14‏/10‏/2008

المذهب الظاهرى الحزمى ( ب )

إبطال التقليد :
ترتبط قضية نفي القياس عند ابن حزم بقضية أخري هامة وهي نفي التقليد أي تقليد الأئمة والفقهاء من أصحاب المذاهب المختلفة أيا كانوا. يقول ابن حزم : "التقليد هو أن يفتي المفتي بمسألة لان الإمام الفلاني أفتي بها . وذلك قول في الدين بلا برهان . وقد يختلف الصحابة والتابعون والعلماء في ذلك ، فما الذي جعل بعضهم أولي بالإتباع من بعض" (3).يتعرض ابن حزم لائمة المذاهب في دعوة يوجهها إلى الجمهور قائلا : "على أي شيء كان الناس قبل هؤلاء ؟ ثم أن هؤلاء قد نهوا عن تقليدهم"(4) وهو يستدل في إبطاله للتقليد بأدلة شرعية وعقلية عديدة. من بين الأدلة الشرعية ، قوله تعالي "اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون "(5). وقوله تعالي :" وإذا قيل لهم أتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما الفينا عليه أبائنا "(6) وقوله تعالى : "فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر "(7) .احد دعائم نفي ابن حزم للتقليد تمسكه بما جري عليه العمل في عصر الرسول والصحابة فيما يتعلق بأمور الديانة ، لذا فهو يرفض كل محاولة للتشريع بأحكام لم تكن معروفة في ذلك العصر . فلا تشريع في الدين بعد عصر الرسول صلي الله عليه وسلم لقوله تعالي : "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا "(1)، ففي هذه الآية اليقين على أن الدين قد كمل وتناهي وكل ما كمل ليس لأحد أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه ولا أن يبدله ، وان جميع أحكام الديانة لا تؤخذ إلا من كلام الله أي القرآن وسنة رسوله محمد صلي الله عليه وسلم ، وليس لأولي الأمر منا أن يقولوا من عند أنفسهم شيئا . هم مبلغون فقط لأجيال المسلمين أحكام الله وما أتي به رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الله تعالي (2).يؤرخ ابن حزم لبداية ظاهرة التقليد قائلا : وليعلم من قرأ كتابنا أن هذه البدعة العظيمة – نعني التقليد – إنما حدثت في الناس وابتدئ بها في الأربعين ومائة من تاريخ الهجرة ، ....وانه لم يكن قط في الإسلام قبل الوقت الذي ذكرنا مسلم واحد فصاعدا علي هذه البدعة (3) .يشير ابن حزم إلى أن تقليد إمام بعينه والأخذ بجميع أقواله وفتاويه دون دليل يصحح ذلك ، أمر لا مبرر له ، ولم يأمرنا الله به ، كما انه غير مقنع للعقل . إذ لو كلفنا التقليد لضاعت أمورنا ، لأننا لا ندري من نقلد من الفقهاء المفتين وهم يختلفون فيما بينهم . إضافة إلى أنهم غير معصومين من الخطأ ومن كان عرضة للوقوع في الخطأ فغير جائز أن يؤخذ قوله دون برهان يصححه . "فصح ... انه لا يحل إتباع فتيا صاحب ولا تابع ولا احد دونهم ، إلا أن يوجبها نص أو إجماع "(4) .عندما يرفض ابن حزم التقليد فهو يرفض الاجتهاد أي أعمال العقل الموصل للظن أو غالب الظن . وهو ينكر مثل هذا الأسلوب سواء استعمله العامي أو العالم فهو في ذلك سواء . إذا واجه المسلم (عاميا كان أم عالما) مشكلة قانونية فعليه أن يلجأ بنفسه دون معونة من احد إلى النصوص و يأخذها بظاهرها ، وهذا أمر يقيني ، أو ( كما سنبين فيما بعد ) أن يلجأ لدليل يقيني يؤدي به إلي الحكم الشرعي . مثل هذا الرأي سيمكن كل مسلم لا معرفة له بالفقه لأن يكون فقيها ويخول له الحق في استنباط الأحكام الشرعية من النصوص الثابتة دون الرجوع لأحد ممن تقدمه أو عاصره وليس عليه إلا التقيّد بالوسائل اليقينية للوصول إلى هذا الحكم وأهمها الأخذ بظاهر النص . يشرح ابن حزم معني الاجتهاد كما يراه ويقول بأن الاجتهاد : "بلوغ الجهد في طلب دين الله عز وجل الذي أوجبه علي عباده "(1) فكل امرئ مسلم مكلف أن يعرف ما يخصه من أمر دينه . وهو إذ يدعو لذلك لا يطالب العامي بما ليس في طاقته . فمن لم يستطع القيام بدوره في فهم النصوص عليه أن يسأل أهل الذكر – وهذا ادني درجات الاجتهاد – شرط أن يطالبهم بنص القرآن والسنة المؤيد لحكمهم . فان لم يقدموا له ذلك وكان ما أفتوا به ناتج عن اجتهادهم بالرأي فلا يقبل بفتواهم . يقول ابن حزم : "العمل في الدين بما أوجبه الله تعالي فيه ، ولم يكلفنا تعالي منه إلا ما نستطيع فقط ، ويسقط عنا ما لا نستطيع ...، فعلي كل احد حظه من الاجتهاد ومقدار طاقته منه . فاجتهاد العامي إذا سأل العالم عن أمور دينه فأفتاه – أن يقول له : هكذا أمر الله ورسوله ؟ فان قال له : نعم ، اخذ بقوله ، ولم يلزمه أكثر من هذا البحث ، وان قال له : لا ، أو قال هذا قولي ، أو قال هذا قول مالك أو ابن القاسم أو أبي حنيفة ... ، فحرام على السائل أن يأخذ بفتياه ، وفرض عليه أن يسأل غيره من العلماء (2).يقرر ابن حزم أن المجتهد (بالمعني السابق ) مأجور بما أداه إليه اجتهاده غير آثم لخطئه بل وأن المجتهد المخطئ أعظم أجرا من المقلد المصيب . ذلك أن إثم المقلد – في حالة عمله بفتوى خاطئة – إثمين إثم الخطأ وإثم التقليد . فالمقلد غير مأجور بإصابته لتسليمه واعتقاده بقول قبل اعتقاد الدليل عليه . أي أن الإثم واقع عليه لاعتقاده بأحكام لا يدري مصدرها ولا كيف جاءت . بينما المجتهد في إقدامه على النص الثابت وطلبه للحكم وعمله بما اعتقد فيه هو عين الصواب إذ فيه بذل الجهد الذي يسقط عنه مالا يستطيع ، فلا يكلف الله نفسا إلا قدر استطاعتها .و " كل من اعتقد في مسألة ما فهو حاكم فيها لما يعتقد ، هذا اسمه نصا لا تأويلا ، لأن الطلب غير الإصابة وقد يطلب من لا يصيب ...ويصيب من لا يطلب "(3) فابن حزم إذ يمنع التقليد يدعو إلى الفهم الذاتي للنصوص ، على اعتبار أن القرآن جاء للناس كافة بلغة عربية واضحة صريحة . فمن كانت له معرفة باللغة جاز له أن يعود للنصوص بنفسه . فلا يسوغ للعالم أو الجاهل أن يقلد . وفي ذلك دعوة صريحة إلي شمولية التعليم وإبطال التقسيمات المذهبية . فلا وساطة بين العبد والرب وبين العامي ودين الله كما أنها دعوة إلى فقه الدراية بدلا من فقه الرواية ، والى أن يستمد المسلم الدين من منابعه الأولي بسيطا وضاء متألقاً دون تعقيد .كما قلنا في السابق إن إبطال ابن حزم للتقليد مرتبط ارتباطا كليا بإبطاله للقياس. ذلك أن المفتي في قياسه وفي بحثه عن علة للنص يقيم عليها حكمه لابد أن يخمّن معني خفيا وراء النص . وما دخل باب التخمين والظن لا يوثق به ولا يؤخذ مأخذ اليقين ولا يعتد به أصلا . وعلى هذا فان التسليم بآراء الفقهاء القائمة على هذا الأساس هو تسليم بأشياء ظنية احتمالية . فما الذي يضمن لنا أثناء تقليدنا لفقيه ما ، أن هذا الفقيه في تخمينه واجتهاده قد أصاب الحكم الذي لا يتعارض مع كلام الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم ؟ إن مجرد وجود احتمال واحد للوقوع في الخطأ لا يعني عدم الوقوع فيه . وحيث أن طرق الاستدلال التي استخدمها الفقهاء ليست برهانية ، فهي لا تضمن عدم الوقوع في الخطأ . كل ما توصلنا إليه هذه الطرق ترجيح ظني . والظن لا يغني عن الحق في شيء . فآراء المعلّلين باطلة ، وبالتالي كان تقليدهم باطل . إذن لابد من الحذر في الاعتماد على ما يقولون به، ومطالبتهم بالدليل البرهاني عليه . يقول ابن حزم : "وبالجملة فقد يخطئ الإمام كما يخطئ غيره ، وإتباع من يجوز أن يخطئ هو الحكم بالظن وقد نهي الله تعالي عن إتباع الظن "(1) كذلك يقول ابن حزم : "فصح أن الأخذ برائيهم (أي الفقهاء) لا يجوز في الدين إلا حيث صححه رسول الله صلي الله عليه وسلم وما كان هكذا فإنما صح طاعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم لا إتباعا لمن أشار به " (2) .يثير الدكتور الشهابي (3) إشكالا هاما فيما يتعلق برفض الظاهرية للتقليد يتلخص في أن الظاهريين أنفسهم أصحاب مذهب ومدرسة لها فقهاؤها وأتباعها وذات تقاليد متميزة فكأن الظاهريين وقعوا دون وعي فيما أرادوا أن ينفوه . على ما يبدو هناك بالفعل نوع من التناقض ، بالذات إذا ما نظرنا إلى كتاب (المحلي في الفقه الظاهري لابن حزم ) والذي يتألف من أحد عشر مجلدا ، والذي يتوسع فيه ابن حزم في طرح المسائل الفقهية ويناقشها من وجهات نظر المذاهب المختلفة. الجدير بالذكر أن الإشكال في حد ذاته قديم النشأة . فابن حزم نفسه في احدي رسائله نجده يرد على تساؤلات من هذا النوع اتهم فيه بالتناقض وبأنه يحض أصحابه على تقليده . يقول في رده مبررا موقفه : "ولا نملأ كتبنا إلا بالأمر بإتباع القرآن وسنن النبي صلي الله عليه وسلم وإجماع الأمة "(4) . هذا التبرير على ما يبدو غير مقيم للحجة الكافية على نزع التناقض .ذلك أن الفقه الظاهري لا ينفي مطلقا الخروج عن النص . فكأن هناك أحكاما شرعية عند الظاهرية لن يجدها العامي مثلا الذي أوجب عليه المذهب الرجوع بنفسه للنصوص في القرآن أو السنة . وكيف يدري هذا العامي بهذا الحكم إلا بالعودة لكتب الظاهريين مثلا (إن كان هذا العامي ظاهريا) . فهو إذن مقلد في هذه الحالة .قد يتضح موقف ابن حزم بصورة اكبر عندما نجده يبين في كتابه "الأحكام في أصول الأحكام "(1) أن دوره كفقيه ينحصر في الدعوة إلى تفهم القرآن وكلام النبي صلي الله عليه وسلم ، وإبلاغه لما بلغه عن السلف إلى ما تلاه من الخلف . حسب رأيي يظل المشكل قائما إلا إذا اعتبرنا كتب الظاهرية بمثابة الدليل المرشد للمسلم دون أن تكون ممثلة لمذهب أو رؤية جديدة للشريعة . ولعل الرجوع لكتب الظاهريين – إذا رجع عامي إليها – يشبه ما يدعو إليه ابن حزم من المطالبة بالنص الشرعي المؤيد بالبرهان لحكم أخذه العامي من عالم أو مفتي . ومثل هذه البراهين متوفرة في كتب الظاهرية علي ما يشير ابن حزم (2). اعتقد أن صح هذا ، فلا تصدق كلمة "المذهب" علي الفقه الظاهري . لأن المذهب يقتضي رؤية وتأويل وأتباع يسيرون في هذا الطريق ولا يمكن أن يكون في الظاهرية إتباع لأن التبعية غالبا ما تقوم على التقليد .
الدليل :
ابن حزم كنوع من البرهان المطلوب في الشرائع ما يسميه بـ "الدليل" ، ويعتبره في بعض الأحيان رابع الأصول الثلاثة (نص القرآن ، ونص كلام الرسول صلي الله عليه وسلم ، وإجماع جميع علماء الأمة ) التي تستقي منها الأحكام في الشريعة . غير انه يشير إلى أن هذا الدليل يبدو فقط وكأنه وجه رابع إلا انه في الحقيقة غير خارج عن الأصول الثلاثة السالفة الذكر . كما ينبه إلى اختلافه (أي الدليل) عن ما يسمي لدي الفقهاء بالعلة ، من حيث انه لا يحوي أكثر من مفهوم اللفظ . ويعرفه بدقة انه الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا. يبين هذا الوجه أو هذه الدلالة قائلا : "الدلالة لا تخلو من أن تكون موضوعة في اللغة – التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن – لذلك المعني بعينه ،...، وهذا هو القسم الاول من النص علي الشيء بعينه"(1) . وان خروج هذه الدلالة عن موضعها في اللغة هو محط التلبيس والتخليط الذي لا يحل أن ينسب إلى الله تعالي ولا إلى رسوله صلي الله عليه وسلم . ينص ابن حزم على أن الدليل منه ما هو مأخوذ من النص ، ومنه ما هو مأخوذ من الإجماع :أ- الدليل المأخوذ من النص (2) : وينقسم إلى سبعة أقسام كلها واقعة تحت النص :1. مقدمتان تنتج نتيجة ليست منصوصة في أحداهما . أي إذا أشتمل النص علي مقدمتين وتركت النتيجة لم ينص عليها فان الدليل هو استخراج هذه النتيجة من المقدمتين . يورد ابن حزم مثالا على ذلك ، قوله عليه السلام "كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام "النتيجة كل مسكر حرام . فالنتيجة هنا مأخوذة من المقدمتين ( من النص ) وليست حملا عليها باستخراج علة النص .2. شرط معلق بصفة فحيث وجد الشرط وجب وجود تلك الصفة مثل قوله تعالي : "أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ". فمتي تحقق شرط الانتهاء تحقق الغفران . فهو مفهوم من اللفظ ذاته . هذا الدليل يقوم علي فهم دقيق للقضية الشرطية المكونة من مقدم وتالي . ما يريد ابن حزم أن يقوله انه إذا ذكر النص قضية شرطية وتحقق مقدمها أي طابق الواقع فلابد أن يتحقق تاليها أي تعميم فعل الشرط في الجملة الشرطية .3. لفظ يفهم منه معنيً فيؤدي بلفظ آخر ، مثل قوله تعالي : "إن إبراهيم لأواه حليم " فمن هذا يفهم حتما انه غير سفيه ، أي أن المعني الذي يدل عليه اللفظ يقتضي نفي لمعني آخر لا يتلاءم مع المعني الذي اشمل عليه اللفظ .فمتي ثبت الحلم رفع السفه .4. أقسام تبطل كلها إلا واحد فيصح ذلك الواحد . وهو من باب القضايا الشرطية المنفصلة لدي المناطقة ، يتم فيها تفصيل القول إلى كافة الوجوه التي يحتملها ثم إبطال كافة الوجوه الفاسدة ما عدا وجه واحد يبقي هو الممثل لليقين . مثال ذلك ، أن يكون الشيء غير منصوص على حكمه فهو أما حرام فيكون حكم فاعله الإثم ، وأما فرض فيكون حكم فاعله الثواب، وأما مباح لا فرض ولا تحريم . وحيث لا نص بالتحريم أو الفرضية فهو مباح . أما إذا فسدت كافة الوجوه فالقول فاسد ولا نظر فيه . أو إذا استخدمنا لغة المنطق الحديث، إذا كانت لدينا قضية منفصلة مكونة من عدة أجزاء فهي تبطل أو تكون كاذبة إذا كذبت كل مكوناتها . أما إذا بطلت كل المكونات عدا واحد منها فهي صادقة . وطريق الاستدلال في هذه الحالة أن نتخيل لدينا قضية منفصلة مكونة من ثلاث مكونات : أما ق أو ل أو ملكن ق كاذبةإذن ل أو ملكن ل كاذبةإذن م5. قضايا متدرجة تقتضي الدرجة العليا فوق التي تليها وان لم "ينص"على أنها فوق التالية . مثال " أبو بكر أفضل من عمر وعمر أفضل من عثمان ، فأبو بكر أفضل من عثمان دون شك . وهي أيضا نوع من البراهين المنطقية . وربما هذا النوع هو الذي ذهب بالبعض إلى الادعاء بان الظاهرية اخذوا بالقياس والبعض الآخر قال بالقياس الجلي . هذا الخلط - حسب رأيي – يرجع إلى إطلاقهم كلمة قياس على القياس عموما ، القياس الذي يستخدمه الفقهاء والقياس عند المناطقة . وهنا تجدر الإشارة إلى أن القياس الذي يستخدمه الفقهاء قائم على استخراج علة النص ، ومتي عرفت العلة بأي مسلك من مسالكها تعدي الحكم إلى كل فرع وجدت فيه نفس العلة ولم يرد فيه نص . فهو في الحقيقة قائم على غالب الظن أو الظن باعتراف الفقهاء أنفسهم .وهو ما يرفضه الظاهريين رفضا مطلقا . بينما القياس المنطقي هو القياس اليقيني الذي لا تخرج فيه النتيجة عن مقدمات ثبت صحتها وفي نفس الوقت هذه النتيجة غير منصوص عليها صراحة في المقدمات .وبالتالي فالظاهرية في بحثهم عن اليقين لا يرون غضاضة في الاستفادة بطرق المنطق التي تؤدي إلى اليقين القاطع. 6. يقول ابن حزم : "كل مسكر حرام ، فقد صح بهذا أن بعض المحرمات مسكر وهذا هو الذي تسميه أهل الاهتبال بحدود الكلام (عكس القضايا ) وذلك أن الكلية الموجبة تنعكس جزئية أبدا " واضح أن هذه القاعدة تعتمد كما يقول ابن حزم نفسه على احد قوانين عكس القضايا في المنطق الصوري . والعكس هنا يقوم على جعل الموضوع محمولا والمحمول موضوعا .لم يفصل ابن حزم القول في عكس القضايا في كتابه "الأحكام"لكنه أشار في نهاية بيانه لأقسام الدليل عموما ، إلى كتابه في المنطق "التقريب" ففيه تفصيل للكيفية التي يتم بها استخدام الدليل فكأن كتاب "التقريب " كتاب منهجي لابد للفقيه من الاعتماد عليه للوصول إلى اليقين .7. لفظ ينطوي على معانٍ مختلفة تعتبر لوازم له تفهم ضمنا ، مثال : قولنا زيد يكتب ، يفهم من هذا أن زيد حي وان أصابعه تتحرك وان لم يذكر ذلك نصا .
ب- الدليل المأخوذ من الإجماع : وينقسم إلى أربعة أقسام :استصحاب الحال ، واقل ما قيل ، وإجماعهم علي ترك قولة ما ، وإجماعهم على أن حكم المسلمين سواء وان اختلفوا في حكم كل واحدة (1) .1- استصحاب الحال : وهو أن تظل الأمور على الأصل الثابت بالنصوص الذي عرفت به حتى يثبت خلافه أي حتى يقوم الدليل من النص على التغير . يقول ابن حزم : "إذا ورد نص من القرآن أو السنة في أمر ما ، على حكم ما ، ثم ادعي مدع أن ذلك الحكم قد انتقل أو بطل ، من اجل انه انتقل ذلك الشيء المحكوم فيه عن بعض أحواله ، أو لتبدل زمانه ، أو لتبدل مكانه ، فعلي مدعي انتقال الحكم من اجل ذلك ، أن يأتي ببرهان – من نص قرآن ، أو سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ثابتة – على أن ذلك الحكم قد انتقل أو بطل . فان جاء به صح قوله ، وان لم يأت به فهو مبطل فيما ادعي من ذلك . والفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص " (2).يشير ابن حزم في موضع آخر من كتابه "الأحكام "إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة . وان ادم عليه السلام رسول في الأرض . قال تعالي إذ انزله إلى الأرض "ولكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين " فأباح تعالي الأشياء بقوله متاع لنا ثم حظر ما شاء وكل ذلك بشرع " (3) . فكل ما لم يقم عليه الدليل من النص الشرعي بالمنع أو الفرضية يظل على أصله الثابت وهو الإباحة . إذ أن ما ثبت بيقين – على رأي ابن حزم – لا يزول إلا بيقين مثله ، فلا يزول بالشك ، كما انه لا معني لتبديل الزمان أو المكان ولا لتغير الأحوال .2- الحكم بأقل ما قيل : إذا ورد نص بإيجاب عمل ما واكتفي الفاعل بأقل ما يقع عليه الحكم يسقط عنه الفرض . مثال ذلك : من أمر بأداء صدقة فبأي شيء تصدق فقد أدي ما أمر به ولا يلزمه زيادة . ينص ابن حزم على أن هذا القسم نوع من الإجماع وانه ليس من عنده بل وافق فيه غيره من السابقين الذين اخذوا به . إذ أنهم "اتفقوا على وجوب إخراج المقدار الأقل كلهم بلا خلاف منهم ، واختلفوا فيما زاد على ذلك . فالإجماع فرض علينا أن نأخذ به ، وأما الزيادة فدعوى من موجبها ... ونحن محقون في الأخذ بأقل ما قيل عند الله عز وجل بيقين لأنه أمر مجتمع عليه "(1).3- الإجماع بأن حكم المسلمين سواء : وأساسه إذا أمر الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم بأمر فهو لازم لكل مسلم بمقتضي التسوية بين المسلمين جميعا إلا إذا صح نص بتخصيصه . ذلك أن الرسول بعث للناس كافة إلى يوم القيامة لا لأن يحكم بين أهل عصره فقط . وعلي اعتبار أن الإجماع قد انعقد على عموم الرسالة المحمدية ، فان عموم الحكم مأخوذ من الإجماع لذا سمي دليلا .4- الإجماع علي ترك قولة ما : الإجماع الذي يرتضيه ابن حزم إجماع الصحابة . إذ يقول : " وصح بيقين لا مرية فيه أن الإجماع المفترض علينا أتباعه إنما هو إجماع الصحابة "(2). فإذا وقع افتراق أهل العصر على أقوال كثير أو أكثر من قول واحد في موضوع ما ، فان ما لم يقولوا به فقد صح الإجماع على تركه ، بمعني إذا عرف عن الصحابة أكثر من قول في موضوع معين وهذا الموضوع يحتمل وجود أقوال أخري فما لم يعرف عن الصحابة من أقوال متروك بإجماع منهم .يقول ابن حزم بعد انتهائه من ذكر أقسام الدليل : "هذه الأنواع كلها لا تخرج من احد قسمين : أما تفصيل جملة ، وأما عبارة عن معني واحد بألفاظ شتي ، كلغة يعبر عنها بلغة أخري "(3) وكأنه يريد أن يقول بأن الأساليب المندرجة تحت اسم "الدليل" خصوصا المنطقية منها لا تحتوي النتيجة فيها على مضمون يزيد على ما في المقدمات (4). أو بلغة المنطق الحديث "قضايا تحصيل حاصل" . لذلك كانت يقينية برهانية بهذا المعني من اليقين والبرهان . إذن المنطق الذي يتخيله ابن حزم مخالف لمنطق الفقهاء من أصحاب باقي المذاهب. فهو منطق يقيني برهاني لا ظنّي. وهو المنطق الذي تكون قضاياه تحصيل حاصل . هذا دون شك فهم واضح ودقيق لطبيعة المنطق قديمة وحديثه.اعتقد ، بناء على ما سبق ذكره ، أن بالامكان تحديد بعض المعالم حول تفكير ابن حزم ونزعته الظاهرية .لم يبدأ ابن حزم ظاهريا كما ظهر لنا من قبل ، بل أتته النزعة الظاهرية في مرحلة متطورة من حياته . ساهمت في هذا التحول عوامل سياسية واجتماعية ونفسية ، كما استقي مضمومات تفكيره من البيئة الثقافية الإسلامية . لقد بدأ ابن حزم دراساته الفقهية بدراسة الفقه المالكي (1) الذي كان شائعا في الأندلس ثم انتقل إلى دراسة الفقه الشافعي(2) وأعجب بتمسكه بالنصوص وأخيرا انتهي إلى مذهبه الذي يتقيد بظاهر النصوص فقط ولا يقبل سواها . قال ابن حزم "فألف أصحاب الحديث تواليف جمة ، وألف الحنفيون تواليف جمة ، وألف المالكيين تواليف والشافعيين تواليف ، فلم يكن عندنا تأليف طبقة من هذه أولي أن يلتفت إليه من تأليف غيرها" (3) ، ويقول أيضا : "فلعمري ما لشيوخهم ديوان مشهور في نص مذهبهم إلا وقد رأيناه والحمد لله " (4) . هذا يعني انه قد قدر له أن يدرس مذاهب الفقه المختلفة . وان يقرأ من كتب المذاهب المعتبرة طائفة غير قليلة ، وان يمعن النظر في الأحكام الشرعية التي جاءت بها هذه المذاهب متتبعا مصادرها ومواردها . غير انه اكتشف ذلك الاختلاف والتفاوت فيما بينها مع اتحادها في الأصول التي تصدر عنها والتي لا يختلف عليها المسلمون وهي كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم . من هنا بدأت ترد عليه بعض التساؤلات عن أسباب هذا الاختلاف . وبتعرفه لطرق استنباط الأحكام في كل مذهب من تلك المذاهب استطاع أن يعزي ذلك الاختلاف إلى تحكيم هذه المذاهب للقياس والرأي القائمان على الظن وغالب الظن . فخرج عليها بمذهبه الظاهري الذي أبطل فيه هذه السبل المؤدية إلى الخلاف ودين الله واحد .ما نعرفه عن ابن حزم انه كان طيلة حياته أموي الولاء من الناحية السياسية . كذلك عاش حياة مضطربة غير مستقرة سياسيا . وأخيرا فهو عاش في بلد يتربص فيه الفرنجة (أو الأسبان) بغزاتهم العرب .إذا أخذنا كل هذا في الاعتبار . فلا نستبعد أن يكون اخذ ابن حزم بمذهب الظاهر جاء وليد الحياة التي عاشها (1) . فمذهب الظاهر بدعوته للأخذ الحرفي بالقرآن والسنة إنما يدعو للعودة إلى حياة الإسلام الأولي التي هي في نظر المسلمين إجمالا عصر الإسلام الذهبي وعصر الاستقرار والهدؤ الاجتماعي والثقة السياسية والحربية . أن تهديد الأسبان ثم الانقسام الداخلي في الأندلس عنصران لا يؤديان للإحساس بالأمان والاستقرار والثقة . كذلك فانه يبدو أن مذهب الظاهر يخرج من حظيرة الفكر الإسلامي العناصر الأجنبية التي يلجأ إليها بعض مفكري الإسلام لتأويل الإسلام وتخريجه وتفريعه بطرق متعددة . هذا فيما يبدو رأي ابن حزم . أن الأخذ بمذهب الظاهر يستبعد الفكر الأجنبي كما انه يؤدي إلى التوحيد الديني السياسي . ولعله رأى أن مذهب الظاهر هو وسيلته الفكرية أو أسلوبه الفكري للتعبير عن حبه وتعاطفه مع البيت الأموي وما يمثله هذا البيت حضاريا . لابد أن أشير هنا إلى أن مذهب الظاهر يدعو إلى عدم اللجؤ للائمة للأخذ عن أمام يحمل أسرار الدين . فليست هناك إمامة في المذهب الظاهري . إذ واجب كل مسلم في هذا المذهب أن يعود بنفسه "للأصول" الفقهية ليعرف الحلال من الحرام . وبالتالي ما يريده ابن حزم – المهدد بالانقسام الداخلي والغزو الأسباني باستمرار – إبطال التقسيمات المذهبية التي مزقت الوحدة الإسلامية الدينية والسياسية . أي إن خروجه بمذهب الظاهر جاء من إحساسه بأن الفرقة الفكرية والتكثير في الآراء والمذاهب هو الذي أدي إلى الفرقة الاجتماعية وبالتالي إلي تضعضع بنيان الأمة الإسلامية. (2) فهو يري في عمله هذا تفاديا لتلك التأويلات المغرضة للقرآن والحديث . ففي اعتقاده انه لو كانت النصوص الشرعية تتبع بحذافيرها لما أصاب الأندلس شيء مما أصابها . من اجل هذا يقف في وجه فقهاء المذاهب مبطلا دورهم .هذا المؤشر يدل على أن ابن حزم جال في ميدان النزاعات المذهبية بروح سياسية وان اتخاذه مذهب الظاهر الذي يرجع الحكم في المسائل الفقهية إلى الأصول (القرآن والسنة) يعد وسيلته الفكرية لتثبيت عهد تزعزع وإعادة دولة انهارت . وربما يكمن وراء اتخاذه لهذا المذهب الجديد هدف فرعي وهو محاولة ضربه للفقهاء الذين يمثلون مركز الوسيط بين العامة ورجال الساسة لما كان للفقهاء من دور في رضا العامة علي أهل الساسة أو في توجيه الرأي العام . وربما كان للفقهاء دور في تبرير ما يقوم به الساسة من أعمال . يقول ابن حزم في وصفه للفقهاء مخاطبا جمهور العامة : "لا تغالطوا أنفسكم ولا يغّرنكم الفسّاق والمنتسبون إلى الفقه ، واللابسون جلود الضأن على قلوب السباع ، المزينون لأهل الشر شرهم ، الناصرون لهم علي فسقهم "(1) . هذا أيضا يبين لنا المكانة التي كانت تحظي بها العامة عند أهل الساسة . فمتي ما كسب الساسة رضا العامة اطمئنوا إلى استقرار أمورهم وتثبيت عهدهم . ولابد أن دور الفقهاء في هذا كان هاما .واضح من كل ما ذكرنا أن ابن حزم يسير في مذهبه الظاهري بهدي آراء معينة يمكن أن نعتبرها نظرية في المعرفة هي التي أدت به إلى إنكار القياس بنوعية وإنكاره التقليد. فكأن هذه النظرية هي الأساس الذي برر به تقيده بمذهب الظاهر
يمكن أن نلخص هذه الآراء الأساسية بالاتي
1. من اجل أن نصل إلى حكم مقبول في الدين علينا أن نراعي الكلام أو القضايا الموجودة في الكتب أو الأصول المعتمدة . وحيث أن هذه مكتوبة باللغة العربية فلابد من مراعاة أحكام اللغة حتى لا نخطئ في فهم ما نقرأ .
2. علينا إذا تجاوزنا حدود المكتوب أن لا نستخدم الفكر استخداما يؤدي بنا إلى تخمين ما يكمن وراء الأحكام المكتوبة بل علينا أن نستدل على ما لا نص مباشر فيه باستخدام البراهين العقلية وهي التي تكون مقدماتها يقينية وتصل باستدلال صحيح إلى نتائج يقينية . وهذا هو البرهان المنطقي .
3. يمكن الاستدلال على الأحكام وتجاوز ما في النص باستخدام ما يسميه ابن حزم "الدليل" وهو أما أن يكون مأخوذا من النص أو معتمدا عليه اعتمادا لا يتجاوزه من ناحية المضمون أو إجماعا.
4. المقدمات اليقينية التي يمكن الاعتماد عليها في البراهين والأدلة (عدا نصوص الشرع) هي تلك التي تقرر محسوسا أو تكون بديهة عقلية والمحسوس عين أو شخص يحس باستخدام الحواس الخمس .(2)

ليست هناك تعليقات: