14‏/10‏/2008

ف ث:تعليمه وتطور تفكيره

الباب الاول : الفصل الثاني
تعليمه وتطور تفكيره
رأينا فيما سبق حياة ابن حزم في بدايتها ، وما كانت تنعم به أسرته التي عملت بالسياسة ، وحظيت بمركز اجتماعي مرموق بين الخاصة من أهل قرطبة .في جو بيت أبيه الوزير المترف قضي ابن حزم مرحلة الطفولة تحوطه العناية من كل الجوانب . ابتدأ تعليمه بحفظ القرآن كما هو الحال بالنسبة للمتعلمين في العالم الإسلامي في وقته . لكن مع فارق إذ يقول انه حفظه في بيته عن النساء والجواري اللائي علمنّه أيضا الكتابة وجودة الخط ورواية الشعر . فكأن العلم قد أتاه من الصغر ودون جهد كبير . يقول ابن حزم : "... ربيت في حجورهن ، ونشأت بين أيديهن ، ولم اعرف غيرهن ، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب ، وحين تفيّل وجهي ، وهن علمنني القرآن وروينني كثير من الأشعار ، ودربنني في الخط "(1) يبدو من قوله هذا أن تربيته بل وتعليمه في سن الطفولة لم يكن يدين به لوالديه كما قد نتوقع ، بل من نساء القصر وجواريه ، وانه لم يعرف مجالس الرجال إلا بعد بلوغه سن الشباب . لابد أن نذكر هنا أن كثيرا من الجواري وبالخصوص أولئك الذين نتوقع وجودهن في قصر كقصر أبيه ، كنّ على حظ من العلم وأحيانا الموهبة العلمية والفنية .
يري البعض(2) أن طريقة التعليم في الأندلس غير طريقة أهل المشرق – بالرغم من أن المغاربة والمشارقة يتفقون في أن المتعلم يبدأ بحفظ القرآن – إلا أن المشارقة يحفظون القرآن قبل أن يستطيع الصبي فهم معناه ، ثم يتعلمون اللغة العربية بعد ذلك ، أما في الأندلس فيعلمون اللغة العربية أولا ، وبعد القدرة على فهم المعاني يحفظون القرآن . هذا الرأي يوجهنا إلى الاعتقاد بأن ابن حزم قد درس اللغة العربية أولا قبل أن يبدأ بحفظ القرآن ، أي انه حصل على الأداة الأولي للمعرفة وهي اللغة وأصبح قادر على فهم المعاني القرآنية ولو إلى حد .إلى جانب الجواري المهتمات به وبالإشراف على تعليمه كلف أبوه الوزير من كان يراقب سلوكه ليتأكد من استقامته وعدم خروجه عن تقاليد المجتمع الإسلامي . يقول ابن حزم في سياق حديثه عن سر استقامته وعفته " كان السبب فيما ذكرته إني كنت وقت تأجج نار الصبي وشره الحداثة وتمكن غرارة الفتوة مقطورا محظرا عليّ بين رقباء ورقائب"(1) رغم أن الأب فيما يبدو لم تكن له يد في تعليمه وتثقيفه بشكل مباشر ، إلا انه كلف من قام بتوجيهه علميا ومصاحبته إلى مجالس الشيوخ والعلماء .
مرة أخري نحيل القارئ إلى ما يقوله ابن حزم عن نفسه : "فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا على الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الازدي شيخنا وأستاذي رضي الله عنه وكان أبي على المذكور عاقلا عاملا عالما ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح في الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة ... ما رأيت مثله جملة علما وعملا ودينا وورعا ، فنفعني الله به كثيرا "(2) . يفيدنا أبن حزم في هذا النص أن المشرف على تعليمه ومصاحبته إلى مجالس العلماء كان أصله من فاس ، وان بداية تعلمه كانت على يد أبو القاسم المذكور وهو أستاذ مصري قدم إلى الأندلس في أواخر القرن الرابع الهجري ، وكان له مجلس مقصود بحي الرصافة بقرطبة يتدارس فيه تلاميذه علوم القرآن والحديث والنحو واللغة . يمكن أن نستنتج من هذا أن ابن حزم بعد أن عرف شيئا عن اللغة وحفظ القرآن وبعض الشعر ، بدأ يوجه إلى دراسة العلوم الإسلامية وبالذات تلك التي يقال أن تلاميذ أبي القاسم كانوا يتدارسوها في مجلسه . على أن الضبّي يذكر أن ابن حزم درس على الأستاذ المذكور كتاب التاريخ لمحمد بن جرير الطبري (3).رغم ما يقوله ابن حزم نفسه من أن بداية سماعه للعلم كانت في مجلس أبي القاسم ، إلا أن بعض المؤرخين (4) يشير إلى أن أول سماعه كان على أبو عمر احمد بن الجسور .يذكر الضبّي وابن بشكوال أن هذه البداية كانت قبل الأربعمائة الهجرية،بينما يحدد المقري وابن العماد تاريخها بسنة 399 هـ. .على أن هؤلاء المؤرخين جميعا يرون أن ابن الجسور أول من تلقي ابن حزم العلم عنه. تشير المصادر إلى أن ابن الجسور كان حافظا للحديث أديبا شاعرا . لاشك أن دروسه مع ابن الجسور ساعدت على تنمية موهبته الشعرية والأدبية التي تشربها منذ طفولته في قصر أبيه .
كذلك يبدو أن معرفته للشعر واهتمامه به كان كبيرا إذ نعلم من كلامه انه كانت له مطارحات شعرية مع زمرة أصدقائه وهم في طريقهم إلى حلقة الشيخ أبو القاسم بن أبي يزيد المصري (1) . يبدو لي أن قول ابن حزم عن نفسه اصدق ، وبالتالي يمكن القول أن بداية تلقيه للعلم كانت على يد أستاذه أبي القاسم الازدي . لا نستبعد انه في نفس الفترة التحق بمجلس ابن الجسور . ولا نعتقد أن هناك غرابة في هذا حيث أن المادة التي درّسها الأستاذين كانت مختلفة كما هو واضح . والسبب في عدم ذكر ابن حزم لابن الجسور في أول سماعه للعلم قد يكون قصر المدة التي اخذ فيها عنه ، والتي قد لا تزيد عن السنة بكثير . فابن الجسور توفي عام 401 هـ في الطاعون الذي تفشي في قرطبة في منزله "ببلاط مغيث "وهو الحي الذي كان يسكنه ابن حزم . يبدو انه كان لابن حزم اهتمام خاص بعلم الحديث إذ يذكر انه اخذ الحديث على سائر شيوخ قرطبة المحدثين ، ومن بينهم القاضي أبو بكر عبد الله بن جحاف ، والقاضي يونس بن عبد الله ، والقاضي أبو محمد بن بنوس (2) . نعلم من كلامه انه روي عن الهمذاني (وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ) في مسجد القمري بالجانب الغربي من قرطبة سنة احدي وأربعمائة (3) ، وعن أبو عمر احمد بن محمد (4) . كذلك روي ابن حزم عن عبد الله الازدي المعروف بابن الفرضي الذي كان حافظا للحديث ، رحل إلى المشرق وتثقف بعلومه ثم تقلد بعد رجوعه منصب قاضي بلنسية أيام أمير المؤمنين المهدي (5) روى أيضا عن أبي سعيد مولي الحاجب جعفر في المسجد الجامع بقرطبة (6) ، وعن عبد الله بن عمر بن مضاء (7)، وعن يحي بن عبد الرحمن بن مسعود بن وجه الجنة ( هؤلاء بعض من اخذ عنهم ، أما الآخرين فلم يتردد ذكرهم لديه كثيرا. في ترجمة لسيرة ابن حزم يقول الذهبي : "سمع من أبي عمر بن احمد بن الجسور ويحي بن مسعود بن وجه الجنة ويوسف بن عبد الله القاضي وحمام بن احمد القاضي ومحمد بن سعيد بن نبات وعبد الله بن ربيع التميمي وعبد الله محمد بن عثمان وأبي عمر الطلمنكي وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد وعبد الله بن يوسف بن نامي وخلق سواهم"(1) .ومن شيوخه في الأدب مسعود بن سليمان بن مفلت أبو الخيار اللغوي (2) وأبو سعيد الفتي الجعفري الذي يذكر عنه انه قرأ عليه معلقة طرفه بن العبد مشروحة (3)وقد اتيح لابن حزم أن يعقد الصلة بابي عبد الله محمد بن الحسين المدحجي المعروف بابن الكتاني. وابن الكتاني طبيب اشتغل للمنصور العامري ولابنه المظفر. كذلك كان ابن الكتاني عالما من علماء "الفلسفة" الذين زخرت بهم قرطبة. وعن ابن الكتاني تلقي ابن حزم علوم المنطق "والفلسفة" فيما يذكر الذهبي(4). وقد أشاد ابن حزم نفسه في "رسالة فضائل أهل الأندلس" بفائدة وقيمة رسائل أستاذه المذكور (5).
يذكر ياقوت نقلا عن محمد بن العربي أن بداية ابن حزم في دراسة الفقه كانت بقراءته لموطأ مالك علي يد الفقيه عبد الله بن دحون (6).لم يقتصر تعليم ابن حزم في هذه الفترة علي أخذه عن الشيوخ فقط بل يظهر تأثره بزمرة الأصدقاء الذين كان يتدارس معهم ويجالسهم في حضرة الشيوخ . وقد أورد في كتابه "طوق الحمامة"الكثير من أخبارهم التي تبين مدي تأثره بهم واستفادته العلمية من رفقتهم . من هؤلاء ابن شهيد (أبو عامر احمد بن عبد الملك ) الذي وزر مع ابن حزم للخليفة المستظهر ، وقد ذكره ابن حزم كثيرا وأشاد بتمكنه في علم البلاغة . ومنهم ابن الطبني (عبد الله محمد بن يحي بن الحسين التميمي ). قال ابن حزم في حقه : "لم اشهد له مثلا حسنا وجمالا وخلقا وعفة وتصاونا وأدبا وفهما وحلما ووفاء وسؤددا وطهارة وكرما ودماثة وحلاوة ولباقة وإعطاء وعقلا ومرؤة ودينا ودراية وحفظا للقرآن والحديث ، والنحو واللغة ، شاعرا مفلقا حسن الخط ، وبليغا مع حظ صالح من الكلام والجدل"(7) .
يمكنني أن أقول بأن حياة ابن حزم في قرطبة قبل نشوب الفتن والاضطرابات (أي قبل عام 404 هـ) تمثل مرحلة أولي في تعليمه وهي مرحلة التلقين والأخذ . يمكن لنا أن نحدد ظهور مرحلة جديدة في حياة ابن حزم الفكرية وهي التي تبدأ مع بداية هجرته للمرية . وهذه هي مرحلة المناظرة وإبداء الرأي والتي تمثل مستوي اعلي في النضج الفكري وتأكيد الشخصية العلمية . ذلك أننا نحس من كلامه وما يذكره المؤرخون أن ابن حزم في هذه المرحلة يشارك بشكل ايجابي في المناظرات التي تدور في المجالس العلمية التي كان يحضرها . لا نستبعد انه حتى في المرحلة الأولي كان يشارك في المناقشات أما بالسؤال أو حتى بنوع من الاعتراض . لكنا لا نلحظ المعارضة والحجاج في المناظرات اللذان نحس بهما في الفترة الجديدة في المرية حيث بدأ ينعم ابن حزم بالهدوء والاستقرار .لقد واصل ابن حزم في المرية إشباع تطلعاته العلمية . فاتصل بعلمائها وعقد مجالس المناظرة معهم . يحدثنا ابن حزم بأنه اتصل بإسماعيل بن يونس الطبيب الإسرائيلي(1) وهو احد رجال "الفلسفة". كان ابن حزم يجلس في دكانه مع نخبة من الأصحاب وكانت له معه علاقة صداقة وطيدة ربما كان لها اثر في معرفته أصول الدين اليهودي . كذلك كانت له مجالس مناظرة مع العالم اليهودي ابن النغرالي (اشموال بن يوسف اللاوي). عرف ابن النغرالي بذكائه وفهمه ودهائه ومكره ، قال صاعد في حقه "كان عنده من العلم بشريعة اليهود والمعرفة بالانتصار لها والذب عنها ما لم يكن عند احد من أهل الأندلس"(2) ولابن حزم رسالة في الرد على ابن النغرالي ، لعل فحواها يمثل ما كان يدور في مناظرته معه الظاهر من كلام ابن حزم في أول الرسالة (3) أن ابن النغرالي ألف كتابا وقصد فيه بيان تناقض كلام الله عز وجل في القرآن . وقد أشار ابن حزم لموقفه العدائي وحقده ومناظرته لابن النغرالي في أكثر من موضع من كتابه "الفصل". وقد حدد تاريخ تلك المناظرات في عام 404 هـ .أي فترة مسكنه بالمرية . لاشك أن هذه المجالس والمناظرات قد علمته الجدل بالممارسة . قال ابن بسام : "ولهذا الشيخ أبي محمد مع يهود ... ومع غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الإسلام مجالس محفوظة وأخبار مكتوبة وله مصنفات في ذلك معروفة،من اشهرها في علل الجدل كتابه المسمى الفصل بين أهل الآراء والنحل )"(4).
نجد له أيضا مناظرات فقهية وهو في بلنسيه بعد خروجه من المرية أي في عام 407 هـ "قال اليسع بن حزم الغافقي :- حدثني عنه عمر بن واجب قال: بينما نحن عند أبي ببلنسية وهو يدرس المذهب ، إذ بأبي محمد بن حزم يسمعنا ويتعجب ثم سأل الحاضرين عن شيء من الفقه جوب عليه فاعترض فيه ، فقال له بعض الحضّار: هذا العلم ليس من منتحلاتك ، فقام وقعد ودخل منزله فعكف ووكف منه وابل فما كف ، وما كان بعد اشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموقع فناظر أحسن مناظرة قال فيها : أنا اتبع الحق واجتهد ولا أتقيد بمذهب"(1).
ويحدثنا ابن حزم في كتابه "الأحكام في أصول الأحكام"عن مناظرات جرت بينه وبين فقهاء المالكية بالأندلس . قال : "وقد عارضت بنحو من هذا الكلام الليث بن حرفش العبدي في مجلس القاضي عبد الرحمن بن احمد بن بشر رحمه الله . وفي حفل عظيم من فقهاء المالكيين ، فما احد منهم أجاب بكلمة معارضة ، بل صمتوا كلهم إلا قليلا منهم أجابوني بالتصديق لقولي "(2) لقد اتخذ ابن حزم لنفسه مبدأ "نصرة الحق"الذي أصبح شعاره أيا كانت شخصية مناظره . ولعل إيمانه بنصرة الحق أعطي مناظراته طابعا خاصا . إذ نجد ابن بسام يقول في ذكره لسيرة ابن حزم : "وقد أخرجت من رسائله العميدية ، وقصائده اللبيدية ، ومما جري بينه وبين ابن عمه ما يسحر الألباب ويبهر الشعراء والكتاب "(3) .
يشير المقري إلى مناظرة بين ابن حزم وأبو الوليد الباجي حيث يخاطب الباجي ابن حزم قائلا: "أنا أعظم منك همة في طلب العلم لأنك طلبته وأنت معان عليه ، تسهر بمشكاة الذهب ، وطلبته وأنا أسهر بقنديل بائت في السوق " فكان جواب ابن حزم "هذا الكلام عليك لا لك ، لأنك إنما طلبت العلم وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي ، وأنا طلبته ... فلم ارج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة "(4) .على أن ياقوت يقول بأنه بعد انقضاء مناظرة بين ابن حزم والباجي "قال الفقيه أبو الوليد : تعذرني فان أكثر مطالعتي كانت علي سرج الحراس . قال ابن حزم : وتعذرني أيضا فان أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب والفضة . أراد أن الغني أضيع لطلب العلم من الفقر"(1) .
ربما دخل ابن حزم الكثير من المناظرات أثناء وجوده بالمرية لم يذكرها المؤرخون ولعل سباق التناظر هذا كان وليد البيئة في المرية التي كانت تضطرب بمختلف الثقافات والتيارات الفكرية .
رغم أننا قلنا بوجود أكثر من مرحلة في حياة ابن حزم العلمية إلا أننا لا نستطيع أن نقول بوجود حدود ثابتة ودقيقة نستطيع أن نحدد بدقة قاطعة في بداية ونهاية كل منها صفة أو صفات علمية ثابتة في ابن حزم . ما نريده بقولنا بوجود مراحل في حياة ابن حزم العلمية أن هناك صفة أو صفات غالبة في كل مرحلة ، وان كل مرحلة تمثل تطورا عن المرحلة السابقة ونضجا في الفكر والشخصية العلمية .
عاد ابن حزم إلى قرطبة عام 409 هـ في نهاية عهد الخليفة القاسم بن حمود ، حيث نجده ميالا إلى العزلة . فكانت اتصالاته مقتصرة على أولئك الذين ظلوا يحتفظون لهذه المدينة بطابعها العلمي والأدبي أمثال صديقه ابن شهيد . يمكن أن نقول أن فترة عزلته واستقراره في هذه المرة تمثل المرحلة الثالثة من مراحل نموه الفكري: مرحلة التأليف والدعوة إلى المذهب الظاهري الذي خالف به أهل الأندلس والمغرب الآخذين بالمذهب المالكي والمتشبثين أيضا بإجماعهم على مذهب مالك .
كذلك نلاحظ تصديه للفرق الكلامية التي كانت تسود العالم الإسلامي والتي كان لها أصداء في بيئة الأندلس. إضافة لذلك نجده يهتم أيضا بالرد على الفرق والمذاهب غير الإسلامية . ولعل بعض هذه أو جلها كان موجودا بشكل أو آخر في بيئة الأندلس المنوعة المتعددة الأجناس يكفي أن نذكر في هذا الشأن كتابه "الفصل"وهو في خمس مجلدات. ناقش فيه أراء أصحاب الفرق الكلامية والمذاهب العقلية المختلفة وبين أباطيلهم . لعلنا لا نعدو الصواب بقولنا أن المذاهب الفقهية والكلامية إضافة إلى الفرق والمذاهب غير الإسلامية كانت تعكس اتجاهات سياسية سائدة في الأندلس ، وان هذه الاتجاهات السياسية كانت تستخدم الفكر ، كما كان الفكر والمفكرين يستخدمون الانقسامات السياسية . لعل الوصول للسلطة أو توجيه صاحب السلطة نحو هدف أو غاية معينة كان هدفا من الأهداف التي سعي لها بعض حملة الفكر في الأندلس . ويبدو أن الفقهاء استغلوا صلتهم بالناس القوية ليؤكدوا على دورهم السياسي وفعاليتهم في الحياة السياسية الاندلسية .
لا نستبعد أن ابن حزم أدرك هذا ولعله أدركه بوضوح اكبر هو وضوح المعايشة . لقد عايش ابن حزم الاضطرابات السياسية منذ سقوط خلافة هشام المؤيد . ولعله بموقفه المعارض ساهم في تكوين ردود فعل المعارضين من فقهاء وساسة . فنجد مثلا أن كتبه أحرقت علانية في اشبيلية ، وأصبحت المطاردة تلحقه من كل جانب أثناء تجواله بإمارات شرق الأندلس ، حتى انتهي إلى منقطع أصله ببادية لبله حيث قضي بقية أيام حياته منصرفا إلى التأليف وتدريس المذهب لمن بقي له من التلاميذ . قال ابن خلكان "كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين ، لا يكاد احد يسلم من لسانه ، فنفرت عنه القلوب واستهدف لفقهاء وقته ، فتمالوا على بغضه وردوا قوله واجمعوا على تضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم على الدنو إليه والأخذ عنه ، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده حتى انتهي إلى بادية لبله وتوفي بها "(1) .

ليست هناك تعليقات: