2008

فلسفة التحليل اللغوى

تشيع في انجلترا الآن ، وفي جامعة اكسفور بالخصوص ، فلسفة تحليلية من نوع جديد ، قد يرى البعض تأثير مفعولها بأنه لا يختلف عن ما يؤديه التحليل النفسي . هذا الاتجاه الجديد والأصيل في الفلسفة يعود إلى لودفيج فتجنشتين Ladwing Wittgenstein المولود في فيينا عام 1889 والمتوفي في كمبردج ( انجلترى ) عام 1951 . بدأ فتجنشتين دراساته في ميدان الهندسة engineering ، حيث اهتم في البداية بالآلات ENGINES ، ثم تحول إلى تصميم محركات الطائرات، حيث العمل في صميمه مهمه رياضية. توجه اهتمامه بعد ذلك إلى الرياضيات البحثة ثم إلى أسس الرياضيات. حين وصل لهذه النقطة في توجهه العلمي، انتقل لكمبردج للدراسة مع برترند رسل Bertrand Russell ، وقد كان ذلك فيما يبدو بناءً على نصيحة فيلسوف الرياضيات الألماني فريجه Frege . لم يترك فتجنشتين الفلسفة حتى وفاته. لكنه غير اتجاهه الفلسفي جذريًا . فكتابه الهام رسالة فلسفية منطقية tractatus logico – philosophicus ( الذي ظهر عام 1922 ) يمثل رؤيته الخاصة وتطويراته لمذهب رسل في الذرية المنطقية logical atamism . حوالي عام 1933 ابتدأ تحوله الفلسفي الأساسي الذى امتص كل طاقاته الفكرية حتى وفاته . رغم ان كتاب فحوص فلسفية philosophical investigtion ، وهو أول كتبه في موضوع فلسفتة الجديدة – فلسفة التحليل اللغوي ، لم يظهر إلا بعد وفاته عام 1953 ، فإن تلامذته والمهتمون بالفلسفة في انجلترا ، وبالعموم المتابعين لمحاضراته ، كانوا منذ بداية تحوله الفلسفى على علم بارائه الفلسفية الجديدة . لقد حظيت جامعة كمبردج أنذاك بفيلسوفين آخرين هما برتراند رسل ( الذي تركها لأمريكا فترة طويلة ) وجورج مور G.E. Moore. لكن تأثير فلسفة فتجنشتين الجديدة كان كاسحاً ومازال ، رغم المعارضة الشديدة التي تلقاها فلسفته داخل انجلترا من فيلسوف مثل كارل بوبر karl popper .كمدخل لفهم هذه الفلسفة اللغوية يمكن القول بأن نقطة البداية فيها هي رفض أو إنكار لثلاث مسلمات أساسية في الذرية المنطقية ( التي يمثلها رسل وفنجشتين في المرحلة الأولى لتفلسفه ) المسلمة الأولى هي أن الغرض الأساسي في اللغة هو استخدامها لتقرير وقائع Facts عن العالم ، والثانية أن الجمل اللغوية صور pictures للوقائع . هذه القابلية في اللغة هي التي تعطيها القدرة على الإشارة إلى العلم، أو هي التي تعطي الجمل معنى Meaning . إذن فالجمل تأخذ معناها بطريقة واحدة وذلك بتصويرها لوقائع. المسلمة الثالثة أن أي لغة لا بد أن تكون لها بُنية Structure. تظهر هذه البنية وتبرز في أشكال القضايا التي نجدها في المنطق الرياضي الحديث . البنيات التي نجدها في المنطق الحديث هي أساسًا البنية التي لأي لغة. في إنكاره للمسلمة الأولى يرى فتجنشتين أننا لو لاحظنا اللغة لوجدناها تستخدم لأداء أغراض متعدده . يستخدم الناس الكلمات للوصف وللتعبير عن رغبات ولإعطاء أوامر وللترجمة ولقص القصص وللتمثيل والسؤال والشكر والسباب والتحية والدعاء الخ.... هناك عدد لا يحصى من الجمل و أنواعها ، وعدد لا يحصى من استخداماتها . لكن هل هناك شيء مشترك بين كل هذه الاستخدامات ؟ أو هل هناك استخدام أساسى موجود فيها كلها في رأي فتجنشتين ليس هناك عنصر مشترك بين استخدامات اللغة المتعددة ، و إن كانت هناك سلسلة من علاقات بينها. ينكر فتجنشتين المسلمه الثانية القائلة بإن الكلمات تأخذ معناها بتصويرها للوقائع. لعل هذا راجع لأن البعض يتصور تعلم اللغة بأنه عملية وضع اسماء للإشارة الى موضوعات. لكن هناك ما لا يحصى من الكلمات التي لا يمكن أن تكون اسمًا لشيء . ثم لو نظرنا بدقة لعملية تسميتنا للأشياء لوجدنا أنها ليست عملية واحدة بل عمليات تتعدد بتعدد استخدام الكلمات. مثلا قد يرى شخص بأننا نسمي الشيء بأن نشير إليه ثم ننطق بالاسم. لكن لو اشرت لشيء وقلت " هذا دائري " فلن أعرف معنى الجملة إلا إذا كنت أعرف مقدمًا انك تشير إلى شكل الشيء الذي أمامنا . الإشارة لا تتغير حين أشير للون مثلاً بدلاً من الشكل فنحن نشير للون والشكل بنفس الطريقة. كيف نعلم إذا كنت تشير لهذا أو ذاك .نتعلم هذا باستخدام كلمة " دائري " مثلاً واستخدام كلمة " أحمر " . الاستخدام هو الذي يحدد معنى الكلمات . وحيث أن الاستخدامات متعددة فلا بد أن عملية واحدة مثل إعطائنا اسما لشيء ستكون متعددة .بالنسبة للمسلمة الثالثة يرى فتجنشتين أن التسليم بكون بنية اللغة هي البنية التي نجدها في المنطق ليس الإ محاولة بفرض تصور معين لنا اخترعناه اختراعًا على اللغة لو نظرنا فيما نسميه عادة " لغة " أو " جملة " لوجدنا أن كل منها ليس شيئًا واحدًا محددًا له بنية معينة بل كل منها يمثل " عائلة family " من البُنيات. في رأي فتجنشتين لا بد أن ننحي جانبًا فكرة أن اللغة شيئًا معزولاً ومنفصلاً ويدعو للغرابة . إن استخدام اللغة عمل عادي ـ جزء من تاريخنا الطبيعي " بقدر ما يكون المشي والأكل والشرب واللعب جزءًا من تاريخنا الطبيعي " ( فحوص فلسفية ، 25 ) . كذلك فاللغة داخله في أشياء كثيرة نعملها : بدون اللغة لا نفهم هذه الأعمال ، وبدون تلك الأعمال لا نفهم اللغة. حين نحاول شرح أو فهم اللغة كثيرًا ما نُدخِل في هذه المحاولة أشياء لا علاقة لها باللغة ، أشياء تتعلق بالناس : من هم وما يريدون وما يعملون . إن خطأ رسل ( و فتجنشتين نفسه في المرحلة الأولى من تفكيره ) أنه لم يرى اللغة كما هي . والسبب في ذلك يعود إلى تصورات معينة تأدت بهم إلى أخطاء معينة عن اللغة . لا يكفي أن نبين هذه الأخطاء ، بل لا بد أن نحدد مصدرها ونزيحها كي نعود لرؤية اللغة بطريقة طبيعية ، ونتفادى أخطاء رسل والذريين المنطقيين عمومًا . إن الذريين المنطقيين " مسحورون bewitched " . ومصدر هذا السحر اللغة ذاتها . إذا نجد في اللغة أشكالاً لأسئلة معينة لها شكل إجابة معين . وعلى هذا يُصرّ ( خصوصًا الفلاسفة منا ) على إثارة هذه الأسئلة والبحث عن تلك الأجوبة . لنأخذ كمثال السؤال الذي أثاره رسل والذريون المنطقيون أعني : ما الاسم ؟ يقول رسل ان " الاسم name هو ما يشير لشيء موجود . لكن ما رأيه في الأسم الذي يشير لشيء غير موجود مثل " الديناصور " الحيوان المندثر ؟ إجابة رسل ان هذا ليس إسمًا لانه لا يشير لما هو موجود. وهو يقترح أن يعبر عنه بأنه " وصف description " . إن الذي يدفع رسل إلى هذه الإجابة الغريبة في رأي فتجنشتين انه أسير " صوره picture " معينة هي صورة آدم تمر أمامه الحيوانات معطيًا إسمًا لكل واحد منها . أو هي بشكل عام صورة الإنسان يتعلم الأسماء بأن يرى الشيء ثم يعطي اسما فيربطه بذلك الشيء . لكن هل تتفق هذه الصورة مع الواقع ؟ إن الاستخدام اللغوي للأسماء لا يتفق في الغالب مع هذه الصورة. معنى الاسم لا يتحدد غالبًا بالإشارة الى شيء ، بل يتم من خلال استخدامه. كي نعرف ما الاسم لا بد أن نبحث عن الاستخدامات المتعددة للأسماء في اللغة، و أن نبحث عن هذه الاستخدامات في سياقات contexts مختلفة. مشكلة رسل ، من وجهة نظر فتجنشتين الجديدة ، أنه نظر للأسماء خارج السياق الذي تستخدم فيه . فأصبح الاسم عنده لذلك مجرد ربط لكمة بموضوع object . إن الأسئلة التي أثارها الذريون المنطقيون مثل السؤال : ما الاسم؟ وما اللغة ؟ وما هي الأشياء التي لها أسم ؟ ليست لها أجوبة واضحة . وعلى هذا يقع هؤلاء الفلاسفة أسرى " صورة " أخرى تؤدي بهم إلى غير الهدف الذي يقصدون. هذه الصور هي أن الشيء غير الواضح لا يفهم بالرجوع إلى أشياء واضحة ظاهرة . بل لابد لفهمه الرجوع إلى شيء أو أشياء خفية. فالسؤال : ما الاسم ؟ إجابته غير واضحة، فلا بد أن تكون عناصر الإجابة خفية ـ وراء الأشياء الظاهرة . هذه أول صوره أسرت الذريين المنطقيين. بعد ذلك تأتي صورة آسرة أخرى تضطرهم لأخذ طريق معين ، أعني صورة تسميه الأشياء وفق قصة آدم ، أو صوره تعلم الأسماء بالإشارة إلى موضوعات. وأيضًا بالنسبة للسؤال : ما اللغة ؟ نجد صورتين آسرتين . الأولى إن الإجابة على هذا السؤال غير واضحة ، فلا بد إذن أن تكون عناصر الإجابة خفية – وراء الظاهر. الصورة الثانية هي صورة منهج التحليل الذي يتأذى من المركبات إلى مكوناتها البسيطة الأولى ، والذي يعتمد المنطق الرياضي ذو القواعد الدقيقة المضبوطة. هؤلاء الفلاسفة فرضوا على اللغة " صورًا " مسبقة مصطنعة تأدت بهم إلى الطريق الذي سلكوه.في أحد محاضراته أعطى فتجشتين مثالاً جيدًا لكيف تقودنا " الصور " إلى غير الطريق السليم . لنفرض أننا شددنا بقوة حبلاً حول الكرة الأرضية عند خط الاستواء . لنفرض أننا أضفنا يارده واحده لهذا الحبل ، وبقى الحبل حول الأرض في شكل دائري . كم سيرتفع الحبل فوق سطح الأرض عندئذ ؟ أجاب الحاضرون بأن الزيادة القليلة ستؤثر تأثير ضئيلاً جدًا ولن يرتفع الحبل بشكل محسوس . الحقيقة ان المسافة ستكون حوالي ستة بوصات . كتعليق على هذا قال فتجنشين بأن هذا هو نوع الخطأ الذي يقع في الفلسفة. إذ نقع أسرى صورة معينة تؤدينا إلى إجابة معينة غير صحيحة. إن الصورة التي أضلتنا في المثال هي المقارنة بين طول الحبل كله بطول القطعة الزائدة . الصورة في ذاتها صحيحة هنا ، فيارده واحده جزء قليل جدًا من الطول الذي سيكون عليه حبل مشدود حول الكره الأرضية . لكن النتيجة غير صحيحة . في الفلسفة نجد نفس الشيء . في رأي فتجنشين كل المشاكل الفلسفية ، وليست مشاكل فلسفة الذرية المنطقية وحدها ، من النوع الذى نكون فيه أسرى صور معينة تؤدي بنا إلى طريق محدد وغير سليم. يصف فتجنشين المشاكل الفلسفية بشكل عام بأنها مشاكل غير واضحة. مشاكل نقول عنها " لا اعرف في النواحي طريقي I don’t know my way about ( فحوص فلسفية ، 124 ). ليس هذا عن جهل . فالمشاكل الناشئة عن عدم معرفتنا بأشياء معينة ليست مشاكل فلسفية . خذ مثلاً مشكلة التنبؤ بحدوث الزلازل أو سبب زرقة بعض العيون. في مثل هذه المشاكل ليس هناك غموض حول ما نبحث عنه ، ولا كيف نبحث عنه ، ولو كان ذلك في حدود محدوده. كذلك فليست المشكلة الفلسفية مسأله رياضية أو منطقية نتوصل لحلها بإجراء حسابات معينة. في المشاكل الفلسفية قد نعرف كل ما يتعلق بالمشكلة ومع ذلك لا ندري طريقتنا . أحيانًا قد نقتنع بإن إجابة معينة توصلنا لها هي الإجابة الوحيدة لمشكلنا ، ومع ذلك نحس ونرى بإن الإجابة مستبعدة . ما هو منشأ هذه الصعوبات بوجه عام ؟ أولاً في اللغة ( أي لغة ) نجد تقسيمات نحوية محدودة ومحدده ، بينما تتعدد الاستخدمات اللغوية وتغزر لدرجة كبيرة . في اللغة نجد تقسيمات نحوية مثل (( الاسم )) و (( الفعل )) و (( الصفة )) . هذه التقسيمات لا تشمل كل حالات الكلمات ، كما لا تشمل كل الاستخدمات الواقعية للكلمات في اللغة العادية اليومية. فالكلمات تستخدم في الواقع بطرق متعددة جدا ومعقدة جدًا . إن استخدام كلمة " يفكر " مختلف عن استخدام كلمة " يأكل " رغم أن الكلمتين تدخلان ببساطة في فئة الأفعال ، و أيضًا يختلف استخدام الأسماء " عقل " و " حائط " و " قمر " بشكل بارز. من أهم المشاكل الفلسفية الناشئة عن وضع الكلمات الثلاثة الأخيرة في فئة واحده ( فئة الأسماء ) هواعتقادنا بأنه لا بد توجد وجو شبه أخرى بينها ، غير كونها أسماء ، حين لا توجد وجوه الشبه هذه. نأخذ مثالاً مما يقوله الفيلسوف جورج مور G.Moore . يناقش مور كلمة " حقيقي real " ويحللها على طريقته قائلاً بإن الصفة " حقيقي " تقال على أشياء كثيرة . فنقول هذا شعر حقيقي ( مقابل المستعار ) ، وهذه فائدة حقيقية ( مقابل المتخيله ) ، ومسدس حقيقي ( مقابل مسدس الألعاب ) ، وهذه فئران حمراء حقيقية ( مقابل تلك التي ترى في الهلوسات ) . في السياقات المختلفة التي تستخدم فيها كلمة " حقيقي " يتضح لنا المراد منها واى مقابلاتها نود استبعاده . لكن مور يتساءل : ما هي الخاصية property التي نريد الإشارة إليها في كل الأشياء التي نصفها بأنها " حقيقية " والتي يشتركون فيها جميعًا ؟ لا يبدو فيما عددنا من امثلة ان هناك شيئًا أو خاصية مشتركة بينها. إذا قلنا إن مجنونًا يحمل مسدسًا حقيقيًا و أن وضعه في مصحة سيكون له فائدة حقيقية ، فلا يعني أن هناك خاصية مشتركة بين المسدس والفائدة إن ما دعا مور للبحث عن خاصية مشتركة هنا أنه ظن بأن " الصفة " ما دامت تستخدم في النحو لتشمل مجموعة من الكلمات ، فلا بد أن هذه الكلمات تشترك في خاصية معينة تجمع بينها. مثل هذا التضليل اللغوي ( إن شئنا أن نستعمل هذا التعبير الردئ ) يمكن أن نصوغه بشكل أعم فنقول أننا حين نجد تشابهًا نحويًا بين كلمتين نضع الثانية مع الأولى فنعتبر أولا أن الاستخدام اللغوي للثانية هو كالأولى . تم نسلم ثانيًا إن الاستخدام اللغوي للأولى يمثل النموذج في الاستخدام اللغوي للكلمتين ولكل ما يشبه الأولى نحويًا . التسليم بإن الاستخدام اللغوي للأولى هو النموذج في الاستخدام اللغوي لكل الكلمات التي تشبهها نحويًا هو " صورة " نفرضها فرضًا على هذه الكلمات. هذا مصدر آخر منه تنبع المشاكل الفلسفية . لكن المسألة لا تتوقف عند حدود التضليل النحوي كما شرحناه . لو نظرنا في مفهوم " البرهان proof " نجد انواعًا منه. هناك البرهان الهندسي والبرهان الفيزيائي والبرهان القانوني والبرهان الديني ألخ . يتصور الفيلسوف واحدًا من هذه على أنه نموذج ويضعه في رأسه كصورة لما يكون عليه البرهان. كل ما لا يخضع لهذه الصورة لا يعود برهانًا عنده. فهو يبدأ من السؤال : ما البرهان ؟ ثم يستعرض في نفسه ما يدور في ذهنه حين ترد كلمة برهان . في رأي فتجنشين يجب أن لا نتوجه إلى تفكيرنا الداخلي بل ان ننظر في اللغة – إلى الاستخدامات اللغوية المختلفة لكلمة برهان . بذلك لا نقع أسرى النموذج أو الصورة. ما العلاج ؟ تحديد استخدامات الكلمات في اللغة ووصف description هذه الاستخدامات ، لن نلجأ هنا للتفسير explanation ، بل تنحصر مهمتنا في وصف الاستخدامات اللغوية للكلمات . هذا هو طريق العلاج من محاولات الفلاسفة المربكه في انتزاع الكلمات من استخداماتها العادية اليومية والنظر للكلمات من خلال " الصور " . وعلى حد تعبير فتجنشتين ، هدف الفلسفة ( كما يجب أن تمارس في رأيه ) هو " إعادة الكلمات من استخداماتها الميتافيزيقية إلى استخداماتها اليومية " ( فحوص فلسفية ، 116 ) وهو أيضًا" أن تبين للذبابة طريق الخروج من قنينة الذباب " ( فحوص فلسفية ، 309 ) لكن أين هو بعد خروجه من القنينة؟ حيث هو – فالفلسفة " تترك كل شيء كما هو " ( فحوص فلسفية ، 124) . لكن جون وزدم John Wisdom ( أحد الآخذين بآراء فتجنشتين في المرحلة الأخيرة التي نعالجها هنا ) لا يوافق تمامًا على هذه النتيجة . يعتقد وزدم انه إضافة لكون المشاكل الفلسفية نتيجة لارتباك لغوي فهي أيضًا نتيجة " اقتحام لغوي linguistic peretration . خذ مثلاً القضية " بعض القطط سوداء " . يصر بعض الفلاسفة على أن معرفة صدق هذه القضية لا يمكن الحسم فيه باليقين. قد يحاجون دفاعًا عن هذا الرأي قائلين بان الأشياء التي يعرف صدقها يقينًا يكون نقيضها مستحيلاً . والمستحيل هو المتناقض . لكن نقيض القضية " بعض القطط سوداء " ( ونقيض كل القضايا التجريبية ) ليس قضية متناقضة . ومن ثم فهي ليست مستحيلة . إذن لا يمكن الحسم بيقين صدق القضية " بعض القطط سوداء " . من وجهة نظر فتجنشينية تقوم هذه الحجة على اعتبار كلمة " يعرف " وكأنها مرادف لكلمة " يبرهن " أو " يبرهن رياضيًا " . أي أننا نأخذ " صورة من الرياضيات والمنطق ونفرضها على اللغة فتشوه رؤيتنا للقضية " بعض القطط سوداء ". نستخدم كلمة " يعرف " في اللغة بعده طرق . في الاستخدام العادي نستطيع أن نقول دون تحرز ان القضية " بعض القطط سوداء " قضية صادقة. لكن وزدم يخرج عن هذا التحليل ويعتقد بأن الفلاسفة المنتقدين قد يحاجون دفاعًا عن رأيهم كالآتي: إن صدق القضية " مجموع زوايا المثلث الداخله = 180 درجة " يقيني . إذا قلنا ان القضية " بعض القطط سوداء " قضية صادق صدقًا يقينيًا فالقضيتين إذن متشابهتين في يقين صدقهما . لكن ألم يقل الناس في الماضي أن القضية " الأرض مسطحه " قضية صادقه باليقين وتبين أنهم مخطئون ؟ قد نكون مخطئين ايضًا في يقين صدق القضية " بعض القطط سوداء " . لكن هل يمكن القول بإننا قد نكون مخطئين . بقولنا ان القضية " مجموع زوايا المثلث الداخله = 180 درجة " ؟ بالطبع لا . حين يقول بعض الفلاسفة أن القضايا التجريبية لا يعرف صدقها باليقين ، فهم يودون تأكيد التشابه بين أنواع من القضايا واختلافها عن نوع آخر . هذه ملاحظات منيره في رأي وزدم . فهي تبرز الاختلاف والتشابه بين انواع من القضايا في استخدامات لا تظهر في استخدامنا اليومي العادي للغة. لكن المشكلة كما اراها ابعد من ان تكون مجرد اقتحام لغوي . مشكلة حرية الارادة مثلاً مشكلة فلسفية قديمة. حين نقول " هذا الفتى مارس حريته في اختيار شريكة حياته " أو " هذا الفتى ليست لديه الحرية في تغيير حياته " فنحن أمام " مواقف " اجتماعية يقتضي فهمها الكثير من التحليل الاجتماعي. بالطبع يمكن القول بأن مشكلة الحرية تدخل إذن نطاق العلوم الإجتماعية ، وبالتالي فهي ليست مشكلة فلسفية . لكن لم لا تكون المعالجه العلميه موضوعًا لمعالجة فلسفية؟ قد نتساءل مثلاً عن المبادئ التي منها استنتجت مثل هذه الممارسات أو عدم الممارسات للحرية ، طبيعتها ومدى وضوحها وأمكانية تبريرها . كما قد نستنتج عدة نتائج أخرى من هذه المبادئ ونقارنها بالسابقة . كما قد نقارن طرق الاستنتاج هنا بغيرها مما نجده في علم كالفيزياء . بل قد نتساءل عن الحد الذي يمكن ان نقول أن مثل هذه القضايا قابله للتفسير في العلوم الأجتماعية . هل هذا عمل النحلة فوق قرص الشمع أم الذبابه ذاهبة آيبة في قنينة جديدة ؟ نبيل الشهابي طرابلس 23/03/1983

ليست هناك تعليقات: