14‏/10‏/2008

ف :شخصية ابن حزم

الباب الاول : الفصل الثالث
شخصية ابن حزم
قد تكون محاولة رسم شخصية إنسان من القرن الرابع الهجري نوعا من المغامرة التي لا صلة لها بالعلم والبحث العلمي . لا نزعم أن بامكاننا أن نحدد كل جوانب شخصية ابن حزم . لكنا لا نعتقد أن محاولة نحو تحديد بعض المعالم في شخصيته غير ممكنة علميا . لحسن الحظ يحدثنا ابن حزم في بعض أعماله عن نفسه . سنستخدم هذه المادة لمعرفة شخصية الكاتب . هذا أسلوب علمي مقبول ، فالكثير مما يعرفه المحلل النفسي عن الشخص الذي يحلله يأتي من أقوال هذا الشخص . للأسف لا يعطي ابن حزم الكثير . لكنا سنستعين بهذه الأقوال وببعض ما نعرف عن حياته لنقول شيئا في الموضوع .يربط ابن حزم بين بعض الخصائص النفسية أو السلوكية فيه وبين مرضه الجسمي. فهو يحدثنا (1) بأنه ضيق الخلق ، قليل الصبر، ضجرا ، نزقا . يعزو هذا في نفس الموضع إلى ربو الطحال . لا نستطيع أن نحدد من هنا مرضه الجسدي . ولكن واضح انه كان يشكو من علة جسدية معينة من ناحية ، وان سلوكه من ناحية أخري يتصف بالصفات المذكورة سابقا . قد يستغرب المطلع على أعماله ، وهي غزيرة وعلى مستوي فكري عالٍ ، كيف أنتج من هو عصبي ضيق الخلق كل هذا العمل عداك عن عمله السياسي ؟ لا شك أن احد أهم الدوافع نحو العمل المنتج موهبته. لابد أنها موهبة عالية جدا ساعدته على مقاومة عيوبه السلوكية أو النفسية ، التي يبدو انه لم يتمكن من التخلص منها بسبب أصلها العضوي .. لابد أن هناك مصدر آخر لطاقة إنتاجه ساعدته ومكنته من القيام بالأعمال التي قام بها إضافة لموهبته – اعني اعتزازه بنفسه وبموهبته – يبدو لي انه كان يحاول مستمر دون كلل على إثبات شخصيته في كل موقف . وحيث أن موهبته كانت في الجانب الفكري ، فانه توجه في هذا الإثبات لشخصيته إلى الجوانب الفكرية .هذا في رأي هو سبب رغبته الشديدة بل حبه القوي للتناظر . بالطبع يعزو هو نفسه هذه الرغبة الشديدة إلى التناظر إلى نصرة الحق (2) وأحيانا (3) رغبته في إسكات الجهّال. لكن من أين أتت كل هذه العاطفة للرد على الجهّال؟ أو لنصرة الحق ؟ قد يري البعض منا جاهلا أو جهالا يتكلمون ولا يجد في نفسه هذه العاطفة أو الرغبة القوية نحو مناظرتهم . كذلك يري الكثيرون الحق مهضوما ولا يجدون في شخصهم الطاقة للقيام نحو نصرته .
في رأيي أن مصدري هذه الطاقة هما الموهبة والرغبة في إثبات الذات أو الشخصية . يؤكد ذلك عجبه الشديد (1) ومحبته في بعد الصيت والغلبة (2) والإفراط في الأنفة . بل نري في محبته للدعابة (3) ، التي هي نوع من العدوان الذي يثير غضب الممازح على حد تعبيره ، أيضا محاولة في إثبات ذاته على حساب الآخرين .
ما يهمنا هنا تأكيد إبرازه لذاته عن طريق مخالفة الآخرين في إصراره على الأخذ بمذهب الظاهر مخالفا بذلك كما قلت أهل الأندلس بل والمغرب كلهم . في هذا الموقف الأخير لابد أن العوامل الاجتماعية والسياسية لعبت دورا هاما . لكني اعتقد أن هذه العوامل الاجتماعية والسياسية (أسرته وولائها الأموي ثم الهجوم السياسي على الفقهاء ) ليست تكفي وحدها لتفسر تفسيرا كاملا هذا الإصرار على الكتابة المطولة في بيان مذهب أو فقه أهل الظاهر . ذلك أننا نري من يهادن اجتماعيا وسياسيا فئة أو مجموعة من الناس لا يري رأيهم ولا يقبل فكرهم متحاشيا أن يهاجمهم رأسا وبقوة . هل كان ابن حزم ينظر لهجوم خصومه (سواء الفكري أو العملي)باعتباره هجوما على شخصه ومحاولة "لإفنائه" كذات ؟(4) بالطبع لا يمكنني الجزم في هذا الأمر . لكن لعل عدم الاستقرار وكارثة أسرته وانتقالها أدت إلى نوع من عدم الاستقرار في شخصيته ، كان نتيجته محاولته الايجابية في تهدئة نفسه وذاته بتأكيدها في نزاعاتها وخصوصا الفكرية .
يبدو أيضا أن أمراضه الجسدية ساهمت أيضا في عدم استقراره النفسي وإحساسه بأنه مهدد وبالتالي محاولته الايجابية لتهدئة نفسه بإثباتها باستمرار . فهو يذكر مثلا إدمانه في أكل الكندر لخفقان في القلب (5) . كذلك يذكر في نفس الموضع ضعفه أمام المصائب الفادحة وإحساسه بان قلبه يتفطر وان غصة بقلبه أمر من العلقم (على حد تعبيره) تحول بينه وبين سلامة الكلام . كذلك يشير(1) إلى إصابته بعلّة في وقت ما أدت إلى ضياع ما كان يحفظ في ذاكرته من علم ومعلومات مدة عام . قد تكون لهذه الصفة النفسية (أعني المحاولة المستمرة العنيدة لإثبات الذات ) علاقة أيضا بما يذكره عن علاقاته النسائية . فهو يذكر مثلا غيرته الشديدة على النساء(2) واهتمامه الزائد بهن وبأخبارهن . لاشك أن الغيرة الزائدة عن حدود المعقول دليل على إحساس بالنقص قوي ، أو على إحساس بعدم الثقة بالنفس . هل سبب هذا فقدانه لأمه مثلا ؟ لا ندري شيئا عن أمه كما قلنا . لعله فقدها في سن صغيرة وفقد معها الإحساس بالأمان والثقة بالعالم الخارجي .لعل هذا هو الأساس الأول وراء محاولته المستمرة في إثبات ذاته وشخصيته .
ذكرنا من قبل أن ابن حزم تربي بين جواري القصر . سواء صح افتراضنا بأن ابن حزم فقد أمه في سن صغيرة جدا أم لم يصح ، فان من الواضح انه قضي طفولته مع الجواري اللائي قمن بتعليمه . لكن بدل أن تعطه الجواري الإحساس بالأمان افقدنه إياه (3) بما رآه في سلوكهن على ما يبدو . فهو في علاقاته النسائية يحاول أن يجد الطمأنينة ويثبت ذاته بطريقة تدل على المرض النفسي . فهو يقول مثلا : " وعنى أخبرك إني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظمأ " (4) . قد نفهم من هذا أن رغبته غير عادية ، وبالتالي تدل على مشكلة نفسية يحاول أن يهدأ منها بالاستمرار والتكرار . واكبر دليل على هذا المرض النفسي أو الإشكال النفسي ما يذكره عن نفسه بقوله: " وعني أخبرك إني احد من دهي بهذه الفادحة وتعجلت له هذه المصيبة ، وذلك إني كنت اشد الناس كلفا وأعظمهم حبا بجارية لي ، كانت فيما خلا اسمها نعم . وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خَلقا وخُلقا وموافقة لي ، وكنت أبا عذرها ، وكنا قد تكافأنا المودة ، ففجعتني بها الأقدار ، واخترمتها الليالي ومر النهار وصارت ثالثة التراب والأحجار . وسني حين وفاتها دون العشرين سنة ، وكانت هي دوني في السن ، فلقد أقمت بعدها سبعة اشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها . وعلى ذلك فو الله ما سلوت حتى الآن . ولو قبل فداء لفديتها بكل ما املك من تالد وطارف وببعض أعضاء جسمي العزيزة عليّ مسارعا طائعا وما طاب لي عيش بعدها ولا نسيت ذكرها ولا أنست بسواها . ولقد عفي حبي لها على كل ما قبله وحرّم ما كان بعده " (1) تدل هذه القصة على ما يسمي في التحليل النفسي "بالتثبيت" . كما قلنا من قبل لا يمكننا أن نمارس التحليل النفسي على شخصية من القرن الرابع الهجري بشيء كبير من الثقة رغم أن البعض فعل ذلك من قبل . لكن لا بأس أن نتمعن في القصة السابقة فهي على الأقل تكشف عن نفسية قلقة عاطفية تبحث عن "آخر" تثق به ويساعدها في تأكيد ذاتها والاستمرار في الحياة

ليست هناك تعليقات: