14‏/10‏/2008

طرائف الساسة

طرائف الساسة

شدرات من التراث الثقافى العربي . تنبىء في جانب منها عن آليات العلاقة بين الراعي والرعية ( الحاكم والمحكوم ) تاريخيا .، وعن حقيقة وجود ذلك السند الذي يبحث عنه المواطن العربي ( والمثقف بوجه خاص ) في تراثه كي يحضى بدور الريادة أو التأثير في القرار السياسي وهو يعول على قوة الرآى العام في ضبط آليات العلاقة .

طرائف الساسة :

خطب الحجاج بن يوسف ذات يوم جمعة ، فلما توسط كلامه سمع تكبيرا عاليا من ناحية السوق ، فقطع خطبته التى كان فيها ، ثم قال : يا أهل العراق ، ويا أهل الشقاق ،.. إني لأسمع تكبيرا ما يراد الله به ، إنما يراد به الشيطان ، وإن مثلى ومثلكم قول إبن براقة الهمدانى :
وكنت إذا قوم رمونى رميتهم
فهل أنا فى ذا يا آل همدان ظالم
متى تجمع القلب الذكى وصارما
وأنفا حميا تجتنبك المظالم
ثم نزل فصلى بهم .



-2 -

قال رجل لمعاوية : والله لقد بايعتك وأنا كاره . فقال معاوية : قد جعل الله فى الكره خيرا كثيرا .

_ 3 _

قال عبدالله بن محمد بن أبى عيينة ، معاتبا ذا اليمينيين ،بعد عزله له عن ولاية اليمامة والبحرين وغوص البحر :
من مبلغ عنى الامير رسالة
محصورة عندى عن الإنشادى
كل المصائب قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الحساد
وأظن لى منها لديك خبيئة
ستكون عند الزاد آخر زاد

مالى أرى أمرى لديك كانه
من ثقله طود من الاطواد
وأراك ترجيه وتمضى غيره
فى ساعة الاصدار والايراد
الله يعلم ما أتيتك زائرا
من ضيق ذات يد وضيق بلاد
لكن أتيتك زائرا لك راجيا
بك رتبة الآباء والاجداد
بارت مسارعتى إليك بطاعتى
كل البوار وآذنت بكساد
في الأرض منفسح ورزق واسع
لى عنك فى غورى وفى أنجاد

وقال ايضا يعاتبه :
وكنت أرى ترك العتاب
خيرا وأجدر أن لا يضيرا
الى أن ظننت بأن قد ظننت
بأنى لنفسى أرضى الحقيرا
فأضمرت النفس فى وهمها
من الهم هما يكد الضميرا
ولابد للماء فى مرجل
على النار موقدة أن يفورا
ومن أشرب اليأس كان الغنى
ومن أشرب الحرص كان الفقيرا
علام وفيما أرى طاعتى
لديك ونصرى لك الدهر بورا

ومن عجيب شعره :
ألم تعلم بان القتل ورد
لنا كالماء حين صفا وطابا
وقلت لها قرى وتقى بقولى
كأنك قد قرأت به كتابا
فقد جاء الكتاب به فقولى
ألا لا تعدم الرآى الصوابا
جلبنا الخيل من بغداد شعثا
عوابس تحمل الاسد الغضابا
بكل فتى أغر مهلبى
تخال بضوء صورته شهابا
ومن قحطان كل أخى حفاظ
إذا يدعى لنائبة أجابا
_ 4 _

قال محمد بن يزيد : بلغنى أن الرشيد لما ضرب أبالعتاهية وحبسه ، وكّل به صاحب خبر يكتب إليه بكل ما يسمعه . فكتب إليه أنه سمعه ينشد :
أما والله إن الظلم لؤم وما زال المسىء هو الظلوم
الى ديان يوم الدين نمضى وعند الله تجتمع الخصوم
قال: فبكى الرشيد، وأمر بإحضار أبى العتاهية وإطلاقه ، وأمر له بألفى دينار .




_ 5 _

الأمير على بن عيسى بن جعفر قال : كنت فى دار الرشيد ، فرأيت أبا العتاهية ينشد والناس حوله :

يا بنى الإسلام فيكم ملك
جامع الإسلام عنه يفترق
لم يزل هارون خير كله
قتل الشر به يوم خلق

فقلت لبعض الهاشميين : أما ترى إعجاب الناس بشعر هذا الرجل ؟ فقال : يا بنى ، إن الأعناق لتقطع دون هذا الطبع .


_ 6 _

يروى أن معاوية بن أبى سفيان لما نصّب يزيد لولاية العهد أقعده فى قبة حمراء ، فجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون الى يزيد ، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع الى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين ، أعلم أنك إن لم توّل هذا أمور المسلمين لأضعتها ، والأحنف جالس . فقال له معاوية : ما بالك لا تقول يا أبا بحر ؟ فقال : أخاف الله إن كذبت ، وأخافكم إن صدقت . فقال : جزاك الله عن الطاعة خيرا ، وأمر له بالوف .



_ 7 _

قال أحد الملوك لبعض وزرائه : ما خير ما يرزقه العبد ؟ قال : عقل يعيش به . قال : فإن عدمه ؟ قال : فأدب يتحلى به . قال : فإن عدمه . قال : فمال يستره . قال : فإن عدمه ؟ قال : فصاعقة تحرقه فتريح منه العباد والبلاد .




_ 8 _

الوزير المهلبى أبو الحسن بن محمد الأزدى .. وزير معز الدولة بن بويه .. كان قبل إتصاله بمعز الدولة فى شدة عظيمة من الضرورة والضائقة .. فقال إرتجالا :

ألا موت يباع فأشتريه
فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا موت لذيذ الطعم يأتى
يخلصنى من العيش الكريه
إذا أبصرت قبرا من بعيد
وددت بأننى مما يليه
ألا رحم المهيمن نفس حر
تصّدق بالوفاة على أخيه


وكان معه رفيق ، فلما سمع الأبيات أطعمه وتفارقا ، وتنقلت بالمهلبى الاحوال وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة ، وضاقت الأحوال برفيقه فى السفر . وبلغه وزارة المهلبى فقصده وكتب إليه :
ألا قل للوزير فدته نفسى
مقالة مذكر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضنك عيش
ألا موت يباع فأشتريه

فلما وقف عليها تذكر، وهزته أريحية الكرم ، فأمر له فى الحال بسبعمائة درهم ، ووقع على ظهر الرقعة ( مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ) . ودعى به ، وقلده عملا يرتفق به .

_ 9 _

الحاجب المنصور محمد بن أبى عامر ، مؤسس الدولة العامرية بالأندلس ، روى عنه أحد اترابه ويدعى موسى بن عزرون :
أجتمعنا يوما فى متنزه لنا بجهة الناعورة بقرطبة ، ومعنا إبن أبى عامر ، وهو فى حداثته ، وإبن عمه عمر بن عسقلاجة ، والكاتب إبن المارعزى ، ورجل يعرف بإبن الحسن من جهة مالقة ، وكانت معنا سفرة فيها طعام . فقال المنصور : لابد لى أن أملك الأندلس ، وأقود العسكر ، وينفد حكمى فيها ! ونحن نضحك منه ، ونهزأ به . وقال تمنوا عليّ ! فقال إبن عمه : نتمنى أن نتولى المدينة ، وقال إبن المارعزى : نتمنى أن نتولى السوق ، وقال إبن الحسن : أتتمنى أن تولينى القضاء بجهتى ، فإنى أحب الثين ، حتى أتشفى من أكل الثين ! . قال : تمنى أنت ، فأسمعته كلاما قبيحا ، فلم يك أن صار الملك إليه ، فولى إبن عمه المدينة وبلغه أمله ، وولى إبن المارعزى السوق ،وكتب لإبن الحسن بالقضاء عساه أن يشبع من الثين ، وأرغمنى أنا مالا عظيما أجحفنى وأفقرنى لقبيح ما جئت به .





_ 10 _

الحاجب جعفر بن عثمان المصحفى ، كان أول خصوم المنصور بن أبى عامر ، وعده المنصور عثرة فى طريقه الى الملك . فانتهز فرصة العداء الذى نشأ بين المصحفى والصقالبة عقب مقتل المغيرة بن عبدالرحمان ، وأوغر صدر الخليفة عليه ، فأمر بعزله وزجه فى السجن . وكان المصحفى شاعرا ، فاخد يستعطف المنصور :

هبنى أسأت فأين العفو والكرم
إذ قادنى نحوك الإدعان والندم
يا خير من مدت الأيدى إليه أما
ترثى لشيخ نعاه عندك القلم
بالغت فى السخط فأصفح صفح مقتدرا
إن الملوك إذا ما أسترحموا رحموا

غير أن المنصورلم يلتفت إليه ، و مبالغة فى إذلاله كان يأخذه معه فى مواكبه مكبلا بالحديد ، ولبت المصحفى فى السجن آمدا ثم قتل خنقا .


_ 11_

المأمون وقد جلس يوما للمظالم ، فكان أخر من تقدم إليه – وقد هم بالقيام – إمرأة عليها هيئة السفر ، وعليها ثياب رثة ، فوقفت بين يديه فقالت :السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . فنظر الى يحي بن أكثم . فقال يحي : وعليك السلام يا أمة الله ، تكلمى بحاجتك . فقالت :
يا خير منتصف يهدى له الرشد
ويا إمام به قد أشرق البلد
تشكو اليك – عميد القوم – أرملة
عدى عليها فلم يترك لها سبد
وأبتز منى ضياعى بعد منعتها
ظلما وفرق منى الأهل والولد
فأطرق المأمون حينا ، ثم رفع رأسه إليها وهو يقول :

فى دون ما قلت زال الصبر والجلد
عنى وأقرح منى القلب والكبد
هذا أذن العصر فأنصرفى
وأحضرى الخصم فى اليوم الذى أعد
فالمجلس السبت – إن لم يقض الجلوس لنا
ننصفك منه – وإلا المجلس الاحد

فلما كان يوم الأحد جلس ، فكان أول من تقدم إليه تلك المرأة ، .. قال أين الخصم ؟ فقالت : الواقف على رأسك – وأومأت الى العباس إبنه – فقال يا احمد بن أبى خالد ، خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم . فجعل كلامها يعلو كلام العباس . فقال لها احمد بن أبى خالد : يا أمة الله إنك بين يدى أمير المؤمنين ، وإنك تكلمين الأميـــر ، فأخفضى من صوتك ، فقال المأمون : دعها يا احمد فإن الحق أنطقـها والباطل أخرسـه . ثم أمر برد ضيعتها إلـيها ، وظلم العباس بظلمه لـها ، وأمر بالكتاب لها الى العامل الذى ببلدهـا يوغـر لها ضيعتها ويحسن معاونتها ، وأمر لها بنفقة .


_ 2 1 _

قال عبد الملك بن عمر بن عبدالعزيز لأبيه عمر : يا أبت ، مالك لا تنفد فى الامور ؟ فوالله لا أبالى فى الحق لو غلت بى وبك القدور . فقال له : لا تعجل يا بنــى ، فإن الله تعـالى ذم الخمر فى القرآن مرتين وحرمهـا ثالثة ، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه وتكون فتنة .
_ 13_

قال زياد : ما غلبنى أمير المؤمنين معاوية فى شـئ من الســياسـة إلا مرة واحدة ، أسـتعملت رجلا فكســر خراجه ، فخشـى أن أعاقبه ففر إليه وأسـتجار به فأمنه . فكتبت إليه : إن هذا أدب سـوأ من قبلى . فكـتب إليّ : إنه لا ينبغى أن نسـوس الناس سـياسة واحدة ، لا نلين جميعا فتمرح الناس فى المعصية ، ولا نشـتد جميعا فنحمل الناس على المـهالك ، ولكن تكون أنت للشــدة والغلظة ، وأكون أنا للرأفة والرحمة .

_ 14_

مر عمر (رضى الله عنه ) ببنيان يبنى بآجر وجص فقال : لمن هذه ؟ قيل : لعاملك على البحرين . فقال : أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها . فأرسل إليه فشاطره ماله .


_ 15_

قال أبو الجهم فى حق معاوية بن أبى سفيان :

ونغضبه لنعلم حالتيه
فنخبر منهما كرما ولينا
نميل على جوانبه كأنا
نميل إذا نميل على أبينا

قال معاوية : يا أبا جهم ، إياك والسلطان ، فإنه يغضب غضب الصبى ، ويأخذ أخذ الأسد .
_ 16 _


خطب أبو جعفر المنصور ، فحمد الله تعالى واثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس اتقوا الله . فقام إليه رجل من عرض الناس ، فقال : أذكـرك الله الذى ذكرتنا به يا أمير المؤمنين . فأجابه أبو جعفر : سمعا وطاعة لمن ذكر بالله ، وأعوذ بالله أن أذكـر به وأنسـاه فتأخذنى العزة بالإثم ، فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ، وأما أنت فوالله ما الله أردت بها ، ولكن ليقال : قال فعوقب فصبر ، وأنا أحذركم أيـها الناس أختـها ، فإن الموعظة علينا نزلت ، ومنا أخذت .



_ 17_


ذكـروا أن ملك من ملوك العجم كان معروفا ببعد الغور ، ويقظة الفطنة ، وحسـن الســياسة ، وكان إذا أراد محاربة ملك من الملوك وجه إليه من يبحث عن أخباره وأخبار رعيته قبل أن يظهر محاربته ، فيكشف عن ثلاث خصال من حاله ، فكان يقول لعيونه : أنظروا هل ترد على الملك أخبار رعيته على حقائقـها أم يخدعه عنـها المنهى ذلك اليه ؟ وانظروا الى الغنى فى أى صنف هو من رعيته ، أفيمن أشتد أنفه وقل شرهه ؟ أم فيمن قل أنفه وأشتد شرهه ؟ وأنظروا فى أى صنفى رعيته القوّام بأمره ؟ أفيمن نظر ليومه وغده ؟ أم من شـغله يومه عن غده ؟ فإن قيل له لا يخدع عن أخبار رعيته ، والغنى فيمن قل شـرهه وأشـتد أنفه ، والقوّام بأمره من نظر ليومه وغده ، قال اشــتغلوا عنه بغيره . وإن قيل له ضد ذلك ، قال : نار كامنة تنتظر موقده ، وأضغان مزمّلة تنتظر مخرجا ، اقصدوا له فلا حين أحين من سلامة مع تضييع ، ولا عدو أعدى من أمن أدى الى إعتزاز .


- 18_



قال هارون الرشـيد لمعن بن زائدة : كيف زمانك يا معن ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أنت الزمان ، فإن صلحت صلح الزمان ، وإن فسـدت فسد الزمان ..فقال: أى الدولتين أحب إليك او أبغض ، أدولتنا أم دولة بنى امية ؟ قال : ذلك إليك يا أمـير المؤمنين ، فإن زاد برّك على برّهم كـانت دولتـك أحب الىّ ، وإن زاد برّهم على برك كانت دولتهم أحب الىّ ؛ قال : صدقت .


_ 19_

قال المنصور لاسحاق بن مسلم : أفرطت فى وفائك لبنى أمية ؛ قال : يا أمير المؤمنين ، إنه من وفىّ لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى .

- 20_

دخل ابن السـماك على محمد بن سـليمان بن على فرآه معرضا عنه ، فقال : مالى أرى الأمـير كالعاتب علىّ ؟ قال : ذلك لشـئ بلغنى عنك كـرهته ؛ قال : إذا لا أبالى ؛ قال : ولم ؟ قال : لأنه إذا كـان ذنبا غفرته ، وإن كان باطلا لم تقبله .




_ 21 _

العتبى قال : كان بين شـريك القاضى والربيع حاجب المهـدى معارضـة ، فكان الربيع يحمل عليه المهدى ، فلا يلتفـت إلـيه ، حتى رأى المهدى فى منامه شـريكا القاضى مصروفا وجهه عنه ، فلما أسـتيقظ من نومه دعا الربيع ، وقص عليه رؤياه ؛ فقال : يا أمـير المؤمنين ، إن شريكا مخالف لك وإنه فاطمى محض ؛ قال المـهدى : علىّ به ، فلما دخل عليه ، قال له : يا شـريك ، بلغنى أنك فاطمى ؛ قال له شـريك : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تكون غير فاطمى ، إلا أن تعنى فاطمة بنت كسـرى ؛ قال : ولكنى أعنى فاطمة بنت محمد صـلى الله عليه وسـلم ؛ قال : أفتلعنها يا أمـير المؤمنين ؟ قال : معاذ الله ؛ قال فماذا تقول فيـمن يلعـنها ؟ قال : عليه لعنة الله ؛ قال : فالعن هذا – يعنى الربيع – فإنه يلعنها ، فعليه لعنة الله ؛ قال الربيع : لا والله يا أمير المؤمنين ما ألعنها ؛ قال له شريك : يا ماجن فما ذكرك لسـيدة نسـاء العالمين ، وإبنة سـيد المرسلين فى مجالس الرجال ؟ قال المهدى : دعنى من هذا ، فإنى رأيـتك فى منامى كأن وجهـك مصـروفا عنى وقـفاك اليّ ، وما ذلك إلا بخلافك علىّ ، ورأيت فى منامى كأنى أقتل زنديقا ؛ قال شـريك : إن رؤياك يا أمير المؤمنين ليسـت برؤيا يوسـف الصديق صلوات الله على محمد وعليه ، وإن الدماء لا تسـتحل باللأحلام .

_ 22_

العتبى قال : وقعت دماء بـين حيـّين من قريـش ، فأقـبل أبو سـفيان ، فما بقى أحد واضع رأسه إلا رفعه ، فقال : يا معشر قريش ، هل لكم فى الحق او فيما هو أفضل من الحق ؟ قالوا : وهل شـيئ أفضل من الحق ؟ قال : نعم ، العفو ، فتـهادن القوم وأصـطلحوا .



_ 23 _

لما هدم الوليد كنيسـة دمشـق كتب إليه ملـك الروم : إنك هدمت الكنيسـة التى رأى ابوك تركها ، فإن كان صوابا فقد أخطأ ابوك ، وإن كان خطأ فما عذرك ؟ فكتب إليه : ( وداود وسـليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشـت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ، ففهمناها سليمان ، وكلاّ آتينا حكما وعلما ).



_ 24 _

قال عبدالله بن الزبير لأهل العراق : وددت والله أن لى بكم من أهل الشـام صرف الدينار بالدرهم . قال له رجل منهم : أتدرى يا أمير المؤمنين ما مثلنا ومثلـك ومثل أهل الشـام ؟ قال وما ذاك ؟ قال : ما قاله أعشـى بكر حيث يقول :

علقتها عرضا وعلقت رجلا
غيرى وعلق أخرى غيرها الرجل

أحببناك نحن وأحببت أنت أهل الشـام ، وأحب أهل الشـام عبدالملك بن مروان .


_ 25 _

بينما المنصور فى الطواف بالبيت ليلا ، ســمع قائلا يقول : أللـهم انى أشـكو اليك ظهور البغى والفســاد فى الارض . فأرســل الى الرجل يدعـوه . قال المنصور : ما الذى سـمعتك تذكـر ؟ فقال : ان أمنتنى . فقال : فأنت آمن على نفسـك فقل : فقال : ان الله أسترعاك أمر عباده وأموالهم ، وجعلت بينك وبينـهم حجابا من الجص والآجر ، وأبوابا من حديد ، وحراسـا معـهم السـلاح ، ثم سجنت نفسك فيها ، وأمـرت أن لا يدخل عليك أحد من الرجال الا فلان وفلان نفرا ســميتهم ، ولم تأمـر بايصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع العارى ، ولا الضعيف الفقـير اليك ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين أســتخلصتهم لنفسـك ، وآثرتـهم على رعيتك ، قالوا هذا قد خان الله فمالنا لا نخونه ، فأتمروا أن لا يصل اليـك من علم اخبار الناس شـيئ الا ما أرادوا ، ولا يخرج لـك عامل فيخالـف أمرهم الا خونوه عنـدك ونفوه ، حتى تسـقط منزلته ، فلما أنتشـر ذلك عنك وعنهم ، أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم ، فكان أول من صـانعهم عمالـك بالهدايا والامـوال ، ليقـووا بها على ظلم رعيتك ، ثم فعل ذلك ذووالمقـدرة والثروة من رعيتك ، لينالوا ظلم من دونـهم ، فأمتلأت البلاد ظلما وبغيا وفسادا . وصار هؤلاء القوم شركائك فى سلطانك ، فان جـاء متظلم حيل بينك وبينه . فان أراد رفع قصته اليـك عند ظهورك ، وجـدك قد نهيت عن ذلـك ، ووقفت للناس رجلا ينظر فى مظالمهم ، فان جـاء ذلك المتظـلم فبلغ بطانتك خبره ، سـألوا صـاحب المظالم أن لا يرفع مظـلمته اليك ، فان المتظلم منه له بهم حرمة ، فأجابـهم خوفا منهم ، فلا يزال المظلوم يختلف اليه ويلوذ به ، ويشـكو ويسـتغيث وهو يدفعه ، ولك فى ملـك الصين أصيب بسمعه ، فبكى بكاء شديدا ، فحته جلسـائه على الصبر ، فقال : أما أنى لسـت أبكى للبلية النازلة بي ، ولكـن أبكى لمظلوم يصـرخ بالباب فلا اســمع صـوته . ثم قال : أما اذ قد ذهب ســمعى فان بصــرى لم يذهب ، نادوا فى الناس أن لا يلبـس ثوبا أحـمر الا متظـلم . ثم كان يركب الفيل طرفى النهار وينظر هل يرى مظلوما .
ان للناس أعلاما يفزعون اليهم . فأجعلهم بطانتك يرشدوك ، وشاورهم فى امرك يسـددوك . أفتح بابك ، وسـهل حـجابك ، وأنصـر المـظلوم ، وأقـمع الظـالم . وأنا ضـامن عنـهم أن يأتـوك ويسـاعدوك . وجـاء وقت الصـلاة ؛ فصـلى - المنصور - ثم عـاد الى مجلســه ، وطلب الرجل ، فلم يوجـد ! ! !



_ 26_

سليمان بن عبد الملك بعث الى أبى حازم الأعرج . فلما دخل .. قال : يا أبا حازم ، أشـر عليّ . قال : إنما أنت سـوق فما نفق عندك حمل اليك من خير او شر ، فأشـترى أيهما شـئت . قال : مالك لا تأتينا ؟ قال : وما أصنع بإتيانك يا أمـير المؤمـنين ؟ إن أدنيتنى فـتنتنى ، وإن أقصـيتنى أخزيتنى .


_ 27 _

دخل إبن السماك على الرشيد ، فلما وقف بين يديه قال : عضنى يأبن السماك وأوجز .. وأتى بماء ليشربه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لو حبسـت عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك ؟ قال : نعم . قال : فلو حبـس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك ؟ قال : نعم . قال : فما خير فى ملك لا يساوى شربة ولا بولة .



_ 28_

دخل أعرابى على سـليمان بن عبدالمـلك ، فقال : يا أمـير المؤمـنين ، إنى مكلمك بكلام فأحتمله إن كرهته ، فإن وراءه ما تحب إن قبلته ، قال : هات يا أعرابى ؛ قال : إنى سـأطلق لسانى بما خرسـت عنه الألـسن .. إنه قد أكتنفك رجال أسـاءوا الاختيارلأنفـسهم فأبتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسـخط ربهم ، خافوك فى الله ولم يخافوا الله فيك ، فهم حرب للآخرة ، سـلم للدنيا ، فلا تأمنهم على ما أئتمنـك الله عليه ، فإنهم لا يألونك خبالا ، والأمانة تضـييعا ، والأمة عـسـفا وخسـفا ، وأنت مسـؤل عما أجترحوا ، وليسـوا مسـؤلين عما أجترحت ، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك .. قال سليمان : أما أنت يا أعرابى فقد سللت لسانك وهو أحد سيفيك . قال : أجل يا أمير المؤمنين ، لك لا عليك.

_ 29_

قال رجل للرشيد : يا أمير المؤمنين إنى أريد أن أعظك بعضة فيها بعض الغلظة فأحتملها . قال : كلا ، إن الله أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو أشر منى . قال لنبيه موسى (عليه السلام ) إذ أرسله الى فرعون : (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى ) .


_ 30 _

شكا الناس الى مالك بن دينار القحط فقال : أنثم تستبطئون المطر وأنا أستبطئى الحجارة .


_ 31 _

أرسل جعفر الى سـفيان . فلما دخل عليه قال : سلنى حاجتك أباعبدالله . قال : وتقضيها يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم . قال : فإن حاجتى إليك أن لا ترسل اليّ حتى أتيك ، ولا تعطينى شـيئا حتى أسـألك . ثم خرج . فقال ابو جعفر : ألقينا الحبّ الى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سـفيان الثورى ، فإنه أعيانا فرارا .



_ 23 _ _ 32 _

لما حضرت هشام بن عبدالملك الوفاة . نظر الى أهله يبكون عليه . فقال : جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء ، وترك لكم ما جمع ، وتركتم له ما عمل . ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له .



_ 33_

خرج الحجاج متصيدا بالمدينة فوقف على أعرابى يرعى إبلا له ، فقال له : يا أعرابىّ ، كيف رأيت سـيرة أمـيركم الحجاج ؟ قال له الأعرابىّ : غشـوم ظلوم لا حياه الله ؛ فقال : فلم لا شكوتموه الى أمير المؤمنين عبدالملك ؟ قال : فأظلم وأغشـم . فبينـما هو كـذلك إذ أحـاطت به الخـيل ، فأومأ الحجـاج الى الأعرابىّ ، فأخذ وحمل ، فلما صـار معهم ، قال : من هذا ؟ قـالوا له : الحجاج ، فحرك دابته حتى صار بالقرب منه ، ثم ناداه : يا حجاج ، قال : ما تشـاء يا أعـرابىّ ؟ قـال : السـرّ الذى بينـى وبينـك أحـب أن يكون مكتـوما ؛ فضحك الحجاج ، وأمر بتخلية سبيله .


_ 34_

الأصمعى قال : ولىّ يوسـف بن عمر صـاحب العراق أعرابيا على عمل له ، فأصـاب عليه خيانة فعـزله ، فلما قدم علـيه قال له : يا عدو الله ، أكلت مال الله ؛ قال الأعرابىّ : فمال من آكل إذا لم آكل مال الله ؟ لقد راودت إبليس أن يعطينى فلسـا فما فعل . فضحك منه وخلى سـبيله .



_44 _

وجئ بأعرابىّ إلى السـلطان ومعه كتاب قد كتب فيه قصته ، وهو يقول : هاؤم أقـرؤا كتابيه . فقيل له : يقال هذا يوم القيامة ؛ قال : هذا والله شـرّ من يـوم القيامة ، إن يـوم القيامة يؤتى بحسـناتى وسـيآتى ، وأنتـم جئتـم بسـيآتى وتركتم حسـناتى .



_45_

أتى الحجاج بإمرأة من الخوارج ، فقال لإصحابه : ما تقولون فيها ؟ قالوا : عاجلها القتل أيها الأمير ؛ قالت الخارجية : لقد كان وزراء صاحبك خير من وزرائك يا حجاج ؛ قال لها : ومن صاحبى ؟ قالت فرعون ، أسـتشارهم فى موسى ، فقالوا : أرجه وأخاه .
- 46 -
يذكر أن الخليفة العباسي ( الناصر ) كان كثيف الحجاب ، سجين قصره ، حتى أمسى ظهوره إلى الناس حدثا يستحق الاحتفال والإجلال . وحدث ذات يوم أن وقف وهو في طريقه إلى سامراء ليبول . فلما انتقل عن المكان ، شيد الاهالى قبة على التربة سموها ( مشهد البولة )






ليست هناك تعليقات: