15‏/10‏/2008

مغامرة كولن ولسون

قصة مغامرة الكاتب الأنجليزى كولن ولسون بنشر كتابه " اللامنتمي " قصة مشكلة النجاح كما يرويها الكاتب في ثنايا سيرته الذاتية كتابه " رحلة نحو البداية (1) ":
الوقوع في اسر " النجاح الشعبي " تجربة تسبب الدوار ، ولا يستطيع احد ان يتمناها مرتين ، وكل كاتب يحلم ، بالطبع ، بالنجاح. ولكن ما يحلم به يختلف تماما عن الحقيقة .
قبل ان انشر كتابى " اللامنتمى " فكرت اقول لنفسى ينبغي لهذا ان يعيد الأمور الى نصابها ويعيدها الى الحياة . ثم فجاة اصبحت في التلفزيون تحت الاضواء المركزة ، القى التشجيع لكى اتشاجر .. او في افتتاح معرض للفن .. مع احد اللوردات القى التشجيع لكى اناديه باسمه المجرد .. في حفلة يشيرون اليّ الضيوف باعتبارى مثل الاعجوبة الطبيعية ، او يهاجمنى ناقد .. فما علاقة كل هذا بكتاب " اللامنتمى " ؟..لقد كان شيئا لا يصدق ، وكان اكثر غباء وجنونا من كل ما كان بوسعى ان اتخيله ، ولم يكن على علاقة مطلقا بأي شئ اهتم به . كان استعراضا ساخرا فكاهيا للنجاح .
في ذلك الصباح من يوم الاحد ، حينما ظهرت اول عروض الكتاب ، فكرت بينى وبين نفسى قائلا اننى كسبت وفزت واحرزت هدفي . ثم حينما مرت اسابيع الدعاية ، تبينت كل ما فعلته عدا ذلك ، تبينت اننى لم احرز هدفي . وان المعركة قد انتقلت فحسب الى جهة اخرى ، وبدأت اكتشف حقيقة ما قاله سارتر من ان " الجحيم هم الآخرون " ...
عارضني "اير " بعرض لاذع لكتاب اللامنتمى شبهنى فيه بكلب راقص . كانت الرصاصات تتطاير – وبشكل حتمي – كنت اصاب باكثرها سوءا .ولكن الشئ الذي كان اكثر اثارة للحيرة ، هو الهجمات العدائية دون مبرر يثيرها . فذات مساء اشتركت في مناقشة .. وبعد بضع دقائق من بداية المناقشة وصف "مانكويتز" كتاب " اللامنتمى " فجاة بانه مجموعة مختارة من الاقتباسات ، فأثار هذا القول الضحك ، ولما وجد " مانكويتز " انه يلقى التشجيع ، احتفظ بخط الهجوم طوال الأمسية . وفي اليوم التالي ظهر تحقيق في احدي صحف لندن المسائية يقول ان "مانكويتز " قد " لعب بولسون كما يلعب الأسد الطيب بفار صغير " .
وفي اليوم التالي طلب منى ان اظهر في التلفزيون لكى أناقش المسألة مع " مانكويتز " وقبلت ، واشتدت سخونة المناقشة ولكنها لم تتحول إلي وقاحة من اى نوع . وبعد ذلك سألت " مانكويتز " عمن كتب الكلمة التي نشرت في الصحيفة المسائية ، فاحمر وجهة ، ثم تنحنح بوهن وقال بسرعة " انا كتبتها " .
وطلب منى ذات مرة ان اتحدث مع اعضاء جمعية من المشتغلين بالأمور الروحية .. وفي كلمتى التي القيتها بعد تناول الطعام . قلت اننى قد تعبت من وصفي باننى المتحدث باسم جيل الشباب ، وانني لا امثل احد عدا نفسي ، وان " اللامنتمى " كان تعبيرا شخصيا ، واننى اشعر بالخداع اذا ما نظر اليه باعتباره تعبيرا عن موقف جديد معاد للمؤسسات القائمة .وفي اليوم التالي ظهرت صحيفة " ديلى اكسبرس " بعنوان يقول : " كولن ولسن يعترف بأنه مخادع " ونقل عنى اننى قلت : " ان اللامنتمى قد كتب بناء على قصد زائف تماما " .
بعد ستة اشهر من نشر اللامنتمى . كان الراى العام السائد بين المثقفين الانجليز ان كتاب اللامنتمى كان نوعا من الجنون مات ميتته الطبيعية .. واحسست بان كل صحفي في انجلترا قد اراد ان يلقي حجرا على الشاهد الحجرى الذى ينتصب على شهرتي الميتة . واشترك الامريكيون ايضا في هذه التسلية . فليس هناك من بلد اكثر من امريكيا تلهفا على إضفاء الشهرة على الناس ، وليس هناك بلدا اكثر منها ابتهاجا برؤية الشهرة وهى تسقط وتذوى .
بدا لى ان المثقفين انفسهم يحملون ميلا سريا الى التمتع بمباهج المحاكمات التى كان يقوم بها الغوغاء . ويطرح هذا السؤال الهام نفسه : لماذا ثار ضدى رد الفعل هذا ؟ اعتقد ان السبب لاعلاقة له بالكتاب ، وليست له بى سوى علاقة بسيطة ، ولم يكن له سوى علاقة بسيطة أيضا بما فعلته لى "ميكانيكية النجاح" .. فالناس جميعا يحملون كراهية قوية للنجاح . والمثقفون يحملون ضعف مايحمله الناس العاديون لهذه الكراهية. اننا نبتهج ابتهاجا غير منطقى عندما نرى الناجحون يسقطون من فوق قممهم ، ولو وجدت وسائل سحرية لجلب الكوارت للناجحين لتمسك بها الناس في ابتهاج. .. لكن نجاحى انا لم يكن له اساس تقريبا ، فليس هناك سوى القليل جدا من الناس من يستطيعون حقا ان يفهموا " اللامنتمى " الا بقدر ما يوجد من المؤهلين لفهم نظرية الكميمات ... هناك افتراض اساسي بين المثقفين مؤداه ان كل ما يحققونه من نجاح انما يحققونه بالخداع والمساومة .. لقد كان من الممكن ان يصبح الأمر اكثر من مجرد العبث ، لو ان استقبال " اللامنتمى " ادى الى ان يجعلنى اشعر بالراحة في هذا العالم الذي كان الكتاب هجوما عليه ... قررت ان جوابى يجب ان يكون هو الخروج من لندن .. وبدا لى هذا هو الحل المعقول ..واستطاع الانعزال في الريف ان يحل مشكلة النجاح الى درجة كبيرة ، ولم اسف على هذا ابدا ، ولكن الكتّاب الذين مازالوا يتوقعون مستقبلهم لابد ان يواجهوا هذه المشكلة . وليس من المتوقع لهم ان يحلوها بمثل هذه البساطة . انها مشكلة من نوع عجيب .
( 1 )كولن ولسون ، رحلة نحو البداية ، ترجمة سامى حشبة، دار الاداب ، بيروت .

ليست هناك تعليقات: