14‏/10‏/2008

المذهب الظاهرى (نشأته )

الباب الثانى : الفصل الأول:
ا لمذهب الظاهري : نشأته في المشرق وانتقاله للأندلس .
قد يبدو لأول وهلة أن مذهبا كالمذهب الظاهري ، بصرف النظر عن تفاصيل الآراء التي تدخل تحته ، مذهب يعادي الاجتهاد وبالتالي التفكير . وعلى هذا قد يتهم باحث في هذا المذهب بأنه في النهاية لن يصل إلى أعماق فكرية تسمح بإنتاج مجرد ومثير للقارئ الذي يتوقع إذا ما قرأ بحثا حول التفسير والمنطق أن يجد عمقا فكريا مغذيا . لكن الحقيقة أن هذا الانطباع حول المذهب خاطئ خصوصا إذا ما نظرنا إلى متضمناته الاجتماعية إضافة إلى أهميته بالنسبة للمنطق الذي هو موضوع اهتمامي بالدرجة الأولي .
من اجل بيان دلالات المذهب الظاهري الفكرية وجدت لزاما علىّ أن استعرضه بشيء من التفصيل لأبيّن للقارئ ماهية هذا الاتجاه الفقهي الديني والفكري في العالم الإسلامي .كي يكون عرضي واضحا ودقيقا وجدت أن ابدأ من البداية ، اعني بداية ظهور المذهب في الإسلام حتى ابن حزم الذي يهمني بالدرجة الأولي .أ – الأصول التاريخية للمذهب الظاهري :يرجع المذهب الظاهري من حيث النشأة إلى داؤد بن علي بن داؤد بن خلف الاصبهاني (202-270) المُكنَي بأبي سليمان ، أصله من أصفهان ، ومولده بالكوفة ومنشأه ببغداد . كان داؤد مجتهدا حافظا للحديث يروي عنه الكثير . كانت تنشئته الفقهية أول الأمر على مذهب الشافعي . وقد تأثر بفقه الشافعي من حيث الأخذ بالنصوص الشرعية واحترامها . إلا انه بالغ في هذا المنحي عندما خرج بمذهب يعتبر الشريعة نصوصا فقط لا رأي فيها ولا قياس . تفقه داؤد علي سليمان بن حرب وعمر ابن مرزوق وأبا ثور الفقيه ببغداد ، ثم رحل إلى نيسابور فسمع من اسحق بن راهويه ، وجالس الأئمة ، وصنّف الكتب حتى انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد بعد عودته إليها . وذكر إعجابه بالشافعي وتعصبه له حتى انه ألف كتابان في فضائل الشافعي والثناء عليه ، لعلهما كتبا في المرحلة السابقة على تحوله المذهبي الفقهي .اجمع المؤرخين (1) لسيرة داؤد على انه أول من أوجد مذهب الظاهر ، ونفي القياس في الأحكام الشرعية وتمسك بظواهر النصوص. وقد ذكر ابن النديم (2) له كتابا عنوانه "إبطال القياس" ، كما عرف عنه إبطاله للتقليد ، ولدينا في قائمة أعماله المذكورة في الفهرست كتابا يحمل هذا العنوان أي " إبطال التقليد " .(3) هذا يعني أن داؤد يرفض الانقياد إلى مذهب فقهي معين أو لفقيه ما . بل ويدعو المسلم العادي الذي لا معرفة له بالشرع إلى الرجوع بنفسه إلى الأصول الفقهية لمعرفة أحكام الشريعة . غير أن الشكوك تدور حول نفيه للقياس جملة . قال الخطيب البغدادي في ترجمته لداؤد : "ونفي القياس في الأحكام قولا واضطر إليه فعلا فسماه دليلا (4)" ، وينقل الدكتور نبيل الشهابي عن جولد زيهر قول أبي الفداء (ت732) : "وكان داؤد لا يري القياس في الشريعة ثم اضطر إليه فعلا فسماه دليلا " (5) .
للأسف لا نجد ما نعتمد عليه في تكوين رد حاسم في هذه القضية بصورة مباشرة ، ذلك بسبب ضياع أعمال داؤد بالكامل . بالرغم من هذا فانه بالامكان أن نصل إلى ترجيح نفي داؤد للقياس جملة للأسباب الآتية :
1- إن صح ما بنقله جولد زيهر عن أبي الفداء فان هذا يقتضي التناقض في تاريخ أبي الفداء لفكر داؤد . ذلك انه يقول حرفيا في حق داؤد : "كان من الفقهاء المشهورين ولكن حصر نفسه بنفيه للقياس الصحيح "(6)، هذا إقرار منه بأن داؤد لم يقبل أي نوع من أنواع القياس حتى الصحيح منه . مما يجعلنا في موقف تردد في الأخذ برأي أبي الفداء .
2- إذا ما أضفنا لرواية أبي الفداء ما يذكره السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى " فان بالامكان أن نؤكد نفي داؤد للقياس ، ذلك أن السبكي يشير إلى انه قرأ بنفسه رسالة طويلة لداؤد موجهة إلى أبي الوليد موسي بن جارود ولم يجد فيها – حسب قوله – أي لفظة تدل على قبول داؤد للقياس أو قوله بشيء منه ، بل ظاهر كلامه إنكاره للقياس جملة ، يقول السبكي أيضا في نفس الموضع : "ثم وقفت لداؤد على أوراق يسيرة سماها الأصول نقلت منها ما نصه والحكم بالقياس لا يجب والقول بالاستحسان لا يجوز"(1).
3- حقا أن ضياع أعمال داؤد يضعنا في موقف صعب للحكم في هذه القضية ، لكنّا قد نفهم من خلال القائمة التي يقدمها ابن النديم في كتابه"الفهرست"لأعمال داؤد والتي تشمل على أكثر من مائة وخمسون مؤلفا ، رفض داؤد للقياس . إذ أننا لا نري في عناوين هذه المؤلفات الضائعة ، ما يشير إلى أخذه بالقياس مطلقا . بل ونجد له كتابا بعنوان "إبطال القياس " كما قلنا .
4 - يمكن أن نفسر عبارة البغدادي حول موقف داؤد من القياس والتهمة التي وجهت إليه من انه اضطر إليه فعلا فسماه دليلا ، إذا ما حددنا الاختلاف بين الدليل الذي يستخدمه داؤد وبين القياس الذي اخذ به بقية الأصوليين . بالرغم من أننا لا نجد شروحا ضافية حول الموضوع ، إلا أننا نجد عند الأصولي الحنفي أبو بكر الجصاص (305 -370 هـ) ما يوضح رأي داؤد في الدليل . يشير الجصاص – على ما يقوله الدكتور الشهابي – الذي اطلع على المخطوط – إلى أن المقصود بالدليل عند داؤد "الدليل الذي لا يحتمل إلا معني واحد"(2). يعطينا الجصاص أمثلة (3) فقهية تعين على توضيح معني الدليل الذي لا يحتمل إلا معني واحدا . منها ما يذكره عن ابن عباس (المتوفى سنة 68 هـ) حيث قال بأن المرأة قد تلد بعد فترة حمل ستة اشهر ، استخرج ابن عباس هذا القول من آيتين قرآنيتين غير مختلف حول معنييهما "وحمله وفصاله ثلاثون شهر "(4) و الآية : "وفصاله في عامين "(5) بناء على هاتين الآيتين يعطي الجصاص مثالا آخر من القرآن : "فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فان كان له إخوة فلامه السدس "(6) يقول الجصاص الآية دون جدال تدل على أن للأب الثلثين من ميراث ابنه إذا لم يكن لديه أولاد .
أن مفهوم الدليل هذا يعتمد أساسا على اللغة وما يفهم من تراكيبها دون زيادة أو تأويل يتجاوز المعاني القاموسية والتراكيب النحوية وعلم المعاني . هذا المذهب إذن يؤكد على اللغة كوسيلة تعبير وتوصيل ، كما يؤكد على الدقة في فهمها ويمنع التجاوز عن قواعدها الدقيقة . وهو في هذا يتمشى مع فهم بعض المهتمين باللغة من المعاصرين . بل نجد من "الفلاسفة"المعاصرين من يري أن تطوير اللغة بشكل غير منتظم أدي إلى غموض فكري و"فلسفي" بحيث لم تعد تراكيب اللغة الحقيقية تتضح . ومن ثم لم يعد الفكر يتضح من خلال اللغة بسبب هذا العيب . ويعتبر أن وظيفة "الفلسفة" هي توضيح هذا التركيب اللغوي الأصلي بحيث لا يتجاوزه المفكر ويسير في هداه . وان هذا السير يؤدي إلى التفكير العلمي السليم . (1)
يستحسن هنا أن نشير إلى الغموض في كلمة "معني" التي يبدو من كلام الجصاص أن داؤد استخدمها . فكلمة معني كما يستخدمها الفقهاء قد تعني المعني القاموسي كما قد تعني العلّة (2). وحيث أن هناك من الفقهاء من رأي انه لا يمكن استخراج سوي علة واحدة (أو معني واحد) فقط من نصوص الشرع وان هذه العلّة أو هذا المعني وحده نجده في المشكلة المطلوب الحكم فيها ، فان من الممكن أن يظن البعض أن قول داؤد بالدليل الذي لا يحتمل إلا معني واحد قد يعني القياس المبني على استخراج علة واحدة وحيدة . هذا النوع من القياس لا ينسب إلى داؤد . وقد ذكره الجصاص ونسبه إلى الأصم وابن علية وبشر بن غيات المريسي (3)
بالطبع هذا النوع من القياس يختلف عن قياس العلة عند الشافعية والحنفية والمالكية مثلا . إذ أن الأخيرين يعتقدون بإمكانية استخراج واستنباط أكثر من علة للتشريع المذكور في نص شرعي . خصوصا أن استنباط العلل عندهم يقوم على الظن وان وضعوا للظن قواعد وقوانين محددة بحيث لا يصبح هذا الظن نوعا من التخبط الفكري .أن المشكل يكمن في أن هذه العلة أيا كانت غير منصوص عليها صراحة . وبالتالي فان استخراجها يحتاج إلى نوع من النظر والاستنباط إذ أنها لا تفهم من ظاهر النص بل تتطلب من المجتهد نوعا من التخمين والتعقل في استخراجه لها ، فهي من عمل المجتهد كما يقول البعض . وهذا هو ما أتي مذهب الظاهر لإنكاره . فمثل هذا الاستخراج أو الاستنباط سيجر الفقيه إلى البحث وراء النصوص وافتراض معاني خفية للنصوص تكمن في تلك العلل . وهذا ما يتعارض مع مبدأ الظاهر الذي يتوقف عند حرفية النصوص . وبالتالي فان كلمة "معني" التي يستخدمها الظاهرية يجب أن لا تؤخذ على أنها تعني أكثر من المعني القاموسي الذي يحفظ الفقيه من الخروج عن ظاهر النصوص ، وهذا هو في الحقيقة ما يميزهم عن غيرهم من الفقهاء الآخذين بقياس العلة .سيتضح عند الحديث عن ابن حزم (ونحن على يقين عالٍ من انه قد اطلع على مؤلفات داؤد بالكامل واهتم بها اهتماما بالغا ، لدرجة انه أحصاها بعدد أوراقها وأنها تحتوي على ثمانية عشر ألف ورقة)(1) انه لا يستخدم هذا التعبير الذي استخدمه داؤد عند شرحه للدليل . لعله أراد بهذا أن يتفادى الإشكال الذي قد تثيره كلمة "معني" كما عبّر عنها داؤد . إذ يستخدم كلمة "وجه" بدلا من "معني" ويعرّف الدليل على انه "الذي لا يحتمل إلا وجها واحد"(2) مما يبين دقة ابن حزم ومحاولته إبعاد تهمة استخدام القياس على الظاهريين جملة .
قبل الانتهاء من الكلام عن داؤد أود أن أنبه القارئ إلى أن قائمة كتب داؤد التي يذكرها ابن النديم (3) تحتوي على عناوين كتب أو رسائل تذكرنا بمواضيع فكرية اهتم بها ابن حزم . نجد لداؤد مثلا كتابا في "الإمامة" . وكذلك يذكر ابن النديم "كتاب الطب" و"الذّب عن السنن والأحكام والأخبار " ثم "الرد على أهل الإفك " و "صفة أخلاق النبي". واضح أن الكتاب الأول يدخل في السياسة والموضوع طرقه ابن حزم . لكن كما ذكرنا ، لابن حزم أكثر من تأليف في هذا الباب . كذلك فان ابن حزم كتب أكثر من كتاب في الطب . بالنسبة لعلم الحديث فكما هو واضح ليس لداؤد – حسب قائمة ابن النديم – سوي كتاب واحد أما ابن حزم فله مجموعة كتب في هذا الميدان . وأيضا فان كتاب "الرد على أهل الإفك " يذكرنا بالذب عن الدين والرد على أصحاب الملل المخالفة للإسلام وابن حزم بلا شك أطول باعا في هذا المجال . أما الأخلاق فقد وضحنا اهتمامات ابن حزم بها وتعدد زوايا معالجته لها .اذكر هذا كي أبين أن ابن حزم كمفكر لاشك أغزر ويبدو انه ابعد موهبة من داؤد وهذا مؤشر آخر يدل على أن المذهب الظاهري على يد ابن حزم قد تجاوز هذه المرحلة الأولية للظاهرية . ويؤكد على هذا المؤرخين . يقول أبو بكر بن العربي : "فلما عدت (إلى الأندلس)وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب .... ابن حزم نشأ وتعلق بمذهب الشافعي ، ثم انتسب إلى داؤد ، ثم خلع الكل ، واستقل بنفسه " (1)ب- انتقال المذهب إلى الأندلس :شاع المذهب الظاهري في المشرق وعلا شأنه في القرنين الثالث والرابع الهجري . وقد حظي بإتباع كثيرون . ذكر ابن النديم (2) بعضهم بل واشهرهم أمثال : محمد بن داؤد (ت 297 ) الذي سار على مذهب أبيه ودعي إليه وألف في إغراضه مؤلفات شتي منها كتاب "الزهرة" وكتب أخري كثيرة في الفقه ، وابن المغلس أبو الحسن عبد الله بن احمد بن محمد (ت 324 ) والذي انتهت إليه رئاسة الداوديين في وقته ، وكان عالما فاضلا مقدما عند جميع الناس ومن كتبه "المفصح" وكتاب "الولاء" ، والمنصوري أبو العباس احمد بن محمد ، والرقي أبو سعيد ، والحسن بن عبيد أبو سعيد النهرباني وله من الكتب كتاب "إبطال القياس" ، وابن الخلال المكنّي أبا الطيب وله أيضا كتاب "إبطال القياس" و كتاب "النكت" ، وإبراهيم بن احمد بن الحسن الرباعي ، وهو أيضا من علما الداوديين المشاهير وله كتاب "الاعتبار في أبطال القياس" ، وأبو الحسن الاصفهاني الحزري ، من أفاضل المتمكنين من مذهب داؤد توفي سنة سبعين وثلاثمائة وله من الكتب "مسائل الخلاف" ، وغيرهم . يذكر إن المذهب الظاهري في تلك الأثناء أصبح رابع المذاهب الثلاثة المالكي والشافعي والحنفي، إذا لم يكن يعرف في ذلك الوقت أكثر من مذهب أهل الرأي بالعراق ويمثله الإمام أبو حنيفة النعمان ، ومذهب أهل الحديث بالحجاز ويمثله الإمام مالك بن انس والإمام الشافعي . يقول ابن خلدون : "انقسم الفقه فيهم إلى طريقتين، طريقة أهل الرأي والقياس وهم أهل العراق ، وطريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز ، وكان الحديث قليلا في العراق.... فلذلك قيل أهل الرأي ومقدم جماعاتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة ، وأمام أهل الحجاز مالك بن انس والشافعي ، ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية .... وكان إمام هذا المذهب داؤد بن علي وابنه واصحابهما وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة "(1)
يستطرد ابن خلدون مشيرا إلى انتهاء مذهب أهل الظاهر بالمشرق إذ لم يبق إلا في الكتب المجلدة ، دون ذكره للأسباب سوي مخالفة الجمهور لمنتحله واتهامه بأنه من أهل البدع إلي أن ظهر ابن حزم بالأندلس وأقام دعائم هذا المذهب من جديد . يقول ابن خلدون : "وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس على علو رتبته في حفظ الحديث وصار إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمّه في أقوالهم وخالف إمامهم داؤد وتعرض للكثير من الأئمة المسلمين "(2) .يثني الإمام أبي زهرة على ما يقوله الإمام الكوثري (3) عن صاحب "أحسن التقاسيم "من أن المذهب الظاهري انتشر في المشرق حتى أصبح رابع المذاهب الأربعة في القرن الرابع الهجري . حتى جاء القاضي أبو الحسن بن أبي يعلي الذي جعل للمذهب الحنبلي مكانة زحزحت المذهب الظاهري عن مكانته وحل محله .
إذا ما قارنا هذا القول بما يقول ابن حزم (4) عن أسباب انتشار المذهب المالكي بالأندلس والمذهب الحنفي بالمشرق ، والذي يرجعه إلى فضل الرياسة والسلطان بعد مجيء قضاة أفراد قاموا بذلك الدور. يمكننا التخمين بان أسباب اكتهال المذهب الظاهري بالمشرق يرجع هو الآخر إلي أسباب سياسة غامضة إضافة إلي ما ذكره صاحب " أحسن التقاسيم " عن القاضي أبو يعلي الذي دعي إلي المذهب الحنبلي في كتابه "طبقات الحنابلة"(5) .لقي هذا المذهب حياة جديدة في الأندلس .
يبدو أن أول الاندلسيين تأثرا بمذهب داؤد – على ما يذكره ابن الفرضي – هو عبد الله بن قاسم بن هلال بن يزيد بن عمران القيسي . قال ابن الفرضي في حقه : "هو قرطبي ، لقي داؤد وكتب عنه كتبه كلها وادخلها إلي الأندلس ، وكان علم داؤد الأغلب عليه "(1) توفي ابن هلال سنة اثنين وتسعين ومائتين . يفهم من هذا أن بذور الفقه الظاهري بدأت تنضج بالأندلس أثناء حياة داؤد . لا غرابة في ذلك فقد كان لدي الاندلسيين شغف بالرحلة إلى المشرق .قال ابن حزم في رسالة "فضائل أهل الأندلس ": "وإذا نعتنا عبد الله قاسم ابن هلال ومنذر بن سعيد لم نجار بهما إلا أبا الحسن المغلس والخلال والديباجي ورويم بن احمد ، وقد شركهم عبد الله في أبي سليمان وصحبته " . نقل هذا النص عن ابن حزم تلميذه الحميدي وأضاف إلى قول أستاذه " أبي سليمان" "يعني داؤد بن علي "(2).من بين من كان لهم شأن في نشر المذهب الظاهري بالأندلس بقي ابن مخلد . كان فقيها مجتهدا ، حافظا للحديث غير مقلد ، أشاد ابن حزم بفضله واثني على كتابه في تفسير القرآن ، وقطع قطعا دون استثناء على انه لم يؤلف في الإسلام مثله . ذكر أبو الحسن النبهاني(3) رفض ابن مخلد لتولي القضاء بعد أن عرض عليه. رحل ابن مخلد إلى المشرق وسمع بمصر والحجاز والكوفة ودمشق ودخل بغداد وسمع بها ، وربما التقي بداؤد فهو معه في نفس العمر مولده سنة مائتين للهجرة ، ووفاته سنة ست وسبعين ومائتين . ثم عاد إلى الأندلس بعد رحلة طلب طويلة . ذكر المقري (4) إنكار أهل الرأي لما جاء به بعد أن قرأ عليه البعض مصنف ابن أبي شيبه . لذا يعتبر من السابقين الذين ادخلوا نوعا جديدا من الدراسة الفقهية بالأندلس ، أي القول بالظاهر .كذلك من بين السابقين قاسم بن إصبع البياتي (5) : وكان بصيرا بالحديث وأخبار الرجال ، نبيلا في اللغة العربية والشعر . سمع بقرطبة من بقي بن مخلد وابن وضاح وغيرهم من المحدثين ، ثم رحل إلى المشرق سنة أربع وسبعين ومائتين ، وسمع بالقيروان وبمصر وبمكة ، ودخل بغداد على أمل أن يلتقي بداؤد لكنه لم يوفق إذ مات داؤد قبل دخول قاسم العراق بوقت يسير . أهم مصنفاته كتاب في الحديث صنفه على غرار كتاب السنن لأبي داؤد ، وكتاب "غرائب حديث مالك بن انس " . ثم عاد إلى الأندلس بعلم وافر ساهم به في إرساء دعائم الفقه الظاهري هناك ، وتوفي سنة 340 هـ .نذكر أيضا أبي الخيار مسعود بن سليمان بن مفلت الشنتريني(1) وهو احد شيوخ ابن حزم الذين ذكر أفضالهم عليه كثيرا. كان فقيها زاهدا، ذكر عنه الحميدي ميله للقول بالظاهر. وله قولته المشهورة " ما يزال الرجل عالما مادام يطلب العلم فإذا ظن انه علم فقد جهل ". توفي سنة 420 .ومن الظاهريين منذر بن سعيد البلوطي(2) كان عالما فقيها، وأديبا بليغا، وخطيبا مرتجلا، رحل إلي المشرق في طلب العلم ثم عاد إلي الأندلس وتولي القضاء بقرطبة في ربيع الأول سنة 399 هـ، ولبث قاضيا إلي أن توفي سنة 455 هـ. قال الشيخ أبو الحسن النبهاني في حقه: " وغلب عليه التفقه بمذهب أبي سليمان داؤد بن علي الاصبهاني المعروف بالظاهري، فكان يؤثر مذهبه، ويجمع كتبه، ويحتج لمقالته، ويأخذ بها لنفسه، فإذا جلس مجلس الحكومة، قضي بمذهب مالك بن انس وأصحابه، الذي عليه العمل في بلده "(3) أهم مؤلفاته كتاب" الانتباه علي استنباط الأحكام من كتاب الله" " وكتاب" الإبانة عن حقائق أصول الديانة".يتبين لنا من خلال الدور الذي قام به هؤلاء الأفراد سالفي الذكر كيف بدأت جذور الفقه الظاهري بالأندلس . لاشك في أن غيرهم كثيرون ، هؤلاء هم فقط من أثبتت المصادر المتوفرة لدينا قيامهم بذلك الدور البارز . يكفي أن نشير هنا إلى المقري ، وهو احد مؤرخي الأندلس المشاهير ، افرد مجلدا خاصا من كتابه "نفح الطيب" لذكر تراجم أعلام الأندلس الذين رحلوا إلى المشرق في طلب العلم ، وأحصاهم عددا بأكثر من ثلاثمائة شخص وبعضهم قام بالرحلة أيام داؤد . اعتقد أن هذا يؤيد بعض الشيء وجهة نظرنا في أن انتقال المذهب الظاهر من المشرق إلى الأندلس تم في وقت مبكر أي وداؤد لا يزال على قيد الحياة .

ليست هناك تعليقات: