14‏/10‏/2008

ف ا:الخلفية السياسية والاجتماعية

الباب الاول : الفصل الأول حياة ابن حزم والخلفية السياسية والاجتماعية
اعتقد أن دراسة مفكر وأديب وفقيه كابن حزم ، في جانب من جوانب تفكيره أو في مجموعها ، دون الرجوع إلي حياته والظروف الاجتماعية والسياسية التي مر بها يفقد فكره معني هاما فيه أن لم يشوهه . أن دراسة إنتاج المفكر وأعماله الفكرية وكأنها أتت من خارج العالم الذي يعيشه الناس ، يعطي القارئ شريحة واحدة فقط من شرائح متعددة من المعاني متداخلة ومترابطة . واجب الباحث أن ينظر لهذه المعاني كلها وعلاقتها ببعض ، حتى يفهم ويستفيد من خبرة المفكر الذي يدرسه ويفيد قارئه أيضا .ابن حزم ظاهرة فكرية ظهرت في القرن الرابع الهجري في الأندلس . كي نفهمها بدقة كان من الضروري التعرض إلي حياته والظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها والتي كان لها الأثر في نموه الفكري واختياراته الفكرية .
إن دراسة المفكر في ضوء البيئة السياسية والاجتماعية التي ظهر فيها بدأت عمليا علي يد برتراند رسل في كتابه " تاريخ الفلسفة الغربية " . وعملي هنا سيكون استمرارا لهذا المدخل الجديد نسبيا في عرض الفكر وتقييمه . لقد تناول كثير من المؤرخين لسيرة ابن حزم جوانب حياته وظروف عصره وكأنها شيء منفصل تماما عن اهتماماته الفكرية . سأحاول فيما يلي أن أبين دور حياته وظروفها السياسية والاجتماعية في اهتماماته واختياراته الفكرية .
ولد ابن حزم في بلد كان فردوس زمانه في البلاد الإسلامية – اعني الأندلس – اسمه الكامل " علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف " (1) وكنيته أبو محمد . يقول المراكشي انه قرأ اسمه هذا بخط يده علي ظهر كتاب من تصانيفه . اتفق معظم المؤرخين القدامى علي هذه التسمية . غير أننا نجد اختلافات كثيرة ، وبالذات عند الباحثين المحدثين . ، حول أصله العرقي . رغم أننا لا نقبل العرقية ولا نعتبرها عاملا واضحا يمكن عزله وبالتالي يمكن بيان تأثيره في سلوك الإنسان وتفكيره ، إلا أننا رأينا وجوب الإشارة لهذه النقطة نظرا لان بعض علماء الغرب جعل منها قضية عامة تتعلق بالعبقرية والشعوب التي يمكن أن توجد فيها هذه الخاصية .
رد المؤرخ الأسباني سانتشيت البرانس "في دراسة مستفيضة عبقرية ابن حزم إلى خصائص سلالته الأسبانية " (1) وقد سايره في التأكيد علي انتماء ابن حزم إلي السلالة الأسبانية دوزي ونيكلسون وجولد زيهر . (2) يوضح المؤرخ الأسباني سانتشيت في كتابه "ابن حزم قمة أسبانيا " رأيه فيقول : "أننا نستطيع أن نفهم ابن حزم فحسب إذا وضعناه وسط سلالته الأسبانية " (3) ما يريده سانتشيت التأكيد على أن ابن حزم مفكر أوربي وان عبقريته الفكرية لن يتضح معناها إلا إذا درسناها في هذا الإطار . اعتقد أن من الواجب علي ما دمت اربط بين الفكر وظروف الحياة التي يعيشها المفكر أن انظر في هذه الدعوى ليري القارئ معي أن كان من الممكن أصلا إثبات نسب ابن حزم الأسباني الأوروبي .
في البداية نقول أن هناك اختلاف بين الباحثين - قدماء ومحدثين - حول أصله الأسباني من خلال وجهات النظر المختلفة لديهم ، يمكننا أن نقسمهم إلي فئتين :تؤكد الفئة الأولي علي انتماء ابن حزم إلي العجم الأسبان ويتصدرها أبو مروان ابن حيان . يقول أبن حيان " كان من غرائبه انتمائه في فارس ، وإتباع أهل بيته له في ذلك بعد حقبه من الزمن تولي فيها أبوه الوزير المعقل في زمانه الراجح في ميزانه ، احمد بن سعيد ابن حزم لبني أمية أولياء نعمته ، لا عن صحة ولاية لهم عليه، فقد عهده الناس خامل الأبوة مولده الاورمة من عجم "لبله" وجده الأدنى حديث عهد بالإسلام ...حتى تخطي علىٌّ هذا على رابية "لبله"، فارتقي قلعة اصطخر من ارض فارس ، فالله اعلم كيف ترقاها (4) هذه رواية مؤرخ قديم وهو الوحيد من القدماء الذي أكد نسبة ابن حزم للعجم الأسبان .
بالنسبة للمحدثين ، نجد الدكتور طه الحاجري يستند في كتابه "ابن حزم صورة اندلسية" على هذه الرواية ويري فيها اليقين ، اعتقادا منه أن "صناعة الأنساب وتلفيقها وتنسيقها صناعة كانت رائجة في الأندلس رواجها في العراق ، وانه ليقل أن نجد رجلا من الموالي من أهل المشرق إلا وله نسب عربي نسقت فيه الأسماء العربية اسما وراء اسم ، .. لينتقل بذلك من الضعة التي وسم بها الشعب المقهور في بلده، المغلوب على أمره ، إلى عزة الشعب الغالب الفاتح المنتصر"(1). بناء على هذه الحجة يساير الدكتور الحاجري ابن حيان ويقول :"إن ابن حزم خرج من أسره من أهل أسبانيا الغربية ، كانت تقيم في لبله ، وكانت تدين بالنصرانية ، وظلت على نصرانيتها بعد الفتح الإسلامي أمدا غير قصير ، حتى اعتنق حزم ، الذي يحمل اسمه وينتسب إليه صاحبنا الإسلام "(2).
أما عن الفئة الثانية فهي ترد سلالة ابن حزم إلى اصل فارسي وتؤكد ولائه لبني أمية ، وهذه الفئة تضم كافة المؤرخين القدماء ، والباحثين المحدثين خلاف سالفي الذكر . بالنسبة لآراء هذه الفئة سأهتم بوجه خاص بما أثبته الفقيه الورع الحميدي تلميذ ابن حزم في كتابه "جذوة المقتبس " والذي يقول فيه : "على بن احمد بن سعيد بن حزم بن غالب أبو محمد ، أصله من الفرس ،وجده الاقصي في الإسلام اسمه يزيد مولي ليزيد بن أبي سفيان "(3) ولعله يساير أستاذه ابن حزم فيما يقوله عن نسبه (4).يتوالى المؤرخون في إثبات نسب ابن حزم الفارسي وولائه الأموي (5) ، وقد جمع قولهم جميعا "الاتابكي" إذ يقول : "علي بن احمد بن سعيد ، ابن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان ابن يزيد ، مولي يزيد بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية الأموي الفارسي الأصل ثم القرطبي المعروف بابن حزم "(6) ، وزاد ابن خلكان "وجده يزيد أول من دخل الأندلس من آبائه "(7)
في المحدثين يؤكد الأستاذ عبد الكريم خليفة على انه "ليس هناك ما يدعو ابن حزم للانتساب إلى الفرس دون الأسبان ، فهم جميعا من العجم وليسوا عربا ، وكان الأولون وثنيين يعبدون النار بينما كان الثانون مسيحيين ، ولا يوجد أي داعي لابن حزم يدفعه إلى أن ينتسب في الوثنيين دون المسيحيين المتدينين بدين سماوي".(1)للأسف لم تسعفنا المصادر بمعلومات واضحة عن أم ابن حزم، ولم نجد اى إشارة لها من قبل المؤرخين . الغريب أن ابن حزم نفسه لم يذكر أمه مع انه ذكر أبيه عدة مرات . بل ذكر الكثير من النساء بأسمائهن في كتابه "طوق الحمامة " عدا عن كتابته لرسالة في "أسماء أمهات الخلفاء". هل لم يكن لأمه دور فعال في نشأته ؟ هل لم يعرفها معرفة واعية ؟ لا اعتقد بأنه غاب عن ذهن من عالج فن الحب وأنواعه ، ذكر أمه لو انه عرفها في سن وعيه . قد يجوز لنا أن نخمن بأنها شقراء الشعر من معرفتنا بميل أبيه لشقر الشعور (2)، وهو ميل نجده عند ابن حزم نفسه (3).
بخصوص قضية نسب أبيه ، لا اعتقد أن أياً من الفئتين استطاعت تثبيت رأيها بطريقة حاسمة في غيبة دليل أو أدلة تاريخية مُرضيِّة تماما . يمكنني أن استعرض نواحي القوة والضعف في رأي الفئتين في التالي :
1. يمثل كلام ابن حيان وجه نظر تاريخية فردية إذا ما قورنت بوجهة نظر باقي المؤرخين المسلمين . لكننا نعلم أن اغلب المؤرخين لا يزيد عملهم على النقل دون التمحيص . أضف لهذا أن ابن حيان متعاطف مع ابن حزم غير متحيز ضده كما هو واضح من فحوي كلامه جملة .
2. للأسف لا يعطي ابن حيان تفسيرا للسبب الذي جعل ابن حزم يغير نسبه إن صدقنا هذه الدعوى . واضح من كلام الأستاذ عبد الكريم خليفة غياب أي سبب ديني لهذا . نضيف لهذا انه ليس هناك فيما يبدو أي إحساس بالضعة لهزيمة أسبانيا أمام جيوش المسلمين ، ومحاولة الهروب من هذا الإحساس بالانتماء للفرس لان جيوش الفرس هزمت أمام جيوش المسلمين . لكن يبدو من كلام ابن حزم انه ينظر بإجلال كبير لماضي فارس ، ولعله لم يجد في ماضي أسبانيا مثل هذا الذي وجده في ماضي فارس ، ومع هذا فان قارئ رسالة ابن حزم في "فضائل أهل الأندلس"(1) لا يري في كاتبها إحساسا بالضِعْة لانتسابه لأسبانيا ومحاولة الهرب لأمجاد المشرق .
3. يبدو من حديث ابن حزم في رسالة "طوق الحمامة " عن عواطفه الصدق . كذلك فهو يعتز بان أفضل خصاله الوفاء وعزة النفس (2) فلماذا يكذب في نسبه دون داعٍ ؟.
4. لا يمكن أن نأخذ كلام الدكتور طه الحاجري على انه حجة لان ابن حزم لم ينسب نفسه للعرب ، وبالتالي فكلام الدكتور الحاجري لا علاقة له بموضوعنا .
5. أليس من الجائز أن يكون كلام ابن حزم وابن حيان صادقا ؟ بمعني أن ابن حزم في أصله العرقي خليط يمثل في فرع منه فارس وفي آخر الأندلس ؟ . هذا احتمال كبير خصوصا في حضارة اندمجت فيها الشعوب بحيث تداعت العرقية الصرفة بشكل واضح .
أيا كان الأمر إن ما يمكننا أن نؤكده هو إن ابن حزم كظاهرة فكرية لا تفهم إلاّ في إطار الفكر العربي الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية . وان اختياراته الفكرية ضمن هذا الفكر وهذه الحضارة أملتها ظروف الحياة التي عاشها في الأندلس الإسلامية. هذا هو المهم وهذا ما سنشغل أنفسنا به .
ولد ابن حزم على ما يذكر صاعد "آخر يوم من شهر رمضان سنة أربع وثمانون وثلاثمائة وهو ابن اثنين وسبعين سنة إلا شهرا " (3) .نشأ في قرطبة مسقط رأسه . تتفق المصادر التاريخية على أن اصل أسرته من بلدة "منت ليشم" بإقليم"لبله" انتقلت إلى قرطبة واستقرت بها.(4) لا نعرف بالضبط تاريخ انتقالها . ولا الدافع الذي دفعها إلى التخلي عن موطنها الأصلي . هناك احتمال بأن تكون هذه الهجرة جاءت اثر هجمات النورمانديين والفِرنجة على ذلك الإقليم – في النصف الأول من القرن الثالث الهجري ، وعلى وجه التقريب في عهد الخليفة محمد بن عبد الرحمن الثاني (238-273 هـ) ، مما دعى الأسرة إلى البحث عن المكان الذي تأنس فيه الاستقرار والهدوء . ولم تجد أمامها في ذلك الوقت سوي قرطبة ، المعقل الأمين الذي بدا يتبوأ لريادة الغرب الإسلامي حضاريا .يري بعض الباحثين المحدثين أن "حزم " هو الذي هاجر من إقليم لبله إلى قرطبة ، ويأتي هذا الاعتقاد بناء على الدور الذي يمثله "حزم" في تاريخ الأسرة مما جعلها تنتسب إليه . غير أننا نجد رواية أخري انفرد بها ياقوت نقلا عن محمد بن طرخان الذي قال : "قال لي محمد بن العربي : أن أبا محمد بن حزم ولد بقرطبة ، وجده سعيد ولد "بأونبه"ثم انتقل إلى قرطبة وولي فيها الوزارة ".(1) يدلنا هذا على أن أسرة ابن حزم كانت تتمتع بمكانة بارزة في الحياة السياسية منذ انتقالها إلى قرطبة وان "سعيد " أول من انتقل إليها، وهو الذي بني أمجادها حيث تولي منصب الوزارة ، ربما في عهد المستنصر الأموي الذي قضي نحبه في اليوم الثاني من صفر عام 366 هـ .
لقد امن الحَكم ولاية العهد لابنه الطفل هشام المؤيد ، الذي كان عمره احد عشر عاما عند وفاة الحكم . وكانت أمه صبح هي التي تشرف على أمره ، وتتمتع بالنفوذ المطلق منذ توليه الحكم . استطاع ابن أبي عامر "المنصور" احد موظفي الدولة أن يكسب عطف السيدة صبح ، فأسندت إليه بعض المناصب الهامة في القصر . وتمكن بفضل ذكائه أن يصل إلى منصب الحجابة ، وان يتولى تدبير الممالك ، بينما كان الخليفة الصوري هشام محجوبا في قصره . ليس له من الحكم سوي الرمز . أحاط المنصور نفسه بطبقة من رجال الأندلس النابهين فكان منهم الشعراء والأدباء والعلماء والفقهاء . من بينهم نجد والد الإمام أبي محمد ، احمد بن سعيد بن حزم ، الذي شغل منصب الوزارة . يصفه ابن حيان : "الوزير المعقل في زمانه ، الراجح في ميزانه ، ...، كان احد العلماء من وزراء المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر ، ووزر لابنه المظفر من بعده "(2) يلخص لنا ابن الابّار قصة ارتقاء المنصور العامري الحكم واستقلاله بإمارة الدولة دون الخليفة الأموي ثم دخوله التاريخ كمؤسس للدولة العامرية في الأندلس بقوله : "تصرف أول أمره في الوكالة لصبح أم هشام . والنظر في أموالها وضياعها ، ... ، ولما انقض العدو على اثر ذلك وخيف الاضطراب ، ولم يكن عند المصحفي (3) عناء و لا دفاع ضمن محمد بن أبي عامر لصبح أم هشام سكون الحال وزوال الخوف واستقرار الملك لابنها على أن ُيمد بالأموال . فدانت له أقطار الأندلس كلها وأمنت له ، ولم يضطرب عليه منها شيء أيام حياته بحسن سياسته وعظم هيبته ، ... ، فما زال يبطش بأعدائه إلى أن صار الخليفة حينئذ – هشام بن الحكم – ليس له من الأمر غير الاسم " (1) .لقد تمكن المنصور من الوقوف في وجه القشتاليين الذين اغتنموا فرصه موت الحكم المستنصر وقاموا بغارات متوالية على المناطق الخاضعة للدولة . ولعل هذا كان من أهم العوامل التي أدت إلى تثبيته .
بعد أن اطمأن إلى استتباب الأمن والدعة في البلاد ، بدأ في تصعيد منصبه . فأمر بالدعاء له على المنابر ، ونقش اسمه على السكة ، وأصبحت الكتب والأوامر تصدر باسمه . ثم انشأ مدينة الزاهرة سنة 368 هـ على نهر قرطبة ، بعد أن حشد لها الصناع وجلب لها الآلات الجليلة ، وتوسع في مخططها ، وبالغ في رفع أسوارها وشحنها بأسلحته وأمواله ، وخصص ما حولها لوزرائه وقواده وحجابه ، فابتنوا بها كبار الدور والقصور . لقد أصبح ابن أبي عامر سيد البلاد . رغم ذلك لم يدعو إلى نفسه بالخلافة ، خوفا من اشتعال الفتنة والثورة من الداخل ، لعدم انتمائه للبيت الأموي .يحدثنا ابن حزم في رسالة "نقط العروس" أن المنصور فكر في أن يتسمى بالخلافة لكنه تراجع بعد المشاورة . يقول ابن حزم : "والمنصور محمد بن أبي عامر أراد ذلك وجمع للمشورة فيه قوما من خواصه فيهم ابن عياش وابن فطيس وأبي رحمه الله ، فأما ابن عياش وابن فطيس فصوبا ذلك له ، و أما أبي رحمه الله فقال لهم : إني أخاف من هذا تحريك ساكن . والأمور كلها بيدك . ومثلك لا ينافس في هذا المعني ".(2) توضح هذه القصة مدي القوي التي كان يتمتع بها عامة الناس في الحكم وتحديد شخص الخليفة . كذلك تبين القصة بُعد نظر احمد بن سعيد وفهمه الدقيق لقوة الشعب . وهذا هو ما رآه المنصور فيه على ما يبدو . إذ أن المنصور كان قد استوزره قبل سائر أصحابه في سنة 381 هـ . وبلغ من ثقته به أن كان يستخلفه على المملكة في أوقات معينة .في عام 370 هـ انتقل المنصور إلى قصره بالزاهرة مبتعدا عن مدينة قرطبة مقر الخليفة الأموي . انتقل بانتقاله وزيره احمد بن سعيد وأسرته من دورهم القديمة الواقعة في الجانب الغربي من قرطبة إلى قصرهم الجديد بمدينة المنصور ، بعد أن أصبحت المقر الفعلي لإدارة دفة البلاد .
تبين الملاحظات المتناثرة التي يوردها ابن حزم في "طوق الحمامة"مدي فخامة القصر الذي قضي فيه مراحل حياته الأولي في ذلك الوسط المترف وبين الجواري اللائي كن على حظ كبير من الثقافة الأدبية والفنية . وما يحيط بالقصر من حدائق ومشارف جميلة تطل على مدينة قرطبة بالكامل .(1) فكأن ابن حزم قد حظي بأفضل ثمرات الحضارة التي وصلت لها الأندلس حتى وقته . لقد كانت فترة عهد الدولة العامرية (الأموية اسميا) من أزهر عهود الأندلس - لا من الناحية السياسية فقط – بل من نواحي أخري عديدة خصوصا العلمية ، حتى أصبحت الأندلس عامة وقرطبة خاصة أكبر مثابة للآثار الأدبية العربية .لاشك أن العصر الأموي عموما يمثل عصر العرب الذهبي في الأندلس من حيث نهضة الأدب والعلوم والفنون وازدهار العمران . ففي هذا العهد بنيت المساجد والقصور والمدارس والمكتبات وأنشئت الحدائق والبساتين حتى أن قرطبة غدت تنافس بغداد في المشرق . قال الحجاري في وصف قرطبة : "كانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام ، ومجتمع أعلام الأنام ، بها أستقر سرير الخلافة المروانية ، وفيها تمخضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية ، واليها كانت الرحلة في الرواية ، إذ كانت مركز الكرماء ، ومعدن العلماء ، وهي من الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد ".(2)وقد أشاد الكثير من المؤرخين بالمركز العلمي والحضاري الذي حظيت به قرطبة خاصة والأندلس عامة في عهد الدولة الأموية . قال ابن حزم :"اخبرني تليد الفتي ، وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس ، أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة ، في كل فهرسة خمسون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط".(3)وسط هذه الحياة الاجتماعية المترفة ، وهذا الوسط المتحضر ، نشأ ابن حزم في قصر أبيه الوزير ضمن أفراد الطبقة الأرستقراطية التي كانت تسكن قصور الزاهرة .استمرت فترة إمارة المنصور نحو سبعة وعشرين سنة وفي أواخر رمضان عام 392 هـ مرض مرضا شديدا أدى إلى وفاته . تولى بعده منصب الحجابة ابنه عبد الملك الملقب "بالمظفر".
بموت المنصور تنفس الناقمون عليه من الصقالبة والأسبان الصعداء ، وغمرتهم موجة الفرح ، فلقد دمر المنصور بلادهم واكتسح حصونهم ومعاقلهم وشرد جيوشهم وأذلهم وأزال سيادتهم . فظن بعضهم أن "الفرصة سنحت للتحرر من نير الحكم القائم والعودة إلى نظام الخلافة .ولكن السلطات العامرية كانت ساهرة ، فقبض في الحال على عدد من المحرضين ،.....،وأستتب الأمن لعبد الملك "(1) ، الذي ورث الكثير من صفات أبيه واجتمع الناس على حبه لعدله ، وإنسانيته، وحمايته للشرع ، وسهره على الرعية . ويذكر انه مما تقرب به إلى قلوب الناس انه اسقط سدس الجباية على جميع البلاد .ظلّ احمد بن سعيد بن حزم في منصب الوزارة الذي تقلده من أيام المنصور ، واستمرت أسرة ابن حزم على علاقتها الوطيدة مع البيت العامري ، حتى أننا نجد صاحبنا أبو محمد بن حزم ، بين مجالس المظفر الأدبية سنة 396 . يستمع في صحبه والده إلى المطارحات الشعرية والمحاورات الفكرية (2) ، يبدو من هذا أن احمد بن سعيد كان يعد ابنه الإعداد السليم فكريا باعتبار أن هذا الإعداد هو السُلّم الحقيقي للتقدم السياسي .
"حكم عبد الملك المظفر ستة أعوام وبضعة اشهر ، قضي معظمها في متابعة الغزو ،...، ولم يقع تبديل في طرق الحكم ، فكان الخليفة هشام كعهدة أيام المنصور محجوباً في قصر"(3) .
توفي المظفر في ظروف غامضة ، وأعقبه أخوه عبد الرحمن المنصور الملقب "بشنجوال"وتولي الحجابة لهشام المؤيد ، وجلس غداة وفاة أخيه بقصر الزاهرة ، غير أنه لم يرث شيئا من صفات أبيه وأخيه ، فابتعد عن الدين وطعن فيه قولاً وفعلاً ، وهمّ بالانهماك في الشرب ومتابعة المحرمات ، واشتهر بالزندقة ، فكان نحسا علي نفسه وعلى أهل الأندلس قاطبة(4) .بدأت طلائع الثورة وأمارات التغير من قبل العامة والخاصة في الظهور وبالذات ممن ينتمون إلى بني مروان . لم يهتم عبد الرحمن هذا بما يجري حوله وما يحاك ضده بل حدثته نفسه بأن يصبح ولي عهد للخليفة هشام المؤيد . وبالفعل تمكن من إقناع الخليفة بإصدار مرسوم يتولى بموجبه عبد الرحمن منصب ولاية العهد ، وتمّ تعميم المرسوم على كافة أرجاء الأندلس. ما أن شاع الخبر في قرطبة وما حولها ، حتى بدأت الأحقاد تتوقد وتطلع البعض للعمل الفعلي ، عندها انتهز أحد أحفاد عبد الرحمن الناصر – محمد بن عبد الرحمن ابن عبد الجبار – الفرصة ، وقاد ثورة استولي بها على قصر الخليفة ولقب نفسه بالمهدي وقتل عبد الرحمن المنصور في اليوم الثالث من رجب 399 هـ .بهذه الثورة بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الأندلس عامة وقرطبة خاصة – مرحلة الصراعات السياسية – بعد استقرار وهدوء استمر فترة غير قصيرة .
دالت الدولة العامرية المتخفية تحت الراية الأموية ، وسعدت قرطبة بالنصر الأموي .كانت العامة أكثر سعادة على حين تحفظت الطبقة الوسطي ولم تظهر مناصرتها للمهدي ، إذ أنها أحست بخطر هذه الثورة على مستقبلها منذ البداية . ذلك انه عندما دخل المهدي برجاله مدينة الزاهرة أمر بنقل الأشياء الثمينة فيها ، ولم يمانع في النهب والتدمير . وما أن ارتقي سدة الحكم لم تتبين فيه الفضائل المطلوبة في الحاكم ، بل كان قاسيا ، أحمقا غارقا في ملذاته "اعتمد على قوته التي تتألف من أراذل العامة واسافلهم ، وعارض بهم أجناد الدولة . أهل الدربة والحنكة ، واستوزر رجالا من الطبقة الدنيا ، وعلى هذا النحو اعتبر العامة من أهل قرطبة تولية المهدي انتصارا لهم "(1).
خشي المهدي أن يصبح اسم هشام المؤيد راية تلتقي عندها كل الجماعات التي أساء إليها . فأشاع بين الناس موت هشام وكان قد زج به في السجن ، واظهر للناس جثة ادعي أنها هشام ودفن بشهادة العامة والخاصة .تغير مجري الحياة في قرطبة – موطن صاحبنا ابن حزم – وبدأت حياة ابن حزم تتغير فعلي اثر ثورة المهدي لقي المحنة الأولي حيث دمرت دورهم بمدينة الزاهرة ، وأقصي والده من منصبه السياسي الذي وزر فيه للمنصور ولابنه المظفر بل ولعبد الرحمن "شنجوال"على ما يبدو الذي حكم لمدة لا تزيد عن ثلاثة اشهر .
يحدثنا ابن حزم عن محنته هذه في "طوق الحمامة" فيقول : "انتقل أبي رحمه الله من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة . وانتقلت أنا بانتقاله وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة "(1) اصطلي صاحبنا ابن حزم بنيران الفتنة التي أحدثها المهدي والتي لم تقف عند حد القضاء على دولة بني عامر، بل عصفت بالنظام والأمن ومزقت وحدة الأمة ، ودفعت أبناء قرطبة إلى معترك مروع من الفتن . رغم هذا يبدو أن "أبا عمر"احمد بن سعيد والد صاحبنا نال الأمان أثناء هجوم المهدي ورجاله على الزاهرة ، إذ ما نلبث قليلا حتى نجده انضم إلى جانب المهدي وظفر بتقديره ، وبلغت ثقته به أن أرسله مفاوضا عنه إلى سليمان بن هشام الناصر الذي حاصر قصر الخلافة مع بعض الجماعات الثائرة على أيام المهدي . وقد منحه ذلك شيئا من الهدوء والطمأنينة . لكن أهالي قرطبة كان لهم موقفهم من المهدي بعد أن عرفوا نواياه الاستبدادية واعتبروا انه السبب في كل ما حل بقرطبة من فساد ودمار منذ قيامه على هشام المؤيد وقتله له . لذا فقد نفروا منه ، وشغبوا عليه ، وتمكنوا من قتله . كانت تلك كارثة أخري لأسرة ابن حزم ، حيث ظهر هشام المؤيد حيا ، وبايعه أهالي قرطبة بالخلافة ، فدفعت الأسرة ثمن انقلابها في الولاء غالياً ، وذلك بالاعتقال والتعذيب .يحدثنا ابن حزم عن هذه الفترة "ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته ، وامتحّنا بالاعتقال والترقيب والاغرام الفادح والاستئثار وارزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا(2) ".
في هذه الأثناء أطبقت على ابن حزم سلسلة من النكبات . إذ عانت قرطبة موطنه من حصار البربر ، مما أدي إلى نقص مواردها وتفشي الأمراض فيها . فكان من ضحاياها "أبو بكر بن حزم "شقيق صاحبنا . وعنه يقول : "توفي أخي رحمه الله في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة احدي وأربعمائة وهو ابن اثنين وعشرين سنة "(3) . ثم دهته فاجعة موت أبيه وهو يقاسى أصعب الظروف نتيجة الاضطهاد الداخلي والحصار الخارجي .قال أبو محمد "توفي أبي الوزير رحمه الله ونحن في هذه الأحوال بعد صلاة العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنين وأربعمائة" (1) ثم كانت محنته الكبرى عام 404 هـ وهو عام دخول الخليفة المستعين سليمان ابن الحكم وجنود البربر قرطبة . قال أبو محمد في وصفه للمستعين ودخوله قرطبة:"كان شؤم الأندلس وشؤم قومه وهو الذي سلط جندا من البربر ، فأخلو مدينة الزاهرة وجمهور قرطبة ،...، واخلوا ما حول قرطبة من القرى والمنازل والمدن وافنوا أهلها بالقتل والسبي "(2) .ضاقت بابن حزم الحياة في قرطبة (3) بعد قيام الفتنة واجتياح جنود البربر منازل أسرته . فهاجر إلى المرية ومكث بها ثلاث سنوات . كانت المرية آن ذاك تابعة لنفوذ العامريين إذ كان يحكمها خيران العامري الصقلبي . قال أبو محمد في ذكر انتقاله من قرطبة إلى المرية : "ضرب الدهر ضرباته واجلينا عن منازلنا وتغلب علينا جند البربر ، فخرجت عن قرطبة أول محرم سنة أربع وأربعمائة (4) وفي خبر آخر يقول :"ألقت الفتنة جرأنها ووقع انتهاك جند البربر منازلنا في الجانب الغربي بقرطبة ونزولهم فيها،...،(5) وتقلبت بي الأمور إلي الخروج من قرطبة وسكني مدينة المرية "(6)
أي حياة هذه التي تفتحت عليها عينه بغثة ؟ نكبات تتوالى وهو دون سن العشرين ، غادر مسقط رأسه بعد أن ذاق فيه طعم طفولة سعيدة بين القصور والجواري ومجالس أهل العلم والساسة . فارق الأهل والأصدقاء ، ووجد نفسه في مواجهة ظروف حياتية صعبة ، شردت أسرته عن دورها وسلبت أموالها ، كذلك رأى استفحال أمر النصارى وضعف أمر المسلمين واستعانتهم بعضهم على بعض بأعدائهم . كل ذلك بلا شك ترك جراحا عميقة في نفسه . يبدو انه بدأ يشعر بوجوب العمل لبلاده وقومه ودينه وأن عليه أن يحمل العبء ويخوض لجة السياسة بكل ما تستلزمه من ألوان النضال والتدبير.بدأ ابن حزم في المرية حياة جديدة .
شعر بنوع من الاستقرار والهدوء مكنه من مواصلة تعليمه . لكن باله لم يهدأ فرغم تحسره على ماض جميل ضاع إلا انه انس في نفسه القوة والقدرة على الاستمرار في الحياة .يصف لنا ابن حزم دورهم في قرطبة متحسرا "ولقد اخبرني بعض الواردين من قرطبة وقد استخبرته عنها ، انه رأي دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد أمحت رسومها ، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها ، وغيرها البلى فصارت صحاري مجدبة بعد العمران وفيافي موحشة بعد الإنس ، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعاب مفزعة بعد الأمن ، ومأوي للذئاب ، ومعازف للغيلان ، وملاعب للجان ، ومكامن للوحوش بعد رجال كالليوث ".(1) لم يطل الهدوء بابن حزم في المرية ، فقد قامت الاضطرابات من جديد بنشوب النزاع بين الأمويين في قرطبة ويمثلهم "المستعين"وبني حمود ( وهم علويين كان لهم سلطان بمدينة سبتة بالمغرب ) حيث انتهي أمر الخلافة لعلي بن حمود عام 407 هـ بعد تحالفه مع خيران صاحب المرية الذي كان يزعم الولاء للأمويين . لقد أصبح ابن حزم محاطا بالشبه من قبل خيران باعتباره أموي الولاء وقد ورث ذلك عن جده ، قال أبو محمد : ".... انقطعت دولة بني مروان وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين ، وظهرت دولة الطالبية وبويع علي بن حمود الحسني، المسمي بالناصر بالخلافة ، وتغلب علي قرطبة وتملكها واستمر في قتاله إياها بجيوش المتغلبين بأقطار الأندلس".(2) ما هي إلا فترة الاستقرار لبني حمود وحليفهم خيران في الحكم حتى امتدت يد خيران إلى ابن حزم وزج به في السجن، وبذلك ذاق من جديد المحنة ، وبعد اشهر أطلق سراحه ونفي خارج المرية .يقول أبو محمد : "وفي اثر ذلك نكبني خيران صاحب المرية ، إذ نقل إليه من لم يتق الله عز وجل من الباغين – وقد انتقم الله منهم - عني وعن محمد بن إسحاق صاحبي إنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية ، فاعتقلنا عند نفسه اشهر ثم أخرجنا على وجه التغريب فصرنا إلى حصن القصر".(3)
بدأ ابن حزم بعد ذلك مرحلة جديدة من حياته إذ ما أن سمع بظهور الخليفة المرتضي ( عبد الحمن بن محمد الأموي)(4) في بلنسيه داعيا للحزب الأموي ، حتى سارع إلى مناصرته . قال أبو محمد : "ركبنا البحر قاصدين بلنسيه عند ظهور أمير المؤمنين المرتضي عبد الرحمن بن محمد " . وقد فوجئ ابن حزم عندما وجد أمامه في بلنسيه خيران الصقلبي إلى جانب الخليفة المرتضي يجند له الجند ويحشد له الأتباع . سار صاحبنا في الجيش الذي أعده المرتضي متجها إلى قرطبة . غير انه أثناء مرور الجيش بغرناطة نشبت الحرب مع واليها الصنهاجي ( زاوي بن زيزي البربري) أدت إلى هزيمة جيش المرتضي ووقوع ابن حزم في الأسر . لقد اخفق ابن حزم في تحقيق آماله حتى بعد دخوله للتجربة الحربية فعليا . لكنه أطلق سراحه بعد فترة وجيزة . في ذلك الوقت انتهي عهد على بن حمود في قرطبة وبدأ عهد أخوه القاسم . ترامت الأخبار بعدها بشيوع الطمأنينة والدعة في قرطبة ، فاتخذ صاحبنا طريقه إلي قرطبة عام 409 هـ ، دخل قرطبة بعد أن انهارت أعز الصور الوجدانية التي كانت تشوقه إليها . فقد نعي أثناء وجوده "ببلنسيه" في وفاة اعز أصدقاء صباه "ابن الطبني". ولنترك له الحديث "دخلت أنا قرطبة في خلافة القاسم بن حمود فلم أقدم شيئا على قصد أبي عمر القاسم بن يحي التميمي اخو عبد الله رحمه الله . فسألته عن حاله وعزيته عن أخيه وما كان أولي بالتعزية عنه مني".(1)
لم تطل خلافة بني حمود في قرطبة ، فقد ضعف أمر القاسم وتسلط عليه البربر حتى احتقروه . أراد أن يعزز موقفه فاختار جنده وحُرّاسه من السودان (2). وبدأ التضارب بين الفئتين ، وتمكن البربر من إسقاط عرشه بعد التآمر عليه بمعاونة يحي وإدريس أبناء أخيه فترك قرطبة ، وتولي الخلافة بعده يحي المذكور . غير أن عهده كسالفه لم يكن عهد استقرار خصوصا بعد أن تخلي البربر عن مناصرته .
سئم أهالي قرطبة تسلط البربر وتدهور أحوال الخلافة ، واجمعوا على رد الأمر لبني أمية . ومع تصدع بناء دولة الحموديين مقابل اشتداد قوة الحزب الأموي ، نجد انه في 414 هـ انتهي عهد الحموديين وآلت الخلافة للخليفة الأموي المستظهر( عبد الرحمن بن هشام الناصري). كان المستظهر رجل علم وأدب . فأراد أن يصبغ دولته بذلك الطابع . احد مظاهر ذلك اتخاذه وزرائه من رجال العلم والأدب ، وكان من بين هؤلاء صاحبنا أبو محمد بن حزم وابن عمه عبد الوهاب بن حزم ، قال ابن حيان في شأنهما "من أكمل فتيان الزمان فهماً ومعرفةً ، ونفاذاً في العلوم الرفيعة ، فقدمهم على سائر رجاله ، وأولاهم منتهي النفوذ والثقة"(3) غير أن الفساد الذي عم قرطبة وقف حائلا دون تحقيق المثل الرفيعة التي نادي بها المستظهر.نتج عن ذلك إثارة المشايخ الذين حقدوا على المستظهر وشهروا به . وما هي إلا فترة حتى وقعت الكارثة وقتل المستظهر سنة 414 هـ ، وتولي الخلافة بعده أموي آخر لقب نفسه بالمستكفي( محمد بن عبد الرحمن الناصري) . وقد عرف المستكفي بالبطالة والجهالة والرذالة . بذلك خابت آمال ابن حزم المتطلع إلى أمجاد الدولة الأموية الأولي . قال الإمام أبي عبد الله الحميدي "كان المستكفي في غاية التخلف وله في ذلك أخبار يقبح ذكرها وكان متغلبا عليه طوال مدته ، لا ينفذ له أمر ، ولا عقب له "(1) . عندما شعر المستكفي باهتزاز عرشه ، سلك مسلك العنف والإرهاب والسجن خاصة مع أولئك الذين كان لهم شأن في الحكومة السابقة . وقد نال أبن حزم حظه من ذلك والقي في السجن . لكن لم يطل عهد المستكفي حيث ثار عليه أهالي قرطبة وأتيح لابن حزم أن يخرج من السجن . ويحدثنا ابن حزم عن محنته هذه المرة . قال : "إني كنت معتقلا في يد الملقب بالمسكتفي محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر في مطبق وكنت لا أؤمن قتله لأنه كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين كثير الجهل غير مأمون ولا متثبت ، وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر رضي الله عنه وكان العيارين قد انتزوا بهذا الخاسر على المستظهر فقتله واستولي على الأمر ...."(2)
انقضت أيام الخليفة المستكفي سنة 416 هـ ، وانتابت قرطبة موجة من الفوضى والاضطرابات ، لاحاكم فيها ولا ضابط . تنبه بعض أعيان قرطبة إلى ضرورة وضع حد لإيقاف تلك الموجة "فاتفقوا بعد مدة طويلة على تقديم أبي بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر ، وهو اخو المرتضي ......فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة 418 هـ ، وتلقب بالمعتد بالله "(3) وكان آخر خلفاء بني أمية .وقد ذكر ياقوت عن صاعد (معاصر ابن حزم)(4) أن ابن حزم تقلد منصب الوزارة في عهد المعتد بالله غير أن هذا العهد كسالفه لم يمتد كثيرا .إذ عمت الفوضى وخابت آمال ابن حزم من جديد . فانصرف عن السياسة .
تذكر بعض الروايات أن انصرافه هذا جاء اختيارا . ربما بعد تيقنه من أن هذه الطريقة لن تؤدي به إلى ما يطمح إليه – اعني رجوع الدولة الأموية الأولي – حتى نجده يواسي نفسه على زوال دولة بني أمية ، مؤملا بعثها من جديد :
فلا تيأسي يا نفسُ علَّ زماننا
يعود بوجــهٍ مُقبلٍ غير مُدبر
كما صَرَفَ الرَّحمنُ مُلكَ أُميَّة
إليهم ولُوذي بالتَجَمُلِ والصَبّر(1)
غادر ابن حزم قرطبة وحط رحاله في الشاطبة احدي مدن إمارة بلنسية . غير انه لم يستقر بها بل انه ظل متنقلا بين إمارات شرق الأندلس وجنوبه الغربي . في الشاطبة نجده مشغولا بكتابه رسالة "طوق الحمامة" ردا على صديق له بالمرية . يقول في الصفحة الأولي منها "كتابك وردني من مدينة المرية إلى مسكني بحضرة شاطبة "(2) . وفي الصفحة الأخيرة من الرسالة يلخص لنا ما انتهي إليه حاله . إذ يقول : "فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مضطرب بما نحن فيه من نيؤ الديار ، والجلاء عن الأوطان ، وتغير الزمان ، ونكبات السلطان ، وتغير الإخوان ، وفساد الأحوال ، وتبدل الأيام ، وذهاب الوفر ، والخروج عن الطارف والتالد ، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد ، والغربة في البلاد ، وذهاب المال والجاه ، والفكر في صيانة الأهل والولد ، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل "(3)
للأسف لا تسعفنا المصادر التي بين أيدينا بما يسمح لنا أن نتابع بشكل دقيق رحلاته في مراحل حياته الأخيرة . هناك فقط بعض العبارات المتناثرة التي قد نتبين منها الأماكن التي نزل بها . قال أبو محمد : "ولقد سألني عبد الله بن كليب من أهل القيروان أيام كوني بالمدينة"(4) هذا الخبر يدل على انتقاله إلى القيروان بافريقية وإقامته بها ، وعقد مجالس المناظرة مع علمائها . إضافة إلى أننا نجد له مناظرات مع أبو الوليد الباجي في "جزيرة ميورقة". كذلك نعلم أن ابن حزم كان على صداقة مع واليها احمد بن رشيق .نلتقي به أيضا في اشبيلية التي أقام بها فترة في ظل أميرها المعتضد بن عباد . لم يطل به المقام بها حيث واجهته نقمة الفقهاء وسخط السلطان ، فانتقل إلى منقطع أصله في بادية "لبله" وأقام هناك بقية حياته يطلّع ويؤلف ويبث مذهبه بين الناس . كانت لبله تابعة للمعتضد بن عباد الذي لم يجد شيئا ينال به من شخص ابن حزم فاحرق كتبه علانية في اشبيلية ، وقد وصل الخبر لابن حزم قبل وفاته فاستقبله بصدر واسع وانشد قوله
فان تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس بل هو في صـــدر
ييسير معــي حيث استقلت ركائبي
وينزل إن انزل ويدفــــــن في قبري
دعوني من إحــــراق رقٍ وكاغد
وقولوا بعـــلم كي يري الناس من يدري
وإلاّ فعــــودوا في المكاتب بدأة
فكم دون ما تبغـــــــون لله من ستر

ليست هناك تعليقات: