14‏/10‏/2008

نوادر مسامرات ابى حيان ( أ )

مقدمة

جمعت في هذه المؤانسة نوادر مسامرات أبي حيان لأربعين ليلة استأنس فيها بمجلس الوزير أبي عبد الله العارض. علها تبعث لدى القارئ الذي لم يسبق له قراءة كتاب "الإمتاع والمؤانسة" شغفا لقراءته والاستئناس بمجالس المؤلف الذي قيل عنه " فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة " ففي تجارب المتقدمين مرايا المتأخرين، ويستغني عن فضل الزيادة في التقديم بما قاله أحمد أمين .

قال أحمد أمين : أبو حيان من أولئك العلماء والأدباء الذين أصيبوا في حياتهم بالبؤس والشقاء، وظل حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحترف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار، يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه ، فلم يحظ من كل ذلك بطائل ... مدح وأطرى ، بكى واشتكى، وهدد و أوعد ، فما نفعه مدحه ولا ذمه ، ولا إطراؤه ولا هجاؤه، فإن استفاد شيء مما عاناه أبو حيان ، فإنما هو الأدب بما كتب وألف، وبما هجا واستعطف.ولم يكن حظه بعد وفاته بأحسن من حظه في حياته ، فقد عجب ياقوت من مؤرخي الرجال لم يترجموا له، مع أنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، ولم نعثر فيما بين أيدينا من الكتب على ترجمة وافية لحياته إلا نتفا قصيرة وأخبار ضئيلة.وأراد هو أن ينتقم من الناس الذين كفروا صنيعه، وجحدوا علمه وأدبه ، فأحرق في آخر أيامه كتبه، وقال ( أني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم ، ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله ... ولقد اضطررت بينهم بعد العشرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة ، وإلى بيع الدين والمروءة ، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم ، ويطرح في قلب صاحبه الألم ).ولتأليف أبي حيان – لكتاب الإمتاع والمؤانسة – قصة ممتعة ، ذلك أن أبو الوفاء المهندس كان صديقا لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض، فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير، ووصله به، ومدحه عنده ، حتى جعل الوزير أبي حيان من سماره .. ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث.قال القفطي في وصفه للكتاب : ( كتاب ممتع على الحقيقة لمن له مشاركة في فنون العلم ، فإنه خاض كل بحر، وغاص كل لجة ، وما أحسن ما رأيته على ظهر نسخه من كتاب الإمتاع بخط بعض أهل جزيرة صقلية وهو : ابتدأ أبو حيان كتابه صوفيا، وتوسطه محدثا، وختمه سائلا ملحفا ).قسم أبو حيان كتابه إلى ليالي ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة قال لي وسألني وقلت له وأجبته . وكان الذي يقترح الموضوع دائما هو الوزير.موضوعات الكتاب متنوعة تنوعا ظريفا لا تخضع لترتيب ولا تبويب ، وإنما لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث... الكتاب مؤنس كاسمه ، يلقى نورا كثيرا على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع – العصر البويهي ... أسلوب أبي حيان في الكتاب أسلوب أدبي راق.. يحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة ، وتوليد المعاني منها ... ولعلنا .. نحسن إلى أبي حيان بالتعريف بقيمته ، والإشادة بذكره ، بعد أن أساء إليه الزمان، فأماته في حياته ، وأخمد اسمه بعد وفاته .

******************

نوادر مسامرات ابى حيان في ليالى الامتاع والمؤانسة

(1 ) 

 قال أبو حيان التوحيدي :.. أعوذ بالله الملك الحق الجبار العزيز الكريم الماجد أن أجهل حظي ، وأعمى عن رشدي ، وألقى بيدي إلى التهلكة ، وأتجانف إلى ما يسوئني أولا ولا يسرني آخرا ؛ وأنا في ذيل الكهولة وبادئة الشيخوخة ، وفي حال من إن لم تهده التجارب فيما سلف من أيامه ، في حال سفره ومقامه ؛ وفقره وغنائه ، وشدته ورخائه ، وسرائه وضرائه ، وخيفته ورجائه ، فقد انقطع الطمع من فلاحه ووقع اليأس من تداركه واستصلاحه ؛ فإلى الله أفزع من كل ريث وعجل وعليه أتوكل في كل سؤل وأمل ، وإياه أستعين في كل قول وعمل.

(2) 

 قال أبو حيان :.. أيها الشيخ – حفظ الله روحك ، ووكل السلامة بك ، وأفرغ الكرامة عليك ، وعصب كل خير بحالك ، وحشد كل نعمة في رحابك ورحم هذه الجماعة الهائلة – من أبناء الرجاء والأمل – بعنايتك، ولا قطعك من عادة الإحسان إليهم ، ولا ثني طرفك عن الرقة لهم ، ولا زهدك في اصطناع حاليهم وعاطلهم، ولا رغب بك عن قبول حقهم لبعض باطلهم ، ولا ثقل عليك إدناء قريبهم وبعيدهم ، وانالة مستحقهم وغير مستحقهم أكثر مما في نفوسهم وأقصى ما تقدر عليه من مواساتهم ، من بشر تبديه، وجاه تبذله ، ووعد تقدمه ، وضمان تؤكده ، وهشاشة تمزجها ببشاشة ، وتبسم تخلطه بفكاهة فإن هذه كلها زكاة المروءة ، ورباط النعمة ، وشهادة بالمحتد الزكي والعرق الطيب والمنشأ المحمود ، والعادة المرضية.. واسأل الله بعد هذا كله ألا يسهم وجهي عندك

(3) .

 قال أبو حيان معبرا عن لائمة أبو الوفاء له :.. انك تخلو بالوزير – أدام الله أيامه – ليالي متتابعة ومختلفة ، فتحدثه بما تحب وتريد ، وتلقي إليه ما تشاء وتختار، وتكتب إليه الرقعة بعد الرقعة ؛ ولعلك في عرض ذلك تعدوا طورك بالتشدق وتجوز حدك بالاستحقار ، وتتطاول إلى ما ليس لك ، وتغلط في نفسك ، وتنسى زلة العالم ، وسقطة المتـحري ، وخجلة الــواثق ، هـــذا وأنت غر لا هيئة لك في لقاء الكبراء ، ومحاورة الوزراء ، وهذه حال تحتاج فيها إلى عادة غير عادتك ، وإلى مران سوى مرانك ، ولبسة لا تشبه لبستك ، وقل من قرب من وزير خدم فأجاد ، وتكلم فأفاد ، وبسط فزاد ؛ إلا سكر، وقل من سكر إلا عثر ، وقل من عثر فأنتعش. وما زهد في هذه الحال كثير من الحكماء الأولين والعباد الربانيين ؛ إلا لغلظها وصعوبتها ، ومكروه عاقبتها ، وشدة الصبر على فوارضها ورواتبها، وتفسخ المتن بين حوادثها ونوائبها

(4).

 قال أبو حيان معبرا عن لائمة أبو الوفاء له :.. وبعد، فما أطيل ، ولعل لهب الموجدة يزداد، ولسان الغيط يغلو ، وطباع الإنسان تحتد ، والندم على ما أسلفت من الجميل يتضاعف ؛ ولست أنت أول من بر فعق ، ولا أنا أول من جفي فنق . وهذا فراق بيني وبينك وآخر كلامي معك ..انتظر عقبي استيحاشي منك ، وتوقع قلة غفولي عنك ، وكأني بك وقد أصبحت حران حيران يا أبا حيان ، تأكل إصبعك أسفا ، وتزدرد ريقك لهفا ، .. هيهات هيهات ؛ رقدت فحلمت ، فخيرا رأيت وخيرا يكون

( 5).

 قال أبو حيان :.. إلى ههنا بلغ فيض عتبك ولائمتك ، وفي دون ذلك تنبيه للنائم ، وإيقاظ للساهي ، وتقويم لمن يقبل التقويم ؛ وقد قال الأول : ألا إنما يكفي الفتى عند زيغه ** من الأود البادي ثقاف المقوم .. لا أنفر من التزام الذنب والاعتراف بالتقصير؛ ومثلي يهفو ويجمح ، ومثلك يعفو ويصفح ، .. أعنتني على ما كان مني ، ودللت على مللك لي ؛ وأنك كنت مترصدا لهذه الهفوة ومعتقدا في مقابلتها هذه الجفوة، وكرمك يأبى عليك هذا ، ومثولي بين يديك .. يحظره عليك

(6) .

 .. وليكن الحديث على تباعد أطرافه ، واختلاف فنونه مشروحا .. أثق الحدف المخل بالمعنى، والإلحاق المتصل بالهدر، واحذر تزيينه بما يشينه، وتكثيره بما يقلله ، وتقليله عما لا يستغني عنه؛ وأعمد إلى الحسن فزد في حسنه ، وإلى القبيح فانقص في قبحه ، .. ولا تومي إلى ما يكون الإفصاح عنه أحلى في السمع ، وأعذب في النفس ، وأعلق بالأدب ؛ ولا تفصح عما تكون الكناية عنه أستر للعيب ، وأنفى للريب ، فإن الكلام صلف تياه لا يستجيب لكل إنسان ، ولا يصحب كل لسان ؛ وخطره كثير، ومتعاطيه مغرور ، وله أرن كأرن المهر وإباء كإباء الحرون ، وزهو كزهو الملك ، وخفق كخفق البرق ؛ وهو يستسهل مره ويتعسر مرارا .. مجراه على اللسان ، واللسان كثير الطغيان .. أعرف قدرك تسلم ، وألزم حدك تأمن ، فليس الكودن من العتيق في شيء.

( 7 )

 قال أبو حيان :.. لا كلفة شاقة إذا أكسبتني مرضاتك ؛ وان كان ذلك يمر بأشياء كثيرة ومختلفة ، متعصية غريبة، منها ما يشيط به الدم المحقون ، وينزع من أجله الروح العزيز ، ويستصغر معه الصلب ، ولا يقنع فيه بالعذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ؛ وان كان فيها غير ذلك مما يضحك السن ، ويفكه النفس ، ويدعوا إلى الرشاد ، ويدل على النصح ، ويؤكد الحرمه، ويعقد الذمام ، وينشر الحكمة ، ويشرف الهمة، ويلقح العقل ، ويزيد في الفهم والأدب .. وينفق بضاعة أهل العلم في السوق الكاسدة ، ويوقظ العيون الناعسة .. ويكون سببا قويا على حسن الحال وطلب العيش ، فإن هذه العاجلة محبوبة ، والرفاهية مطلوبة ، والمكانة عند الوزراء بكل حول وقوة مخطوبة، والدنيا حلوة خضرة وعذبة نضرة ، ومن شف أمله شق عمله ؛ ومن اشتد إلحاحه توالى غدوه ورواحه، ومن أسره رجاؤه ، طال عناؤه ، وعظم بلاؤه ، ومن التهب طمعه وحرصه ، ظهر عجزه ونقصه

( 8 )

 قال معاوية لأبي بكر عبد الرحمن ابن الحارث – ورآه لا يلي له عمل ، ولم يقبل منه نائلا - : يا ابن أخي ، هي الدنيا ، فإما أن ترضع معنا ؛ وإما أن ترتدع عنا.

( 9 )

 نعوذ بالله من الفقر خاصة إذا لم يكن لصاحبه عياذ من التقوى ، ولا عماد من الصبر ، ولا دعامة مـن الأنفة ، ولا اصطبار على المرارة.

( 10 )

 رأيت الناس يعيبون ابن العميد حين قال : أنا أعجب من جهل الشاعر الذي قال :

أنت للمال اذا أمسكته ** فإذا أنفقته فالمال لك

هذا لقولهم بحكمته وعقله وتحصيله ، وصواب الجاهل لا يستحسن كما يستقبح خطأ العاقل.

(11)

 كانوا إذا ولوا عدلوا ، وإذا ملكوا أفضلوا ، وإذا أعطوا أجزلوا ، وإذا سئلوا أجابوا ، وإذا جادوا أطابوا ، وإذا عالوا صبروا ، وإذا نالوا شكروا ، و إذا أنفقـوا واسوا ، وإذا امتحنوا تآسوا، وكانوا إذا تلاقوا تواصوا بالخير ، وتناهوا عن الشر، وتنافسوا في اتخاذ الصنائع.

(12) 

 لا تكون الرياسة حتى تصفوا من شوائب الخيلاء ، ومن مقابح الزهو والكبرياء .. قال ابن السماك للرشيد وقد عجب من رقته وحسن إصاخته لموعظته وبليغ قبوله لقوله وسرعة دمعته على وجنته -: يا أمير المؤمنين ، لتواضعك في شرفك أشرف من شرفك ، وأني أظن أن دمعتك هذه قد أطفأت أودية من النار وجعلتها بردا وسلاما.

(13)

 قال عمر بن عبد العزيز : والله أني لاشتري المحادثة من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت مال المسلمين . فقيل له : يا أمير المؤمنين ، أتقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك وتنزهك ؟ فقال : أين يذهب بكم ؟ والله إني لأعوذ برأيه ونصحه وهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف دنانير ، إن في المحادثة تلقيحا للعقل ، وترويحا للقلب ، وتسريحا للهم ، وتنقيحا للأدب .

( 14 )  قال الشاعر :

ومن لا يذد عن حوضه الناس أو يكن ** له جانب يشتد أن لآن جانب

يطأ حوضه المستوردون وتغشه ** شوائب لا تبقى عليها النقائب

وما ضاع قولهم : لا تكن حلوا فتؤكل ، ولا مر فتعاف . ليس الحذر يقي فكيف التهور ، أههنا لحي تسحب كل يوم ، وطوارق تتوقع كل ليلة ! والتوكل والاستسلام يليقان بأهل الدين في طلب الآخرة ؛ فأما أصحاب الدنيا وأرباب المراتب ، فيجب أن يدعوا ألهوينا جانبا ، ويشمروا للنفع والضر ؛ والخير والشر ويكون ضرهم أكثر ، وشرهم أغلب ؛ ورهبوت خير من رحموت . ولهذا قال الإعرابي :

وفي الشر نجاة ** حين لا ينجيك إحسان.

وقال ابن دارة :

كنت يوما طالب القوم فاطرح ** مقالتهم واذهب بهم كـل مذهب

وقارب بذي حلم وباعد بجاهل ** جلوب عليك الشر من كل مجلب

فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا ** ليستمسكوا مما يريدون فاحدب

وان حلبوا خلفين فاحلب ثلاثة ** وان ركبوا يوما لك الشر فاركب

وقال الحجاج بن يوسف أبو محمد – وهو من رجالات العرب وقد قهر العجم بالدهاء والزكانة - ( لو أخذت من الناس مائة ألف ، كان أرضي عني من أن أفرق فيهم مائة ألف ) .

( 15 ) 

 قال ابن جبلة : من أراد أن يحسن القبيح عند رضاه ، ويقبح الحسن عند سخطه فعل ، ولا يخلوا أحد تهب ريحه ، ويعلوا شأنه ، وينفذ أمره و نهيه من حاسد وقارف .

(16)

 قال الوزير :أني أريد أن أسألك عن ابن عباد فقد انتجعته وخبرته وحضرت مجلسه .فقلت : إن الرجل كثير المحفوظ حاضر الجواب فصيح اللسان ؛ قد نتف من كل أدب خفيف أشياء، وأخذ من كل فن أطرافا .. والناس كلهم محجمون عنه ، لجرأته وسلاطته واقتداره وبسطته ؛ شديد العقاب طفيف الثواب ، طويل العتاب ؛ بذيء اللسان ؛ يعطي كثيرا قليلا ، مغلوب بحرارة الرأس ، سريع الغضب، بعيد الفيئة قريب الطيرة ، حسود حقود حديد، وحسده وقف على أهل الفضل ، وحقده سار إلى أهل الكفاية .. وقد قتل خلقا ، وأهلك ناسا ، ونفى أمة ، نخوة وتعنتا وتجبرا وزهوا... يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرا ، ويدفعه إلى أبي عيسى بن المنجم ، ويقول : قد نحلتك هذه القصيدة ، أمدحنى بها في جملة الشعراء ، وكن الثالث من الهمج المنشدين ، فيفعل أبو عيسى – وهو بغدادي محكك وقد شاخ على الخدائع وتحنك – وينشد ، فيقول له عند سماعه شعره في نفسه ووصفه بلسانه ، ومدحه من تحبيره : أعد يا أبا عيسى ، فإنك – والله – مجيد زه يا أبا عيسى والله ، قد صفا ذهنك ، وزادت قريحتك ، وتنقحت قوافيك ؛ ليس هذا من الطراز الأول حين أنشدتنا في العيد الماضي ، مجالسنا تخرج الناس وتهب لهم الذكاء ، وتزيد لهم الفطنة ، وتحول الكودن عتيقا ، والمحمر جوادا ؛ ثم لا يصرفه عن مجلسه إلا بجائزة سنية ، وعطية هنية ؛ ويغيظ الجماعة من الشعراء وغيرهم ، لأنهم يعلمون أن أبا عيسى لا يقرض مصراعا ولا يزن بيتا ولا يذوق عروضا.قال يوما : من في الدار؟ فقيل : أبو القاسم الكاتب وابن ثابت ؛ فعمل في الحال بيتين ، وقال لإنسان بين يديه إذا أذنت لهذين فادخل بعدهما بساعة وقل : ( قد قلت بيتين، فإن رسمت لي إنشادهما أنشدت ) وأزعم أنك بدهت بهما ، ولا تجزع من تأففي بك ، ولا تفزع من نكري عليك ، ودفع البيتين إليه ، وأمره بالخروج إلى الصحن ؛ وأذن للرجلين حتى وصلا : فلما جلسا وأنسا دخل الآخر على تفيئتهما ، ووقف للخدمة ، وأخذ يتلمظ يرى أنه يقرض شعرا ؛ ثم قال : يا مولانا ، قد حضرني بيتان ، فإن أنت أذنت لي أنشدت، قال : أنت إنسان أخرق سخيف ، لا تقول شيئا فيه خير ، إكفني أمرك وشعرك . قال : يا مولانا ، هي بديهتي ، فإن نكرتني ظلمتني ، وعلى كل حال فاسمع، فإن كانا بارعين وإلا فعاملني بما تحب . قال : أنت لجوج ، هات . فأنشد : يا أيها الصاحب تاج العلا لا تجعلني نهزة الشامت بملحد يكني أبا القاسم ومجبر يعزي إلى ثابت قال : قاتلك الله ، لقد أحسنت وأنت مسيء . قال لي أبو القاسم : فكدت أتفقأ غيظا ، لأني علمت أنه من فعلاته المعروفة ؛ وكان ذلك الجاهل لا يقرض بيتا ، ثم حدثني الخادم الحديث بنصه.والذي غلطه في نفسه وحمله على الإعجاب بفضله والاستبداد برأيه ، أنه لم يجبه قط بتخطئة ، ولا قوبل بتسوئة ؛ ولا قيل له : أخطأت أو قصرت أو لحنت أو غلطت أو أخللت ، لأنه نشأ على أن يقال : أصاب سيدنا ، وصدق مولانا ، ولله دره ، ولله بلاؤه ، ما رأينا مثله ، ولا سمعنا من يقاربه.

(17)

 عروة بن الورد في الجاهلية ، كان يقال له عروة الصعاليك، لأنه كان يؤويهم ويحسن إليهم كثيرا. قال :

ذريني للغنى أسعى فإني ** رأيت الناس شرهم الفقير

وأبعدهم وأهونهم عليهم ** وإن أمسى له حسب وخير

ويقصيه الندي وتزدريه ** حليلته وينهره الصغير

وتلقى ذا الغنى وله جلال ** يكاد فؤاد صاحبه يطير

قليل ذنبه والذنب جم ** ولكن الغنى رب غفور

(18)

 ما أحسن ما كتب به أحمد بن إسماعيل بن الخصيب إلى آخر : الكبر – أعزك الله – معرض يستوي فيه النبيه ذكرا ، والخامل قدرا ، ليس أمامه حاجب يمنعه ، ولا دونه حاجب يحظره ؛ والناس أشد تحفظا على الرئيس المحظوظ ، وأكثر اجتلاء لأفعاله ، وتتبعا لمعايبه ، وتصفحا لأخلاقه، وتنقيرا عن خصاله .. صغير الذنب يكبر منه ، وقليل الذم يسرع إليه : ولابن هندو في هذا المعنى :

العيب في الرجل المذكور مذكور ** والعيب في الخامل المستور مستور

كفوفة الظفرتخفى من مهانتها ** ومثلها في سوداء العين مشهور

(19)

 قال أحمد بن محمد : ليس شيء أنفع للمنشئ من سوء الظن بنفسه ، والرجوع إلى غيره وإن كان دونه في الدرجة ، وليس في الدنيا محسوب إلا وهو محتاج إلى تـثـقيف ، والمستعين أحزم من المستبد ، ومن تفرد لم يكمل، ومن شاور لم ينقص.

(20)

 قالت الترك : ينبغي للقائد العظيم أن يكون فيه عشرة خصال من ضروب الحيوان : سخاء الديك ، وتحنن الدجاجة ، ونجدة الأسد ، وحملة الخنزير ، وروغان الثعلب ، وصبر الكلب ، وحراسة الكركي ، وحذر الغراب ، وغارة الذئب ، وسمن بعروا ، وهي دابة بخراسان تسمن على التعب والشقاء.

(21) 

 اليرابيع إذا أجمعت في موضع ارتفع رئيس لها حتى يكون في موضع مشرف أو على صخرة أو تل ينظر منه إلى الطريق من كل ناحية ، فإن رأى أحدا مقبلا أو سبعا صر بأسنانه وصوت ، فإذا سمعته انصرفت عن الموضع إلى جحرتها فإذا أغفل ذلك وعاينت البقية سبعا أو راجلا قبل أن يراه ذلك الرئيس انصرفت إليه وقتلته لتضييعه أو غفلته. وإن كان حسن الرصد مضت اليرابيع فقطعت .. أطيب العشب فحملته بأفواهها حتى تأتيه تحية وتكرمة . وإذا كانت في جحرتها خرج الرئيس أولا فيبصر الطريق ، فإن لم ير أحد صر بأسنانه وصوت لها لتخرج فترعى.

(22) 

 قل من يجهد جهده في التقرب إلى رئيس أو وزير، إلا جد في إبعاده من مرامه كل صغير وكبير.

(23)

 قال – المقدسي - : الناس أعداء ما جهلوا، ونشر الحكمة في غير أهلها يورث العداوة ويطرح الشحناء ويقدح زند الفتنة.

ليست هناك تعليقات: