15‏/10‏/2008

خواطر بسكال



مقــــدمة

كتاب " خواطر " للفيلسوف الفرنسي "بليز بسكال"(1) . أشاد المترجم في المقدمة بعبقريتة المؤلف : ( تلك العبقرية المخيفة التي انبثقت منها تلك الإلتماعات السماوية الخواطف ، وما كانت إلا معالم نيرة تشرف على عوالم لانهائية من الفكر المنطلق في رحاب المعرفة... خواطر بسكال نفثات علوية خطها لنفسه ليجعل منها نواة لأضخم مصنف من نوعه .
.. قال جوليان غرين: "بسكال أعظم الفرنسيين شأناً"، .. قال فولتير: " لقد جعلنا نرتعد من كينونتنا، وإني لاجرؤ أن أتشيع للإنسانية ضد هذا المتسامي المتنكر للناس، وأجرؤ على التأكيد بأننا لسنا أشراراً وتعساء بالقدر الذي يتصوره".
.. قال فرانسو مورياك: "مالهم يتكلمون عن عبقرية بسكال المرتجفة الواجفة؟ أي إنسان عرف أكثر من سكينة الحب؟".
هذا المفكر الألمعي الذي تبصر الطبيعة في "سامي وملء جلالها" واستوى على شرفات الوحي شاعرا متعالياً.. منطلق في غياهب الآباد يستنطق الفلوات والآفاق البكماء في اللامحدود من دياجير الدهور )(2) .

شوارد من الكتاب

(4)

= مـن هزأ بالفــلسفة فقد تفـلسف حــقاً . (3)


(15)

= البـــلاغة التي تقنع بالعـذوبة لا بالســلطان، كمغتصب (4) .

(41)

= الإنسان يحب الخبث، ولكنه لا يتخبث على العور والتعساء، بل على السعداء المتشامخين .

(80)

= مـا السبب في أن أعرج لا يغيظنا في حين أن عقلاً أعرج يغيظنا؟ ذلك لأن الأعرج يعترف أن مشيتنا مستقيمة ولأن العقل الأعرج يقول أننا نحن الذين نعرج، ولولا ذلك لاستوجب شفقة لا غضباً .

(82)

= أهـل المهارة الخياليون أكثر عجباً بأنفسهم من أهل الاحتراس المتعقلين. إنهم ينظرون إلى الناس بسلطان، ويغالبون بجرأة وثقة، على حين يغالب الآخرون بخشية وحذر.. لا تستطيع المخيلة أن تجعل من المجانين عقلاء، ولكنها تجعلهم سعداء، فيحسدها العقل إذ لا يقدر أن يجعل أصدقاءه إلا أشقياء، فتغمرهم بالمجد بينما هو يغمرهم بالخجل.. من شاء ألا يتبع غير العقل يعتبر في حكم العامة مجنوناً.

(82)

= المودة أو البغضاء تغيران وجه العدل.. لا يجوز لأكثر الناس أنصافاً أن يحكم في قضيته.. العدل والحقيقة سنان دقيقان إلى حد أن ذواتنا الكلية هي أعجز من أن تمسهما بإحكام، فإذا استطاعت ذلك ثلمت رأسهما وشدت حوله على الباطل أكثر من شدها على الحق .

(100)

= كلما رقينا في مدارج الحظ درجة ازداد بعدنا عن الحقيقة، لأن أكثر الناس يخشون تنفير الناس بمقدار ما تكثر الفائدة من مودتهم والخطر من بغضهم .. .

(139)

= كل تعاسة البشر مردها إلى أمر واحد هو أنهم لا يطيقون الاعتكاف في غرفة، إن الرجل ذا الكفاف، لو عرف أن يلزم منزله بلذة، لما خرج منه ليركب البحر أو ليحاصر قلعة .

(148)

= نـحن من الغرور بحيث نريد أن تعرفنا الأرض قاطبة، بل أن يعرفنا حتي الذين يأتون من بعد أن نزول .

(152)

= الصديق الصدوق هو من المنفعة لأعظم الناس قدراً .. لكن عليهم أن يحسنوا الاختيار، لأنهم إذا أجهدوا النفس في سبيل الحمقى، فما كان ذلك ليفيدهم مهما قال هؤلاء فيهم خيراً، فضلاً عن أنهم لا يقولون الخير إذا كانوا في جماعة هم أحقر من فيها، لأن السلطة تعوزهم عندئذ فيشتركون في النميمة مسايرة .
(158)

= عذوبة المجد هي من العظمة بحيث لو ربطناها بأي غرض كان، ولو بالموت، لأحببناها .

(185)
= الله في تدبيره ينظم الأمور برفق فيضع الدين في العقل عن طريق التعليل وفي القلب عن طريق النعمة، ولكن من شاء أن يضع الدين في القلب والعقل بالقوة فما وضع ديناً بل إرهاباً .

(233)

= تقوم قضيتنا على قوة غير محدودة متى كانت حظوظ الربح والخسارة تعادل بعضها بعضاً في الربح، وكان ما نخاطر به محدوداً وما نتوخى ربحه غير محدود .

(294)

= هل أضحك من أن يكون لرجل الحق في قتلي لأنه يسكن وراء النهر، ولأن أميره في نزاع مع أميري وان لم يكن بيني وبينه مثل ذلك؟ لاشك أن ثمة نواميس طبيعية، ولكن هذا العقل الجميل الفاسد قد أفسد كل شيء .

(294)

= قال أوسع المشترعين حكمة أنه من الخير للناس أن يخدعوا غالباً. وقال آخر وهو سياسي حاذق "بما أنه يجهل الحقيقة المنقدة فمن الخير له أن يخدع .
(298)

= العدل بدون القوة عاجز، والقوة بدون العدل غاشمة. والعدل بدون القوة يناهض، لأن الدنيا لا تخلوا أبداً من أهل الشر، والقوة بدون العدل تتهم، فيجب إذن أن يتحدا معاً، وأن يكون ما هو عادل قوياً وما هو قوي عادلاً .. العدل مثار نزاع، والقوة معترف بها دون ما نزاع. وهكذا لم يستطيعوا إعطاء القوة للعدل لأن القوة ناقضت العدل وقالت أنها هي العادلة، وإذ عجزوا عن أن يكون ماهو عادل قوياً عملوا على أن يكون ما هو قوي عادلاً .

(301)

= لمــاذا يتبعون الأغلبية ؟ ألكونها أكثر صواباً؟ كلا، بل أكثر قوة .


(303)

= القوة لا الرأي ملكة العالم، ولكن الرأي هو ما مارست معه القوة. أن القوة تكـوّن الرأي .

(304)

= النّـاس .. جميعهم يريد السيطرة ولا يستطيعها جميعهم وإنما يستطيعها بعضهم .. يتغالبون حتي يغلب فريقهم الأقوى فريقهم الأضعف.. الأسياد لايروقهم أن تستمر الحرب فيأمرون أن القوة التي في يدهم تؤول على الوجه الذي يشاؤون، فيكلها بعضهم إلى اختيار الشعوب والبعض الآخر إلى الوراثة .. الخ .

(311)

= السلطة القائمة على الرأي والمخيلة تسيطر بعض الوقت. وهذه السلطة عذبة واختيارية، على أن سلطة القوة تسيطر أبداً. وهكذا فالرأي ملك العالم ولكن القوة طاغيته .

(320)

= إن أبعد أمور العالم عن العقل تصبح أقربها بسبب فوضى البشر. أي أمر أقل صواباً من اختيار ولد الملكة البكر ليسوس الدولة؟ لا يختار أعرق المسافرين نسباً لقيادة السفينة .. وقد تكون هذه الشريعة مضحكة وجائرة. ولكن بما أن الناس هم كذلك أيضاً، وسيبقون كذلك أبداً، فإنها تصبح معقولة عادلة، إذ من عساهم يختارون؟ أأكثرهم فضيلة أم أكثرهم مهارة؟ هنا تقع الواقعة فوراً إذ كل يدعي أنه الأفضل وكذلك الأمهر. فلنربط هذه الصفة إذاً بما لا يقع الجدل حوله. أنه بكر الملك. إن الأمر واضح ولا منازعة البتة، والعقل لا يستطيع أفضل من ذلك، لأن الحرب الأهلية أعظم الشرور .

(326)

= تجب طاعة الرؤساء ليس لأنهم عادلون بل لأنهم رؤساء .


(346)

= في الفكــر عظمة الإنســــان .

(455)

= في "أنا" ميزتين: فهي جائرة بحد ذاتها لكونها تجعل من هذه الذات مركز كل شيء. وهي مزعجة للغير إذ أنها تريد لو تستعبدهم. لأن كل "أنا" عدوة للغير وتود لو تكون طاغيته. أنك لتنزع ما فيها من إزعاج لا من جور، وإنك لا تجعلها هكذا محببة للذين يبغضون جورها: ولا تجعلها محببة إلا للجائرين الذين لا يرون فيها عدوة لهم، وهكذا تظل أنت جائر ولا تستطيع أن ترضي إلا الجائرين .

(628)

= ما الفرق بين كتاب وكتاب !.. جمال الكتاب كفيلاً ببقائه. وثمة فرق بين كتاب يؤلفه فرد ويبثه في الشعب وكتابه ينشيء بذاته شعباً.

(870)

= لو استطاعوا لجعلوا القوة في يد العدالة: ولكن بما أن القوة ليست في الطواعية التي يريدون، لأنها صفة ملموسة، في حين أن العدالة صفة روحية يتصرفون بها كما يشاؤون، فقد وضعوها في يد القوة. وعلى هذا سموا عادلاً ما تعودوه بالملاحظة. ومن هنا نشأ حق السيف، لأن السيف يعطي حقاً حقيقياً. ولولا هذا لرأينا العنف في جانب والعدالة في آخر .

(920)

= إن كان ما أقوله لا ينيركم فهو يفيد الشعب، إذا سكت هؤلاء فإن الحجارة تتكلم. السكوت هو الاضطهاد الأكبر: إن القديسين لم يسكتوا قط .




– تعقيب –

خواطر بسكال ..... خواطر البستاني ... وفيما الفلسفة إذا ترجمت إلى لغة أخرى أنتجت فلسفة أخرى ...
قال أبو نصر الفارابي : " إذا كانت الفلسفة قد إنتقلت إليهم من أمة أخرى فإن على أهلها أن ينظروا إلى الألفاظ التى كانت الأمة الأولى تعبر بها عن معاني الفلسفة ، ويعرفوا عن أي معنى من المعاني المشتركة معرفتها عند الأمتين هي منقولة عند الأمة الأخرى " ... وقال الجاحظ " متى ما وجدنا الترجمان قد تكلم بلسانين علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما ، لأن كل واحدة من اللغتين تجدب الأخرى وتأخذ منها وتعترض عليها "... وقال كولن ولسون :" يعتبر بليز بسكال عظيما لأسباب كثيرة إلي درجة أن الكتابة عنه ليست سهلة ، لان من يكتب عنه يجب أن يقرر أولا من أية زاوية سيبحث أمره.
.. لقد برع بسكال في كل الأمور .. ومن الصعب علينا ، في عصرنا ، عصر الطموح المادي .. أن نفهم عظمته ، أو أن نصدر عليه حكما(5).
إلى أي مدى وفق المترجم في مهمته ؟ . يمكن موائمة ذلك وأراء أخرى :

1.= الترجمة تحتاج إلى أن تدخل في إطار خطة إستراتيجية ثقافية شاملة تأخذ بعين الاعتبار حوار الذات مع الآخر في كل المجالات لكي يأتي كل ذلك متوافقاً مع حاجاتنا المعيشية بحيث لانترجم إلا ما يتوافق مع متطلباتنا المنتظمة في نسق عقلاني عملي ، فلا تعود الترجمة تطلب لأخر الصرعات المذهبية أو الأدبية أو حتى العلمية ، بالتالي تكف الترجمة عن أن تكون مثل الأعاصير الموسمية التي تعصف بأكواخنا الفكرية الهشة ... فالكتابة والترجمة فعلان ثقافيان يكون المترجم فيهما يمثل ثقافة مغايرة (6)
٭٭٭
2.= " إن تاريخ الفلسفة ليس سوى حركة ترجمة لم ترض قط عن نفسها لنتذكر ما قاله ماركس عن ترجمة موليتور لكتاب الرأسمال إلى الفرنسية من أن تلك الترجمة " وإن لم تكن نسخة مطابقة للنصالألماني فهي تناسب الفرنسي وقت ظهورها . " (7)
٭٭٭
3.= الكاتب لايكتب شيء إلا إذا كانت له غاية ، وكانت هذه الغاية لها قيمة لديه . هذه الغاية القيمة هي التي يضعها المترجم في إعتباره حينما يختار أثر من الآثار ... هناك فارق بين ما نريد ترجمته وما يريدون هم ترجمته . أعتقد أنه من الخير أن نوجه ذلك . ولا نتركه لتوجيه غيرنا ، لاسيما أن الثقافة في عصرنا أصبحت وسيلة من وسائل الحرب والسلام .
المعركة اليوم في الساحة العربية هي معركة ترجمة ، .. الكتابة الممكنة اليوم هي : الترجمة والتصنيف والتلخيص ..... الترجمة الحقيقية هي التي تعبر عن ضرورة تاريخية ... و لكن من الذي يتحكم بالاختيارات والأولويات ؟
إنهم مثقفو هذه الأمة ومفكروها .... الترجمة الناجحة كما يقول بعضهم " هي تلك التي يبدو فيها النص وكأنه لم يترجم .. "
الترجمة نقل كامل للفكر من لغة إلى أخرى .. اللغة العربية أثبتت مرونتها وقدرتها في الماضي عندما هضمت كل الحضارات الكلاسيكية للبشرية ( حضارة اليونان والرومان والفرس والهند والشرق البعيد . (8)
٭٭٭
4.= الوضع في عصر الترجمة الثاني أقرب إلى الإتباع منه إلى الإبداع فأكثرنا لا يفكر بالأصالة عن نفسه ، بل بالنيابة عن غيره ...إننا لا نترجم ما نحن بحاجة إلي ترجمته ، بل نترجم في الغالب – ما تفرزه حاجة الغير ، فنحن في الترجمة مستهلكون أكثر منا منتجين . (9)
٭٭٭
5.= الترجمة ... حوار موضوعي بين قوى بشرية ذات ثقافات متنوعة . أفضل أشكال الحوار ما كان قائماً على التكافؤ الثقافي بين القوى الحية ، وإلا تحولت الترجمة إلى عامل قهر واستغلال ثقافي... وإلى استلاب. (10)
٭٭٭
6.= " لا يمكن للمترجم أن يقوم بالحوار على أكمل وجه إلا إذا أمتلك وأتقن أدواته ... والغايات الحضارية الكامنة في النص نفسه ... حركة الترجمة عملية مستمرة لتغيير اللغة والإنسان والتراث والمجتمع . (11)
٭٭٭
7. = الترجمات وخاصة في ميدان العلوم الإنسانية والفلسفة والفكر السياسي غالباً ما تكون حاوية على شحنة رمزية قوية ..... الترجمة التي لا تريد أن تكون انشأ جديداً بل تود أن تظل ترجمة ، إحدى أكبر التمثيل الفكري والتعبير تعقيداً وتداخلاً وتطلباً للضغوط الصارمة .. لأن المسألة ستظل مرتبطة دائماًً بالسؤال التالي : كيف نحافظ على الوحدة البنيوية والرمزية للنص مع تفجير المعنى وتوليد الفكرة الجديدة الوافدة من الجوف اللغوي العربي ذاته ؟ (12)
٭٭٭
8.= أن تترجم هذا يعني أن تقول ما تريد على لسان الآخرين ... وما المترجمون إلا مبدعين نذروا أنفسهم لإيصال هذا التراث الفكري إلى شعوبهم مقابل أن يقولوا ما يريدون .... فيما إذا كانت هذه الكتب تدعم قضايانا وتوجهاتنا يجب أن نبحث عنها ونترجمها ، وإذا كانت تعادينا يجب أن نترجمها أيضاً لنتمكن من دحضها ... إن النضال المبني على المعرفة أجدى بكثير من العداء والحقد وقليل من المعرفة . (13)
( خواطر بسكال كتاب يفرض على المرء قرأته )
------------------------------------------------------

(1) ولد بسكال بمدينة كليرمون عام 1623.
(2) بسكال، خواطر، تعريف أدوار البستاني (سلسلة الروائع الإنسانية) ، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1972، مقدمة المترجم. ص1-4..

(3) ص11. "جاء في مونتين: أخذوا على أحد الأقدمين أنه يمتهن الفلسفة على كونه لا يعتد بها في حكمه، فقال: إن في هذا الفلسفة الحقيقية. (المعرب)..
.
(4) ص14. "المغتصب يمارس سلطانه بتعسف القوة.. البلاغة ترضينا دون أن تقنعنا. (المعرب).
.
(5) كولن ولسون ، سقوط الحضارة ، دار الآداب ، بيروت ،ص 226 .

(6)- مجلة الوحدة ، المجلس القومى للثقافة العربية ، 1989 .ع 61/62 كلمة الوحدة صـ 5- 6
(7)- عبد السلام بن عبد العال . مجلة الوحدة ، المجلس القومى للثقافة العربية –العدد (61 – 62 ) 1989- صـ 10
(8 )- هاشم صالح ، دور الترجمة في تشكيل الفكر العربى المعاصر ، مجلة الوحدة صــ 20-29 .
(9)- جورج طرابيشي ، المصدر السابق ، صــ 30- 35 . له العديد من الكتب المترجمة والمؤلفة .

(10)- حافظ دياب ، الترجمة وأسئلة النهضة ، المصدر السابق صــ 37 .
(11)- د. مسعود ظاهر ، الاتجاهات الأساسية لحركة الترجمة في لبنان والوطن العربي ، مجله الوحدة ، صـ 45- 56.
(12)- عبد الوهاب حفيظ ، حول الترجمة والتعريب والتغريب " مأساة المصطلح وفراغ المعنى مجلس الوحدة
صــ 74-84 .
(13)- منذر حلوم ، ملاحظات مترجم ، مجلة الوحدة ، صـــ 112-





ليست هناك تعليقات: