15‏/10‏/2008

اعلام من ليبيا ( الكوني )



الأديب والروائي الليبي المخضرم إبراهيم الكوني بلكانى ... كتاب الصحراء ... مؤرخ ذاكرة الصحراء ... مالك الصحراء ... ابرز الروائيين العرب المعاصرين ، يروق له أن يلتفت إلى تاريخ وثقافة شعبه ، سنده تجربته الحياتية الثرية الخصبة . ولد بواحات الحمادة الحمراء .. عمل بداية السبعينات مراسلاً لوكالة الأنباء الليبية – موسكو – 1975 . ثم مندوباً جمعية الصداقة الليبية البولندية – وارسو 1978 .بعد تخرجه من الجامعة الليبية تحصل إبراهيم الكوني على درجة الماجستير في الأدب من معهد غوركي للأدب العالمي بموسكو في الاتحاد السوفيتي في عام 1977. ثم كمستشار إعلامي للمكتب الشعبي الليبي في جنيف – سويسرا في بداية التسعينيات.تخصص الأديب الليبي إبراهيم الكوني في كتابة الرواية التي تحدثت عن الصحراء الليبية وسحرها وهي التي أكسبت روايته التميز الذي عرف عنها. رشح ونال جوائز أدبية عدة . له العديد من المؤلفات بلغت الستين مؤلفا ، وقد ترجم بعضها إلي لغات عدة ، ومنها :1- ثورات الصحراء الكبرى .3- الصلاة خارج نطاق الأوقات الخمسة دار الكتاب العربي 19744- ملاحظات على جبين الغربة دار الكتاب العربي 19745- جرعة من دم الدار الجماهيرية 19836- شجرة الرتم الدار الجماهيرية 19867- التبر دار الريس 19908- القفص دار الريس 19909- نزيف الحجر دار الريس 199010- السحرة جزأين المؤسسة العربية للدراسات 199411- خريف الدرويش المؤسسة العربية للدراسات 199412- المجوس جزأين دار تاسيلي 199113- الوقائع المفقودة من سيرة المجوس دار تاسيلي 199114- ديوان النثر البري دار تاسيلي 199115- فتنة الزؤان (ثنائية)المؤسسة العربية للدراسات 199516- الخسوف (رباعية) دار ابي ذر الغفاري 198917- الفم الدار الجماهيرية 199618- الربة الحجرية الدار الجماهيرية 199619- وطن الرؤى السماوية الدار الجماهيرية 199720- الخروج الاول دار تاسيلي 199221- صحرائي الكبرى المؤسسة العربية للدراسات 199822- بر الخيتمور المؤسسة العربية للدراسات 199823- عشب الليل المؤسسة العربية للدراسات 199824- واو الصغرى المؤسسة العربية للدراسات 199825- الناموس المؤسسة العربية للدراسات 199826- الدمية المؤسسة العربية للدراسات 199827- الفزاعة المؤسسة العربية للدراسات 199828- ديوان البر والبحر دار الملتقى 199929 – نداء ما كان بعيدا
اقتباسات
" أنت لا تعرف كم قلبها كبير هذه الصحراء ... إنها تمنحك دائما بأكثر مما تعدك . الصحراء أعظم ملجأ للإنسان كما كانت ملجأ للأنبياء .الصحراء خليفة الله في الأرض تنفد تعاليمه وحكمه بحذافير قاسية ... تستطيع أن تزفر صهدا أو أن تعصف ريحا أو أن تصلي نار موقدة لا مهرب منها ، وأسوأ ما تستطيع فعله أن تبخل بالماء ... الحياة في الصحراء جريمة ... إن الإنسان الذي يختار حياة الصحراء لا ينبغي عليه أن يعتمد على احد . لأنه لا يخضع لسلطة احد ، انه يتمتع بكل حريته ،... عليه أن يدفع ثمن الحرية الكاملة التي يتمتع بها بفضل تحرره من السلطة ... يزهد في الدنيا ويختار الصحراء ، وموته كان ثمنا للدفاع عن هذه الحرية ... الجريمة الحقيقية ارتكبتها الصحراء . لم يقتله إلا سعيه للحرية .. الحرية هي المجرمة التي يجب أن ينادى بمحاكمتها " .
الكونى والمرأة
* - النساء مخلوقات مجهولة حقا . ولكن الذي افهمه أو قل أحسسته ، أنها تميل نحوك . لم تصرح لي طبعا ولكني أدركت ذلك بحدسي . إن التعامل مع النساء لا يمكن أن يكون صحيحا بغير الحدس . خطأك انك تحاول أن تنزع من لسانها اعترافا صريحا . إن ذلك يؤذى كبريائها .
* - ما معنى الحياة بدون امرأة ؟ إنها قاسية متوحشة كالصحراء الكبرى .المرأة هي بلسم الوجود ، والدواء الذي يشفي أمراض الروح ويجعل للحياة طعما .الحياة تفقد معناها ، نهائيا عندما تختفي المرأة .تستحق الحياة عندها أن نضع لها حدا عن جدارة .
* - سحر المرأة في الخجل والتمنع . إذا فقدتهما فلا فرق بينها وبين الرجل . إذا فقدتهما فقدت سرها الأعظم الذي يجعل الرجل يركع تحت قدميها .
* - المرأة مخلوق غامض مؤهل لارتكاب اى جريمة .
* - حيثما تكون المصائب فثمة رائحة امرأة .
* - النساء أصل كل بلاء .
* - عشق المخلوق بلبال ... وعشق الخالق سكينة بال ... إذا أقبلت المرأة فرت السكينة ... لا يتجرد القلب من البلبال قبل أن يتخلص من المرأة .
* - تحمل المرأة في جوفها الجنين شهورا ولا تستطيع ولا تستطيع أن تحمل السر في فكيها ساعة .
* - سيندهش العشاق كثيرا لو علموا أن القران المؤسس على المنافع أطول عمرا من القران المؤسس على الحب ... ثمن حب المرأة امتلاك وثمن عدائها كيد .
-----------------------------------------------------------------------------

أصدقاء الكوني
مَظاهر القول القصصي عند إبراهيم الكوني (عبد الجليل غزالة - المغرب )
أماطت الممارسةُ المنهجية القولية النقدية اللثامَ عن بعض ثغرات الطرح البنيوي الألسُني الذي أنجزه العالم السويسري فردينان دو سوسُّور. فما هي هذه الثغرات؟ كيف استطاعت الممارسة القولية (التلفظية) الألسُنية سدَّ هذه النقائص وإضافة الجديد، دون إحداث "قطيعة منهجية" داخل الطرح الألسُني البنيوي؟ يتمحور الطرح البنيوي السوسُّوري حول دراسة النصوص الفعلية دراسة لغوية داخلية/"مثولية" صرفة. فالبنيوية الألسُنية تدرس الأشكال والصيغ اللغوية لأقسام الكَلَم في النص؛ أي أنها تعتمد على تفكيك هذا النصِّ إلى عناصره اللغوية المكوِّنة. ولذلك فإن الضرورة المنهجية غير المشروطة قد دفعت سوسُّور إلى إقصاء العناصر القولية الخارجية، وهي :- المتكلِّم (= المبدع)، الذي يُبرِز ذاتَه وإبداعَه الشخصي الذي يصعب رصده، حسب رأي البنيويين الألسُنيين. فالمتكلِّم (المبدع) يُعَدُّ من اختصاص علم النفس وعلم الاجتماع النفسي. - السياق: وهو مظهر يُبرِز ظروف النصِّ المتغيرة ومرجعيته وأهدافه وعِلِّيَتَه. إن هذين العنصرين القوليين قد أوقعا البنيويين الألسُنيين في تناقض مع طرحهم المنهجي،[1] مما يحرك التساؤلات الآتية: هل يستطيع الباحث البنيوي الألسُني أن يجرِّد النصَّ تداوليًّا (عمليًّا) من سياقه، مهما تغيَّر وتلوَّن؟ وهل يمكن إقصاء شخصية المتكلِّم (أو الكاتب الفاعل) عن عملية الإرسال الألسُني المبثوث داخل النصوص؟ الإطار النظري القولي تقوم الرسالة الشفوية أو النصُّ المكتوب على عنصرين مهمين، هما: أ‌. عنصر المتكلِّم (أو المبدع بتعبيره الشخصي). ب‌. عنصر السياق أو الظرف الذي وُجِدَتْ فيه الإرسالية أو النص. ترى البنيوية الألسُنية أن هذين العنصرين يخرجان عن نطاق اللغة. والحقيقة أن المتكلِّم والسياق يحدِّدان الاتصال بين أبطاله (عوامله)، في ظروف معينة، حيث تكون الصياغة اللغوية البنيوية هي القالب النهائي المحدَّد. تقف البنيوية الألسُنية عاجزة عن خلق نظرية تحدِّد بها السياق والمتكلِّم. وقد حدَّد رومان جاكبسون أنموذجه الوظيفي الألسُني بإدراج المتكلِّم والسياق ضمن مشروع متميِّز، يرتكز على خمسة وظائف وعناصر، هي: المتكلِّم – القانون – المخاطب -- القناة -- السياق والملاحظة أن النظرية القولية (التلفظية) تسدُّ ثغرات البنيوية اللغوية من خلال إضافة دراسات عن: 1. الجانب الذاتي في اللغة.[2] 2. ظروف وأسباب إنتاج النصوص ووضعها. 3. تحديد الضمائر والأزمنة وأسماء الإشارة... 4. "تعبيرية" الكلام: أي المسافة التي يقيمها المتكلِّم بينه وبين النصِّ أو الرسالة التي ينتجها من خلال مشاركته أو انعدامها في القول. إن الإطار القولي يعيد النظر في التجديدات القديمة: العبارة المقولة، اللفظة، المفردة، الكلمة، المقطع، الجملة، الفقرة، إلخ. فما هي حدودها وقواعدها الشكلية؟ يعرِّف إميل بنفنِسْت، أحد أعلام النظرية القولية، بـ"الجملة" بوصفها مجموعة من المستويات القولية؛ فالقول يضمُّ عدة جمل تتحدَّد من خلال الجانب البلاغي وشخصية المتكلِّم والسياق. وينتج القول (الملفوظ) من خلال متوالية صوتية يبثُّها شخص واحد أو مجموعة أشخاص؛ وتملك المتوالية المذكورة بداية ونهاية يغلقها الصمت المؤقت. ويقوم القول على قواعد نحوية تجعله مقبولاً من الاتصال أو لاحنًا عنه. وتلعب علامات الترقيم (نقطة، فاصلة، علامة تعجب، استفهام، إلخ) دورًا في تحديد القول. الخروج الأول تمثل مجموعة الخروج الأول عملاً انتقائيًّا، اصطفاه إبراهيم الكوني من بين أعماله الكاملة المتنوعة، ورتَّبه تحت هذا العنوان.[3] مظاهر القول القصصي في الخروج الأول تطالعنا منذ البداية (ص 9) بعض الشخصيات المتحدثة عن "أناها القولية"؛ شخصيات متنوعة مثل: الداموس، الشيخ محمدو، مصباح سعيد، جبور، عبد الله القاضي، سي الطاهر، الحاج بو كعبة، سيدي عمر، مسلم، مرزوق، ميمون، الأب، الابن، المعلِّم، مهدي الغرنوق، شناني، مأمون، الشيخ غوما، بوسعيد، أمود، إلخ. تمارس بعض هذه الشخصيات (العوامل) أحداثًا لغوية من خلال أسماء إشارة وأفعال وضمائر تحيل عليهم نحويًّا بشكل دقيق. ومن حيث التواضع والاتفاق تُعرِب فئة محددة من الشخصيات السالفة عن انكساراتها وتفرغ مكبوتاتها وتحوك تراثها. إنها تستشرف مستقبلها من خلال دقة الاستعمال لـ"علامات أيقونية"، أو "دوال مباشرة"، ذات معاني حقيقية وظاهرة تحيل على ظروف الحياة الليبية وتقلباتها. نلاحظ أن إبراهيم الكوني يوظِّف شخصيات أخرى نعتبرها ثانوية؛ إنها شخصيات تشقُّ عصا الطاعة، حيث يحرِّكها الكاتب بإبداعه الشخصي ضمن سياقات يرسمها بمهارة عالية. وهو أمر نعتبره يمثِّل "شذوذًا قوليًّا"، لخروجه عن دائرة إطارنا النظري القولي، حيث تعيد هذه الفئة بناء الموروث الشفهي الأسطوري، باعثة فيه دلالات غير متناهية ورموزًا متنامية. يلوح المظهر القولي، المبرِز للإبداع الشخصي وللسياق عند إبراهيم الكوني، من خلال مجموعته القصصية الخروج الأول، انطلاقًا من الرموز اللغوية التي تستعملها الشخصيات. ويقوم الاتصال الألسُني بين الدامومي، الشيخ محمدو، سيدي عمر، شناني، الشيخ غوما، وأمود، باعتبارهم متكلِّمين ومخاطَبين أيضًا، عبر قانون لغوي عربي فصيح أو لهجي ليبي وسيط، تمرِّره قناة الحوار الشفهي. تتواصل هذه الشخصيات من خلال الوظائف اللغوية المتمحورة حول سياقات الواقع الليبي وظروفه. نجد في ص 56: نهض مصباح سعيد من السرير، جلس متكئًا بظهره على الجدار، وقال ساهمًا: - الحمد لله، استعدتُ نشاطي... ولكن الطبول مازالت تدق في رأسيأ. فالطبول رمز أيقوني، نعرف فخامتها وجلدها وحبالها وصوتها الجهوري؛ ولكن مصباح سعيد يمنحها رمزًا لغويًّا يربط اعتباطيًّا بين الدال والمدلول بقوله: "مازالت تدق في رأسي". لقد حرَّك إبراهيم الكوني في هذه العيِّنة المقتضبة إبداعه الشخصي حول سياقات الأسطورة والأعراس ومجالس الشعر الشعبي، فكان محترفًا بدهاء. تنتظم الرسالات القصصية بين عوامل الخروج الأول كحبَّات عقد من اللؤلؤ. تبدو الرسالة لامعة، موصِلة للسياق الذي يجعل إبراهيم الكوني يتعاون مع المتراسلين ضمن "عيِّناته الرمزية"، بغية مسح ظروف هذه الشخصيات وتفسيرها، وتحديد مؤثرات الواقع فيها، وتفاعلها معه أو هروبها منه. نجد الأشخاص المتواصلين (باثِّين ومستقبلين) يجادلون الأسطورة والعجائب والشعوذة، ويحاربون الصحراء والدخلاء، ليبنوا معتقدات رصينة، ويطوِّروا أرضًا وفكرًا، ويرسموا مخططات "تنموية" للغد القادم. تتعدَّد تمظهُرات إبراهيم الكوني كمبدع يحمل رؤية قصصية تغييرية وبديلة عن الشخصيات البَاثَّة/المرسِلة التي تتوارى وراء هذا الإبداع حينًا، وتنصُّ أحيانًا أخرى بمؤشراتها اللغوية الناصعة. إن المظاهر القولية (الكاتب المبدع + السياق) التي حاولنا استخلاصها من خلال الخروج الأول لإبراهيم الكوني قد أوضحت لنا أن الإبداع الشخصي والسياق يرسمان رحلة استكشافية لكلِّ "العينات القصصية الرمزية" التي انتقاها المؤلِّف ورتَّبها في هذه المجموعة، راسمًا من خلالها البعد الإنساني والأسطوري في أزمنة صيرورة المجتمع الليبي. إن المظاهر القولية قد أوضحت لنا طريقة تفسير المؤلِّف للواقع الليبي، بكلِّ معتقداته وتراثه وفلكلوره ومخزونه الأسطوري. تصادفنا أحيانًا بعض الشخصيات في الخروج الأول غير متفاعلة مع السياق والمرجعيات التي "يقصُّها" إبراهيم الكوني؛ وإننا نعتبرها شخصيات سلبية: تسرد الأحداث والوقائع بأسلوب خَبَري تقريري، دون ضغط أو ممارسة ألسُنية قولية. نجد في ص 56: ليس هناك جديد... تلقيتُ آخر مكالمة منذ قليل. لم يعثروا على شيء... والسيارات مازالت تذرع الصحراء بالطول والعرض. فهذه شخصيات "ناقلة أخبار"، بأفعال ماضية و"صيغ محكية"، أي غير مباشرة. إنها شخصيات بسيطة/شعبية، تابعة لسياقات رمزية، تدفعها إلى عدم إبراز "أناها القولية"، من خلال أقسام الكَلَم في الخروج الأول. الجمل القولية في الخروج الأول إن الإطار النظري القولي المعاصر يحدِّد الجملة على أنها منظومة كلامية وليست لغوية؛ أي أنها إنجازية أو أدائية استعمالية، لا تصنَّف ضمن مستوى اللغة، بل ضمن مستوى الكلام. تطالعنا ص 97 من الخروج الأول بالجمل القولية الآتية: - شَنْ سَمَّاكْ رَبِّي؟ [1] - الطاهَرْ. [2] - من أيِّ قبيلة؟ [3] - والله لا أعرف... [4] يقولون إنني من الصيعان. [5] - الله يبارك... [6] - الله يبارك... [7] - أنا اسمي مبروك من الرنْتانْ. [8] فهنا لدينا ثماني جمل قولية، تبعًا للحوار المتواصل المترابط. فالقول الواحد يضم العديد من الجمل. التركيب لقد أبرزت لنا الدراسة الألسُنية القولية أن إبراهيم الكوني يتميِّز بإبداع شخصي، تنسِّقه لغة متعدِّدة المستويات. كما أنها أبرزت لنا أيضًا أنه يحرِّك أحيانًا بعض شخصياته ويتعاون معها من خلال إرسالياتها اللغوية المتعددة، ليخلق جدلاً ويغير تصورًا حول بعض الأفكار والمعتقدات والأساطير الليبية. ويمزج المؤلِّف بين الرموز والأيقونات والإشارات، ليرسِّخ بعض المدلولات المباشرة وغير المباشرة والاتفاقي
----------------------------------------------------------------------
حـسـن المؤذن" وجودنا لغز لا يكتمل وجوده إلا بوجود الثالوث:
الرواية، الخلاء، الأسطورة" ( إبراهيم الكوني،"صحرائي الكبرى").
ــ في اللغة، الصحراء من صحر، والصحر غبرة في حمرة خفيفة إلى بياض قليل. والصحراء أرض مستوية وفضاء واسع، وقيل الصحراء من الأرض مثل ظهر الدّابة الأجرد ليس بها شجر ولا اكام و لا جبال ملساء(1).بالرغم من أن الصحراء أرض قاسية بمناخها، قاحلة بطبيعتها، فقيرة بإنتاجها الزراعي، فانه ينظر إليها اليوم كجزء لا يتجزأ من عالمنا الأرضي، بل هي كانت دوما تضمّ أجزاء مهمة من هذا العالم، فالصحراء جزء من تراثنا الطبيعي(2). وإذا كانت الصحراء فقيرة في إنتاجها الزراعي والمادي، فانه ينظر إليها دوما على أنها غنية بتراثها الثقافي وبإنتاجها الرمزي. فإذا كان صحيحا أن الصحراء أرض قاحلة جرداء، فهي قد كانت دوما أوسع فضاء للتأمّـل والتفكير، وكانت دوما أفضل موطن للأساطير والأشعار.2ــ يمكن أن نأخذ لفظة " كتابة" في معناها المادي، أي هذه الرموز التي يرسمها ويتواصل بها الناس. وفي الصحراء، باعتبارها فضاء جغرافيا واجتماعيا وثقافيا، توجد الكتابة بهذا المعنى المادي، لكنها لا توجد من أجل التواصل والتفاهم، لا توجد بين أيدي كل الناس، هي سرّ، أداة لا تملكها إلا نوعية خاصة من الناس، وسيلة يفوق تأثيرها كل تأثير، تأثيرها يقترن بالسحر والجنون والموت.في رواية " التبر" لإبراهيم الكوني، نجد هذا المفعول السحري للكتابة. فلما كان "التدريب على الرقص في حضرة الحسان مهمة الفرسان في الصحراء"(3)، أراد البطل "أوخيّد" أن يدخل بمهريّه حلبة الرقص، فاختار له أنفس وأجمل وأندر تزيين، لكن الحسّـاد من أقرانه دسّوا له سوطا نقشت عليه تمائم السحرة، فلعب ذلك دوره في التخريب وترتيب الفضيحة:" امتدت يده إلى السوط السحري كي يحث الجمل على الانطلاق ... وما أن أحسّ الأبلق بوقع السوط على جسده حتى ركبه الجنون ... رفس حلقة الصبية وفقد وقاره تماما. عاود يمسّد فخده بالسوط فاشتدّ جنون الحيوان. اخترق حلقة النساء،...، فتفرقت النسوة، وتوقّف الغناء. علت الهرجة ... استمرّ يرفس بخفّيه كل شيء في طريقه ويرغي ويلوك الزمام بوحشية" (4).يقول سعيد الغانمي: " في البداية كانت لغة الآباء والأجداد مكتوبة بلغة سماوية سرّية، ذلك أنها "رموز مستعارة من لغة الآلهة" ... ومن هنا فقد احتكرها الثالوث المقدس: الكهنة والسحرة والعرافون" (5).وكتابة الصحراء بهذا المعنى المادي قد يكون لها مفعول أكبر وأخطر. وقد لاحظ سعيد الغانمي في دراسته للمخيال الصحراوي في أدب إبراهيم الكوني أن " لحظات الموت والميلاد تقترن دائما بالنقوش والكتابات القديمة" (6). ففي رواية "التبر" نجد في قاعدة الصنم الذي تقدم إليه البطل"أوخيد" بالنذر كتابات بأبجدية التيفيناغ، والعرّاف الذي تجرّأ فقرأ الرموز المحفورة عند قدمي الصنم الذي لم يكن إلا إلها صحراويا، رفض أن يبوح بسرّ تلك الرموز، وبعد شهور وجد ميّتا. الكتابة رموز مادية غامضة تنطوي على قوة خفيّة مدمّرة، تقتل وتميت، ولكنها قد تضمر سرّا عظيما، وقد تبطّن قوة تحيي وتكون برفقة الميلاد، ففي رواية "التبر" أن الجمل الأبلق قد أنقد صاحبه "أوخيّد" بعد سقوطه في هاوية البئر بحبل مضفور بالوشم والنقوش.3 ــ وإذا أخذنا لفظة " كتابة" في معناها الاصطلاحي المعاصر، فان "كتابة الصحراء" تعني كل الأعمال الأدبية التي نزلت الصحراء، وكانت غايتها أن تشخّص عوالمها المادية والرمزية. وكلّ هذه الأعمال هي ما يؤلّف ما يسمى اليوم " أدب الصحراء"، وهو أدب موجود في لغات وثقافات مختلفة، ويمكن الحديث عن أدب الصحراء المحلي وأدب الصحراء الأجنبي. تحضر الصحراء في الآداب الأجنبية، وبلغات مختلفة: نذكر على سبيل التمثيل،Saint Exupery في الأدب الفرنسي، وقد حققت قصته " الأمير الصغير" عددا مهما من المبيعات بحوالي أربع مليون نسخة(7)، وبورخيس في الأدب الأمريكي ـ اللاتيني، في بعض قصصه(، وبولز، الكاتب الأمريكي المقيم بطنجة، في الأدب الأمريكي المعاصر. والنظرة إلى الصحراء في الآداب الأجنبية قد شهدت تحولات، ففي الأدب الفرنسي مثلا، يلاحظ أن أدب الصحراء عند الفرنسيين قد عرف تحولات، فمن موباسان إلى أندري جيد إلى لوكليزيو سنجد أن الأمر يتعلق بأعمال تختلف نظرتها إلى الصحراء: هناك من الأعمال الأدبية ما تحكمه النظرة العجائبية المنبهرة بروعة الصحراء وجاذبيتها، وهناك الأعمال العابرة للصحراء، تنقل تجربة ذاتية، وتنظر للصحراء كمجال قابل للتمدّن والتحضّر، وهذه الأعمال هي الأكثر ارتباطا بالغزو الاستعماري، وهي الأكثر تكريسا للصورة النمطية التي تضع الصحراء والبداوة في مقابل التحضر والتمدن. و هناك الأعمال التي اعتبرت الصحراء فضاء خاصا وتجربة مغايرة(9).وفي الأدب العربي المعاصر، كانت أعمال بعض الروائيين والقصاصين، من مثل عبد الرحمان منيف وإبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه وميرال الطحاوي ورجاء عالم، من الأعمال التي اتخذت فضاء الصحراء موضوعا لها، واستطاعت أن تدفع إلى إعادة النظر في بعض الأفكار التي اعتبرت الرواية أو القصة من الأجناس التي لا يمكن أن تظهر إلا في المدن، وتمكّـنت من تشغيل الصحراء كفضاء يغري بالتشخيص والتخييل، كعالم جذّاب حافل بالرموز والأساطير.ومع ذلك، نفضّل عبارة"كتابة الصحراء" على عبارة " أدب الصحراء" لأسباب أساسية منها أن العبارة الأولى أوسع وأشمل، تشمل المعنى المادي للكتابة المذكور أعلاه، وتشمل أدب الصحراء الشفوي، وهي قابلة لضمّ كل أشكال الكتابة القديمة والحديثة، المنتمية لأجناس الأدب المعروفة وأيضا لأشكال جديدة تقع خارج هذه الأجناس. فعبارة" كتابة الصحراء" تعني مثلا الشعر العربي القديم، وما يسميه المؤرخون " الشعر الجاهلي" هو أحقّ بأن يسمى شعر الصحراء. وهي تعني أيضا كتبا ونصوصا وظفت الصحراء كفضاء جغرافي أو ثقافي من دون أن تنتمي إلى جنس من الأجناس الأدبية المعروفة. فمن جهة نجد الصحراء حاضرة في الكتب السماوية وفي الأساطير القديمة، والقران من أعظم نصوص الصحراء، ليس فقط ببديع كلامه، بقصصه وعبره، بحكمه وأمثاله، بل وبعجز العرب عن تصنيفه في أحد أجناس كلامهم. وفي الأدب المعاصر، نجد من الكتّاب العرب المعاصرين من يوظّف الصحراء في جنس من أجناس الأدب المعروفة، من رواية وقصة، من مثل عبد الرحمان منيف و إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه ، لكننا نجد منهم من يكتب نصوصا يصعب تصنيفها في جنس من أجناس الأدب المعروفة. وقد أصدر إبراهيم الكوني سنة 1991 كتابا سمّاه " ديوان النثر البرّي"، وهو عبارة عن " نصوص سردية، لا تنضوي تحت صنف أدبي معين، ولكنها تهتم باستنطاق كائنات الصحراء، مثل الرياح والمطر والسيل والصخور والضباب .. الخ، ...، بنوع من التعاطف الصوفي ... الذي يستبطن وعي الأشياء الجامدة ويستنطقها لتحيا وتفكر وتتكلم" (10). 4 ــ إذا أخذنا الكتابة في معناها التخييلي، فصحراء الكتابة هي دوما صورة متخيلة يمتزج فيها الخيال والواقع، ولا ينفي هذا وجود أعمال في أدب الرحلة حاولت بطابعها الوصفي والتوثيقي أن تنقل صحراء الواقع، وما تتميز به من مناخ وتضاريس وعادات وأسلوب حياة. لكن سياق كلامنا يقتضي الحديث عن الصحراء التي تنتمي إلى سجلّ الخيالي أكثر مما يقتضي الحديث عن تلك التي تنمي إلى سجلّ الواقعي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الصحراء الواقعية هي بهذا الشكل أو ذاك من العناصر الأساسية في تكوين الصحراء المتخيّلة.ومنذ القدم كانت للصحراء صور تخييلية، فهي في النصوص الدينية فضاء للخلوة والعزلة، فيه يتمّ اللقاء بالإله والاستماع إليه، أي أنها فضاء ذهني وميتافيزيقي مؤهّل لاستقبال التعاليم الإلهية(11). والصحراء في التوراة وفي القران ارتبطت بــالـتـيـه، هذا الذي لحق بني إسرائيل جراء معاندتهم لموسى، فعذبوا بالتيه في صحراء سيناء، " وقد ظل هذا التيه علامة فارقة في حياة اليهودي وفي مخياله" (12).وإذا اقتصرنا على الآداب الحديثة، فالصحراء في نصوص الآداب الأجنبية الحديثة قسمان: نصوص مرحلة الاستعمار حيث كان الإيمان بالتمدّن والتقدّم قويا، والصحراء في هذه النصوص هي فضاء بكر مدهش، واحة خضراء، فضاء الرحلات الطويلة اللانهائية، قابل للتحضّر والتمدّن. وهناك نصوص ما بعد الاستعمار، نصوص أزمة الإيمان بالتقدّم، الصحراء فيها فضاء مفارق متناقض يشهد على زوال وفناء حضارات الإنسان، لكنه ربما الفضاء الوحيد الغامض والملغز الذي يخفي ما تبقى من أسرار الحضارات وألغاز الوجود الإنساني. الصحراء في هذه النصوص المعاصرة هي الفضاء الثابت واللازمني والسرمدي والروحي. (13).وفي الأدب العربي الحديث، استطاعت الكتابة السردية، وخاصة في العقود الأخيرة من القرن العشرين، أن تحدث تحولا قويا في الفضاءات التي ظل الأدب السردي مرتبطا بها، عندما حوّلت الرواية مثلا من رواية المدينة إلى رواية الصحراء.في الشرق ظهرت أعمال روائية لعدد من الكتّـاب يزداد يوما بعد يوم، ومن الأعمال الأولى يمكن أن نذكر أعمال عبد الرحمان منيف، وخاصة في " مدن الملح"، حيث تحضر الصحراء كفضاء يفقد جوهره وروحه بقبول أسطورة التحضّـر والتمدّن التي نقلها الأجنبي الغريب إلى أهل الصحراء. في روايات منيف، تتصارع نظرتان إلى الصحراء، نظرة إلى الصحراء باعتبارها ثروة مادية لامحدودة، ونظرة صحراؤها ثروة روحية تفوق قيمتها كل ثروة مادية. ويمكن القول إن أعمال منيف قد كانت من الأعمال الأولى التي واجهت بسخرية وبإحساس فجائعي أسطورة التمدنّ والتحضّر. ففي " مدن الملح" كتب منيف مأساة الصحراء بعد اكتشاف "ذهب" الأزمنة الحديثة. وفي النصوص التي ظهرت بشمال إفريقيا، وخاصة عند إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه، منذ عقود قليلة، نجد الصحراء تكتسح الفضاءات والعوالم التخييلية لفنون السرد والكتابة. وتنكشف قيمة هذه النصوص عندما نأخذ بعين الاعتبار السياق الذي ظهرت فيه: أزمة أسطورة التمدّن والتقدّم في المجتمع الغربي المعاصر، وأزمة النهوض من جديد في المجتمع العربي المعاصر، وخاصة بعد توالي الهزائم والفجائع والانكسارات.الصحراء في نصوص إبراهيم الكوني نقيض المدينة، الأولى فضاء أسطوري روحي والثانية فضاء واقعي مادي. في روايته: "التبر"، الصحراء نبات روحي أسطوري يقف في مقابل الشيء المادي: "التبر"، والصحراء لن تبقى صحراء إذا ما قبلت الذهب، ولهذا نجدها تطرد أوخيّد وجمله وتحكم عليهما بالخصاء والتيه والجنون والموت.الصحراء عند الكوني فضاء ما يميزه هو التضحية بالمادي لصالح الرمزي، و"أغلب شخصياته زاهدة في الحياة، منكرة للتملك، ومولعة بنوع من الحرية الصوفية، حتى حين تكون وثنية" . الصحراء عند الكوني فردوس مفقود، واحة مفقودة، " لا يعثر عليها إلا التائهون الذين فقدوا الأمل في النجاة. تسقي العطشان والضائع ولا تنقد إلا من أشرف على الموت ... ويتوارث أهل الصحراء رواية تقول إن البحث عنها يجري منذ آلاف السنين." . لكن الصحراء في كتابات الكوني لا تختزل في صورة الفردوس المفقود، بل إن هذه الصورة نفسها ذات طابع مزدوج مفارق، فالجنة مفقودة لكنها موجودة، هي بلا شك واحة في أعماق الصحراء وبواطنها.الصحراء فضاء تجربة مغايرة لتجارب المدينة، تجربة الحياة في الصحراء لا يمكن أن تكون تجربة إلا إذا بلغت الحدود القصوى، فالشخصيات في روايات الكوني وقصصه " موجودة على حافة الحياة دائما، وكأنها في صراع أبدي مع الموت. لا وقت لديها للتفكير إلا بما يحفظ لها استمرار حياتها، ويحصّنها من مواجهة الفناء." . والملاحظ أن الصورة نفسها تتشكل عن الصحراء في رواية "فئران بلا جحور"، فالصحراء عند أحمد إبراهيم الفقيه فضاء يعيش فيه الكائن، إنسانا وحيوانا، تجربة قاسية مع الموت، هي فضاء الرحلة القاسية نحو الموت، نقرأ في الرواية: " المؤلم حقّا أن نموت ... فوق هذه الأرض التي خذلتنا وخدعتنا. سيكون موتا قاسيا بالتأكيد. نعم هناك موت مريح، وموت آخر فظيع ومرعب، كهذا الموت الذي يواجهكم يا أهل هذه القافلة. ستعرفون موعد قدوم الموت إليكم، ستسمعون وقع خطاه، وستشاهدونه وهو قادم نحوكم" .ولكن تجربة الموت في الصحراء لا تعني دائما الانتقال إلى العالم الآخر قدر ما تعني الانبعاث من جديد واستعادة قوة الحياة والصمود والتحدّي في مواجهة الفناء. 5 ــ ما يلاحظ على نصوص إبراهيم الكوني أنها لاتسعى فقط إلى نقل صحراء الواقع، بل هي تسعى إلى اكتشاف صحراء للكتابة تكون أشبه بصحراء الواقع.فالملاحظ أن " حكايات الصحراء تميل إلى الاقتصاد والكفاف، فتكتفي بالموضوعات القليلة" ، على عكس الرواية التي تزخر بمشكلات وموضوعات لا حدّ لها ولا نهاية، وهذه من علامات التبذير والترف التي استمدتها الرواية من واقع المدينة.نصوص الصحراء كتابة لا تحبّ الثرثرة قدر ما تميل إلى ما قلّ ودلّ، أي إلى الرمز والإيحاء والاقتصاد. يبدو دالّ هذه النصوص فقيرا بخيلا مثل أرض الصحراء الواقعية، لكنه يضمر برمزيته واقتصادياته كنزا أو سرّا عظيما. ومثل صحراء الواقع، نجد الكتابة لا تستمد مقومات حياتها ووجودها من الواقعي، بل من الأسطوري، فالأسطورة لغة الكتابة ، ولا يمكن للرواية من دون هذه اللغة أن تكون رواية قادرة على فك لغز الوجود، فعند إبراهيم الكوني:" وجودنا لغز لا يكتمل وجوده إلا بوجود الثالوث: الرواية، الخلاء، الأسطورة. الرواية روح اللغز، والخلاء جسده، والأسطورة لغته. الرواية فيه روح، والأسطورة له روح هذه الروح ... السرد لا يبقى سردا، والرواية لا تصير رواية، إذا لم تتكلم لغة الأسطورة" .مع نصوص إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه واخرين بلا شك تستعيد الكتابة مصدرها الأصلي: الأساطير، والرواية التي تأسست في المدن الحديثة لا يمكنها أن تستمر إذا لم تتكلم لغة الأساطير. فرواية المدينة تمنح هذا الإحساس بحتمية الحياة داخل سجن اسمه الواقع، والكتابة عندما تتكلم لغة الأسطورة تكون لها قابلية توليد الصور الكونية البدائية التي تقول الرغبة في الحياة: صور الفردوس المفقود، الانبعاث بعد موت و العود الأبدي ... وهي صور تمنح الإحساس بإمكانية الحياة، بإمكانية استعادة الحياة الأولى. ولا تخفى قيمة هذه الصور التخييلية في ظل سياق معاصر يسوده الإحساس بموت التقدم المديني، والإحساس العميق بالفجيعة والموت بعد توالي الهزائم والفجائع على الإنسان المعاصر، والإنسان العربي خاصة. وفي نصوص الصحراء علامة أخرى لا تقلّ أهمية: الإنسان ليس هو مركز العالم التخييلي. فإذا كان الإنسان في روايات المدن الحديثة هو مركز العالم التخييلي، فان الكائن، إنسانا كان أو حيوانا أو نباتا أو جمادا، هو مركز العالم في رواية الصحراء. فالفئران من الشخصيات المحورية في رواية "فئران بلا جحور" لأحمد إبراهيم الفقيه، والمهريّ الأبلق في رواية "التبر" لإبراهيم الكوني شخصية لا تقل مكانة عن شخصية أوخيّد الإنسان، ويقول عبد الرحمان منيف إن الخيول في الجزء الرابع من مدن الملح، "المنبت"، " أكثر بطولة من البشر" . وفي " ديوان النثر البري"، يقوم إبراهيم الكوني باستنطاق مختلف كائنات الصحراء، من رياح وأمطار وسيول وصخور وضباب ... في صحراء الكتابة، كل كائن له قدسيته، وله الحق في الحياة، له الحق في الكلام، والراوي في نصوص الصحراء هو من يتكلم لغة الإنسان لكنه يستطيع أن يفهم لغة الحيوان والجماد والنبات، ويستطيع أن يشخص الأحاسيس العميقة لكل الكائنات. فلا فرق في الصحراء بين تجربة هذا الكائن أو ذاك، هي تجربة واحدة: تجربة الموت. أضف إلى ذلك أنه في رواية "التبر"، يتجاور محكيان: محكي أوخيّد الإنسان، ومحكي المهريّ الأبلق، الحيوان. وفي "فئران بلا جحور"، تتقابل محكيات الحشرات والحيوانات ومحكيات الإنسان. وبهذا، فالرواية ليست وحدة بالمعنى الكلاسيكي، بل هي جمع إشكالي من المحكيات يقوم على منطق التجاور والتقابل لا على منطق السببية والخطية الذي يهيمن على الرواية في معناها التقليدي. في رواية الصحراء، يتمّ الاحتكام إلى لعبة المرايا، ويتمّ تشغيل اواليات نصية تنتمي إلى مجال المشابهات النصية، وهو المجال الذي يدرك على أنه مناهضة جديدة للمحكي الموحد التقليدي. وبمعنى آخر، في رواية الصحراء تستخدم المرايا والعاكسات والتضعيفات التخييلية، ويتم استحضار محكي داخل محكي آخر، فالتخييل ليس مجرد مرآة عاكسة، بل هو المولّـد اللانهائي للمرايا المتراكبة اللامحدودة.صحراء الكتابة تعني اكتشاف منطقة جديدة وخصبة في جغرافية الكتابة، تفتح بلا شك آفاقا خصبة أمام إشكالية الكتابة، في اقتصادياتها، في أسئلتها، في بحثها عن هذا الشيء الغامض الذي يفتقده الإنسان المعاصر.

----------------------------------------------------------------


لجنة جائزة الشيخ زايد للكتاب


الكوني كاتب كبير ومثير للجدل يجيد تسع لغات ويعمل على منطقة سردية شديدة الأهمية، وقلّب خارطة المركزيات الثقافية، وأثبت أن الصحراء قادرة على أن تنجب كتاباً كباراًاستطاع أن يغترف من تراث أمته وأساطيرها ومشاعرها وأحلامها وجوهر رؤيتها للحياة، ويصوغه في تشكيلات فنية بديعة.
------------------------------------------------------------------

شادي علاء الدين - بيروت


لابراهيم الكوني... لغة تقتل في فصاحتها ... يتبع ابراهيم الكوني في مجمل كتاباته خطا مغايرا لطرق الكتابة المهيمنة على الساحة الروائية العربية. ففي حين تحفل هذه الرواية بالشخصيات التي تتفاعل مع مصائرها في عالم ضيق غالبا ما يكون عالم المدينة، يصرّ الكوني على جعل شخصياته مفاهيم تصارع مفاهيم أخرى في حيز شاسع ودائم الامتداد والتوسع هو عالم الصحراء. يتحالف هذا العالم مع البنية المفاهيمية التي يحرص الكاتب على ترك شخصياته تتحرك في داخلها لينتج عن هذا التفاعل نظام علاقات متداخل لا يمكن فيه فصل عملية البناء السردي عن حركة الأحداث وعن هدف الرواية.
------------------------------------------------------------------

الناقدة : اعتدال عثمان

الصحراء عند إبراهيم الكوني عالم كبير.الطيور لها لغة. الرمال لها لغة. الرياح لها لغة. واقعية سحرية إذا شئت لكن من منطلق ثقافتنا العربية، وإن كان يستمد مفردات عالمه من التراث الامازيغي المجهول في واقعنا الأدبي، فيصبح هذا التراث جزءاً من ذاكرتنا الثقافية.الكوني لديه مخيلة نادرة فهو ينطلق من الصحراء إنما يأتي بكل العالم إلى هذه الصحراء وبما فوق الواقع أيضاً (الطير الذي يتكلم. الجمل الذي يرتبط معه بصداقة نادرة. أنسنة الطير والحيوان والشجر) يفتح آفاقاً هائلة للمخيلة من خلال هذا المكان وعبر الثقافة الشفاهية أساساً، وربما هي ثقافة هامشية، لكنها ترفد الأدب العربي بثراء مدهش.
-------------------------------------------------------------ا

الناقد : الليبي إدريس المسماري


يمكن أن نقول: أن الكوني يقف بجدارة اسما شامخا في خارطة الابداع الروائي العربي، حيث يقدم لحظة روائية هامة أعطت دفعا جديدا للشكل الروائي، فما أنجزه الكوني بشهادة النقاد العرب إضافة لا تنكر للرواية العربية، لأنه ارتاد مناطق غير مألوفة على الرواية العربية التي انحصرت مواضعها بين (الريف/ المدينة) فجاء الكوني وانتقل إلى عالم الصحراء بتراثه الأسطوري والعجائبي
------------------------------------------------------------

الروائي الجزائري الطاهر وطار


اعتبر الطاهر وطار الروائي الليبي ابراهيم الكوني ظاهرة استثنائية في الأدب العربي ... كاتب مقتدر يكتب الرواية علي أصول الملحمة الإغريقية بلغة عربية فصيحة جدا وشاعرية يختص في الكتابة عن الطوارق وجعل من فضاء الصحراء ماسة كلما غيرنا اتجاهنا تلقي بضيائها الساحر بشكل خاص.

هناك تعليق واحد:

عبدالقادر الفيثورى يقول...

الكوني اختزل أدبه في قضية قبيلته الطوارق (الجزيرة نت)


خالد المهير-طرابلس


ظل الروائي إبراهيم الكوني طيلة حياته الإبداعية حارسا لرموز وإشارات قبيلته "تارقا" في كهوف أكاكوس وتاسيلي جنوبا، ويأخذ عليه نقاد أنه قصر كتابته على محيطه القبلي دون واقع مجتمعه الليبي.


هذه الخصوصية في أدب الكوني، كانت محل انتقاد المهتمين، في إشارة إلى حسابات سياسية واهتمام غربي بكتابته بعيدا عن حرفية الكتابة وفق ما يقول هؤلاء، في المقابل يحتج آخرون بأن محلية الكتاب الكبار هي التي تقود إلى التميز خصوصا في ظل العولمة وتداخل الثقافات الإنسانية.



دور الأديب
بدوره أكد الشاعر سالم العوكلي أن الجائزة الأخيرة لا تضيف شيئا لأدب الكوني الذي سبق وأن حصل على جوائز عالمية أكثر قيمة ومصداقية، قائلا في تصريح للجزيرة نت إن الجوائز العربية غالبا محكومة بمعايير إجرائية خارج المنجز الأدبي أو العملية الفنية، وهذا ما يفقدها مصداقيتها حسب قوله.


فرج الترهوني سجل تغافل الكوني عن قضايا شعبه المصيرية (الجزيرة نت)
ويطرح العوكلي تساؤلات حول الجوائز الأدبية العربية، ودور الأديب الإنساني أو مواقفه خارج الكتابة، لافتا إلى أن الكوني ظل الروائي الهارب بروايته من أسئلة العصر أو إبداء أية آراء تجاه الشأن العام "وهذه أصبحت قيمة في حد ذاتها تسعى إليها الجوائز العربية تفاديا لأي إحراج" مرجحا أن هذا المنطلق ربما وراء رفض الروائي المصري صنع الله إبراهيم الجائزة نفسها قبل سنوات.

أما رئيس تحرير صحيفة المجلس الثقافي الناقد طارق الشرع فلا يشك أن الكوني صار اليوم يمثل قيمة أدبية مميزة على المستوى العالمي، ويعتبر نيله جائزة الرواية العربية وإن شكلت إضافة إلى تاريخه فإنها "لن تكون بمثابة القفزة في مسيرته الأدبية الطويلة".

سلطة أخلاقية
من جهتها لم تلتفت الكاتبة تهاني دربي إلى مكانة الكوني وفرحة الجائزة، بل أبدت استغرابها مما ورد في كتاب "الناموس" للكوني الذي يحمل أوصافا "أقل ما يقال عنها إنها ظالمة في حق المرأة".

وتساءلت "كيف يمكن لناسك حقيقي أن يكتب عن المرأة بروح المتأذي" داعية الكوني إلى التخلص "على الأقل من أوجاعه الخاصة". ويلح على الكاتبة الليبية سؤال "لماذا لا يسطع نجم ليبي في أي مجال إلا إذا ترك البلاد؟".



جبال أكاكوس جنوب ليبيا (الجزيرة نت)
تغافل عن الواقع
وعكس الآراء السابقة، يرى المفكر فرج الترهوني في حديثه للجزيرة نت أن الكوني بحق فيلسوف عالم الصحراء، ومع ذلك يسجل عليه تغافله عن الواقع وانفصاله عن القضايا المصيرية لشعبه.

وأشار الترهوني هنا إلى قول الفيلسوف والروائي الفرنسي جولين بندا في رؤيته للمثقف الحقيقي الذي اشترط فيه وجوب انحيازه "للسلطة الأخلاقية" ويصنفه بأنه "مخلوق نادر لأنه يساند معايير الحقيقة والعدالة الأبدية، ويقول الحق في أصعب الظروف".

أما الناقد محمد عبد الله الترهوني فأكد في تصريح للجزيرة نت سعادته لفوز كاتب ليبي بجائزة "مرموقة" من بين أسماء أدبية كبيرة، واعتبر أن رواية الكوني "ليست ليبية" ولا تخص الليبيين "لا على المستوى الاجتماعي ولا الاقتصادي ولا السياسي" مضيفا أنها تطرح ثقافة "بائدة". وأشار إلى جملة من الإشكاليات والنصوص المتوفرة بالمجتمع الليبي "كان على الكوني الاهتمام بها".

وقال الترهوني "حتى الجائزة تبرع بها لأطفال الطوارق" مؤكدا أن روايته تطرح قضايا قبيلته و"لا تخصنا سوى في جوانبها الإنسانية، عكس أدباء كبار تحدثوا عن مجتمعاتهم وليس قبائلهم" وقال إنه لا يجد نفسه في روايات الكوني.


المصدر: الجزيرة


تعليقات القراء



1 الموفق
ليبيا
الكوني مبدع و لكنه لم يتمكن من من الخروج من قوقعة البيئة و الظروف التي عايشها. لدي تساؤل حول سبب تنكر الكوني لمسقط رأسه مدينة أوباري و التي ينتمي إليها و تصريحه مرارا بأنه ينتمي لمدينة غدامس التاريخية. لو كانت تلك محاولة منه لإكتساب جذور حضارية فهو لا يدرك بأنه بذلك ينسف الأسس التي بنى عليها كل أعماله, ذلك أن الثقافتين الغدامسية و الطارقية على طرفي نقيض..
تعليقات القراء
لم يتمكن من من الخروج من قوقعة البيئة و الظروف التي عايشها. لدي تساؤل حول سبب تنكر الكوني لمسقط رأسه مدينة أوباري و التي ينتمي إليها و تصريحه مرارا بأنه ينتمي لمدينة غدامس التاريخية. لو كانت تلك محاولة منه لإكتساب جذور حضارية فهو لا يدرك بأنه بذلك ينسف الأسس التي بنى عليها كل أعماله, ذلك أن الثقافتين الغدامسية و الطارقية على طرفي نقيض..