15‏/10‏/2008

اعلام من ليبيا ( النيهوم )




الصادق النيهوم

المفكر والأديب الليبي الصادق رجب النيهوم ولد في مدينة بنغازي عام 1937. درس جميع مراحل التعليم بها إلي أن انتقل إلي الجامعة الليبية ، وتحديدا بكلية الآداب والتربية - قسم اللغة العربية، وتخرج منها عام 1961 بدا نشر مقالات في جريدة العمل بنغازي بين عامي 1958-1959 ومن ثم عُين معيداً في كلية الآداب .أعدَّ أطروحة الدكتوراه في " الأديان المقارنة" بإشراف الدكتورة بنت الشاطيء جامعة القاهرة، ، إلاَّ أن الجامعة رفضت إجازة الأطروحة بحجّة أنها " معادية " للإسلام . انتقل بعدها إلى ألمانيا ، وأتم أطروحته فنال الدكتوراه بامتياز . تابع دراسته في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة عامين .درَّس مادة ( الأديان المقارنة ) كأستاذ مساعد بقسم الدراسات الشرقية بجامعة هلنسكي بفنلندا من عام 1968 إلى 1972. تم في جامعة جنيف . تخلل هذه الفترة نشر كتاباته في ( مجلة الناقد) منذ صدورها في العام 1988 حتى وفاته .إصداراته• روايات: o من مكة إلي هنا. دار الحقيقة، 1970م/ بنغازي o من قصص الأطفال. 1972م/ بنغازي o الحيوانات. الدار الجماهيرية، 1984م/ طرابلس o القرود. دار الحقيقة، 1975م/ بنغازي • كتب: o الرمز في القرآن دار الريس، o إسلام ضد الإسلام. دار الريس، 1995م/ لندن o الإسلام في الأسر. دار الريس، 1991م/ لندن o فرسان بلا معركة. دار الحقيقة، 1973م/ بنغازي o صوت الناس. دار الريس 1990م/ لندن o محنة ثقافة مزورة o طرق مغطاة بالثلج. دار تالة، 2001 م /طرابلس ( صدر بعد وفاته ) o دراسة (العودة المحزنة للبحر) o الذي ياتي والذي لا يأتي o تحية طيبة وبعد. دار الحقيقة 1972م بنغازي • موسوعات: o موسوعة تاريخنا ستة اجزاء. دار التراث، جنيف، سويسرا 1977 o موسوعة بهجة المعرفة o موسوعة عالمنا o موسوعة صحراؤنا o موسوعة أطفالنا o موسوعة وطننا o موسوعة عالمنا o أطلس الرحلات (8 أجزاء) عام 1979 o موسوعة الشباب المصورة (8 أجزاء) o موسوعة السلاح المصورة
---------------------------------------------
ا قتباسات :
* - الجاهل مثل ساعة مليئة بالأوساخ – تشير عقاربها عادة إلى منتصف الليل فيما يتناول الناس إفطارهم في الصباح – إنه يعيش متأخراً بضع سنوات وأحياناً أيضاً بضعة قرون دون أن يهمه بالطبع أن العالم من حوله لا يتحرك طبقاً لتوقيته الرديء ، إنه شبح من مذبحة الماضي وراء قناع مواطن معاصر . جزيرة تائهة أو قارة بأسرها تائهة تتسكع في عصر منقرض وتراقب عصرنا بازدراء مستعدة لأن تعلق في عنقه أية تهمة تخطر ببالها بمجرد أن يتجرأ على إبداء شخصيته المختلفة ، إن الجاهل حارس مقبرة غير مرئية .
--------------------------------------------------------------------------
* - الجاهل لا يبيع بضاعته بالمنطق بل بالشعر وحده ، إنه لا يقنعك بفكرته بل يغريك بها ، وإذا رفضت إغراءه يلجأ إلى ( تهديدك ) وإذا رفضت تهديده انقطعت علاقته بك عند هذا الحد ، إنه لا يجيد استعمال الرباط الفكري ولا يعرف كيف يحشر يده داخل دماغك لكي يقنعك بحجته لأن هذه المعجزة لا تتم بدون ( الإقناع المنطقي ) ولأن الإقناع المنطقي آخر بضاعة في حانوته المعبأ بالأشعار ، فإنه عادة ينفض يديه منك بأن يقطع رأسك أو يكرهك في الخفاء . إن الجاهل لا يستطيع أن يسلك طريق النقاش المنطقي دون أن يفقد جهله ، أعني يموت جائعاً ويمشي في جنازته ويتقبل تهاني المعزين .
---------------------------------------------------------------------------
* - الجهل – مثل جميع الأمراض العقلية – يحقق رابطة متينة بين الفئات المصابة به بغض النظر عن اختلافاتها الاجتماعية ويرصها جميعاً صفاً واحداً ضد الأعداء وراء الجدار ،في حالة استعداد دائمة للبدء في القتال . فإذا كانت الفئات صغيرة الحجم مثل الحزب النازي في بداية نشأته فإنها غالباً لا تستطيع أن تلحق ضرراً ملموساً بمن يحيط بها وإذا أتيحت لها فرصة النمو مثل الحزب النازي أيضاً بحيث صار في وسعها أن تضم القطاع الأعظم من القوة الكلية فإنها تثبت أقدامها في الأرض وتنمو بلا حساب في تربة غنية من الإقطاع الفكري الأسود ويصبح دمارها أمراً مستحيلاً بدون وقوع الكارثة الاجتماعية . ولكن الدمار لابد منه في نهاية المطاف . لقد أدى هذا الإقطاع الفكري ذات مرة إلى صلب المسيح بأيدي اليهود ، وأدى في مرة أخرى إلى وضع ادولف هتلر في مصاف المنقذين الكبار غير أن نتائجه كانت دائماً خاطئة وكان التاريخ يصحح له هذه الأخطاء بقلم مغموس في الدم .
-------------------------------------------------------------------------
* - المجتمع الجاهل لا يحتاج إلى أن يضم المواطنين الجهلاء فقط ولكنه يحتاج إلى أن يضم منهم عددًا كافيًا لكي يتعرض للمرض ، والمواطن الجاهل لا يعني أنه ( المواطن غير الفعال ) بل يعني المواطن الفعال في الاتجاه الخاطئ كما تنشط خلية السرطان في تحقيق مزيد من المرض
--------------------------------------------------------------------------
* - تعلَّمتُ أن أؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر. وتعلَّمتُ أن أطوي هذا الإيمان في صدري وأتركه يقودني في طريق الغربة. وقد قادني بنفسه إلى هذا الحد. وعلَّمَني أن أكفر بمهنة "الفقيه". فإذا جاء العيد، وانطلقتْ دعواتُكم المضحكة عبر كلِّ السموات، فأنا أراكم من الداخل وأكفر بكم
--------------------------------------------------------------------------
* - "فالدين يحرم الرشوة، لكن المواطن الذي يعيش في مجتمع إقطاعي، لابد من أن يرشو كل موظف يقابله، بكل عملة مقبولة في السوق. لأن الخدمات العامة في مثل هذا المجتمع، ليست حقاً دستورياً للمواطن، بل "فرصة" عليه أن يصطادها بصنارة. فإذا كان الصيد حوتاً كبيراً مثل استخراج رخصة للمقاولات الأهلية، يكون الطعم نقوداً وهدايا وعقود زواج وخدمات خاصة. أما إذا كان الصيد مجرد سمكة صغيرة مثل استخراج شهادة ميلاد، فإن الوصفة الشعبية تحتم أن يرقص المواطن حاجبيه، ويقول للموظف محيياً: (صباح الخير يا عسل).
----------------------------------------------------------------------
* - " الجهل نقيضًا للصحة العقلية وليس للمعرفة. فالجاهل ليس دماغًا أبيض ممسوحًا، لا يضم في داخله سوى الفراغ، بل دماغ مليء حتى حافته بأشكال خاصة من المعارف الخاطئة ".
------------------------------------------------------------------------
* - إن القرارات الثورية تنطلق، بكلِّ قدراتها على النمو، من مكاتب القيادة والأجهزة التنفيذية العليا المختصة بالتخطيط. لكنها تفقد قوتها، إلى حدٍّ كبير، خلال المقاومة التي تلقاها في عدم الاستجابة على مستوى الموظف العادي والمواطن العادي. إن القيادة تستطيع أن تختار الشعارات؛ لكن الذي يضع الشعارات موضع التنفيذ هو الذي يختار حقًّا.
-------------------------------------------------------------------------
* - إن الاشتراكية، في مفهوم الثورة، هي النمو الدائم الذي من شأنه أن لا يسمح بالاستغلال في أية صورة من صوره. والاشتراكية في ذهن المواطن هي الشكل الجامد المتمثل في توزيع النقود بالتساوي. إن الاشتراكية، في مفهوم الثورة، هي النمو الدائم الذي من شأنه أن لا يسمح بالاستغلال في أية صورة من صوره. والاشتراكية في ذهن المواطن هي الشكل الجامد المتمثل في توزيع النقود بالتساوي.
--------------------------------------------------------------------------
* - رسالة الى التجار :
هل تقرؤون الشعر؟ وهل سمعتم أن ثماني جامعات في الولايات المتحدة تنفق عليها المؤسسات التجارية.. وأن أحد التجار أنشأ سبعين معهداً لإيجاد علاج للسرطان،وأن نصف الأدوية التي تأكلونها الآن تم ابتكارها في هذه المعاهد؟هل سمعتم مرة عن رجل اسمه شميلنج أنشأ ثلاثة آلاف مدرسة لتعليم العمال الألمان،وأن ألمانيا بفضل الله ثم هذا الرجل لا تحتوي أميا واحداً الآن. وهل تعرفون مرض السل فقد تم إيجاد علاجه في معهد روكفلر، الذي كان تاجرا مثلكم. ولم يكن مصابا بالسل. ورالف سكوت ذلك تاجر أحمق آخر بدد ثروته في تعليم مواطنيه الأمريكان في القرن الماضي، وقد تخرج من إحدى مدارسه العمالية، ولد اسمه غراهام بل واخترع التليفون الذي تعرفون سماعته الآن وتقولون هاللو والصنداي تايمز أنشأها أحد تجار اللبن.والهيرالد تريبيون أنشأها شيطان آخر. والمكتبات العامة التي تمتد بين شارع سان باول هي هامبورغ وبين شارع لابينتا في ميلانو أنشأها كلها التجار ولم تشتر أي من الدول كتابا واحدا فيها. وحديقة سبيليوس في الأرجنتين بناها تاجر سويدي باعتبارها هدية من السويد إلى أمريكا اللاتينية. فلماذا فعل ذلك؟ لماذا لم يسافر إلى القاهرة ويكتر شقة في الزمالك ويملؤها، وجائزة نوبل تنفق عليها مؤسسة تجارية. وقد كان نوبل تاجرا مثلكم، وقد اخترع الديناميت ثم أنشأ جائزة للسلام. هل تعرفون ذلك؟ وشركة أسو التي تدورون حول مائدتها، تنفق ربع أرباحها على المعاهد العلمية في بلادها، وفي أحد هذه المعاهد نبتت فكرة السفر إلى القمر، وتخرج المهندسون الذين قاموا بتنفيذها.
-------------------------------------------------------------------------
* - الاشتراكية تعني في لغة التطبيق ، عدم دستورية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، وهو تشريع عمالي ، يستحيل إقراره سلميا في مجتمع لا يحكمه العمال ، ويتوقف إصداره على إشعال حرب طبقية ، تتولى القضاء على الملكيات الصغيرة والكبيرة ، مما جعل الدعوة إلى الاشتراكية ، ترتبط بالدعوة إلى الثورة المسلحة في جميع اللغات ، ومنها اللغة العربية . رغم أن مواطننا العربي شخصيا - من دون ثورة مسلحة - يردد في دستوره منذ أربعة عشر قرنا ، أن الملك لله وحده ، لا شريك له وان ذلك يشمل شرعا ملكية وسائل الإنتاج .
--------------------------------------------------------------------------
* - الإسلام الذي ورثناه عن اسلاافنا ليس هو الإسلام الذي بشر به القران ، بل نسخة ناقصة عنه مشوهه صنعها الاقطاع على مقاسه وقد لا يستقيم لنا سبيل الخروج منه إلا بجهد جماعي طويل النفس يتمثل بتأسيس حزب الجامع الذي يتوجه لتطوير لقاء يوم الجمعة من مناسبة للصلاة والوعظ إلى مؤتمر للديمقراطية المباشرة على مستوى القاعدة .
--------------------------------------------------------------------------
كلمات في المرأة :
* - احد النتائج التي ثبت نجاحها بالتجربة في ميدان التربية ، تمثلت في اكتشاف قدرة المرأة على التعليم والتعامل مع الطلاب خاصة في المراحل الأولى قدرة تفوق إمكانيات الرجل ، إن الاستفادة من هذه الحقيقة يعنى أن نعمل على تشجيع المرأة لكي تتولى ميدان التعليم بأسره في المدى البعيد . إننا إذ نجحنا في وضع التعليم في مراحله الأولى تحت إشراف المرأة ، فسوف ننجح في حل قضية انفصام البيت عن المدرسة ونخلق للمرأة عملا هو في الواقع نفس عملها في البيت . وإذا كان المجتمع هو بيت الإنسان الذي يولد فيه وينمو فيه ، فان المرأة هي مربية هذا البيت . النيهوم ( نقاش )
* - المرأة في بلادنا لم تشارك في هندسة مجتمعنا، لم تشارك في تقييم أخلاقياته ، لم توافق على مزاعمنا القائلة بأن شرف البنت مثل عود الكبريت وشرف الرجل من ولاعة "الرونسون" . لا تعتقد أن ثمة فرقًا بين هفوة الرجل وبين هفوة المرأة ، ولا تؤمن بأن أخاها يستحق أن يمتاز عنها بمقدار عقلة إصبع بمجرد أنه يملك بعض الشعر في لحيته. لا نريد مجتمعًا يوزِّع امتيازاته بين أفراده طبقًا لطول الشنب! النيهوم ( فرسان بلا معركة )
-------------------------------------------------------------------------------------------------
أصدقاء النيهوم
* - الصادق النيهوم " اسم له رنينه الخاص، رنين يثير مشاعر متناقضة من الفخر والأسى، الأسى لأنّ الكثير منا لم يتعرفوا على هذا الأديب والمفكر الليبي الذي طالما أثارت أفكاره وكلماته الجدل في عواصم الثقافة العربية وصالونات مثقفيها.. إن بعضنا لم تعجبه أفكار النيهوم التقدمية والتنويرية التي يحلل فيها التخلف الذي نعاني منه والمتمثل في عادات وتقاليد بالية، فـــفـــي مــجـــتــمعات بدائية كمجتمعاتنا فــإن صوتاً حداثياً وتنويرياً كصوت النيهوم ســـيـــزعــج الكثيرين، حــيــث الثبات والجمود هي صفة حقيقية في ما يعرف "بالعقل التقليدي " الموجود في مجتمعاتنا، فـفي هذه المجتمعات يـُـــنـظــرُ إلى كل محاولة للتغيير والابتكار على أنها تهديد اجتماعي، وفي هذا الإطار يقول أحد الحداثيين العرب:- " إن النقل مازال يكفٍّــر العــقـل في الفضاء العربي، ومازال التقليد يقطع الطريق على التجديد، ومازالت القــدامةُ تحارب الحداثة، حيث يمثـل الفهم الخاطئ للتراث في مجتمعاتنا عائقاً شلّ تفكير النخبة التي واجهت الحداثة كخطر على الهوية لا كفرصة لمـعاصرة الـعـصر". كل ما هنالك أن النيهوم قد جاءنا مبكراً جداً فلم نكن في مستوى النضج العقلي والفكري الذي يؤهلنا لاستيعاب أفكاره.
--------------------------------------------------------------------------------
في ذكراه العاشرة 2004 كتب الكاتب الليبي : حمد المسماري تحت عنوان :عـودة إلـى سيـد الكلمــات
ليـس ثمـة خـلاف علـى الإثـارة الكامنـة فيمـا كتـب الصـادق النيهـوم طـوال مشـواره مـع الكلمـات ، وليـس ثمـة خـلاف علـى أن أفكـار هـذا الكاتـب المثيـر للجـدل حملـت رؤيـة مغـايرة ، وغيـر مألوفـة لقضـايا اعتٌبرت دومـاً مـن المسلمـات ، وقـد كـان هـذا الكاتـب الراحـل يفكـر ، ويكتـب بطريقـة احترمهـا الجميـع مهمـا كانـت درجـة الاختـلاف أو الاتفاق حولهـا ، ومهمـا كانت قناعـة المـرء معـه أو ضـده فيمـا ذهـب إليـه ، وهـذا لا يحـدث سـوى مـع الكتـاب الحقيقييـن .. ولكـن يبقـى السـؤال قائمـاً دون إجابـة واضحـة حـول مـا أراد النيهـوم قولـه لنـا علـى وجـه الدقـة ، فيمـا يتعلـق بجـوهر العلاقـة بيـن الله والإنسـان ، مـن خـلال ما كتـب طـوال مسيـرته المضنيـة فـي الأدب والحيـاة علـى حـدٍ ســواء.حيـث نجـد منتقـدوه يأخـذون عليـه جرأته غيـر المسبوقـة "عنـدنا فـي ليبيـا علـى الأقـل" بتناولـه النصـوص المقدسـة فـي القـرآن والسنـة ، ومحاولـة قراءتهـا مـن زاويـة اعتُبـرت محرمـة مـن وجهـة نظـر فقهيـة بحتـة فرضـت علينـا بشكـلٍ مـا ، وفـي زمـنٍ مـا ، لدرجـة أصبح معهـا مجـرد محاولـة فهـم الشريعـة التـي أعتبرهـا النيهـوم "شريعـة مـن ورق" كفـر مبيـن والعيـاذ بالله .. ومـن المحـزن أن يعتبـر دعـاة الفكـر الأصـولـي والسلفييـن هـذا المفكـر الـذي حـاول إخـراج الإسـلام مـن أسـر الخـرافات والأساطيـر ، ووصايـا الفقهـاء كاتـب مـارق ، وخـارج عـن الديـن وإجمـاع الأمـة "التـي ما اجتمعـت يـومـاً" وكالـوا لـه ما توفـر لهـم مـن قامـوس المفـردات الجاهـزة لهـذا الغـرض مـن أيـام الحـلاج وابـن عـربـي وغيرهـم ممـن ظهـروا فـي أزمنـة مختلفـة طـوال تاريخنـا الإسلامـي الغـارق فـي الخرافـة والحـزن والدمـاء.الصـادق النيهـوم لا يكتـب كلماتـه عبثـاً ، فلقـد حـدد طـريقـه منـذ البدايـة عــام 1966م عنـدمـا قـال فـي مقالتـه الشهيـرة "هـذه تجـربتـي أنـا" التـي نشـرت بصحيفـة الحقيقـة:(هـذه تجربتـي أنـا ولكـل منـا الحـق فـي أن يقـول تجربتــه علـى نحـوٍ مــا)ونحـن نعـرف أن تجربـة هـذا الرجـل كانـت مرهقـة ومؤلمـة إلـى حـدٍ لا يطــاق ، عـاش حياتـه مسكـوناً بالقلـق والغربـة علـى الـدوام ، وكانـت أفكـاره مطـاردة دائمـاً ممـن نصبـوا أنفسهـم أوصيــاء علـى الديـن وسـددوا إليـه الطعنـات حيـاً وميتـاً.. كمـا نعـرف أيضـاً أن قـدر النيهـوم مـع قارئـه ، أن هـذا القـارئ لا يمكنـه مهمـا كانـت قناعتـه متفقـه مـع مـا ذهـب إليـه ، المجاهـرة بهـذه القناعـة .. ومجاهـرة النيهـوم برفـض الإسـلام المشـوه بالخرافـات والأساطيـر الـذي توارثنـاه منـذ أكثـر مـن أربعـة عشـر قرنـاً مـن عمـر الـزمـن واعتبـاره مصـاغ برؤيـة الفقهـاء لا الأنبيــاء شكـل عقبـة لـدى قرائـه ومعجبيـه المتشكلـة ثقافاتهـم بمفاهيـم محافظـة للـدفاع عنـه ومـا كتـب ضـد منتقديـه ، الذيـن ظهـروا فـي ليبيـا بعـد وفاتـه عـام 1994م ومنـذ كتابتـه لدراساتـه الأولـى "الرمـز فـي القـرآن - الحديـث عـن المـرأة والديانـات" وانتهـاءً بمـا تضمنتـه كتبـه الأخيـرة فـي ثمانينيـات وتسعينيـات القـرن الماضـي التـي أثـارت جـدلاً واسـعًا وصـل حـد مصـادرتهـا حتـى فـي عاصمـة الثقافـة العربيـة بيــروت ، نستنتـج أن رفـض الصـادق النيهـوم لإسـلام الخرافـة الـذي صاغـه الفقهـاء عبـر العصـور وفـق رؤيـة السياسييـن والإقطاعييـن ، لا يعتبـر رفضـاً للإسـلام الحقيقـي ورسالتـه الواضحـة التـي نصـر علـى قراءتهـا بالمقلـوب علـى طـول الخـط .. والنيهـوم لـم يرفـض الإسـلام الـذي أراد لنـا الله أن نفهمـه ونعتنقـه بـل رفـض إسـلاماً وصلنـا مشـوهـاً بدرجـة مفزعـة .. رفـض إسـلام صخـر العلاقـة المقدسـة بيـن الله والإنسـان تحـت سقـف الكـون ، واستثمرهـا فـي الضغـط علـى مواطنـه المسكيـن بمنطـق بعيـد عـن لغـة السمــاء ، منطـق اعتمـد ألاعيـب الحـواة والسحـرة عبـر العصـور وبنظـرة فاحصـة متأنيـة وغيـر منحـازة قـد يمكننـا أن نرصـد ببساطـة ووضـوح جملـة مـن الثـوابـت لـدى الصـادق النيهـوم طـوال رحلتـه فـي عـالـم الحـروف والكلمـات يمكـن إيجـازهـا فيمــا يلــي:- أن الإسـلام الـذي يعتبـر المـرأة مجـرد متـاع وخـادمـة لسيدهـا الرجـل .. مرفــوض عنـد النيهــوم. - الإسـلام الـذي تأسـس علـى قواعـد خمسـة لا تشمـل قاعـدة واحـدة منهـا علاقـة مباشـرة بمفهـوم العدالـة علـى الأرض لا فـي السمــاء .. مرفـوض عنـد النيهـوم. - الإسـلام الـذي هدفـه تغييـب مواطنـه المسلـم عـن واقعـه المعــاش .. مرفـوض عنـد النيهـوم.- الإسـلام الـذي يأمـر النـاس بالعـدل دون أن يأمـرهم بسلطـة الأغلبيـة .. مرفـوض عنـد النيهـوم.- الإسـلام الـذي لا يحتـرم الاختـلاف .. مرفــوض عنــد النيهــوم.- الإسـلام الـذي يطالـب الإنسـان أن يكـون مسـؤولاً عـمّـا كسبـت يـداه ، دون أن يـوفـر لـه الوسيلـة الشرعيـة لتحمـل هـذه المسـؤوليـة .. مرفـوض عنــد الصــادق النيهــوم.ممـا سبـق الإشـارة إليـه ومحاولـة معرفـة الـدروب غيـر المألوفـة التـي صـار هـذا المفكـر غيـر التقليـدي ، والأسلـوب والطريقـة المثيـرة التـي صـاغ بهـا أفكـاره ، نعتقـد أن الأمانـة الأدبيـة تحتـم علينـا اعتبـاره "مجتهـداً" مهمـا اختلـف هـذا القـول مـع رؤيـة الكثير مـن منتقديـه ، ومـع مـا حُـدد مـن مفاهيـم جامـدة للاجتهـاد مـن قبـل الفقهــاء عبــر كـل العصــور .. إن هـدف الصـادق النيهـوم مـن رفـض ماضـي متخلـف هـو تحريـر للإنسـان مـن عبوديـة التاريـخ والفلسفـة ، والقيـود غيـر المقبـولة فـي العلاقـة التـي لـم تعـد مباشـرة بيـن الله والإنسـان تحـت سقـف العالـم كمـا أرادهـا لنـا الله نفسـه عبـر كـل الديانـات.والخلاصـة التـي قـد نصـل إليهـا هـي أن عالمـاً يعتمـد الغيبيـات حصـونا دفاعيـة ، ويصـوغ بالإرهاب الفكـري وغيـر الفكـري مشاريعـه ، مكرسـاً ديانـة عظيمـة مثـل الإسـلام لخدمـة السياسـة والإقطـاع ، مغيبـاً النـاس عـن واقعهـم فـي زمـن تغيـر المفاهيـم والمعتقـدات .. عالمـاً يتبنـى هـذه النظـرة المتخلفـة للأمـور هـو الـذي خـاض الصـادق النيهـوم معركتـه ضـده علـى جميـع الجبهـات ، وكـم كانـت معركتـه قاسيـة وغيـر متكافئة وهـو يخـوضهـا بنبــل الفرســان ضــد فرســان بـلا معــارك .والغريـب فـي هـذه التجـربـة النيهـوميـة ، أنهـا لا تـزن أمــورهـا بمفهـوم الـربـح والخســارة ، أو الانتصار والهزيمــة ، ولا يستقيـم لنـا تحليلهـا علـى هـذا النحـو ، وقـد تمــر سنــوات طويلـة جــداً قبـل أن يتمكـن أحـد مـا مـن تقييــم تجـربـة النيهــوم الإبداعيــة ووضعهــا فـي مكانهـا الصحيـح الـذي يليـق بعمقهـا ورزانتهـا فـي مسيــرة الفكـر التنـويري العـربـي والإسلامــي ، فالصـادق النيهـوم مـن أولئــك الكتــاب الـذيـن قـال عنهــم الفيلسـوف والروائــي "البيـر كامــو" : (هنـاك شمــس لا تغيــب فــي قلــب مـا يكتــب)وكــم كـان الكاتــب التونســي "الصــافــي سعيــد" مصيبـاً عنــدمـا قـال عـن النيهــوم:(يمثل الحياة بصلتهـا العميقـة بالموت ، وكأنه نذر نفسه لإنقاذ حضارة بكاملها)رحــم الله الصــادق النيهــوم فــي ذكـراه العاشـرة .. رحـــم الله سيــد الكلمـات الـذي عشقنـا أحـرفـه في زمن إشـراقهـا .. وسـامـح أنـاس هـاجمـوه ولـم يفهموه.
------------------------------------------------------------------------------------------


والشعر أيضا يكتب النيهوم * ابراهيم الكوني
كنت على الدوام ، أحس بنبض غامض يشدنى لكتابات الفلسوف الساخر صادق النيهوم دون أن أدركه بالضبط .. نبض دافق رفيع ، يبدو وديعا هادئا تارة .. وعنيفا صاخبا وكنت أقراء المقال الواحد - أحيانا - للمرة الثالثة في محاولات دائبة لسبر أغوار هذا النبض الجذاب الغامض .وكنت في كل مرة أخفق .. وأزداد حيرة .. حيرة مريعة تثيرني بعنف .. وتصفعني بحدة وقسوة . ولم أستسلم .. ولم أسلم بهزيمتي .. كان يشمخ أمامي اصرار جموح في إدراك هذا " الشئ " الخطير الذي يكمن في كتابات النيهوم .. وكنت أقف - خلال هذه المحاولات اليائسة - على الأسلوب البارع الفكه الذي تميزت به كتابات النيهوم .. وظل دائما وما يزال السمة البارزة لهذه الكتابات هذا الأسلوب الرائع البديع الذي يبهر القارئ ويسحره ويشده دائما ، ولكن هذا الأسلوب برغم بريقه وجاذبيته لم يقنعني بادراك ذاك " الشئ " المثير الذي أبحث عنه .. فهو مجرد اسلوب " هندسي " دقيق وبارع ، قد يثير انفعالات لذيذة عارضة عابرة لا تلبث أن تمضي وتسقط من الذاكرة ، ويبقى المضمون وحده عالقا بالذهن جانب ذلك " الشئ " الذي ما عتمت أبحث عنه بلا جدوى حقيقية .. ! .وكنت أيضا أقف عند الرمز في هذه الكتابات بذهول .. وأتأمله بدقة عله يقودني إلى ذلك " الشئ " .. ولكن الرمز بدوره يظل واضحا يمكن أن تلمسه باطراف أصابعك - على حد تعبير النيهوم نفسه - ويسخره الكاتب لخدمة الفكر بصورة قد لا تبدو مباشرة بيد أنها واضحة ومحددة و لا تحتاج لأي نوع من العناء الذهني .انه رمز فريد من نوعه .. رمز محبب جذاب يبدو غامضا وواضحا في ذات الوقت بطريقة ممتعة ومذهلة .. ولكنها طريقة مثالية في الأساليب الأدبية الحديثة .. حيث تؤدي إلى الغرض - في النهاية - وهو تدعيم الفكرة من الداخل بشكل رومانتيكي حالم غاية في الذكاء .اذن ما هو هذا " الشئ " الوامض الخفي في آن ، إذا لم يكن شيئا من كل ذلك ؟ . والواقع أنني لا أدري على وجه التحديد ما إذا كان ذلك " الشئ " يرتبط بالفكرة .. أم بالرمز أم بالشكل الفني ، أم بشيء آخر غير كل ذلك .. ولكني - في ذات الآن - ظللت أدرك على الدوام أن كل هذه المضامين ليست الشيء الذي أبحث عنه .. انه شيء آخر تماما يقوم هناك في الداخل .. ويتحرك في الداخل وينمو في الداخل .. ويخدم الفكرة من الداخل أيضا ، ولكن بطريقة غير مباشرة هذه المرة .اذن ما هو هذا الشيئ بحق السماء ؟ . ولم أجد بدا من مضاعفة جهودي في البحث عن النبض الغامض ، ومحاولة اكتشافه مهما كان الثمن .. ولم استط برغم كل محاولاتي في هذا المضمار أن أستشف من كتابات النيهوم ما يمكن أن يفرج عني هذه الأزمة القاتلة التي ظلت تعصف بي حتى اضطرتني - في نهاية المطاف - أن أسلم بعجزي تجاه ذلك الشيء الخطير .. والواقع أنني لم أسلم بعجزي تماما .. ولكن الذي حدث هو أن ( فيلسوفنا الساخر ) كفاني هذا العناء الوبيل الذي استنزف قواي المعنوية حتى العظم ، فقدسألته ذات يوم ضمن سلسلة تحقيقات " الذات والموضوع " هذا السؤال : - ماذا تعني عملية الخلق الفني بالنسبة لك ؟عندها أجاب بما لم أتوقعه قط .. قال : - انها العمل داخل إطار الفكر بوسيلة الكلمات ، وهذا الأمر لا أستطيع أن أشعر تجاهه بالرضى إلا إذا أحسست أنني اؤديه داخل إطار الحلم أيضا .. الحلم هو مادة الشعر التي أعرف أنها تستطيع أن تمدني بالشجاعة في مواجهة العجز الناتج عن ضيق الكلمة .. انني أكتب أحيانا كثيرا من الشعر الذي يبدو داخل إطار الفكرة مجرد نوع من الصوفية البلهاء ولكمه في نهاية المطاف يحمل إلى الناس معظم ما أريد أن أقوله . اجابة هائلة حقا لم تكن - قط - لتخطر لي على بال .. ولكن يبدو أنه لا مندوحة من أن يفهم النيهوم نفسه بنفسه .. ثم يقدم لنا بنفسه أيضا ما التبس علينا في أمر ما يكتب .. وهذا لعمري خطأ جسيم من جانبنا يبدو أننا لم ندرك خطورته حتى الآن .. وهو إن دل على شيء - وهو يدل بكل تأكيد - فإما يدل على جهلنا بما لا يجب أن نجهله .و ما يشفع لنا مثل هذا التقصير هو ثقافاتنا المتواضعة ، وامكانياتنا الفكرية الأكثر تواضعا ، وهذا الكلام يبدو حقيقة رهيبة تعصف بالكاتب الليبي .. وأعني الناقد الليبي على وجه الخصوص .أجل .. ان النيهوم يكتب الشعر .. وهذا كل ما كنت أبحث عنه طوال ثلاث سنوات ونيف .وبرغم جهلي المطلق بالشعر وببحور الشعر ، إلا أنني سأحاول هنا قدر استطاعتي أن أرصد نماذج معينة من النثر الرفيع الذي يرتقي إلى مستوى الشعر الرفيع أيضا .يقول النيهوم في مقال " الحزن بيقليل من عصير الليمون " : يا سيدتي ..ان قطرة المطر تحمل أيضا رائحة ... السموات ... وتحمل الطوفان ... وحقول القمح والعشب والأدغال والمحيط والنهر الذي يطعم الفلاحين ... قطرة المطر تحمل أكثر من ذلك ... وتهبط به من سقف العالم .... شفافة أكثر من زمردة ويقول أيضا : أنت عيناك قطرتا مطر ... وقد هبطتا من السماء ... معبأتين بالزرقة ... مثل عربتين سماويتين من الحرير الأزرق ... وسقطتا معا في لحظة واحدة فوق ... وجه خنزير .وبرغم أنه يشتم المرأة الليبية ، ويشبه وجهها بوجه الخنزير مما قد يقنع القارئ الذي ينتظر شعرا حالما ؛ إلا أن الأمر كان مجرد تمهيد بارع غاية في الذكاء لفكرة المقال .. تهربا من التناول المباشر أولا ، وتحاشيا للسقوط في التقريرية والصور الفوتوغرافية ثانيا .ويمضي النيهوم في ذات المقال فيقول : فانتظري عودته فوق السدة ... انتظريه ... وراء الكلة الحمراء ... الكلة المعلقة عبثا فوق السرير... وتلطخي بالحناء والخواتم وزيت الغار ... انتظري عودته ... واحشي وسائده بالأطفال ... الذكور ... املأي حاجته من ... الذكور املأي البيت ...ذكورا إلى السقف ... فأنت لا تملكين فرصة واحدة ...أنت قطرتا مطر على وجه خنزير ذبابة على شنب سيدك ... أنت ... في الواقع ... ذبابة ليبية على ... شنب خنزير ... فدعينا نتبادل النكات .أجل دعونا نتبادل النكات مع النيهوم نفسه ، فبرغم أن هذا النثر الرفيع يبدو ثقيلا بعض الشيء وغير موزون أو مقفى و لا يخضع للتفاعيل - باعتباره نثرا بالأصل - إلا أنه لا يعدم ذلك النبض الموسيقي البديع الذي يتميز به الشعر دائما وهذا ما يجعلني أقرر أنه يمكن أن يعد أروع وأرقى أنواع الشعر الحديث إذا حاولنا أن نرصد ذلك النغم المستتر ..ويقول ذات المقال : عندما تهب الريح الشمالية هنا ... وتنزف حزنا مثلجا ... وتنكسر مواشير الأضواء ... تحت وطأة الجليد ويتكشف كل امرىء ... لحظة السلام ... العميقة ... على منضدة المقهى المجاور... أحملك في قلبي وأذرع بك سقف العالم ... في زحافة تجرها الكلاب .ثم يقول : فافتحي عينيك ...ياقطرتي مطر ... انظري هنا ... هذا رأس العالم ... المغطى بالثلوج والشيب . وهذه زحافتي وأصدقائي الكلاب ... والقمر الشمالي المتورم الأنف ... وقربة الصبر التي وضعتها أنت فوق كتفي ...مع حفنة من القديد ... هذا كل شيء ... أستطيع أن أحمله ... بالاضافة إلى قلبي الثقيل الوزن ... الذي أجره ورائي ... عبر البوابات والمدن ... أدفع عليه الرسوم وأطلي جدرانه بالتبغ ... في أيام عاشوراء ... تلبية لرغبة البلدية .لاحظوا - هنا - أنني تعمدت أن أبقي على عبارة " تلبية لرغبة البلدية " لأريكم مدى الصدمة أو " المطب " الذي قادنا إليه النيهوم .. وتعمدت أن أفعل ذلك أيضا لأثبت لكم أن الكاتب لا يتخذ من هذا النثر الرفيع هدفا في حد ذاته .ولكنه مجرد وسيلة أولا وأخيرا ؛ وسيلة جديدة تماما تسه بشكل دقيق وبارع في بناء الفكرة .. والتمهيد لها وتبسيطها على أروع صورة استطاع النيهوم ابتكارها عبر تجربته مع الكلمة رغم حداثتها ، وهذا يذكرنا فورا بما قاله النيهوم نفسه من أن الشعر الذي عبر عنه بأنه نوع من الصوفية البلهاء يحمل في نهاية المطاف معظم ما يريد أن يقوله .اذن هذه المادة الشعرية هي ذلك " السر الخطير " الذي ظل وسيلة النيهوم الفائقة الفاعلية التي حققت له أروع الأنتصارات وأكثرها تشويقا واثارة في مضمار الكلمة . وقد يبدو هذا النوع من الشعر داخل بناء الفكرة العام متمردا عاتيا صاخبا ، بيد أنه يؤدي مهمته بالضبط بصورة مذهلة وخارقة . ولذلك فإن عبارة " تلبية لرغبة البلدية " مطب لربط خلايا الأفكار داخل الفكر .. وعلينا بحذفها كي يظل " الشعر المنثور " سليما من حيث الشكل والموضوع معا .

ونمضي مع النيهوم مجددا وهو يقول : وعندما يسقط الليل هنا ... وينزف حزنا مثلجا ... يفتح المقهى أبوابه ... تضاء قناديل الزيت الشرقية وتصف الكراسي ... والنارجيلات ... ومحارق البخور ... تومض عينا أبي زيد الهلالي ... على الجدار ثم يصل سيدك مثل أبي زيد الهلالي ... يختار مقعده المفضل ... وقهوته المفضلة ... ويفتل شواربه بطرف الابهام والسبابة ... ويقرأ لي البخت في الفنجان ... فافتحي عينيك ... ياقطرتي مطر ... وانظري هنا ماذا أستطيع أنا أن أفعل ... سوى أن أعد مزيدا من فناجين ... القهوة ... وأخط الحساب ... على ضلفة الباب .ان هذه الظاهرة المثيرة في كتابات النيهوم لا تخدم الفكرة بالدرجة الأولى ، وتدعم المضمون ، وتصله بالشكل بطريقة محبوكة تحافظ على الكيان العام ؛ انها نوع من الوقفات البارعة التي تفرض على القارئ أن يتأملها ، ويقف عندها ليستوعب السابق ويصله باللاحق ؛ بشكل لا يرهقه و لا يدعوه إلى اللهاث العنيف خلف تكثف الفكرة وامتلائها .انها نقلات فنية غاية في الروعة والقوة والابداع تكثف ذلك الغموض الجذاب في الرمز ، وتسخره على الدوام لكي يسهم بدوره في ارساء دعائم الفكرة ، والمحافظة على كيانها الموضوعي .ويمضي بنا النيهوم في رحلة أشعاره المتجولة بين هلسنكي وستوكهولم وكوبنهاجن وبقية مدن اوروبا :ماذا تستطعين أنت أن تفعلي ... أو يستطيع أبا زيد الهلالي ... ما يزال أقوى رجل ... في تونس الخضراء وفي ليبيا أيضا ... ما يزال يركب حصانه الجهنمي ... يغزو القرى والمدن ... ويعود كل يوم ...بالسبايا المحطمات القلوب ... والمرء ... لا يستطيع أن يخنق أبا زيد الهلالي ... المذكور ... بحبل الغسيل لأنه لا يملك عنقا على الاطلاق ... و لا يستطيع أن يشكوه للشرطة ... أو ... يدعو عليه عند ضريح البطل المفضل ... انه هناك لكي يبقى ... والفقهاء يقولون ... ان الله يقف إلى جانبه أيضا .ودعونا من المضمون ؛ وما يحفل به من سخرية مريرة وصفعات قاسية موجهة ، وتعالوا لنتأمل الحلم - الذي هو مادة الشعر في نظر النيهوم - في مقال آخر بعنوان : " أشباح ليبية وأشياء أخرى " :انتهت في " روفانيمى "المعلقة من ثديها ... في سقف العالم ... وخسر ... الشبح الليبي معركته معي ... عندما أرغمتني العاصفة على أن ... أكف عن الهروب ... وأتوقف لمواجهته ... في الغابة البيضاء ... لقد كانت ... لحظة فظيعةخالية من الأنس ... لكنها ... أنقذتني من الحمل السخيف ... الذي ... ظللت أذرع به شوارع العالم مثل نعش ... مليء بالدمى الميتة .وبالرغم من أن مثل هذا النثر الراقي لا يفتقر اطلاقا إلى النبض المسيقي الرفيع ؛ إلا أنني أشك في أن القارئ الليبي على وجه الخصوص يتقبل هذا النوع الحديث من النثر واعتباره شعرا حقيقيا ؛ كما يفه هذا القارئ الشعر .ولكني سألجأ هنا إلى نموذج لشعر حديث لشاعر لبناني مجدد أثارت أشعاره ضجة هائلة من النقد في الأوساط الأدبية .. وقد كتب عنه الكاتب المصري المعروف أنيس منصور في مجلة الهلال عند صدور ديوانه الأول : " كلمات من خشب " ، أما ديوانه الثاني فقد تولى أنيس منصور عملية التقديم له ، واعتبره شاعرا جديدا وخطيرا ؛ سوف يسهم بقدر وافر من التجديد في الشعر العربي الحديث . هذا الشاعر كتبت عنه في جريدة " البلاد " منذ شهور .. وقلت - ضمن ما قلت - أن شعره ليس شعرا على الأطلاق بالمعنى الضيق لمفهوم الشعر الحقيقي ؛ فهو لا يراعي الأوزان أو القوافي أو التفاعيل في أشعاره ، ولكنه في الواقع مجرد نثر جيد ليس غير .وأنا - هنا - سأحاول أن أقارن شعر هذا الشاعر .. ونثر النيهوم ؛ ولكم أن تحكموا ، وكي لا أكون متحيزا سأعمد إلى اختيار أروع أشعاره و أقربها إلى الشعر .. أعني الشعر الحديث ، يقول ابراهيم سلامة الشاعر اللبناني في قصيدة " ضياع " :نفسي أبيعها للزبالين ... مع قذارات الشارع ... سلة مهملاتي ... وسختها بكل عيب ومشين دستها في الليل ... بحذائي الوحل ... وجعلتها مومسا للمومسات ... يضايقني هذا الشريان في قلبي ... ضيعني في كل مكان عن بيتي عن مستقبلي ... ولم يقل لي مرة : يكفينى سخافة... يكفيني ضجر ... على سرير غرفتي أرى الدنيا جنة ... فاسرع وراءها ... فإذا هي كغرفتي ... بابها بلا مفتاح ... شبابيكها مفتوحةوروائح غسيل النساء ... أروضها بزجاجة الويسكي ... فتفور بدل أن ترقد ...أعتمها بدخان السكائر المتلاحق في فمي ... فيعتم وجهي وتتيبس شفتاي ... وتزداد هيى تمردا وتألقا هذا كل ما أستطيع أن أسرده من قصيدة الشاعر اللبناني الذي استطاع أن يثير ضجة بمثل هذه الاشعار ، ولكم أن تقارنوها بهذا النثر ! للنيهوم ، وأنقله لكم الآن من الذاكرة : فلا تجهد نفسك ... في نقاش ... و لا تدعني ... أموت من الضحك ... فأنت في الواقع لا تستطيع أن تقنعني ... وليس لديك شيء تقوله... ثم أنه ... ليس بوسعي أن أصغي اليك فالمسافة بيننا ... أطول ... مما يصل الصوت والصراخ .هذا مع اعتبار أن النيهوم لا يكتب شعرا حقيقيا بكل معنى الكلمتين .. انه في الواقع يكتب نثرا ؛ وهذا النثر ليس متعمدا بدوره .. انه يفرض نفسه ويجيء من ذاته ، ليحافظ على تماسك الفكرة ولازمة الشكل للمضمون حتى يؤديا دورهما معا بالضبط .ان حصيلة النيهوم الثقافية ومعينه اللغوي الضخم .. كانا باستمرار العامل الحاسم الذي حقق له النجاح الفائق في ايجاد زوايا العرض المناسبة .على أن بحثنا لهذا الجانب الفني اللفريد في كتابات هذا الكاتب لا يتصل بالمضمون ، و لا يتناوله بقدر ما يتصل بالشكل ، وإذا كان اهتمامنا بالشكل الفي في هذه الكتابات قبل أى جانب آخر فإن ذلك بسبب ايماننا المطلق بأن الشكل عند هذا الكاتب هو القاعدة .. وهو الاداة المثلى ، الوسيلة الاولى ، وهو في النهاية كل شيء بالنسبة للنيهوم .وبرغم أننا لا نستطيع أن نعتق الشكل ونفصله عن الموضوع ؛ إلا أن هذا الشكل الفائق الفاعلية يظل على الدوام الوسيلة الفريدة في عرض المضمون في الثوب القشيب الجذاب البعيد عن التقريرية والتناول المباشر، وهو ما يعتمد عليه النيهوم أساسا .. ويوليه جل اهتمامه .والواقع أنني لا أستشف هذه الحقيقة من خلال كتابات الكاتب فحسب .. بل من اعترافه هو بذلك في سلسلة تحقيقات " الذات والموضوع " ؛ حين يقول عن سؤال لي حول رأي توفيق الحكيم في تحقيق اسلوب فني مستقل : " بالنسبة لي - يقصد قول الحكيم - لا صحة له فأنا بدأت معتمدا على الشكل الفني بالذات .. وليس في نيتي مثل توفيق الحكيم ، ولكني من جهة أخرى لا أريد أن أقوا أن شيئا لم يحدث في تجربتي الخاصة ، فعملية الزحف بالنسبة لي بدأت بحثا عن الشكل والمضمون معا داخل لحظة واحدة ، وليس عن الشكل وحده أو المضمون وحده .. الخ .وهناك جانب آخر يكاد يكون أكثر اثارة في كتابات هذه الشخصية الأدبية المتعددة الجوانب ينبغي ألا نهمله .. وأعني بذلك هذه السخرية الراقية المشحونة عبر قوالب فلسفية مبسطة بطريقة ذكية تكاد تكون خارقة في حد ذاتها .انها سخرية يقطر من أردانها الذكاء اللماح .. وتجيء على الدوام مثقلة بالفلسفة - المتوصفة - والرمز الجبار ، الذي يلعب دوره كما ينبغي في الايحاء الملهم من أجل ابراز الفكرة إلى حيز الوضوح ، وتسليط الاضواء على جوانبها بمهارة فلسفية فائقة ، وهذه السخرية الفريدة إلى جانب دورها البارز داخل اطار الفكرة ، تبدو خالية من التعقيد في ظل الرمز المشحون بالصورة الفسفية ، وهي لذلك تسموعلى كافة السخريات المألوفة ، التي ما عتمت تطالعنا من بعض الكتاب العرب أمثال محمود السعدني وأحمد رجب وسالم الجسر .. حيث تجيء سخرية هؤلاء خارجة عن الذوق وماسة بالاخلاق حينا ومسفة وسخيفة أحيانا .. وفضلا عن ذلك تكتسب على الدوام الطابع العمي العاجز عن استيعاب المضامين الكبيرة ، في حين يحدث العكس عند النيهوم إذ يشحنها بكل ما يريد أن يقول دفعة واحدة ، دون أن تفقد هذه السخرية عذوبتها ، ودون أن يؤثر ذلك في المضمون أو يحدث ما من شأنه أن يربك ذاكرة القارئ أو يجهده ذهنيا .ثم أن هؤلاء الكتاب المعروفين بسخرياتهم كثيرا ما يقعون فريسة الخلط المريع بين الوسائل والاهداف فيما يعالجونه من قضايا ، إذ تمس النكته هدفا على حين فجأة بدل أن تكون مجرد وسيلة تدعم الفكرة كما هو الحال عند النيهوم .وذلك يحدث - غالبا - نتيجة لاسلوب السخرية ذاته عند هؤلاء ، وقصوره الواضح عن القيان بدوره كما يجب . أما السخرية وروح النكته عند النيهوم فالامر بشأنها مع هؤلاء يختلف اختلافا حادا ظاهرا .. ففي اللحظة التي تبدو فيها نكت هؤلاء سخيفة ومسفة ، تبدو النكته عند النيهوم رفيعة ترقى عن ذلك الاسلوب .. وفي الوقت الذي تظهر فيه السخرية عند هؤلاء داخل نطاق الفكرة متهالكة .. منهارة ، تظهر عند النيهوم متماسكة صلبة مسخرة لخدمة الفكرة بالدرجة الاولى .وفي الحين الذي تبدو فيها عند هؤلاء هدفا فيى حد ذاتها ، تبدو عند النيهوم مجرد وسيلة داخل اطار الفكرة ! ، وإلى جانب ذلك تكتسب ميزة أخرى وهي بساطتها بحيث يفهمها المثقف المتواضع الثقافة بنفس الدرجة من العمق والقوة التي يفهمها بها المثقف الرفيع الثقافة .انها سخرية فريدة تماما تجعلك تضحك حتى تطفح عيناك بالدموع ، وتجعلك تبكي حتى تطفح عيناك بالدموع أيضا ! انها تثير في النفس مشاعر لهل وقع الكابوس أحيانا ، وتبعث أيضا أحاسيس لها صفاء الحليب ونقاؤه ! .انها سخرية مشبعة بروح النكتة الغربية بوسائل غربية ، ولعل هذا هو السبب الذي جعلها تتسم بميسم قائم بذاته يختلف كل الاختلاف عن اضرابها من سخريات بقية الكتاب العرب الذين يحترفون الكتابة الساخرة ، وهذا الطابع الذي يلمسه المرء في كتابات النيهوم يدعم إلى حد بعيد ما قال به الاديب يوسف القويري من أن النيهوم يكتب من خلال نظرة أوربية مطلقة ، وبرغم أن النيهوم يحاول انكار ذلك في تحقيق " الذات والموضوع " ، بيد أن لرأي القويري نصيبا كبيرا من الصحة ! .وبرغم أنه ينبغي دراسة هذه الظاهرة على حدة في كتابات فيلسوفنا الساخر إلا أن المفاضلة بين هذه الظاهرة والظاهرة الأخرى المتمثلة في ذلك النبض الشعري الرفيع الذي أفرد له هذه الدراسة .. هذه المفاضلة لا يجب أن تكون فكل من الظاهرتين لها سمتها البارزة المستقلة .. ولها دورها الفعال ، وتقف بالتالي شامخة قائمة لوحدها ، فلماذا المفاضلة والمقارنة ؟ . والنيهوم - اذن - يستعمل هذا الاسلوب الذي ينبض بابداع الصور الشعرية - كما قال في تحقيق الذات والموضوع - لمواجهة العجز الناتج عن ضيق الكلمة . فيالها من فكرة صارمة دقيقة ؛ هذه التي يحددها الفيلسوف الساخر ، فبرغم رصيده الهائل من الثروة اللغوية المثقلة بالنقش الاوروبي في التعبير - كما اكتشف يوسف القويري - يظل هذا الكاتب العبقري يعاني من العجز في ضيق الكلمة ، وعدم قابليتا للتعبير عن كل الافكار كما ينبغي ! . النيهوم اذن في محنة .. !فهو - كما يقول هو نفسه - يكتب لكي ينقل شيئا يحس به .. وينقله من أقرب طريق ممكن .. فما هو هذا الطريق الاقرب في نظر كاتبنا الساخر ؟ ..أعتقد أنه سؤال هام وخطير ، فيحسن أن نرجىء الاجابة عليه لنرى طبيعة هذا العجز في نطاق الكلمة ووسيلة النيهوم لقهره .. يقول : انني إذا أردت أن أقول شيئا فلا بد أن أقوله .. وإذا أحسست تجاهه بالعجز فإن ذلك يجعلني أصر مرتين على القيام بتنفيذه .. وفي العادة أنا أحقق هذا الهدف ، خلال المحاولات المتسمة بالعناد التي تعلمت أن أقوم بها كي أجعل كل كلمة تؤدي مهمتها بالضبط .. انني أكتب أحيانا المقال الواحد أكثر من عشر مرات كي أجد الزاوية المناسبة للعرض .. وأنا أعتقد أني وجدت تلك الزاوية دائما .أجل لقد وجد هذه الزاوية ؛ بالعناد والحلم ! ، فالحلم - كما يقول - هو مادة الشعر التي تمده بالشجاعة في مواجهة عجز الكلمة وقصورها عن التعبير عن صوفيته وفلسفته .أليس مثيرا ومدهشا أن يكون للنيهوم هذه الثروة اللغوية .. ويبقى يعاني الصراع ضد ضيق الكلمة ، وقصور اللغة ؛ هذه اللغة التي ما عتم يصفها - في كتاباته - بالتواضع ! .وربما كان هذا الاستنتاج مجرد خلط مريع بين قصور الكلمة والعجز الواضح في نظر الكاتب - في اللغة .. بيد أن كلا من المحنتين تلتقيان - في آخر المطاف - في نقطة واحدة .فهل يحدث هذا الضيق في الكلمة حتى في اللغات الاوربية ؟ ؛ أعني هل يقصد النيهوم بضيق الكلمة ذلك الضيق الذهني أم هو مجرد قصور في اللغة ؟ .وأستطيع أن أقرر بحزم أن الذي يعنيه الكاتب هو الذي ظل يواجهه بالحلم المتمثل في ذلك النبض الشعري الحاد .. برغم كل اتهامات النيهوم للغة العربية بالقصور والعجز والتواضع . فإذا كان هذا الضيق هو ضيق ذهني فلا شك أن ذلك يحدث في كل اللغات بما في ذلك اللغات الاوربية .وعلى كل حال فإن هذا السؤال لا يلبث أن يبقى معلقا في الهواء .. في حين نكون قد أجبنا على السؤال الذي طرحناه قبلا .فهل تشكون بعد كل هذا في أن النيهوم لا يكتب الشعر ؟ ! انه - في الواقع - لا يدعي ذلك كما قد يفسر البعض أقواله لي في " الذات والموضوع " ، ولكنه يكتب هذا النثر الرفيع الذي يرتقي بكفاءة مطردة إلى مستوى الشعر الاصيل ، حتى أنه يتجاوز أشعار بعض الشعراء المحدثين أحيانا - من حيث الجودة الفنية - كما لمسنا من المقارنة بين نثره وبين شعر الشاعر اللبناني ابراهيم سلامة ، وثمة الكثير والكثير جدا من النماذج النثرية النفسية الفريدة في نوعها التي تحفل بها كتابات فيلسفونا الساخر يمكن الاستدلال بها في هذا المقام . أجل .. لقد أمسى النيهوم - بنثره - ينافس الشعراء أيضا !

-------------------------------------------------------------------------------------------
زمن ما بعد الرحيل

الكاتب : رشيد اوراز : كتب فى حق الاديب :
ثلاث كلمات وقليل من المنطقالصادق النيهوم وكتابات زمن ما بعد الرحيلكل مرة يكتب فيها الصادق النيهوم – الذي يجب أن نحتفل هذه السنة بالذكرى السبعين لميلاده – يكون ناقدًا؛ هو لا يكتب غير النقد: نقد الدين، نقد التاريخ، نقد الأدب. ونحن نمد يدنا إلى مكتبة النيهوم، سنأخذ كتابًا نقديًّا له لنعرِّف القراء إلى كاتب مفكر بدأنا ننساه بعد اثنتَي عشرة سنة فقط من رحيله. نال الصادق النيهوم من الاتهامات بـ«الاستشراق» و«الإلحاد» ما يكفي لحَمْلِه على مغادرة وطنه العربي، ليغدو مهاجرًا بلا وطن في بلاد الصقيع. وقد استغل كتاباتِه الحزبيون والإيديولوجيون أبشع استغلال. لكنْ... لأن مرحلة الإيديولوجيا العربية بدأت تحتضر، فقد حان الوقت لكي يولد الصادق النيهوم طبيعيًّا من جديد. وقد بدأ فعلاً يمد يده من تحت ركام النسيان والإيديولوجيا، مطالبًا القراء في العالم العربي – القليلين كالعادة – أن يبادلوه التحية بالتحية وأن يعطوه ما يستحق من حضور. تتضمن السلسلة الخامسة من دراسات مكتبة النيهوم، الصادرة عن دار تالة، دراستين نُشِرَتا في صحيفة الحقيقة عامَي 1969 و1970. تحمل الأولى عنوان: «ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة "التراث العربي"»، والثانية: «قليل من المنطق». والسلسلة التي يشرف عليها سالم الكبتي تهدف إلى جمع تراث النيهوم المتناثر في الصحف والدوريات، داخل ليبيا وخارجها. وقد أقدمت الدار على هذا العمل تقديرًا لقيمة الكاتب وعطائه الغزير ونظرًا لما أثارتْه كتاباتُه من أصداء، كما يشار إلى ذلك على ظهر أغلب إصدارات النيهوم. بهذه الخطوة ستصل أسئلة النيهوم ونقده اللاذع أحيانًا إلى أجيال الشباب في الحاضر والمستقبل، وسيُنقَذ من خطر التجاهل والنسيان. الدراسة الأولى: «ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة "التراث العربي"» نقطة البداية عند الصادق النيهوم في هذه الدراسة أن «الإنسان يصل إلى هذا العالم عاريًا وأخرس»! وهي بداية ذكية تُسقِطُ الفوارق التي تصنعها التجارب التاريخية وتقر أن [...] الجماعة هي التي تضع علامتها فوق الإنسان، كما تضعها فوق الماشية، وكما تضعها أيضًا على حدودها الإقليمية، لكي تصون وحدتها وتتجنب الفوضى العامة. يقول النيهوم ذلك بشيء من السخرية، لكنه يضع التراث العربي في حدوده الطبيعية، فيرفع عنه القداسة ويعتبره تجربةً تاريخية. فكل علامة يحملها المواطن العربي فإنما لصيانة الحدود الإقليمية، وليست فريضةً دينية. «التراث العربي – في الدرجة الأولى – مجرد مرحلة عادية في مسيرة الفكر السياسي عبر واقع العالم»، هكذا يقول النيهوم. ولكن عند هذا المستوى كان لا بدَّ أن يضع تعريفًا للتراث العربي بأنه: ما وصل إلينا عبر تجربة العرب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولا يشمل بأي حال شيئًا آخر يخص تعاليم القرآن أو سنَّة الخلفاء الراشدين أو سيرة الحكام الذين عرفهم تاريخنا بين حين وآخر باعتبارهم نقاطًا بيضاء في ثورنا الأسود. يطرح النيهوم في هذه الدراسة سؤالين محوريين: هل تابع التراث العربي آمال الإنسان؟ وماذا نريد أن نصون من التراث العربي؟ يقول: «التراث العربي غَلَبَه النوم أكثر من خمسمائة سنة»: الإنسان العربي المعاصر هو الإنسان الوحيد في العالم الذي ما يزال يعتقد أن المرابط الميت يستطيع أن يخفق لنجدته إذا كسب رضاه بالشموع والنذور، وما يزال قادرًا على أن يحني قامته لكي يقبِّل قبر المرابط دون أن يحسَّ بفجيعة التناقض الفكري. الإنسان العربي المعاصر هو الإنسان الوحيد في العالم الذي ما يزال يشارك الحضارات الوثنية إيمانها بالصراع مع الجنِّ والأرواح الغامضة ووسطاء السحرة وأعمال المشعوذين، وما يزال يلطِّخ عتبة بيته بالحبر الأبيض لكي لا يتسبب في غضب الفتاشة. هذه الصورة تقول في وضوح إن تراثنا لم يتابع آمال الناس. وقد نجح النيهوم في وصف الوضع النفسي للمواطن العربي، فوضع التراث العربي هنا في وضعية محرجة، وضعية لا يستطيع فيها تحمُّل تلك الآمال. على الرغم من هذه الوضعية القاتلة التي يوجد فيها تراثنا، ترتفع أصواتٌ قوية مطالِبةً بصيانته. وهذا ما يهم النيهوم أكثر، وهو ما جعله يكتب عن مشكلة التراث العربي. فالدعوات المتكررة لصيانة التراث جعلت النيهوم ينبش في التراث باحثًا عن مَواطن الحياة. ولما وجد النيهوم تراثنا مملوءًا بالسحرة والمشعوذين، وضعه تحت طائلة النقد والمساءلة، طارحًا سؤالاً مصيريًّا: ماذا يمكن لنا أن «نصون» من هذا التراث؟ صيانة التراث لها تعريفها الخاص عند النيهوم: فالصيانة تعني تنقية ذلك التراث من أخطائه، وليس حفظه فوق رفوف المكتبة وفرضه على أولادنا الصغار بدافع التعصب وحده. هكذا لا يتوقف النيهوم عن إرسال رسائله الخاصة للفقهاء ومثقفي السلطة .. فكلمة «التعصب» في هذه المقولة تتجاوز حدود النص، لتزيل الحجاب عن قضايا بالغة التعقيد تشغل بال النيهوم؛ وقد تكون تلك القضايا السبب الرئيس وراء كتابته هذه الدراسة النقدية التي تُسائل التراثَ العربي وتضع أمامه طريقًا صحية للخروج من المأزق الخطير الذي جعله يراوح مكانه منذ خمسة قرون على الأقل. طريق «الصيانة» (بمعنى النقد) التي اقترحها النيهوم منذ أربعة عقود، لم نسلكها في معالجة مشكلة التراث، ولم نحصِّل الجرأة الكافية لطرح الرؤى النقدية، على الرغم من المحاولات كلِّها، بل بقيت أصوات المحافظة والصيانة (بمعنى التقليد) تعلو أكثر من أيِّ وقت مضى. أما حالة التراث العربي فظلت كما هي: حصيلة قرون كاملة من الانهيار الفكري والتدهور السياسي من الصعب نقدها وتجاوزها خلال بضعة عقود. وفي خاتمة الدراسة الأولى، يذكِّرنا النيهوم جميعًا بأن «الإنسان مازال يواصل المشي دون معونة التراث العربي، فلا تتركوه يذهب بعيدًا جدًّا، وليكن الله معكم». ولحدِّ اليوم، بعد أربعين سنة، يبدوا أننا تركناه فعلاً يذهب بعيدًا، وتركنا النيهوم يضيع وراء كلماته! الدراسة الثانية: «قليل من المنطق» شعار الدراسة الثانية هو: «الطريق المسدود لا يوقف سَيرَك فحسب، بل يرغمك أيضًا على العودة إلى الوراء». ففي هذه الدراسة ينتقد الصادق النيهوم الفقهاء الذين يحاربون الأفكار «المستوردة»، ويدرس بكثير من التفصيل أفكارنا التي نسميها «أصيلة»، فيُرجِعُها إلى مصادرها الجغرافية والتاريخية، لكي يوضح – بكثير من الذكاء – أن هذه الأفكار «الأصيلة» أفكار مستوردة وأن ذلك «حدث في أسوأ الظروف وأكثرها إيغالاً في الحماقة والجبن». نقطة البداية عند النيهوم أن كلمة الفكر المستورد تعني في الواقع أن أحدًا ما في هذا العالم المترامي الأطراف يعبِّئ أفكاره في علب الورق المقوى، ويكتب عليها طريقة الاستعمال، ثم يرسلها إلينا – مثل أقراص الأسپرين – لكي يبتلعها المواطنُ في بنغازي عندما يحس بوجع الرأس. وأنا أعتقد أن هذه الخرافة لا تبدو غير معقولة فحسب، بل إنها أيضًا تبدو بذيئة إلى حدٍّ كاف. ويقدم النيهوم تعقُّد عملية الاقتناع عند الإنسان كعامل فكريٍّ يحد من ذلك: العالم مجرد سوق مفتوحة على الدوام، يرتادها الإنسانُ في جميع العصور وجميع الثقافات لكي يشتري منها ما يحتاج إليه من الثياب والأفكار وفرش الأسنان، ثم يعود بسلَّته إلى «أرض الوطن» ويعمل على تطوير مشترياته لكي تلائم حاجاته أكثر، ريثما تطرأ على السوق بضاعةٌ جديدة. فليس ثمة في العالم «بلد نَبَتَ داخل حدوده، وكل فكرة وجدها الإنسان في طريقه أصبحت ملكًا مشاعًا للإنسان». هكذا يصور النيهوم حركة الأفكار والإنسان في العالم. لكن ما هي الأفكار التي استوردناها؟ ومن أين؟ يحكي الصادق النيهوم تفاصيل ذلك بدقة، فيضعنا في الإطار الجغرافي والتاريخي الذي لا يمكن لنا الفرار منه أبدًا: - فـ«الوشمة الخضراء»، التي تمتد من حافة الفم إلى حافة الذقن، تقليد بربري معروف في شمال إفريقية منذ القدم؛ و - «التكليلة»، دستة الحلقات الفضية، مجرد عادة بربرية أخرى كانت شائعة بين جميع نساء إفريقية، من مذبح عشتارت في قرطاجنة إلى مذبح الساحر المليء بالجماجم البشرية في مراعي زنوج الماساي؛ و - «الدملج»، تلك الدرقة الفضية التي تحيط بزند أمِّنا نصف المقدسة، جاء بدوره من قرطاجنة؛ و - «الجربي» جاء من جزيرة جربة (تونس)، وليس من السماء، وهو صناعة معروفة في قرطاجنة منذ القرن السابع ق م، أحضرها الفينيقيون إلى المنطقة باعتبارها صناعة شائعة بين العائلات؛ و - «الرقعة الفيلاني» (حذاء طويل العنق ترتديه النساء) جاءت من قبائل الفولاني في النيجر. - وبصفة عامة، فالرحى التي بقيت في بلادنا منذ العصر الحجري إلى عباءة أمِّنا نصف المقدسة ومسبحة شيخ المحلة وضريح المرابط وفول عاشوراء ونعجة العيد وليلة الدخلة وعمامة الفقي وشموع النذر وليلة الحنة وذبيحة السبوع ورباط الأرملة ووشمة العروس والرقعة الفيلاني والجنازة بالعروسية والباب الجواني والمربوعة التي لا تدخلها النساء والكلاب – هذا كله جاء إلينا من الخارج، ومثله أيضًا مرتين. ولكن كلمة «من الخارج» لا تعني من السماء، كما يزعم شيخ المحلة في خطبة الجمعة، بل تعني من قرطاجنة، ومن قبائل البربر والزنوج وحضارة مصر الفرعونية، ومن الأتراك العثمانيين الذين اخترعوا وظيفة شيخ المحلَّة بالذات. لكن ما جدوى هذه الدراسة الطويلة لأشياء ثانوية ترتبط غالبًا بالحلي واللباس؟ المشكلة التي يعالجها النيهوم لا تظهر هكذا على سطح الكلمات، بل تظل مخبأةً وتسلك طريقها إلى وعي القارئ في سرية تامة. فالنيهوم يعالج قضيةً دينيةً معقدة، بتشريح البنية الفكرية للإنسان، وخاصة تفكيره في اللباس والحلي. الإنسان الذي يريد أن يتنفس التقوى والورع في تفاصيل حياته اليومية كلِّها، أسقط ذلك على لباسه وحليِّه أيضًا لتنال نوعًا من الشرعية الدينية وتصبح فريضةً بمقتضى الشرع وجزءًا من العقيدة. هذا هو الفخ الذي يريد النيهوم أن ينقذ منه الإنسان، والمسلم بصفة خاصة. فالملابس والحلي التي جاءت من هذه الربوع في تلك الأزمنة أصبحت جزءًا من العقيدة، تستحق أن يقود الفقهاءُ معارك حقيقية من أجلها. حدث ذلك في السبعينيات، حين كتب النيهوم هذه الدراسة، ومازال يحدث إلى اليوم أيضًا. وكلمة «الفكر المستورد» سلاح حاد يلتجئ إليه الفقهاءُ وبعض المثقفين لإسقاط النقد. ولا شك أن ذلك ما استفز النيهوم أكثر ودفعه باحثًا عن أصول أفكارنا. ولا شك أيضًا أنه شخصيًّا تعرَّض لتهديد هذا السلاح، أكثر من مرة، ممَّن يدعون الحفاظ على الأفكار المقدسة للأمة. لكن ما الذي يقع حينما يتعرض النص الديني لتفسير تحريفي يوصف بـ«التفسير الأصيل»، وتُنعَتُ كل محاولة نقدية بـ«الفكر المستورد»؟ آنذاك تحصل الكارثة التي لا يتمنى أحد أن يعيشها، حيث تصبح الحقيقةُ الدينية مؤامرة، ويصبح التحريف واقعًا تعيشه الأمة. ولا شك أن هذا حدث في الديانات كلِّها، ولا شك أننا بتنا نعيشه أيضًا بهذه الصورة المرعبة: فالنص الديني يأتي من السماء لكي يعمل على تغيير ملامح الثقافة السائدة. ولكن المحترفين يقومون بتفسيره عن طريق مفهومات هذه الثقافة نفسها، كما يحاول المرء أن يغسل ثوبه من الوحل بمزيد من الوحل. بهذه العبارة يختصر النيهوم كثيرًا من الكلام يمكن قوله عن النص الديني ومأزق التأويل والتفسير. خلاصة القول عن هاتين الدراستين، وكمحاولة نقدية على هامش النص الأساسي، إن ما يسميه النيهوم هنا «أفكارًا» ليست «أفكارًا». وتلك فكرة مهمة ارتأينا الحديث عنها في خاتمة هذه القراءة، لا بدايتها، حفاظًا على الروح الأصلية للنصين. فعبارتَي «التراث العربي» و«الفكر المستورد» ترتبطان، عندنا نحن اليوم، بالفكر والثقافة والدين أكثر مما ترتبطان بما حدَّده النيهوم من حلي وملابس وأشياء أخرى. لكن النيهوم كان ينتقد الفقهاء؛ والفقهاء كانوا ينعتون طريقة اللباس الحديثة بـ«الفكر المستورد» – وهي معركة دخلها السياسيون أيضًا من طينة مصطفى أتاتورك الذي حاول تغيير أفكار الأتراك من تغيير طريقة لباسهم. وفي هذا المستوى من الجدل القائم في العالم الإسلامي بين التقليد والتحديث، نقبل أفكار الصادق النيهوم كشعاع من الضوء انساب من بين آلاف الأحاديث والجدالات حول مواضيع عقيمة رسَّختْ ثقافةَ النقاشات الحادة بين الأحزاب والإيديولوجيات المتعاقبة في العالم الإسلامي حول مواضيع لا تستحق أيَّ نقاش يذكر. هاتان المقالتان تشكِّلان تأريخًا لمعركة دخلها العالم الإسلامي منذ فجر القرن العشرين، ولا يزال مستمرًّا فيها وفي تحصيل العواقب الوخيمة لعدم حسمها المبكر .
------------------------------------------------------------------------------------------
الى الاديب الراحل

كتب د محمد قصيبات (إلى الأديب الليبي الراحل الصادق النيهوم)
[1]
في الريح ِ ، في الغاباتِ في المطر المجلل بالسواد .. ما زلت ُ أذكرشجرة َ التنوب في رقصاتها تحت القمر .. وهي تمطر هكذا وسط الفراغ .. بلا نهاية .. مازلتُ أذكر… في خفايا موته .. الونَ الرماد
[2
الى أين أنت ِيا ابنة الحطاب .. ذاهبة ؟ إلى أين الرحيل ؟ أراك كا لأقمار في .. كبد السماء ، كماالنجوم .. تتطايرين… فتعالي .. واسمعي الأوراق تسقط في الفراغ .. بلانهاية
[3]
أخذ الصغارمن وجهي المولود شكلا ً للبراءة .. وبدأت .. عمري من جديد .. كالأرض ، كالأعشاب .. ما زلت ُ أخرج من ثياب قصائدي .. لكن لأينتمر أنفاسُ النهار ؟ ولأي أرض ٍ تستقر الشمسُ والهمسات .. والظلُُّ العليل؟ كيف تأتي سعادتي؟
[4]
اكبرالسؤال .. لكنهم لم يطفئواالمصباحَ في قلبِ الإجابة
[5]
ما زلت ُ ، في الميدان ِ ، أسمع ُ ما تقول .. عقارب ُ الساعات ِ للظلِّ وللموتى المشاة .. ما زلت ُ ، في الطرقاتِ ،أسمعها تقولْ .. تيك تاك …قد مرّ الزمان .. تيك تاك … قد فات الأوان
[6]
ما زلت ُ أبصر في المكا ن .. في وجه جدتنا التي كانت على طرقاتنا .. في اللا زمان .. تمضي كما المطر البطيء إلى البحيرة .. فيزيد في أحشائناخوف التجاعيد البريئة .. خوف الزمان
[7]
ما زلت ُ أبصرجدتي ، وسط التلال .. وهي تنصت للرياح من الشروق .. إلى الغروب .. ما زلت ُأسمع .. صوتَها عبر الليال .. ما زلت ُ أذكر أنها ، وسط البحيرة ِفي انتظاركانت كماالطرقات .. وكما القبور
[8]
ما زلت ُأبحث ُ عنك َ… يا درب الله

---------------------------------------------------------------------------------------------
صوت كسر الصمت

الكاتب المغربى : عبدا لله هداري كتب يقول :
صوت كسر الصمت وقلم فضح زور الثقافة " بور تريه متحيز"أعتذر للنيهوم …..ليت سماء الكتابة تصفو أمامي لأكتب عن كاتب أنحني أمام قلمه في كل مرة أقرأ أحد مقالاته…. في كل مواجهة بيننا يعيد النيهوم تحطيم كل أوهامي، ويأخذني لعوالم من الأسئلة والقلاقل نجاتي منها مستحيلة. الكتابة عن اسم كهذا، ضرب من السحر ورمي لنرد نقاطه ممحوه. مثقف أبى أن يوصف بالمثقف، وقلم تزود لأفكاره من عمق معانة أيامه، تبعثر ليلم معاني يمكن أن تكتب، شك في كل ما تلقفته فطرته الأولى، ونبش في دواخل ثقافة مهترئة، جرد نفسه لمهمة التيه، وحزم أغراضه موقنا أن رحلته ستبدأ من بنغازي لتنتهي عند آخر سطر سيكتبه، شخصية جمعت شقاء الفلاسفة وروح العامل البسيط، وقلم تسلح بالرأي والألم والحب والأدب والفلسفة والدين وكل ما جادت به صروف الحضارة، وتاريخ الإنسانية المرير.هكذا وجدتني أمام بداية عرض لفيلم ليس له مخرج، اسمه نيهوم ضد النيهوم، مثل فيه ممثلون كبار أمثال " إسلام ضد الإسلام" "الإسلام في الأسر" "محنة ثقافة مزورة" " من مكة إلى هنا" " فرسان بلا معركة" " أسئلة" " صوت الناس"، وغيرهم من الممثلين الذين لا أجد متسعا لذكرهم … فيلم مهووس بنقد المعرفة، ونقد واقعه البئيس، مهووس بالفضح، فضح ثقافة الفقهاء المستهزئة بآلامنا وما صرنا إليه، وفضح يوتوبيا ماركس وأوهام لينين، وفضح أوحال الليبرالية… فيلم نقض أغزالا ظنت أنها ارتسفت في آخر صورها قوة، فيلم شيع رسميا ثقافة سميت بالعالمة وأعطاها الفيلم اسم الفتق، فكانت فتقا أدخل علينا رياحا ولججا من الخنوع والتوقف والخرف.آمن النيهوم بالفكرة، فلبى ندائها وسار متعقبا أثرها، وعندما التفت وجد نفسه وحيدا فعرف أن ذلك قدره، لقد وجد نفسه متبعا إنسانيته. حاول أن يجعل من ذاته ملحمة لمعارف مختلفة، ولهذا كتب في النقد الأدبي، ونظر في الفكر، وانتقد المعرفة الدينية… وكتب الرواية، واهتم بأوضاع بلده وأوضاع شيء يسمى الأمة… هكذا عاش النيهوم لحظات عمره القصيره .

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

عن أزمة "لم تكن لازمة ": طريق غير سالكة إلى دراسة لم تكتمل !! (*)

بقلم: سالم الكبتي


--------------------------------------------------------------------------------



عام 1937، كانت بنغازي القابعة شرق ليبيا فوق بقايا مدينتي (بوسبيريدس) و(برنيق) الإغريقيتين.. مدينة صغيرة تلوح حدودها القريبة للرائي على مرمى حجر، وتمتلئ دروبها بأضرحة الأولياء والمرابطين، وتنام مثل غيرها من المدن الليبية تحت عين المحتل الإيطالي وتمضي الأيام فيها بتثاقل ورتابة.. على حين كانت حرب الحبشة مشتعلة ووقودها ـ في الغالب ـ شباب من مختلف مناطق ليبيا.. وبوادر الحرب العالمية الثانية ستلتهب في أفق العالم بعد عامين.

في ذلك العام حيث هطل المطر غزيراً بلا انقطاع وفاض الموسم.. في تلك المدينة سيولد الصادق النيهوم، مثل أي طفل ليبـي، في بيت قديم للعائلة بسوق الحشيش.. الحي الصغير الذي يجاوره في مسافة قريبة منه أحد معسكرات الجيش الإيطالي، وتصبُّ فيه أزقة وطرقات أخرى.. تتقاطع وتلتقي، وسترحل والدته إلى العالم الآخر بعد أسبوع من ولادته، وسينشأ من بعدُ لدى أخواله آل الصنهاجي في حي آخر بعيد (سيدي حسين) الذي عزلته السلطات الإيطالية مع بقية الضواحي عن المدينة وجعلت بينهما بوابة وجنداً مدججين بالسلاح حتى بلوغه الثامنة (عام 1945م) فيعود صوب والده رجب عبدالرحمن النيهوم.. البحار والتاجر والنقابي المدافع عن حقوق العمال. وبعد ثلاثين عاماً من الولادة (1967م) سيغدو هذا النيهوم كاتباً بارزاً على صفحات (الحقيقة) يطوّر من أسلوب المقالة السائد في الحياة الأدبية الليبية ويطرق موضوعات كانت أبوابها مغلقة ويثير الغبار من حوله وينشر دراسة لم تكتمل عن (الرمز في القرآن).

• إطلالة على الواقع:

كان النيهوم صاحب موهبة كبيرة، وهو من جيل ليبـي اعترت ظروفه وحياته زوايا معتمة من الفقر والجوع والحاجة البائسة، ونشأ في أعوام ما بعد الحرب العالمية الثانية التي ألقت بظلالها على العالم بأسره وأحدثت خلاله تبدلات كبيرة في السياسة والاقتصاد والفكر والثقافة والفن، وقد امتدّت هذه الظلال إلى مساحات قصيرة من الدنيا، من بينها ليبيا، موطن النيهوم، البلد المجدور الوجه من أثر الاحتلال والحرب، الممتد بين البحر والصحراء قبل تفجر النفط من تحت رماله الهائلة.

كانت تلك الأعوام بأيامها ولياليها الطوال نقطة (مفصلية) في حياة ليبيا والليبيين، وكان معظم أفراد الجيل الذي عايشها واكتوى بلظاها وألغامها يتعطش إلى مستقبل آمن، وإلى الحرية وإلى المعرفة ويشتاق إلى الاقتراب من مصادر الثقافات الأخرى والاحتكاك بها، ولقد اصطفَّ جلّ هؤلاء الأفراد في طوابير عديدة وبملابس رثة وحقائب صدئة من مخلفات عتاد الحرب أمام مبانٍ عتيقة في المدن والقرى ليتلقوا الدروس في فصولها الرطبة من معلمين ليبيين ومصريين كانوا ـ ذلك الزمن ـ مثالاً في العطاء النادر والتضحية.

كانت البلاد ـ في مجملها ـ وبحكم الواقع القاهر والصعب تعاني من فراغ موحش في كل شيء، أهمّه: (الفراغ الفكري والثقافي)، رغم المحاولات التي أبداها بعض الرجال فيما تواجدت المصادر لاحقاً وتنوّعت بمرور الوقت أمام أعين الكثيرين من ذلك الجيل، خاصة في بنغازي: مكتبة بوقعيقيص، مكتبة بوزقيه، مكتبة حماد، لجوء ثلاثة مصريين من جماعة الإخوان المسلمين إلى بنغازي، المركز الثقافي المصري، والأمريكي، وصالة المطالعة البريطانية، المكتبة المتجولة، دور السينما، الأساتذة الرواد في الجامعة الليبية بعد تأسيسها في بنغازي أواخر عام 1955م ومواسمها الثقافية المتوهجة ، ناشطو العمل الأهلي في المدينة من أصحاب الدور الفاعل في التطوع من خلال المدارس الشعبية والليلية لمحو الأمية وتعليم الكبار ونشر الوعي بين الناس (كان النيهوم هنا من الشباب الذين تطوعوا للتعليم في تلك الفصول وهو مايزال طالباً في المرحلة الثانوية)، وبدأ الفراغ يضيق إلى حد لا يخطئه البصر بانتشار المؤسسات التعليمية التي اهتمت بها الدولة الناشئة، وتوافد مزيد من المعلمين العرب والأجانب، ودخول الفتيات على الخط الذي كان (أحمرَ) في نيل حظهن من المعرفة والتنوير.

النيهوم، وفقاً لهذا الواقع، مع نفر من جيله كان متشبعاً بهذه المصادر، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وبالقراءة المستمرة، والواضح أنه بثقافته واطّلاعه تجاوز آفاق المجتمع (المحافظ)، وهذا التجاوز أو الاجتياز حدث منه بثقة كاملة.. فاصطدم معه لكنه لم يتعالَ عليه !

هذه الآفاق التي شكّلت قوام المجتمع من عادات وتقاليد وثقافة موروثة يتم الدفاع عنها بشراسة، جعلت النيهوم، ومن في عمره، يتأثرون بما تحصلوا عليه من قراءات وما اكتسبوه من معرفة ـ حتى وإن كانت محدودة ـ ويتطلعون منها وهم في حماسة الشباب وعنفوانه إلى المزيد مما هو مدهش ـ في رأيهم ـ ومعاصر إلى أبعاد أخرى أكثر إشراقاً ودون التخلي عن الجذور والأصول. كانت تلك بداية خطوة للنيهوم وجيله نحو الخروج من إطار صلب، من العسير اختراقه، تحدّد في (معرفة) كانت رائجة وواضحة المعالم (ثقافة وخبرة الفقي البسيط) الذي يعلّم الصبيان بإمكانيات مشوّشة توارثها بلا وعي، ثقافة كان الدين فيها مغطى بستار كثيف من الخرافات والأساطير وظلت تعتقد في المزارات والأضرحة والبيارق الملونة التي تعلو قبابها وتعتبر أن عصا وفلقة ذلك الفقي هبطتا من الجنة وتؤمن بالتبرك بأنواع معينة من الشجر والطيور والثعابين والراية البيضاء التي تعلّق على بيت الذاهب إلى الحج حتى عودته والحلف بالمرابطين وإيقاد الشموع والبخور وكتابة الأحجبة والتمائم.. وغيرها من عادات ترسخت في المجتمع بإرادته أو من دونها، وكان الدين العظيم بجلاله ومهابته خارجها ولا يمتّ لها بصلة، وظل الناس آنئذ في ليبيا وفي بعض البلدان المتاخمة من الرجال والنساء يجزمون بصحتها وقداستها ويشعرون إزاءها بالخوف والعجز، إلى أبعد مدى، اتّقاء للعنة تحلّ عليهم بسببها، ويتصدون لجميع محاولات الانتقاص من (قدرها). كانت ثقافة متخلفة ألحقت بالمجتمعات الإسلامية وغذّتها عصور الانحطاط، وربما أسهم في تشجيعها المحتلون الأجانب الذين كانوا يريدون أن يبقى الإسلام (بلدياً) على هذا النحو! إن هذا المخزون (البدائي) تراكم بحدة في أعماق النيهوم وظل حبيساً لديه يستدعيه من ذاكرته إلى كتاباته المختلفة على الدوام بالرغم من حدوث التطور في المفاهيم والعادات، والفكر والمعرفة، وفي أوجه الحياة اليومية في المجتمع الليبـي، ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن (الفقي البسيط المتواضع القدرات) لا يمثل الصورة الأخرى لكثير من الفقهاء والعلماء الليبيين المتنورين الذين عرفتهم أجيال عديدة من أبنائها، فأولئك كان لهم شأن آخر مختلف على مدى الزمن !. كان طبيعياً أن ينشأ عن ذلك المخزون الحاصل في الصدور اصطدام واختلاف كبيرين، وهو في الحقيقة ليس (اصطداماً.. وفقط) وإنما مثّل في سياقه صراعاً جليّاً بين ثقافتين، وعالمين، وجيلين:

بين ثقافة جديدة، ومعرفة متجددة وصلت وانهمرت بكل الطرق والوسائل وتغلغلت في (المجتمع المحافظ) ولابد أن تؤثر فيه.. وثقافة قديمة عجزت في بعض جوانبها عن تقديم الدين كما أراده الله، ولم تخرج عن فهمها لجوهره وسماحته وعظمته بمنأى عن الإطار الصلد للخرافة والأسطورة.

بين عالم حديث ومعاصر لا يمكن أن تعيش الخرافة فيه باسم الدين، بدأ يظهر بتطوره وتقنيته ومعارفه ووسائله المذهلة.. بما فيه من علماء دين ممتازين.. وآخر موغل في التخلف لم يستطع الصحو من غفوته أو الفكاك من أسر الإطار الذي وضع فيه نفسه.

بين جيل متوثب طموح يتقدّ سرعةً وقوةً ونشاطاً مع الأيام ولديه الرغبة في الإصلاح والتغيير وأخذ مكانه في المجتمع مع الآخرين.. حتى وإن كانت له أخطاؤه وسلبياته ومشاكله.. وجيل، أو بقايا جيل، إقناعه بتغيير ما يعتقده ويجزم به ولا يروم عنه قيد أنملة، رغم نضج بعض جوانب تجربته في الحياة ، أمر شاق للغاية.

كان (الاصطدام) بثقافة الفقي البسيط هو حاصل كل ذلك.. ونتيجة طبيعية لثقافة أخرى مغايرة وتأثيرات لما كان يسود المنطقة والعالم الضاجّ بالحركة والتفاعل كل لحظة، وبدا هذا الاصطدام أكثر وضوحاً، وبشكل مبكر لدى النيهوم منذ ذهابه للدراسة العليا في أوروبا، وبالتحديد ألمانيا الغربية أواخر عام 1962م، وتأثره الجديد والمباشر بالحياة هناك وإقامته وسط الجامعات ومصادر الثقافة والمراجع والمشاهدة بعينيه دون أن يحكي له أحد عن ذلك أو يأتيه مترجماً، كما في بنغازي، من بيروت ودمشق والقاهرة. لقد لامس العالم مباشرة ودون وسيط.. وعاش (الصدمة) منذ اللحظة الأولى للوصول.

في حوار أُجري معه وأُذيع في أحد برامج الإذاعة الليبية صيف 1968م حول (الفقي) و(ظاهرة التداوي والتماس الشفاء لدى ممن يسمون فقهاء) وجد النيهوم الفرصة للقول بأنها: "ليست نوعاً من الذكاء، وأنها ظاهرة تاريخية ذات جذور تتأصل في الحضارة إلى ما يقرب من سبعة آلاف عام، وليس من المتوقع على الإطلاق أن يقفز فوقها أحد المجتمعات.. هكذا ببساطة وفي لحظة واحدة..) وأشار إلى أن: "أوروبا عاشت فترتها الثقافية المتأخرة خلال العصور الوسطى، والمرء عندما يراجع التاريخ الأوروبي، خاصة بين القرن السابع الميلادي وبين القرن السادس عشر، لابد أن يصطدم بمظاهر التأخر الثقافي التي تمثلت أيضاً في تبني العلاج بالنصوص الدينية وبنصوص السحر.."، ثم لاحظ في حواره بأن: "الفقيه خصوصاً ـ الفقيه الليبـي ـ الذي يعيش على بيع الأحجبة مخلوق فقير ومتخلف ولا يمكن أن يوصف بالذكاء" مؤكداً ـ مادامت الفرصة متاحة ـ على أن "الإسلام دين الإنسان وليس دين الفقي، وأن الدين ليس مهنة، الدين الإسلامي بالذات لا يعترف بالمهنة الدينية، الدين ملك للإنسان والقرب من الله مقياسه التقوى".

إذاً، لخّص النيهوم موقفه من الفقي الذي كان يلوح له قويّاً في غربته من بين شخصيات ومعالم المجتمع ويصاحبه في كل ما يكتب، وكأنه موضوعه الوحيد أو شغله الشاغل، ملمحاً ـ ربما ـ من طرف خفي، وإن لم يعلنه صراحةً بأن مناقشة الموضوعات الدينية في الإسلام من حق الجميع وليست حكراً على أحد دون آخر. النيهوم بذلك كان يدرك أنه يواجه (شيئاً مقدّساً) و(سلطة في المجتمع) ممثلة في (الفقي) ولا أحد سواه !

• الطريق إلى الرمز:

في كل هذه الدوائر المتقاطعة كان النيهوم نتاجاً لمرحلة محلية بما فيها من فقر وتأخر وطموح وحلم، ثم خارجية بما تحتويه من حرية وتقدّم وانطلاق، وكان لابد من أن تساوره ظنون ويعتريه قلق وتملؤه تساؤلات واهتمامات هي في الأصل، كما أسلفنا، حبيسة صدره منذ الطفولة وعبر معايشته لظروف ومعتقدات المجتمع من خلال ثقافة الفقي، وهو ـ في الواقع ـ قبل سفره لأول مرة من بنغازي للدراسة لم يعبر عن هذه الآراء والأفكار كتابةً، لكنه نشر بضعة مقالات في صحيفة العمل ببنغازي أواخر عام 1958م ومطلع عام 1959م وكان طالباً بالسنة الثانية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، وهي مقالات تعتمد على الإنشاء وكانت بسيطة في مضمونها تنحو باتجاه نقد المجتمع وتعتمد على الوصف وأسلوب الوعظ والإرشاد، وكان يتصدرها اسمه دون لقب (صادق)، ولعل آراؤه الحبيسة كانت تأخذ طابعاً مغايراً في مناقشاته وأسماره في جلسات الأصدقاء، أو محاوراته مع أساتذته في الثانوية والجامعة، وإن لم تكن كثيرة. كان النيهوم وفقاً لما يذكره مجايلوه في تلك المرحلة (متمرداً) و(ساخراً) من ثقافة مجتمعه وبعض عاداته التي تتكئ على الدين البريء منها بالطبع.

وبهذا كانت (الثقافة الكبيرة) التي امتاز بها، و(التمرد) و(السخرية) اللتان عُرف بهما أولى الخطوات على الطريق إلى الرمز.. الذي شابه بعض خداع البصر !

• إطلالة ثانية.. لكنها ضرورية:

في أعوام الخمسينيات من القرن العشرين شهدت صحف بنغازي كتابات ونقاشات بين مجموعة من المشايخ تلازمت مع خطب الجمعة فوق منابر المساجد ، كان أشهرها ما دار بين الشيخين محمد الصفراني وأحمد بازامة حول (ذبيحة أهل الكتاب) و(دعاء ليلة النصف من شعبان) بين الشيخ محمد الصفراني ـ مرة ثانية ـ والشيخ عبدالسلام بن عمران في درنة ، وهذه المحاورات والكتابات لم يألفها الناس بهذه الصورة وعلى الصحف إلاَّ نادراً، وكان فيها أوجه خلاف واتفاق، مع الانتقاد الشخصي لأطراف التحاور، ثم علم الناس من خلال صحيفة (طرابلس الغرب) بالحملة الكبيرة من الخطب والمقالات التي قام بها الشيخ عبدالحميد شاهين، أحد علماء الأزهر المصريين وكان مديراً لمعهد القويري الديني في مصراته، على البهائية التي نشطت في الشرق تلك الأعوام، وانتهت بصدور كتابه عنها بعنوان (البهائية.. كفر وإلحاد فاحذروها)، كانت هذه المناقشات العلنية تحريكاً لساكن في كل الأحوال !

غير أن أكثر الكتابات ضراوة بدت من خلال الشعر عندما نشر الشاعر خالد زغبية الطالب بقسم اللغة العربية وزميل النيهوم في السنة نفسها ، قصيدته الشهيرة (بلادنا) في صحيفة (فزان) في عددها الصادر يوم 11/11/1958م. كان زغبية آنئذ أحد أصوات الحركة الشعرية الجديدة في ليبيا التي تأثرت في بداياتها بقصائد عبدالوهاب البياتي، ونزار قباني، وبدر شاكر السياب.. وغيرهم، وكان ينشر قصائده في صحف بنغازي وطرابلس، لكنه آثر نشر تلك القصيدة في صحيفة تصدر في جنوب البلاد بمدينة سبها، وقد قوبلت بسخط من بعض المشايخ ورجال الدين الذين اعتبروها موجهة لهم. في جزء من القصيدة قال زغبية:

(بلادنا عريقة
تاريخها مسطور في الصدور
وفي جماجم المخضرمين
ذوي العمائم البيضاء واللحى المرسله
أولئك الذين يهرفون بما لا يعرفون
وينفقون أعمارهم هباء في الصلاة
لكي تقيهم جهنم الحمراء
ويقطنون صوامع علياء
وفيها يحلمون بالجنة الفيحاء)(*)

كانت القصيدة ساخنة ولاذعة واستوجبت ردّاً شعرياً عنيفاً من أحد طلبة معهد (أحمد باشا الديني) في طرابلس هو الطالب عبدالمولى البغدادي (الأستاذ الدكتور لاحقاً) نشره في صحيفة (الزمان) الصادرة ببنغازي يوم 1 يناير 1959م، على نسق عمودي ورد فيها:



ولم ينتهِ التحاور شعراً عند هذا الحد إذ سارع زغبية بالرد بقصيدة عمودية أيضاً نشرها في صحيفة (العمل) الصادرة ببنغازي يوم 7 يناير 1959م أسماها (الراهب الشيطان) وقد تصادف أن نشر زميله الصادق النيهوم ـ الذي ظل بعيداً عن الشعر.. والمعركة ـ مقالةً في هذا العدد باسم (التافهون) تناول فيه موضوعاً اجتماعياً عن المرأة العاملة في مصنع للنسيج في بنغازي، وصدّر زغبية قصيدته الطويلة بقوله: "إلى دعاة التردد والهزيمة، إلى دعاة التزمت والرجعية، إلى الذين يتسترون بالدين ويتكسبون منه، إلى الذين شوهوا الشريعة السمحاء، وهي منهم براء ...إلخ"، وفي بعض منها:




... إلى آخر القصيدة، التي فوجئ بها المجتمع وسببت مع سابقتها (بلادنا) مشكلة للطالب خالد زغبية مع القضاء، وقارب أن يفصل على إثرها من الدراسة في الجامعة، لكن تدخل بعض أساتذته المصريين أطفأ نار المشكلة داخل الجامعة بتوسطهم لتسوية الأمر مع مدير الجامعة. كان أولئك الأساتذة عايشوا آثار المعارك الفكرية في القاهرة التي دامت وقتاً طويلاً لعلي عبدالرازق وطه حسين وعباس العقاد ومصطفى الرافعي.. وغيرهم في موضوعات تتعلق بالإسلام، واعتبروا أن ما حدث علامة صحة في المجتمع.. لا علامة ضعف ومرض !

في هذا المشهد كان النيهوم صامتاً.. يراقب من بعيد، لم يشارك في هذه (المعارك) أو (المحاورات). وكانت بدايته الأولى في الكتابة مقالة عن التاريخ نشرها وهو طالب بالسنة الأخيرة من المرحلة الثانوية عام 1957م في مجلة المدرسة ببنغازي.. ثم لينشر دراسة (الرمز في القرآن) عام 1967م، عشر سنوات كاملة بين الخطوة الأولى وبين تلك الدراسة، شهدت التحاقه بالجامعة وبعض الكتابات الخجولة قي صحيفة العمل، وتخرجه صيف 1961م، وإيفاده للدراسة العليا في فقه اللغة العربية بألمانيا ومصر، ثم إقامته في هلسنكي بفنلندة (كاتباً محترفاً) في صحيفة الحقيقة ببنغازي.

• الصورة عام 1967م:

نشر النيهوم أول مقالاته في الحقيقة في أول أعدادها اليومية في مارس 1966م بمقالة عنوانها (هذه تجربتي أنا ) ختمها بقوله: "أرجو ألا ينسى أحد أن ما أقوله في الأيام القادمة يعني بكل إخلاص ثلاث كلمات فقط (هذه تجربتي أنا).. ولكل منا الحق في أن يقول تجربته على نحو ما"، ثم بدراسته عن (الكلمة والصورة) و(الحديث عن المرأة والديانات) إضافة إلى بعض القصص والحكايات وترجمة ما ينشر في الصحف الأوروبية، ومقالاته الاجتماعية التي ظلت (تناكف) العادات والتقاليد وتنقدها في سخرية واضحة، ثم بدراسته المطولة عن ديوان (الذي يأتي ولا يأتي) للبياتي وكان قد صدر حديثاً مستلهماً فيه الثورة والصوفية وحياة الشاعر عمر الخيام، ووصل النيهوم إلى مواجهة مباشرة لأول مرة مع رجال الدين في مقالته (من أكل القديد؟) والتي تناول فيها أضاحي العيد وفكرة توفير الإنفاق بصددها من الناحية الاقتصادية، فكان الحاصل (ردّاً خفيفاً) من الجامعة الإسلامية نشر في مجلتها (الهدى الإسلامي) وصحيفة الحقيقة، وحين كتب النيهوم كل هذه المقالات والدراسات شعر القراء بالدهشة على مختلف مستوياتهم، فقد أتاحت لهم الاتصال بالمجتمعات الغربية من خلال ترجماته عن الحياة ومظاهرها هناك ، كما وفرت براحاً واسعاً للتعرف على البياتي والفيتوري ونزار قباني وقضايا التخلف والتنمية ومشكلة المرأة وموضوعات الفكر والفن... وغيرها. كان النيهوم يعرف بالضبط (ماذا يريد القارئ) فعرض بضاعته فوق الرصيف في وقت اشتهر فيه محلياً وبقياس كبير ودون أن يعرف القراء العرب شيئاً مما يدور على هذا المستوى في الداخل.. لكنهم فطنوا إليه في وقت متأخر !

وكان أيضاً للنيهوم أن يثير حوله الجدل فيختلف معه كثيرون ، ويتفق معه آخرون، ويشعر سواهما بالحساسية أو الغيرة أو الإعجاب بعاطفة تجاه ما ينشره، وهو مخاض كان من الطبيعي أن يبرز ويلوح في ذلك الوقت، وربما كان مخطئاً ـ بحسن نية بالطبع ـ من اعتقد أن النيهوم صاحب أسلوب رائع فقط، ولم يكن صاحب فكرة تلحّ على خاطره باتصال سواء كانت على صواب أم تعثرت في الطريق.

واستمر النيهوم بلا توقف (فغامر) بإرسال حلقات (الرمز في القرآن) وهي دراسة في سلسلة مقالات شرع في كتابتها منذ عامين سابقين (1965م) لتنشر على مدى أسابيع في شهري يوليو وسبتمبر 1967م ثم توقف عند الحلقة السابعة، ويلاحظ أن الأمر نفسه فعله مع روايته (من مكة إلى هنا) التي كتبها عام 1965م ونشرها بعد خمس سنوات في الحقيقة عام 1970م وصدرت في كتاب عدة طبعات.

والواقع أن (الرمز في القرآن) لم يكن موضوعاً عجيباً أو غريباً بتلك الدرجة التي تستأهل التهويل والمبالغة، لكن الغريب فيها أن نشرها وما تداعى عنها من ردود وحوارات جريئة من النيهوم الذي أصرّ على (رأيه الخاطئ !) ـ وتراجع عنه بعد فترة ـ أُنجز في ظروف اجتماعية محافظة وتقليدية.. وكأن شيئاً لم يحدث أو يسترعي الانتباه فيما أعيدت بقية الحلقات التي لم تنشر إليه في هلسنكي.

كانت الصورة في بنغازي، وليبيا عموماً، عام 1967م متنوعة: ظهرت نعمة النفط على البعض، وازدادت المشروعات والإنفاقات، وظلت الحقيقة تصدر يومياً وبشكل متطور في الألوان والإخراج والطباعة والتوزيع ووصلت إلى مختلف المناطق في ليبيا، وكان النيهوم فارسها المجلّي، وكان ثمة معارك أدبية تنشأ حول قضايا الشعر والفن في صفحاتها، وكان طلبة الجامعة الليبية في بداية العام يعتصمون مطالبين بتكوين اتحادهم وظلوا هكذا أياماً ولياليَ في وسط الشارع أمامها دون أن تمسّهم السلطة بسوء، وحضر نزار قباني ليقيم أمسية شهيرة في حديقة كلية الآداب، ثم عبدالوهاب البياتي ومحمد الفيتوري بدعوة من الحقيقة التي كانت في ذلك العام أيضاً أول صحيفة ليبية وثاني صحيفة عربية تبدأ في التقاط صور لأحداث العالم بالراديو وتنشرها في عدد اليوم التالي، وظل الشباب متأثراً بأغاني عبدالحليم حافظ وفرقة الخنافس (البتلز) وملابس (الآرو)، واشتعل الموقف أواخر مايو بإغلاق مضيق تيران ليصل إلى نكسة الأيام الستة في يونيو وتضيع ثلاث أراضٍ عربية في خبطة واحدة، وتأثرت ليبيا فتداعت بالسهر والحمى وانفجرت المظاهرات في مدينتي طرابلس وبنغازي، واندلعت الحرائق بهما، وصار الأفق كله رماداً أسودَ، وفرض حظر التجول، وتوقف ضخ النفط إلى دول الغرب، وظلت الأناشيد الحماسية تلعلع وتصدح، واعتـُقِلَت مجموعة من الشباب المنضوين لحركة القوميين العرب وحُوكِموا في قضية اشتهرت باسم (106) وهو عددهم الإجمالي، وخرج نزار على المسرح العربي بقصيدته (هوامش على دفتر النكسة) والبياتي بأخرى عنوانها (الحمل الكاذب)، واستمرّ المواطن الليبـي، في مدنه وقراه، تشدّه مع أذنيه إذاعة صوت العرب وذكريات أحمد سعيد وخطب عبدالناصر وراديو لندن.. يتابع منهما نشرات الأخبار وآخر الأغاني وقول على قول لحسن الكرمي، والسياسة بين السائل والمجيب. كان الراديو يومئذ هو معقد الرجاء والأمل، والانتصارات والهزائم تأتي من خلال موجاته، وكان الاستماع إليه في الحوانيت أو البيوت أو السيارات مع رشفات الشاي والقهوة وأنفاس السجائر من الأشياء اللازمة والمحببة ، وكأنها لحظة تجلٍّ رومانسية !

في أجواء هذه الصورة المتنوعة لذلك العام وما تحمله من مشاهد وألوان نشرت دراسة (الرمز في القرآن) ثم توقفت: لصدمة (المجتمع المحافظ) الذي لم يتعود على هذه الجراءة بهذا الشكل من قبل، وعدم الاقتناع الكامل بما ورد فيها، وكذا لتعرض الفقهاء الذين لم يكن النيهوم على وفاق معهم، بالنقد الحاد لها وتوجيه (اللعنات ) من بعضهم من على منابر المساجد، ولوقوف الجامعة الإسلامية منها موقفاً شديداً تطلّب إيقافها عن النشر فيما أعدت ردّاً في كتيب صغير بلغ (11) صفحة رقنت على الآلة الكاتبة ووزع في نطاق محدود وكررت الجامعة نشره على مدى حلقات في أعداد من صحيفة (طرابلس الغرب) إضافةً إلى ردود أخرى لم يسلم النيهوم من هجومها ـ وإن بصورة غير مباشرة ـ وفي جانب آخر لاقت الدراسة، التي لم تكتمل، رغم أخبار الحرب وظروف الطوارئ ومواجز الأنباء في لندن والقاهرة ، الكثير من النقاش في المنتديات وأماكن العمل وأوساط المثقفين وطلاب الجامعة.. وكلهم في الواقع لم يتفقوا مع النيهوم فيما ورد في دراسته، وأشاروا إلى أنه تسرّع.. ولم يضبط أموره جيداً !

ورغم أن المجتمع برمّته في ليبيا مايزال محافظاً ـ مع التطور الذي يلحظه ـ وحدوث الصدمة المفاجئة من تفسير النيهوم في بعض حلقات الدراسة لما يتعلق بالسيدة مريم وابنها عيسى المسيح عليهما السلام، فإن النيهوم لم (يُضطهد) أو يمنع من الكتابة، ولم تصادر بقية مقالاته، ولم يمنع من دخول بلاده أو زيارتها متى أراد، ولم يسحب منه جواز سفره أو يوضع اسمه في (القائمة السوداء)، بل واختير عضواً في وفود أدبية ليبية للمشاركة في مؤتمرات وندوات في الداخل والخارج. كان هناك هامش واسع من الحرية وإبداء الرأي في هذا الموضوع ولم تتدخل أجهزة الدولة السياسية أو الأمنية بأي شكل من الأشكال.

لقد ظل (الفقي البسيط) هو قضية النيهوم، كما سبقت الإشارة، خاصة بعد توقف نشر الدراسة، وفي تصوّره أن (رجل الدين) في الإسلام غير معترف به، فاستمر يحارب هذه (الحرفة) ـ وإن لم تكن موجهة للفقي بطريقة مباشرة ـ ولكن من خلال نقده لنظام الكنيسة والقساوسة في الغرب، ولعل ذلك لم يُعطِ مبرراً معقولاً للنيهوم أو حجة في أحقيته لتفسير القرآن بالطريقة التي (تسرّع) فيها أثناء دراسة الرمز في القرآن.. فجاءت غائمة.. ومشوشة.. ومليئة بالأخطاء الكبيرة وسط مجتمع محافظ يستحيل معه قبول رأي مخالف في شيء مقدّس وبسهولة.. ومع ذلك، بعد هدوء الأمور، عاد النيهوم إلى التمسك بآرائه والمناداة بها علانية في حوارات أُجريت معه ونُشرت دون حذف أو مصادرة في مجلة (الإذاعة الليبية) ثم صحيفة (الرائد).. وهو أمر راكم السابق مع اللاحق، وحصلت بشأنه ردود ومناقشات في بعضها قسوة.

• مراسلات حول الدراسة:

وصل النيهوم إلى قناعة مؤدّاها: نفض يديه من مواصلة الدراسة، والرد على ما وصله أو علم به من مناقشات وتعقيبات، واكتفى من الغنيمة بالإياب، مؤثراً السلامة، فأرسل إلى صديقه رشاد الهوني أواخر عام 1967م قائلاً: "...أريد أن أشكرك هنا.. وأشكر الأستاذ محمد على موقفكما الواعي تجاه رد الجامعة الإسلامية الذي بدا في النهاية مجرد شتم عادي لا يليق بسمعة أحد. وقد كان بودي لو أتيحت لي فرصة النقاش بصورة أفضل، فأنا لا أريد أن أشام الفقهاء، ولا أتمنى أن أتورط في شجار مع أحباء الله. وقد انتابني الألم كثيراً أمام تصرف الجامعة. فالقرآن ليس ملكاً للشيخ المدهش الذي يدعوني ـ فوق صحيفة حكومية ـ دودة تنخر في عظام الأمة، والمسؤولون في ليبيا إذ يسمحون بارتكاب هذه التفاهات في وضح النهار، إنما يضعون عنق ليبيا البائسة تحت مقصلة حقيقية من أظافر الرجال الجهلة، ويفقدون أحسن أصدقائهم".

وانتهى في خاتمة رسالته إلى "إذا تقرر أن نلتقي فأرجو أن تحضر لي معك كل حلقات دراسة الرمز في القرآن التي نشرت والتي لم تنشر، وأحضر لي أيضاً المقالات التي يبدو أنكم قررتم عدم نشرها، فأنا أريد أن أقرأها مرة أخرى على ضوء تجربتي الحالية".

ويبدو أن النيهوم هنا ، كان يود استمرار النقاش (بصورة أفضل) كما أشار، ولكن مسؤولي الصحيفة قرروا الاكتفاء بما حدث والتوقف عند هذا الحد لأنهم أدركوا أن النقاش في الموضوع لن يكون (أفضل)، وثمة إشارة أخرى تفيد باستعداد النيهوم لإعادة قراءة ما كتبه، وربما إعادة النظر فيه، على ضوء ما حدث.. فهل وقع ذلك حقّاً من النيهوم.. أم ضرب صفحاً عن ذلك، ولو أن بعض الدلالات تفيد بأن دراسته التي نشرها عام 1969م بعنوان (العودة المحزنة إلى البحر) فيها عودة من خلال بعض حلقاتها إلى الرمز في القرآن ولكن بطريقة أخرى.. وخالية من الأخطاء !

وقد أعاد تكرار طلبه بإعادة الحلقات، إذ لم يلتقِ برشاد الهوني وكان مقرراً أن يتم ذلك في القاهرة، فأرسل هذه المرة إلى صديقه خليفة الفاخري برسالة طويلة يوم 11/1/1968م ذكر فيها: ".. المهمة الثانية يا صديقي خليفة أن تطلب من رشاد أو أخيه محمد كل أجزاء دراستي عن الرمز في القرآن التي نُشرت والتي لم تُنشر وتبعثها لي هنا بالبريد العاجل فأنا أعدّ هذه الدراسة لمؤتمر المستشرقين في ميونيخ ولابد أن أفرغ منها".

والواضح أن خليفة اتصل برشاد وعرض عليه كلام النيهوم، ويبدو أن ثمة نقاشاً حدث بينهما حول تداعيات الدراسة وغبارها الذي مايزال عالقاً في الجو، ونقل ذلك في رسالة سريعة رد عليها النيهوم من هلسنكي في 20/2/1968م جاء فيها قوله: ".. وقال لك أن رد الجامعة الإسلامية يفيد أنني استقيت دراسة الرمز في القرآن من كتاب مستشرق ألماني، وأنا أملك نص الرد هنا، وليس به شيء من هذا القبيل، فالفقي الذي شتمني على جريدة العلم، لم يستطع أن يلصق بي تهمة السرقة على الأقل".

وأيضاً قوله: ".. أما دراستي فهي عمل لغوي في الدرجة الأولى، والمستشرقون الألمان عاجزون عن إفادتي في هذا الاتجاه عجزاً مطلقاً.. إنها عرق، عمل عظيم صنعته بيدي ولن يستطيع الفقهاء والمستشرقون ورشاد الهوني أن يبدّلوا هذه الحقيقة. وإذا أُتيحت لي الفرصة فسوف أقدم لجيل ما، تفسيراً متكاملاً للقرآن، تفسيراً يأتي بعد أربعة عشر قرناً من رجل نصف ميت، ويكتشف الحقيقة كلها "!!.

وتوقف الموضوع ـ القضية عند هذا القدر من الرسائل بين الأصدقاء الثلاثة، ودون أن يتصل به القراء مباشرة أو يعرفوا عنه شيئاً آنذاك، وعلى ما يبدو فإن الدراسة وصلت لاحقاً إلى النيهوم في هلسنكي واحتفظ بها ، وقد يكون نشرها (بأربع لغات أخرى) غير العربية، كما ورد في حواره مع الهتكي في (الرائد) بعد عام من تلك الرسائل، ولكن: أين ومتى وكيف ؟ فذلك ما لم يفسره النيهوم أو يفصح عنه ، مع ملاحظة عدم وجود ما يؤكد ـ حتى الآن ـ حضوره أو مشاركته في مؤتمر المستشرقين بميونيخ وتقديمه للدراسة في أيٍّ من جلساته، وأيضاً ما يؤيد تحقيق فرصته أو تفكيره في تقديم (تفسير متكامل) للقرآن وهل أن ذلك يقتصر على (الرمز في القرآن) فقط.. أم سيكون (شاملاً)، ويُستفاد من هذه الإشارة في رسالته لخليفة الفاخري أنه: (بصدد) أو (على وشك) إعادة النظر في دراسته (السابقة والمتعجّلة) على ضوء ما نتج عن نشرها من تداعيات وما حدث فيه من (خلل) أو (قصور).

• ... وحوارات أكثر جرأة:

في تداعيات موالية ـ كآثار الزلزال البعيد ـ وبعد هدوء (عاصفة الرمز) حضر النيهوم لزيارة بنغازي صيف 1968م وقضى بها أياماً أجرى فيها معه سليمان كشلاف حواراً نشره في مجلة (الإذاعة والتليفزيون) التي تصدر عن جهة رسمية هي وزارة الإعلام والثقافة..

كان ذلك أول حوار صحفي يتم مع النيهوم ويُنشر داخل ليبيا، وفيه أجاب عن أسئلة حول الرمز في القرآن بعد عام من نشر الدراسة، وأخرى تتصل بالسيد المسيح عليه السلام، ورغم ما أبداه من آراء اتّسمت بالجرأة أيضاً إلاَّ أن المجلة وما تكلّم به النيهوم خلالها مرّا مروراً عابراً ودون أن يستدعي أي نقاش أو (تكفير) أو ردود بشأنه على مستوى رجال الدين أو القراء، ولعل الأسباب تعود إلى محدودية توزيع المجلة وانتشارها، أو اقتصارها على فئة معينة من القراء بعكس الصحف اليومية، سواء كانت حكومية أم خاصة، (كانت المجلة تصدر مرتين في الشهر)، وأكد النيهوم في هذا الحوار استعداده لإعادة نشر دراسة الرمز في القرآن على صفحاتها مع تحميلها ما ينتج من متاعب !

وكانت تلك فرصة أولى للنيهوم للتوسع فيما عجز عن الإفصاح به في تلك الدراسة، ثم عاد ثانية في سبتمبر 1968م ليشارك في المؤتمر الأول للأدباء والكتّاب الليبيين الذي عُقِدَ في طرابلس، وقد تعرّف عليه أغلبهم للمرة الأولى، وأجرى معه محمود الهتكي مقابلة إذاعية عن (الفقي) والتداوي بالأحجبة مؤكداً، كما سبقت الإشارة، عدم وجود هذه المهنة في الدين الإسلامي ولم يحدث تجاه ما أدلى به وعبر إذاعة (الدولة) على مدى ساعة كاملة تقريباً أية (مشكلة) أو (رد فعل) ومضت هذه المقابلة بسلام كما مضى حوار كشلاف، والاثنان: الحوار والمقابلة تـمَّا من خلال الإذاعة مقروءة ومسموعة !

هذا (السلام) ظل إلى مارس 1969م بعودة النيهوم إلى طرابلس مشاركاً في عضوية الوفد الليبـي في مؤتمر أدباء وكتّاب المغرب العربي، وألقى فيه بحثاً بعنوان (نقاش مشاكلنا)، صرّح فيه منذ البداية بأن "الثقافات المتخلفة في المنطقة هي في الواقع أسوأ ما يستطيع أن يواجهنا، وأسوأ ما يواجه الآخرين أيضاً. إنها نوع من القهر الثقافي الذي تمارسه الكتلة على الفرد ويتضاءل بجانبه أي عمل للمقاومة" وألمح إلى أننا "في ليبيا نواجه هذه المشكلة، نحن مازلنا نتعلم الكتابة، ولكننا بدأنا نواجه منذ الآن ضغطاً مباشراً من التيار الفكري المقابل الذي يجره المجتمع وراءه عبر محنته الثقافية، فالوعي غير الكامل لا يستطيع أن يعتمد على قدرته في النقاش المتّزن، ولا يستطيع أيضاً أن يقبل شيئاً بجانبه، إنه يرد دائماً بعنف غير متوقع، ويجعل محاولة إحداث التغيير أكثر صعوبة من التغيير نفسه...".

وبدا أن النيهوم في بحثه المطوّل الذي ألقاه أمام رفاقه (المغاربيين) يطرح همّه الخاص.. فوجد في ذلك فرصة مواتية لمزيد من القول عن الرجل الليبـي الذي تجاوز الستين من عمره، بأنه "حشا رأسه بأقوال الفقي التركي الذي يبيع له المعرفة في الجامع مقابل ثلاث بيضات في الأسبوع، ثم جلس فوق النطع بقية حياته بكي يضع كل ذنوبه فوق عاتق الشيطان، ويعلّق أحلامه في إصبع القدر ويستهلك ما ينتجه أولاده في انتظار الذهاب إلى الجنة، فإذا قرر ذات يوم أن يتخذ موقفاً تجاه مجتمعه فإن موقفه في الغالب مجرد رفض متعمد مقام على التهديد بالجحيم وغضب الله أيضاً كأن الجحيم مجرد مكان معدّ للناس السيئي الحظ الذين لم تتح لهم فرصة الولادة في عصر الفقي التركي".

وبالطبع كان النيهوم لا يقصد أي (فقي تركي).. فالرمز كانت لعبته المفضلة، مشيراً ـ أيضاً بلا رمز ـ إلى أن "الناس في شوارعنا لا يحتملون وخزات النقد، دون أن يفقدوا صبرهم نتيجة الحساسية المفرطة التي تتسم بها أية ثقافة غير ناضجة. والمرء يستطيع بالطبع أن يغمض عينيه ويقدر أن يجرب حظه في تأدية واجب النقد الشجاع، ولكنه بالتأكيد لن يكون بوسعه أن يواصل إغلاق عينيه عندما يفاجأ في اليوم التالي بأنه قد وقع فريسة المقالات النارية التي يتبرع بها المرتزقة للدفاع عن أي شيء. إنه يستطيع أن ينهض في الصباح ويكتشف أنه جاسوس صهيوني، أو ابن عاهرة سكير مليء بالفضائح أو عدو لدينه ووطنه ، فليس ثمة حد على الإطلاق لمجموعة الشتائم المملّة التي يستطيع المرء أن يتعرض لها إذا قرر ذات يوم أن يقول شيئاً يؤمن به".

وهنا ظل النيهوم متمّترساً وراء (موضوعه) بحزمة أخرى من الكلمات فواصل قائلاً: "نحن لدينا القرآن، لدينا النص السماوي الوحيد في العالم الذي يمكن الوثوق بكل كلمة فيه، ولدينا نتائج هائلة من الدراسات الحديثة التي تصلنا بلا انقطاع من كل الاتجاهات، ونحن نزمع أن نجعل هذا الكتاب العظيم نصب أعيننا في تحديد مواضيع النقاش. فليس ثمة كاتب ليبـي واحد لا يستشعر هذه الحاجة إلى تحديد معالم الطريق، ولكن دراساتنا لابد أن تؤدي دورها في تقديم الجيل التالي إلى مكانه في العالم المفتوح".

ثم أسهب في التفاصيل بقوله: "... فالدراسات الدينية لا علاقة لها بالتشريع السماوي، والمرء لا يستطيع أن يقبل إبقاء الباب مفتوحاً بحجة الفقهاء وحدهم ، فالدين ليس مهنة لأحد. إنه علاقة بين الله وبين إنسان من خلقه تخرج عن اختصاص الفقي، ونحن نملك القرآن ، نملك النص السماوي الوحيد الذي وصل إلى العالم كاملاً فإذا استطعنا أن ننقله إليه بأمانة، وإذا لم نفقد إيماننا بأنفسنا ، فأنا أتوقع أن نساهم في إيجاد جسر أكثر متانة بين إنسان هذا العصر ـ الذي فقد إيمانه في الرومانتيكية الدينية ـ وبين الله..".

ثم انتقل للمقارنة دفاعاً عن تلك التفاصيل: ".. فالمسيحية خسرت معركتها لأنها كانت تحارب عقل الإنسان. لقد ظلت تمطره بالخرافات عن القديسين وأنصاف القديسين، وظلت تمتهن عقله بقصائد الشعر المعقدة وبيع الأماكن الشاغرة في الجنة حتى اعتراه الملل ذات يوم وقرر أن يذهب إلى الجحيم. إننا هنا لابد أن نتجنب هذا الفخ، فالإسلام لا يضع نفسه في طريق العقل البشري الباحث عن المعرفة. وليس من مصلحة أحد أن يحاول أن يضعه هناك، لأن ذلك في نهاية المطاف مجرد عمل ضد إرادة الله، ومادام الله يريدنا أن نعرف، فمن يستطيع أن يحرمنا من هذه المنحة دون أن يتعرض للخسارة".

بهذا البحث الذي نُشر بعد انتهاء المؤتمر في عددين من صحيفة الحقيقة، نقل النيهوم معركته إلى (ساحة خارجية) ليست بعيدة عن ليبيا ودون أن يطرحها في تقريرية مباشرة، متخذاً من ذلك جسراً يشير من فوقه إلى (التخلف الفكري) الذي يسود المنطقة العربية بكاملها، وبلا استثناء، فهو عندما كان يقول (نحن) فإنه يعني مواطنيه الليبيين في الدرجة الأولى، وفي وجهها الآخر يعني (نحن العرب) جميعاً ، فكلنا في (الهم شرق)، وكان يغمز من الاستبداد الذي شهدته المنطقة بنوعيه السياسي والديني !

وبدا النيهوم أيضاً في هذه الجزئية الطويلة من بحثه (المغاربي) مثل صوفي، في حلقة ممتلئة بالمريدين، والمهم أنه ـ بذكاء ـ سرّب (موضوعه الخاص) بشكل ما.. ودون أن يشوب كلامه أي لبس أو تشويش أو سوء فهم، لكن هذا البحث والحديث بانطلاق في المؤتمر الذي شهدته قائمة (البرلمان الليبـي) لم يكن كافياً أيضاً بالنسبة للنيهوم الذس تمنى عليه الكثيرون ـ في مرحلة تالية ـ وهم متابعوه وأصدقاؤه أن يدع موضوعة (الدين) جانباً وينصرف إلى اهتماماته وكتاباته التي أجادها في الدراسات الأدبية، والنقد، والقضايا الاجتماعية.. فذلك أجدى له.

• فما الذي حدث على هامش حضوره للمؤتمر ؟

جلس ثانية في حوار آخر أجراه محمود الهتكي ليجيب عن أسئلة أعادت (الرمز في القرآن) على السطح من جديد وأفاض النيهوم في أجابته.. ولم يقصّر.. تناول ـ هنا ـ بصورة صريحة ومكشوفة موضوع كفالة السيدة مريم وولادة ابنها السيد المسيح ومعجزاته مستنداً ـ كما قال في المؤتمر بالضبط ـ على أن الدراسات الدينية ليست ملكاً للفقهاء وحدهم.

وانفجرت الردود والمناقشات هذه المرة.. انفجرت أكثر من المرة السابقة فلم يعد ما قاله النيهوم (يحتمل السكوت) وفتحت صحيفة (الرائد) ـ التي نشرت الحوار ـ الباب واسعاً للمزيد، وتباينت تلك الردود والآراء بين المثقفين ورجال الدين.. فبعضها كان قاسياً لأن ما صرح به النيهوم كان قاسياً وصادماً أيضاً، وبعضها هادئاً، وبعضها كان محايداً أو خجولاً، وكان أطولها رد المحامي إبراهيم الغويل الذي استثناه النيهوم في حوار آخر من عدم (امتلاك القدرة على النقاش)..

على أن العجيب في الأمر، كما لوحظ في حينه ، بأن بعض الردود ـ على شدّتها ـ لم تتهم النيهوم بالكفر أو ترميه بالزندقة والإلحاد، ولم تطالب بتقديمه للمحاكمة، ولم يتبرع أحد بالدعوة إلى إهدار دمه وإقامة الحدّ عليه!

ومن المنطقي ـ بعد مضي أربعين عاماً أو يزيد ـ على تلك المحاورات والنقاشات أن يشعر المرء بذهول إزاء هذا (الموقف العجيب) الذي شهده المجتمع الليبـي، وربما لم يحدث في مجتمعات عربية أخرى، آنئذ، بالصورة نفسها، أو لم يتكرر لاحقاً في واقع ـ غير الواقع الليبـي ـ وفي ظروف أضحى العالم فيها أكثر تقدماً وانفتاحاً و(قرية صغيرة) بفضل الاتصالات والفضائيات .. واقع ـ رغم ذلك ـ يخالف في بعض جوانبه ثبات وخلود وروعة (الجدال بالتي هي أحسن) التي نادى بها القرآن الكريم.

لقد سبق النيهوم بدراسته عن الرمز في القرآن وبجرأته في حواراته بشأنها الكثيرين في تلك الفترة، خاصة خارج ليبيا، ولم يسمع أحد من القراء أو المثقفين العرب ـ كباراً وصغاراً ـ عن الأجواء المتاحة التي دار فيها النقاش بلا عسف من السلطة أو من الرقابة.. مقارنة بما حدث ـ على سبيل المثال ـ لصادق العظم وكتابه (نقد الفكر الديني) الذي قدّم بسببه للمحاكمة في بيروت رغم الاختلاف الكبير بين المجتمعين الليبـي واللبناني.. الأكثر حرية وانفتاحاً وانطلاقاً !

ذلك لم يحدث للنيهوم الذي صودرت كتبه الثلاثة في لبنان بعد وفاته بشهرين وهي: (صوت الناس ـ إسلام في الأسر ـ إسلام ضد الإسلام) والتي تولت نشرها (دار لبنانية) قد قصدت هنا تكرار تأكيد (ما لم يحدث للنيهوم) بعد نشر الدراسة التي لم تكتمل والحوارات حينها، مقارنة بالموقفين في بنغازي ـ طرابلس وبيروت بالرغم من حساسية ما تجرأ على قوله والتصريح به، أكثر من مرة، في حرية تامة، وهو شيء فاصل ومهم يُحسب للدولة الليبية المحافظة، وصحافتها التي تحملت مسؤولية النشر ومن دون أية خسائر تذكر !

النيهوم الآن في ذمة الله والتاريخ. ولاشك أنه حاول من حيث كان يعتقد أنه (صحيح) وتعثر في طريق لم تكن سالكة، لكن الموضوع ـ شئنا أم لم نشأ ـ حرّك ساكناً.. وأثار جدلاً .. وشدّاً وجذباً الحياة الفكرية العربية المعاصرة تفتقر إليه.. وتظل مشدودة ببصرها نحوه، وفي صفحات هذا الكتاب ذكر ما جرى عندنا في ليبيا خلال (1967 ـ 1969م) ولم يكن لقراء العرب أو (النخب العربية المثقفة) على صلة به، وقد مضت أربعة عقود، حدث فيها ما حدث وعرف النيهوم لاحقاً خارج وطنه.. دون أن يُعرف ثمة شيء عن بعض معاركه الفكرية أو (عثراته) قبل ذلك.

إن هذه الصفحات تصب في خانة (التاريخ) ولا شيء غيره. ولا يقصد بها الدفاع عن النيهوم أو الانحياز للردود، أو رغبة في نشر الغبار من جديد، فالموضوع انتهى في حينه.. وبقي أن يستفيد من توثيقه وعرضه ـ بطريقة أو بأخرى ـ المتابعون لمثل هذه القضايا والموضوعات الفكرية.. والمحبون للتأمل والمقارنة.. واستدعاء التاريخ، بعد أن ظلت حبيسة أرشيفي الخاص لفترة من الأعوام.

وأود الإشارة إلى أنني لم أتدخل فيما ورد سوى بوضع التعليقات في الهوامش والإحالات والتعريف بالأعلام أو الموضوعات ذات الصلة وأفدت من ذلك سواء مما توافر لي على مستوى شخصي أو من عديد المصادر (كالموسوعة العربية الميسرة والقاموس الإسلامي والموسوعة العربية العالمية وبعض مواقع شبكة المعلومات)، رأيت أن ذلك أمر ضروري يغطي الصورة كما حدثت.. ويلقي الأضواء للقارئ عن طريق لم تكن سالكة أبداً أمام النيهوم.






آخر صورة للنيهوم (لم تنشر من قبل) أخذت له في بنغازي أمام فندق تبيستي مع صديقه

احمد عبيده فى أكتوبر 1993 عندما حضر أيام مآتم صديقه المرحوم (رشاد الهوني).






--------------------------------------------------------------------------------

(*) ـ مقدّمة لكتاب (الصادق النيهوم والرمز في القرآن.. الدراسة، الحوارات، الردود)، أعدَّه الكاتب وسيصدر في الفترة القادمة في بيروت، يشتمل على الدراسة والحوارات مع النيهوم حولها ، وردود جملة من المثقفين الليبيين والعرب مرفقة بمجموعة من الوثائق عن الفترة التي شهدتها أجواء الدراسة والتعقيبات خلال (1967 ـ 1969م). وتم اهداء الكتاب الى: (الصحافة الليبية التى نشرت الدراسة والحوارات والردود بكل حرية).


(*) ـ نشر زغبية القصيدة مع تغييرات طفيفة ضمن ديوانه الأول ( السور الكبير ) الذي صدر في طبعته الأولى عن دار النشر الليبية ـ طرابلس ، يوليو 1964م ، وتمت مصادرته آنذاك .