14‏/10‏/2008

المذهب الظاهرى الحزمي

الباب الثانى : الفصل الثاني المذهب الظاهري الحزمى
يكاد المذهب الظاهري أن يندثر بنهاية مؤسسه الأول داؤد بن علي الاصفهاني ، ولم يبق منه سوي تلك الإشارات الطفيفة المبعثرة في كتب المصادر في الفكر الإسلامي التي لا ينتبه لها غير المتخصص . أن اهتمام ابن حزم بالظاهرية ومعالجته المفصلة والمطورة بطاقة فكرية تشهد لها كتبه الضخمة العديدة ، أعاد لأذهان مفكري الإسلام الاتجاه الظاهري في فهم الشرع وما يتبع ذلك من قضايا فكرية كلامية ولغوية ومنطقية ، بل اعتقد أن إثارة ابن حزم لهذا الموضوع وما قدمه من حجج مضادة فتح الباب لمناقشة أصولية حول مناهج الفقه عداك عن تلك المتعلقة بأصول الدين (علم الكلام) وأصول المنهج العقلي (المنطق) .كما ذكرنا سمي المذهب بالظاهري لاعتماده في معرفة الأحكام الشرعية على ظواهر النصوص الثابتة – القرآن والسنّة وحملها على ظاهرها اللغوي دون تأويل . هذا هو أساس اهتمام ابن حزم باللغة اهتماما بالغا وسبب تقديمه نظريته في اصل اللغات (التي سنشير لها فيما بعد ) .يقول ابن حزم : "وظاهر القول مما يحكمه البيان ، وينطق به اللسان وتصوبه اللغة وتقيمه الحجة "(1)هذا لا يعني عدم السماح بتأويل النصوص عن ظاهرها بشكل قاطع مطلق . إن التأويل مسموح طالما تقيد بشروط "البرهان" وهي تقديم نص يحيل اللفظ في القضية موضوع المناقشة عن ظاهرها أو وجود إجماع حول هذا التأويل أو إن الضرورة الحسية (يعني الواقع الملموس) توجبه. يقول أبن حزم : "القول بالتأويل خلاف الأخذ بالظاهر بلا شك ، ....، ونحن لا نقول بالتأويل أصلا إلا أن يوجب القول به نص آخر أو إجماع أو ضرورة حس"(2) .
يرفض المذهب الظاهري كافة المناهج التي قدمها فقهاء المذاهب الأخرى ، كالحنفية والشافعية والمالكية ، في استنباط الأحكام من الشريعة ، وخصوصا القياس والاستحسان والمصالح وما يتبعها من مداخل الرأي . والمذهب الظاهري يؤكد أكثر من غيره على المصادر النقلية (القرآن والسنة) إضافة إلى إجماع علماء الأمة ويحدده بإجماع الصحابة الذين عاصروا الرسول (صلي الله عليه وسلم) فقط .وحيث إن ابن حزم إمام المذهب في الغرب الإسلامي (وموضوع دراستنا) قد وقف هذا الموقف – أي موقف الرفض – من كافة المناهج السابقة الذكر ، فهو يؤكد في مناقشاته على أن الشريعة لا رأى فيها ولا قياس. وحيث أن اهتمامنا هنا ينصب على الجانب المنطقي في هذا المذهب ، رأينا أن نركز اهتمامنا في هذا الفصل على شرح حجج رفض ابن حزم للقياس ، ثم بيان المقصود عنده "بالدليل"الذي هو منهج عقلاني وان كان مخالفا للقياس الذي استخدمه بقية الفقهاء والأصوليين .
نفي القياس :
يستند الأصوليين الآخذين بمنهج القياس في دعم منهجهم هذا على وجود وقائع شرعية لم يرد فيها نص شرعي ، اى لا ذكر لها في كتاب الله ولا في سنة رسوله كما لم يقم عليها إجماع . يحدد هؤلاء الأصوليين هذه الوقائع الشرعية بأنها الوقائع الشرعية التي استجدت في حياة الإسلام بعد عصر الرسول (صلي الله عليه وسلم). بالتالي فلابد من الاجتهاد في معرفة الحكم الشرعي فيها ، اى أن نحاول الاعتماد على العقل للحد الذي يمكنه أن يوصلنا إليه . وقد بينوا أن هذا الاعتماد يقوم على البحث عن قضية قانونية أو حكم قانوني مذكور في نص شرعي "يشبه"أو يشترك في العلة مع القضية القانونية موضع النظر . هذا هو القياس بنوعيه (قياس الشبه وقياس العلة )وهو أول الطرق التي يلجأ إليها المجتهد لاستنباط الحكم فيما لا نص فيه ، وهو في رأيهم – أي الأصوليين- أوضح طرق الاستنباط وأقواها .معني القياس في اللغة التسوية . يري الأصوليين أن تسوية واقعة لم يرد نص بحكمها بواقعة ورد نص بحكمها يقوم على أساس تساوي الواقعتين . واختلفوا في هذا التساوي البعض يوجب التساوي في علة الحكم ، والبعض الآخر يوجب التشابه في الوصف .لسنا نرغب الخوض في التفاصيل والاعتراضات التي طالما جاءت فردية فيما يخص تعريف الأصوليين للقياس ، وبالذات بعد تطور مباحث الأصول عموما عبر تاريخ الفكر الإسلامي الطويل ، نكتفي فقط بالتعريف العام الشامل الذي ينقله ابن حزم والمجمع عليه لدي طوائف الفقهاء في عصره . يقول ابن حزم : "القياس عندهم هو أن يحكم لما لا نص فيه ولا إجماع بمثل الحـكم فيما فيه نص أو إجماع(1)" ثم يضيف اختلاف الفقهاء في الأساس الذي يبني عليه نقل الحكم من الأصل (أي محل الحكم أو المقيس عليه) إلى الفرع المقيس(1) . فأصحاب الشافعي وبعض الفقهاء من الحنفيين والمالكيين يوجبون الاتفاق في العلة التي هي علامة الحكم بين الأصل والفرع ، فمتي ثبت وجود علة حكم الأصل في الفرع حكم للفرع بحكم الأصل .بينما تري طوائف من الفقهاء الحنفيين والمالكيين أن الاتفاق بين الأصل والفرع يكون في نوع من الشبه بينهما أو في بعض الصفات المشتركة بين الأصل والفرع ، وان هذا "التشابه"يكفي لنقل الحكم من الأصل المنصوص عليه إلى الفرع الذي لا نص فيه .يشير ابن حزم إلى أن القياس لم يكن معروفا في عهد الرسول (صلي الله عليه وسلم ) ويحدد تاريخ حدوثه بالقرن الثاني الهجري (2) ويعتبره بدعة متأخرة . ولا يقف عند هذا الحد بل نجده في كتابه" التقريب لحد المنطق " لا يقبل حتى إطلاق لفظ القياس علي طريقة الأصوليين هذه ، ويري أنها تخضع لمنهج الاستقراء الذي لا يصح العمل به في الشرائع ، ويشير إلى أن شغبهم (أي الأصوليين) أدي بهم إلي إطلاق لفظ القياس علي أشياء لا يعتد بأحكامها ، وان لفظ القياس كما عرف عند المتقدمين – وربما يقصد المناطقة – يقع على الحق الواضح الراجع إلى مقدمات موثوق بصحتها . يقول ابن حزم : "واعلم أن المتقدمين سموا المقدمات "قياسا" . فتخيل إخواننا القياسيين حيلة ضعيفة سوقسطائية أوقعوا اسم القياس على التحكم والسفسطة ، فسموا تحكمهم بالاستقراء المذموم قياسا ، وسموا حكمهم فيما لم يرد فيه نص بحكم شيء آخر مما ورد فيه نص لاشتباههما في بعض اوصافهما قياسا واستدلالا وإجراء للعلة في المعلول ، فأرادوا تصحيح الباطل بأن سموه باسم أوقعه غيرهم على الحق الواضح "(3).يبدأ ابن حزم مناقشة أصحاب القياس بتفنيده لحجتهم القائمة على إقامة الدليل الشرعي .بمعني أن احد أهم حجج أصحاب القياس في اعتمادهم على هذا المنهج أن الشرع نفسه يقرره ويحض عليه .يفند ابن حزم هذا الدليل بان يعرض على طريقته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي ارتأوا ( أي الفقهاء ) أنها تشير إلى أحقية القول بالقياس . ثم يقيم الحجة على بطلان قولهم من نفس الأدلة الشرعية – القرآن والسنة – سنذكر من أدلة أصحاب القياس الشرعية الكثيرة واحد منها يقوم على الآية القرآنية : "فاعتبروا يا أولي الأبصار"(1) يري القياسيين أن "الاعتبار " المقصود في هذه الآية هو القياس . وان الأمر في قوله واعتبروا مشتق من العبور الذي هو المجاوزة ، والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع . يقول ابن حزم : "لم يفهم احد قط أن معني (اعتبروا ) قيسوا) ولا أن معني (اعتبروا) : (احكموا للحديد والبلوط بحكم البر في الزكاة ) والآية جاءت بعقب قوله : "يخربون بيوتهم ....فلو كان معناه (قيسوا ) لكان أمر لنا بأن نخرب بيوتنا كما أخربوا بيوتهم ومعني الاعتبار في اللغة والقرآن التعجب قال تعالي : "لقد كان في قصصهم عبرة "(2). أي (عجب)، "وان لكم في الأنعام لعبرة "أي (لعجبا) لا قياسا "(3).لا يتصور ابن حزم وجود وقائع شرعية لا نص فيها . بل أن القرآن لم يفرط في شيء ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وقد كمل الدين وما كمل واستوفي لا يقبل الزيادة ، وان أحكام الشريعة لا تخرج عن ثلاث أقسام لا رابع لها . يقول ابن حزم : "فصح أن كل ما أمر به فلا تحل مخالفته ، وكل ما نهي عنه فلا تحل مواقعته ، وكل ما لم ينه عنه ولا أمر به فمباح لا يحل إيجابه ولا تحريمه ، فلا شيء في العالم إلا وفيه شرع منصوص ، بإيجاب أو تحريم أو إباحة "(4) .يناقش ابن حزم من أقيسة الأصوليين أولا قياس التشابه القائم علي اشتراك الأصل والفرع في صفة متشابهة . وهو يرفض هذا النوع من القياس بحجج عقلية مختلفة . يقول ابن حزم : "وقالوا : (بالعقل يجب أن كل شيئين اشتبها في صفة ما فحكمها واحد فيما اشتبها فيه) قلنا : نعم ، لاشك في هذا ولا في أنهما غير مشتبهين فيما لم يشتبها فيه ، فبطل أن يحكم لهما بحكم واحد"(5) معني هذا أن وجود شبه في صفة أو حتى صفات معينة بين حكم الأصل والفرع يعني بوضوح أن هناك صفات أخري لا يتشابه فيها حكم الأصل والفرع . إذا لو تشابها تشابها كاملا في كل صفة مهما كانت لأصبحا شيئا واحدا ولما تساءلنا من البداية عن الحكم الشرعي في الفرع الذي هو موضوع النظر ، لو كان هناك نص شرعي يقول "متي ما حكم الله ورسوله في أمر ما ...فاحكموا فيما يشبهه في بعض صفاته بمثل ذلك الحكم "(1) ، لكنا اعتبرنا هذا مبدأ أو مقدمة برهانية تثبت قطعا صدق الحكم الشرعي في الفرع بناء على حكم الأصل . لكن لا يوجد نص كهذا . لذلك بطلت كل الأحكام القائمة على قياس الشبه . ومن ناحية أخري انه لو وجد هذا المبدأ ، "بطلت جميع أحكام الدين لأنه لا شيء خلقه إلا وكل ما في العالم يشبهه في بعض صفاته " . بالتالي لا نستبعد أن نصل إلى حكم واحد يشمل جميع الأشياء المخلوقة . يقول ابن حزم : "انه ليس في العالم شيئان إلا وبينهما شبه وافتراق ما ضروري لابد من ذلك . فان كان الشبه يوجب استواء الحكم فلنحكم لكل ما في العالم بحكم واحد في كل الأحوال من اجل اشتباهه في صفة ما ، ولم كان الاجتماع في الشبه يوجب استواء الحكم ولم يكن الافتراق في الشبه يوجب اختلاف الحكم؟ فيجب علي هذا أن لا نحكم لشيئين أصلا بحكم واحد لأجل اختلافهما في صفة ما. وكل هذا خطأ وحيرة ومؤد إلى التناقض والضلال "(2) .يقرر ابن حزم أيضا أن التشابه بين الأشياء وارد . وان هذا التشابه لا يخلو من أمرين : إما أن يكون التشابه بينهما في كل الوجوه وهذا باطل في رأيه إذ لا يوجد في العالم شيئان يتشابهان في جميع صفاتهما . بقي أن يشتبها في بعض الوجوه ، وهذا الاشتباه الجزئي لا يكفي لان يكون برهانا على تعدي حكم أحداهما إلى الآخر إذ في هذا إغفال لباقي الوجوه التي اختلفا فيها . يقول ابن حزم : "ما هذا الشبه أفي جميع الصفات أم في بعضها دون بعض فان قالوا : في جميع صفاتهما فهذا باطل لأنه ليس في العالم شيئان يتشابهان في جميع صفاتهما . وإن قالوا : في بعض صفاتهما قلنا : من أين هذا ؟ وما الفرق بينكم وبين من قصد إلى الصفات التي قستم عليها فلم يقس عليها ، وقصد إلى الصفات التي لم تقيسوا عليها فقاس هو عليها "(3) .ما يريده ابن حزم أن قياس الشبه إضافة إلى انه لا يأخذ في الاعتبار جميع الصفات الموجودة في الأشياء ويقتصر علي بعضها ، نجده يترك الباب مفتوحا لاختيار أي صفة مشتركة أو متشابهة بين شيئين ولا يحدد لنا أيها نختار . وحيث أن باب اختيار الصفات المتشابهة مفتوح ، فان باب التأويل سيكون مفتوحا ، والتأويلات هنا لا يمكن المفاضلة بينها أي بيان أيها أكثر رجوحا ، لأنه ليس لدينا مبدأ نعتمد عليه في اختيار صفات الشبه بين الأشياء . لذلك تختلف الأحكام تبعا لاختلاف المجتهدين مما يؤدي إلى التفرقة والمنازعة . وكل ما يؤدي إلى ذلك لا يعقل أن يأمر به الشارع ويقره كمصدر من مصادر التشريع .يضيف ابن حزم انه قد تتساوي في بعض الأحيان الصفات التي توجب التحريم ، والصفات التي توجب التحليل بين الأشياء ، فيقع السؤال بأيهما نأخذ ؟ يقول ابن حزم : "وأما قولهم في موازنة صفات التحليل وصفات التحريم ، فإننا نقول لهم : ...ماذا تصنعون إذا تساوت عندكم صفات التحريم وصفات التحليل ؟ فان قالوا نغلب التحريم احتياطا . قلنا لهم : ولم لم تغلبوا التحليل تيسيرا ؟ لقوله تعالي : (يريد الله بكم اليسر) وان قالوا : نغلب التحليل قيل لهم : وهلا غلبتم التحريم لقوله تعالي (وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) فيظهر بطلان قولهم وفساده .وبالجملة فليس تغليب احد الوجهين أولي من الآخر"(1).النقطة الأساسية في إبطال ابن حزم لقياس الشبه ، انه غير مأمون أي أن احتمال وقوع الخطأ في النتيجة (حكم الفرع) وارد ، بالتالي فأحكامه غير مقطوع بصحتها ولا يعتد بها وما الأخذ بها إلا مسلك من مسالك الظن . يقول ابن حزم : " قولهم أن القياس يدخله خوف خطأ التشبيه – إقرار منهم بأنهم لا يثقون بجملة ، وهذا هو الحكم بالظن "(2) .
يناقش ابن حزم الشطر الثاني من القياس الأصولي القائم علي العلة ، ويرفضه هو الآخر ولا يقبل بالنتائج التي يتوصل إليها عن طريقه . الحقيقة أن العلة هي مدار القياس الأصولي ، وقد عرّفها الأصوليين بعدة تعريفات لا تختلف عن بعضها في الجوهر . منها أن العلة هي الباعث للشارع على شرع الحكم ، والوصف المعرف للحكم ، وبأنها الوصف المؤثر في الحكم ذاته . كما وضعوا لها شروطا ومسالك عديدة لا غاية لنا بالبحث فيها .ما يهمنا أن القياس الأصولي القائم على العلة ينص على انه متي تحقق وجود علة الأصل في الفرع حكم للفرع بحكم الأصل . استنادا إلى انه إذا كان الشارع قد حكم في قضية ما بحكم معين فلا بد ، إذا توافرت هذه العلة في حالة قانونية معروضة للبحث ، أن يكون الحكم فيها هو نفس الحكم الذي قرره الشارع في نصه .يشير الدكتور النشار (3) إلى أن هذا النوع من القياس قائم علي فكرتين أو قانونين . الأول "أن الحكم ثبت في الأصل لعلة كذا "فحكم التحريم في الخمر معلول بالاسكار . والثاني : "القطع بان علة الأصل موجودة في الفرع فإذا ما وجدت أنتجت معلولا متشابها " استنادا إلى قانون الاطراد في وقوع الحوادث والذي ينص على أن العلة الواحدة إذا وجدت تحت ظروف متشابهة أنتجت معلولات متشابهة.يقرر ابن حزم أن هذا النوع من القياس لا يحق العمل به في الشرائع فليس في الشرائع علة أصلا بأي وجه من الوجوه "ولا شيء يوجبها إلا الأوامر الواردة من الله عز وجل " (1) أما العقل فلا يوجب تحريم أو تحليل شيء ما في هذا العالم . إضافة إلى أن الادعاء بمعرفة علل النصوص الشرعية فيه تحكم على الذات الإلهية وافتراء بمعرفة أغراضها ومقاصدها وقد يعني الوصول إلى رتبتها .للأصوليين رد علي هذا القول يتلخص في أننا كثير ما نجد في النصوص ذكرا لعلل الأحكام التي جاءت من اجلها ، فما الغرض من ذكر الشارع لها ؟ وقد وافقهم ابن حزم في أننا كثيرا ما نجد علل للنصوص مصرح بها ، غير أن هذه العلل المذكورة لا ينبغي أن تتجاوز ما ذكرت من اجله ، ولا يجب أن توضع الأحكام في غير ما نصت فيه لان في ذلك تعد لحدودها . يقول ابن حزم : "إن الشيء إذا جعله الله سببا لحكم ما في مكان ما فلا يكون سببا إلا فيه وحده على الملزوم وحده لا في غيره "(2) . أما الغرض من تصريح النصوص ببعض العلل فليس لشيء سوي الاعتبار . يقول ابن حزم : "واعلم أن الأسباب كلها منفية عن أفعال الله تعالي كلها وعن أحكامه حاشا ما نص تعالي عليه أو رسوله (صلي الله عليه وسلم) وأما الغرض في أفعاله تعالي وشرائعه فليس هو شيئا غير ما ظهر منها فقط والغرض في بعضها أيضا أن يعتبر بها المعتبرون "(3) .لا ينكر ابن حزم وجود علل للأشياء ولا يعترض علي مبدأ العلّية القائل بان لكل معلول علة ، لكنه يحدد العمل بهذا المبدأ في إطار الطبيعيات أو الظواهر الكونية فقط . أما في الشرائع فلا يجوز وما هو إلا إيقاع اسم واحد علي معنيين مختلفين .ينتقد ابن حزم أيضا قياس العلة الأصولي من جانب آخر . ففي رأيه يخضع تخريج علل النصوص إلى نوع من التخمين والظن . إذ بالامكان تخريج أكثر من علة لحكم واحد . أي أن الفقهاء قد يتمكنون من الوصول إلى أكثر من علة أدت الشارع إلى الحكم في قضية معينة . إذ قد يتصور فقيه معين إن العلة في قضية فرعية هي كذا بينما يراها آخر غير ذلك وبالتالي يربطاها بأصول مختلفة ويصلان إلى أحكام متباينة وينتهي الأمر بالاختلاف بين فقهاء المسلمين حول أمور الشرع وذلك لاحتكام المجتهدين على العلة القائمة على الظن أو غالب الظن .يقدم ابن حزم مثالا لذلك وهو تحريم استبدال البر بالبر متفاضلا في الشرع الإسلامي . فالمالكي يظن أن علة التحريم انه مدخر ، والشافعي يظن العلة في التحريم انه مطعوم أي مأكول ، بينما الحنفي يظن العلة في التحريم انه مكيل. (1) يصل ابن حزم من هذا إلى "انه لا يمكن لأحد منهم أن يدعي علة في شيء من الأحكام إلا أمكن خصمه أن يأتي بعلة أخري يدعي أن ذلك الحكم إنما وجب لها "(2) . أي أن الباب مفتوحا للجميع في اختيار ما يناسبه وحسب هواه .ظاهرية ابن حزم تضاد ما لم يقم الدليل عليه نصا ، والعلة التي يسعى إليها الفقهاء – حسب رأيه – في حد ذاتها معني خفي لا يفهم من ظاهر النص اللغوي . لذا فهو باطل في مذهبه . وفي هذا الصدد يقول : "وإنما ينكر عليهم أن يستخرجوا من كلام النبي صلي الله عليه وسلم ومن إجماع الأمة معني لا يفهم من مسموع ذلك الكلام ، ولا يقتضيه موضوعه في اللغة العربية "(3) .نود أن نقرر قضية هامة فيما يتعلق برفض ابن حزم للقياس الأصولي بشطريه . وهي أن ابن حزم لا يعتد إلا بالشيء اليقيني ، واليقيني القائم على أساس البرهان القاطع والذي لا مدخل فيه للرأي والظن والتخمين . من هذا المنطلق نستطيع أن ندرك مرامي ابن حزم في إبطال القياس بأي شكل من أشكاله . ففي رأيه سيان أن يقوم القياس على مجرد وجود أشباه أو صفات أو علل وأسباب ، ففي نهاية الأمر ما يقوم عليه هذا القياس هو الظن أو غالب الظن وما قام على الظن لا يمت لليقين بصلة ولا يعتد بأحكامه .وليس القياس فحسب في رأيه قائم على غالب الظن ، بل يشمل هذا كافة المناهج العقلية المعتاد استخدامها لدي الفقهاء ، والتي طالما جاءت بعيدة عن نصوص القرآن والسنة لما للرأي أو الظن فيها من شأن . يصرح ابن حزم بهذه القضية في كتابه "المحلي" قائلا : "لا يحل الحكم بقياس ولا برأي ولا باستحسان ولا بقول احد ممن دون الرسول صلي الله عليه وسلم دون أن يوافق قرآنا أو سنة صحيحة لان ذلك حكم بغالب الظن"(4).ليس من الضروري عند ابن حزم إقامة البرهان على إبطال القياس ، بل عدم وجود برهان على إثباته يكفي كبرهان لإبطال العمل به . يقول ابن حزم : "بطل كل قول بلا برهان على صحته حتى لو لم يقم برهان بإبطاله ، فلو لم يكن لنا برهان على إبطال القياس لكان عدم البرهان على إثباته برهانا في إبطاله ، لان الفرض علينا أن لا نوجب في الدين شيئا إلا ببرهان "(1) .إجمالا حجة ابن حزم في إبطال العمل بالقياس تتلخص في انه ما دام الوقوع في الخطأ وارد عند استخدام منهج القياس الأصولي بسبب قيامه على غالب الظن ، فان كفالة عدم الوقوع في الخطأ تتطلب وجود برهان يؤكد ذلك ، ولا برهان لدي القياسيين يبين أن منهجهم هذا جازم في قضاياه أو نتائجه ، بل هم أنفسهم يقرون بان النتائج التي يتوصلون إليها في حد ذاتها ظنية الدلالة ، فلا مبرر لأقوالهم أو فتاويهم .في اعتراضه على القياسيين يتساءل ابن حزم : "هل كان كل قياس قاسه قائس حق أم منه حق ومنه باطل فان قال كل قياس حق أحال لان المقاييس تتعارض ويبطل بعضها بعضا ومن المحال أن يكون الشيء وضده من التحريم والتحليل حقا .... وإذا لم يوجد دليل على تصحيح الصحيح من القياس من الباطل منه فقد بطل كله وصار دعوى بلا برهان " (2) .المشكل يكمن في عدم القدرة علي الحسم في صحة النتائج التي يتوصل إليها الفقهاء باستخدام القياس والرأي ، مما أدي إلى خلق مجال فسيح للتنازع والاختلاف فيما بينهم تبعا لوجهات نظرهم وهو ما يرفضه ابن حزم . فدين الله واحد لا اختلاف فيه . قال تعالي : "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " (3) . فاختلاف المجتهدين أو الفقهاء لا يعني اختلاف الحق في ذاته ، لكنه اختلاف الطرق الموصلة إليه بسبب كونها ظنية (4) كأن ابن حزم يريد القول بأن ما نراه من اختلافات مذهبية في الإسلام ما كانت تكون لولا استخدام الفقهاء لطرق استدلالية ظنية كالقياس والرأي والتي لم تكن معروفة في عصر الرسول . هذه الطرق أدت إلى تعدد النزاعات المذهبية والاختلافات الفقهية ، ولو أن الأمور في معرفة الأحكام الشرعية ظلت على ما كانت عليه في عصر الإسلام الذهبي (عصر الرسول والصحابة) لما وجدنا هذه الاختلافات التي شتت جمع الأمة الإسلامية .يوسع ابن حزم من نقده ليشمل ليس فقط الفقهاء الذين يؤولون الشرع باستخدام العلة ، بل وأيضا الأشخاص الذين يستغلون الاشتراك في معاني الألفاظ للتمويه ، أو ما يسميه هو "بالسفسطة" . وهو يري: " أن الآفة العظيمة إنما دخلت على الناس – وتمكن بهم أهل الشر والفسق والتخليط والسفسطة ولبسوا عليهم دينهم – من قبل اشتراك الأسماء واشتباكها على المعاني الواقعة تحتها "(1) وتفاديا لهذه الآفة يدعو "إلى تمييز المعاني وتخصيصها بالأسماء المختلفة ، فان وجدنا في اللغة اسما مشتركا حققنا المعاني التي تقع تحته ، وميزنا كل معني منها بحدوده التي هي صفاته التي لا يشاركه فيها سائر المعاني ، حتى يلوح البيان "(2). واللفظ المشترك هو اللفظ الذي يشير لأشياء كثيرة مختلفة الصفات والأحكام . فعلي المتكلم أو مقدم البرهان أن يبين أثناء استخدامه للفظ المعني أو الشيء الذي يقصده ، ويخصصه عن غيره عن طريق التعريف بالحد الذي يذكر فيه صفات الشيء المميزة له عن غيره المشترك معه في اللفظ .

ليست هناك تعليقات: