14‏/10‏/2008

نوادر مسامرات ابي حيان ( ب )

( 24 ) 

 لما تقلد كسرى أنوشروان مملكته عكف على الصبوح الغبوق، فكتب إليه وزيره رقعة يقول فيها : إن في إدمان الملك ضررا على الرعية ، والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمور المملكة . فوقع على ظهر الرقعة بالفارسية بما ترجمته : يا هذا ، إذا كانت سبلنا آمنة ، وسيرتنا عادلة ، والدنيا باستقامتنا عامرة، وعمالنا بالحق عاملة، فلم نمنع فرحه عاجلة.قال – الوزير – من حدثك بهذا ؟ قلت أبو سليمان شيخنا ، قال : فكيف كان رضاه عن هذا الملك في هذا القول ؟ فقلت اعترض فقال : أخطأ من وجوه، إحداها أن الإدمان إفراط والإفراط مذموم ؛ والآخر أنه جهل أن أمن السبيل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحق متى لم يوكل بها الطرف الساهر ولم تحط بالعناية التامة ، ولم تحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظام ، دب إليها النقص والنقص باب للانتفاض، مزعزع للدعامة ، والآخر أن الزمان أعز من أن يبذل في الأكل والشرب والتلذذ والتمتع ، فإن تكميل النفس الناطقة باكتساب الرشد لها وإبعاد الغي عنها ما يستوعب أضعاف العمر ، فكيف إذا كان العمر قصيرا .. والآخر أنه ذهب عليه أن الخاصة والعامة إذا وقفت على استهتار الملك باللذات ، وانهماكه في طلب الشهوات ، ازدرته واستهانت به، وحدثت عنه بأخلاق الخنازير وعادات الحمير، واستهانة الخاصة والعامة بالناظر في أمرها والقيم بشأنها متى تكررت على القلوب تطرقت إلى اللسان ، وانتشرت في المحافل، والتفت بها بعضهم إلى بعض ، وهذه مكسرة للهيبة، وقلة الهيبة رافعة للحشمة ، وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة ، والوثبة غير مأمونة الهلكة ، وما خلا الملك من طامع وراصد قط ، وليس ينبغي للملك الحازم أن يظن أنه لا ضد له ولا منازع ، وقد ينجم الضد والمنازع من حيث لا يحتسب ، وما أكثر خجل الواثق ! وما أقل حزم الوامق ! وما أقل يقظة المائق.

(25)

 اجتمع الناس .. فلما نزل الوزير .. صاحوا وضجوا وذكروا غلاء القوت وعوز الطعام وتعذر الكسب وغلبة الفقر وتهتك صاحب العيال ، وأنه أجابهم بجواب مر مع قطوب الوجه و إظهار التبرم بالاستغاثة : بعد لم تأكلوا النخالة .
(26)

 قال حديفة : كن في الفتنة كابن اللبون ، لأظهر فيركب ، ولا لبن فيحلب .

(27) 

قال فيثاغورس : إن كثيرا من الناس يرون العمى الذي يعرض لعين البدن فتأباه أنفسهم ، فأما عمي عين النفس فإنهم لا يرونه ولا تأباه أنفسهم ، فلذلك لا يستحيون .

(28)

قال – الوزير- المجوس تزعم ان الشريعة معرجة عن الملك، أي الذي يأتي بها ليس له أن يعرج على الملك . بل أن يكل الملك إلى من يقوم به على أحكام الدين .

(29) 

 الشريعة سياسة الله في الخلق ، والملك سياسة الناس للناس ، على ان الشريعة متى خلت من السياسة كانت ناقصة ، والسياسة متى عريت من الشريعة كانت ناقصة . والملك مبعوث ، كما أن صاحب الدين مبعوث .. قال الله عز وجل في تنزيله : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا .

(30)

 ذكر للاسكندر سوء أحوال رؤساء مذهبه لما كان أبوه احتاز أموالهم وسلب أحوالهم . فقال :- يجب للآباء على الأبناء إزالة الذم عنهم ، ومحوا الإثم ، واستعطاف القلوب عليهم ، ونشر المحامد عنهم ؛ وأمر برد أموالهم عليهم ، وزاد في الإحسان إليهم ، وقال : قد بلغ من فرط شفقة الآباء على الأبناء أن يسيئوا إلى أنفسهم لتكون الإساءة سببا للإحسان إلى أولادهم.

(31)

 المنصور جعفر صاحب الشهامة والصرامة أخذ من وجوه العراق أموالا بخواتيم أصحابها وأفقرهم ، وجعلها في خزائنه بعد أن كتب على تلك الخرائط والظروف أسماء أهلها ، ثم وصى المهدي بردها على أصحابها بعد موته ، ووكد ذلك عليه ، قال : يا بني ، إنما أريد بهذا أن أحببك إلى الناس ، ففعل المهدي ذلك ؛ فأنتشر له الصيت وكثر الدعاء وعجت الأصوات ، وقال الناس : هذا هو المهدي الذي ورد في الأثر.

(32)

قال بعض ندماء الاسكندر له : إن فلانا يسيء الثناء عليك ، فقال : أنا أعلم أن فلانا ليس بشرير ، فينبغي أن ينظر هل ناله من ناحيتنا أمر دعاه إلى ذلك . فبحث عن حاله فوجدها رثة، فأمر له بصلة سنية ، فبلغه بعد ذلك أنه يبسط لسانه بالثناء عليه في المحافل ؛ فقال : أما ترون أن الأمر إلينا أن يقال فينا خير أو شر.

( 33)

 قال سقراط : ينبغي إذا وعظت ألا تتشكل بشكل منتقم من عدو ، ولكن بشكل من يسعط . ويكوي بعلاجه داء بصديق له .

(34) 

قيل لهوميروس : ما أصبرك على عيب الناس لك ! قال : لأنا أستوينا في العيب ، فأنا عندهم مثلهم عندي.

وقيل للأسكندر : أي شيء أنت به آسر؟ قال : قوتي على مكافأة من أحسن إليّ بأحسن من إحسانه.

وقال ديوجانس : إن إقبالك بالحديث على من لا يفهم عنك بمنزله من وضع المائدة على مقبرة.

(35) 

 يجب ان يجتنب جانب السلطان بغاية الاستطاعة والامكان ، الا اذا كان الدهر سليما من الافآت الغالبة .. اى ان يكون الدين طريا ، والدولة مقبلة ، والخصب عاما ، والعلم مطلوبا ، والحكمة مرغوبا فيها ، والاخلاق طاهرة ، والدعوة شاملة ، والقلوب سليمة ، والمعاملات متكافئة ، والسياسة مغروسة ، والبصائر متقاربة .

(36) 

 كم من دم سفكه فم ، كم إنسان ، أهلكه لسان ، رب حرف أدى إلى حتف ، لا تفرط فتسقط .. من طال عدوانه ، زال سلطانه .. من استهدى بالأعمى عمى عن الهدى .. زوال الدول باصطناع السفل .. ظلم العمال من ظلمه الأعمال .. من بعد مطمعه قرب مصرعه.

(37)

قال على بن ابى طالب – كرم الله وجهه - لرجل من بنى تغلب يوم صفين : آآثرتم معاوية ؟ فقال ما آثرناه ، ولكنا آثرنا القسب الاصفر ، والبر الاحمر ، والزيت الاخضر .

(38)

 أصاب عبد الرحمن بن مدين – وكان رجل صدق بخراسان – مالا عظيما فجهز سبعين مملوكا بدوابهم وأسلحتهم إلى هشام بن عبد الملك ، ثم أصبحوا معه يوم الرحيل ، فلما استوي بهم الطريق نظر إليهم فقال : ما ينبغي لرجل أن يتقرب بهؤلاء إلى غير الله . ثم قال : اذهبوا أنتم أحرار ، وما معكم لكم .

(39) 

 قال أعرابي : من قبل صلتك فقد باعك مروءته ، وأذل لقدرك عزه .

(40) 

 كان حاجب المنصور يضرب من شمت الخليفة عندالعطسة ، فيشتكي ذلك إلى أبي جعفر المنصور ، فيقول : أصاب الرجل السنة ، وأخطأ الأدب.

(41) 

 قال أبو النضر نفيس : .. للرأي زلات ، كما أن للسان فلتات ، وللحكيم هفوات ، كما أن للجواد عثرات .. ومحبة الرجال للرجال فتنة حاملة على قبول الباطل ، وبغض الرجال للرجال فتنة حاملة على رد الحق .

(42) 

 قال أبو سليمان : منابع الفساد ومنابت التخليط كلها من الحاشية التي لا تعرف نظام الدولة ولا استقامة المملكة ؛ وإنما سؤلها تعجيل حظ وإن كان نزرا ، واستلاب درهم وإن كان زيفا.

(43) 

 مر حاتم بقوم يكتبون العلم فنظر إليهم وقال : إن لم يكن معكم ثلاثة أشياء لن تفلحوا . قالوا: وما هي ؟ قال : هم أمس ، واغتمام اليوم ، وخوف الغد .

(44) 

 لما كانت الامور متلبسة بالدين والدنيا لم يجزللعاقل الحصيف ، والمدبر اللطيف ان يعمل التدبير فيها من ناحية الدين فحسب ، ولا من ناحية الدنيا فقط ، لان دائرة الدين الّهية ، ودائرة الدنيا حسية ، وفى الاحساس احقاد لابد من اطفاء ثائرتها ، وصنائع لابد من تربيتها ، وموضوعات لابد من اشالتها ، ومرفوعات لابد من ازالتها ، وتدبيرات لابد من اخفائها ، واحوال لابد من ابدائها ، ومقامات لابد من الصبر على عوارض ما فيها ، وامور هى مسطورة فى كتب السياسات للحكماء لابد من عرفانها والعمل بها والمصير اليها ، والزيادة عليها ، فليس الخبر كالعيان ، ولا الشاهد كالغائب ، ولا المظنون كالمستيقن .

( 45 ) 

ما خاب من استخار ، ولاندم من استشار. أكثر أسباب النجاح مع اليأس . من ضاق صدره اتسع لسانه . عند الشدائد تذهب الأحقاد ، إن الشجاعة مقرون بها العطب ، قد خاطر من استغنى برأيه ، إزالة الرواسي أيسر من تأليف القلوب . قارب الناس في عقولهم تسلم من غوائلهم . أوحش قرينك إذا كان في إيحاشه أنسك. إذا أيسرت فكل أهل أهلك ، وإذا عسرت فأنت غريب في قومك . أقدر الناس على الجواب من لا يغضب . الكلام في وقت السكوت عي ، والسكوت في وقت الكلام خرس. والرأي لا يصلح إلا بالشركة ، والملك لا يصلح إلا بالتفرد .

(46) 

 لا طرب الجراحي أبي الحسن مع قضائه في الكرخ وردائه المحشى ، وكميه المفدرين ووجنتيه المتخلجتين وكلامه الفخم ، وإطراقه الدائم ؛ فانه يغمز بالحاجب إذا رأى مرطا، وأمل أن يقبل خدا وقرطا ؛ على غناء شعلة :

لابد للمشتاق من ذكر الوطن ** واليأس والسلوى من بعد الحزن

وقيامته تقوم إذا سمعها ترجع في لحنها:

لو أن ما تبتليني الحادثات به ** يلقى على الماء لم يشرب من الكدر

فهناك ترى شيبة قد ابتلت بالدموع ، وفؤاد قد نزا إلى اللهاة ، مع أسف قد ثقب القلب، واوهن الروح ، وجاب الصخر، وأذاب الحديد، وهناك ترى والله إحداق الحاضرين باهتة، ودموعهم متحدرة ، وشهيقهم قد علا رحمة له، ورقة عليه ، وهذه صورة إذا استولت على أهل المجلس وجدت لها عدوى لا تملك ، وغاية لا تدرك ، لأنه قلما يخلوا إنسان من صبوة أو صبابة ، أو حسرة على فائت، أو فكر في متمني ، أو خوف من قطيعة ، أو رجاء لمنتظر ، أو حزن على حال.

(47)

 قيل لأعرابي : لو كنت خليفة كيف كنت تصنع ؟ قال : كنت أستكفي شريف كل قوم ناحيته..

( 48 ) 

 قال اردشير : أحذروا صوله الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع.

(49) 

 بشرت امرأة زوجها بان ابنه منها قد اثغر. فقال : أتبشرينني بعدو الخبز ؛ إذهبي إلى أهلك.

( 50 ) 

 قيل لجائع : كم اثنين في اثنين ؟ قال : أربعة أرغفة.

(51) 

 قال ابن زرعة : الزمان من قبل كان ذا لبوس من الدين رائع ، وذا يد من السياسة بسيطة ، فاخلق اللبوس وبلى ، بل تمزق وفنى ، وضعفت اليد بل شلت وقطعت ، ولا سبيل الى سياسة دينية لاسباب لا تتفق الا بعلل فلكية ، وامور سماوية ، فحينئد يكون انقياد الامور الجانحة لها ، فى مقابل حران الامور الجامحة عنها ، وذلك منتظر في وقته ، وتمنى ذلك قبل اوانه وسواس النفس ، وخور الطباع .

(52)

 قال الوزير : .. قاعد معكم وكاْنى غائب ، بل انا غائب من غير كاف التشبيه ، والله لا املك تصرفى ولا فكرى فى امرى ، ارى واحد فى فتل حبل ، وآخر فى حفر بئر ، وآخر فى نصب فخ ، وآخر فى دس حيلة ، وآخر فى تقبيح حسن ، وآخر فى شحد حديد ، وآخر فى تمزيق عرض ، وآخر فى اختلاق كذب ، وآخر فى صدع ملتئم ، وآخر فى حل عقد ، وآخر فى نفث سحر ، ونارى مع صاحبى رماد ، وريحه علّى عاصفة ، ونسيمى بينى وبينه سموم ، ونصيبي منه هموم وغموم .

(53) 

 قال أعرابي :

يمن علي بالتزويج شيخي ** وفي التزويج لي هم وشغل

وكنت من الهموم رخي بال ** فحل من الهموم عليّ ثقل

فقلت له : مننت بغير من ** ومالك بالذي أسديت فضل

أعزاب العشيرة لوعلمتم ** بحالي حين لي بيت واهل

علمتم أنكم في حال عيش ** رخي ماله يا قوم عدل.


(54) 

قيل لحاتم: بم رزقت الحكمة ؟ قال : بخلاوة البطن ، وسخاوة النفس ، ومكابدة الليل .

وقال لقمان : إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة ، وقعدت الأعضاء عن العبادة.

وقال عمر : لولا القيامة لشاركناكم في لين معيشتكم.

وقال بعض العرب : أقلل طعامك تحمد منامك.

وقال يحي بن معاذ : الشبع يكنى الكفر.

وقال غيره : الجوع يكني بالرحمة.


( 55 ) 

 قال الوزير في بعض الليالي :قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن العامة من خوضها في حديثنا، وذكرها أمورنا، وتتبعها لأسرارنا ، وتنقيرها عن مكنون أحوالنا، ومكثوم شأننا ، وما أدري ما أصنع بها ، وإني لأهم في الوقت بعد الوقت بقطع ألسنة وأيد وأرجل وتنكيل شديد . لعل ذلك يطرح الهيبة ويحسم المادة ، ويقطع هذه العادة ، لحاهم الله ، ومالهم لا يقبلون على شئونهم المهمة ، ومعايشهم النافعة . وفرائضهم الواجبة ؟ ولم ينقبون عما ليس لهم ، ويرجفون بما لا يجدي عليهم ، ولو حققوا ما يقولون ما كان لهم فيه عائدة ولا فائدة ؛ وإني لأعجب من لهجهم وشغفهم بهذا الخلق حتى كأنه من الفرائض المحتومة ، والوظائف الملزومة ؛ وقد تكرر منا الزجر، وشاع الوعيد ، وفشا الإنكار بين الصغار والكبار، ولقد تعايى عليّ هذا الأمر وأغلق دوني بابه ، وتكاثف علي حجابه.فقلت : أيها الوزير، عندي في هذا جوابان : أحدهما ما سمعت من شيخنا أبي سليمان ، وهو من تفوق في الفضل والحكمة والتجربة ومحبة هذه الدولة والشفقة عليها من كل هبة ودبة؛ والآخر ما سمعته من شيخ صوفي ، وفي الجوابين فائدتان عظيمتان ، ولكن الجملة خشناء، وفيها بعض الغلظة ، والحق مر، ومن توخي الحق أحتمل مرارته.قال : فاذكر الجوابين وإن كانا غليظين ، فليس ينفع بالدواء إلا بالصبر على بشاعته، وصدود الطبع عن كراهته.قلت أما أبو سليمان فإنه قال في هذه الأيام : ليس ينبغي .. سائس الناس : عامتهم وخاصتهم، وعالمهم وجاهلهم .وضعيفهم وقويهم ، وراجحهم وشائلهم ، أن يضجر مما يبلغه عنهم أو عن أحد منهم لأسباب كثيرة ، منها : أن عقله فوق عقلهم، وحلمه أفضل من حلمهم ، وصبره أتم من صبرهم .. يصبر على جهل جاهلهم ، ويكون عماد حاله معهم الرفق بهم ، والقيام بمصالحهم .. ما لهجت العامة بتعرف حال سائها ، والناظر في أمرها ، والمالك لزمامها ، حتى تكون على بيان من رفاهة عيشها ، وطيب حياتها ، ودرور مواردها ، بالأمن الفاشي بينها ، والعدل الفائض عليها ، والخير المجلوب لها، وهذا أمر جار على نظام الطبيعة ، ومندوب اليه في أحكام الشريعة.قال : ولو قالت الرعية لسلطانها : لم لا نخوض في حديثك ، ولا نبحث عن غيب أمرك، ولما لا نسأل عن .. عاداتك وسيرتك ؟ ولم لا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك ، مصالحنا متعلقة بك ، وخيراتنا متوقفة من جهتك، ومسرتنا ملحوظة بتدبيرك ، ومساءتنا مصروفة باهتمامك ، وتظلمنا مرفوع بعزك ، ورفاهيتنا حاصلة بحسن نظرك وجميل اعتقادك .. وبليغ اجتهادك ، ما كان جواب .. سائسها ؟ أما كان عليه أن يعلم أن الرعية مصيبة في دعواها التي بها استطالت.قال : لو قالت الرعية أيضا : ولم لا تبحث عن أمرك ؟ ولم لا تسمع كل غث وسمين منا ! .. ما كان الجواب أيضا عما قالت وعما لم تقل، هيبة لك.وحكي لنا في عرض هذا الكلام أنه رفع إلى الخليفة المعتضد أن طائفة من الناس يجتمعون بباب الطاق ويجلسون في دكان شيخ تبان، ويخوضون في الفضول والأراجيف وفنون من الحديث ، وفيهم قوم سراة وثناء وأهل بيوتات سوى من يسرق السمع منهم من خاصة الناس، وقد تفاقم فسادهم وإفسادهم ، فلما عرف الخليفة ذلك ضاق ذرعا ، وحرج صدرا ، وامتلأ غيظا ودعا بعيدا الله بن سليمان ، ورمى بالرفيعة إليه، وقال : انظر فيها وتفهمها . ففعل ، وشاهد من تربد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره ، وشرد آلف صبره ، وقال : قد فهمت يا أمير المؤمنين. قال : فما الدواء ؟ قال : تتقدم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم ، فإن العقوبة إذا اختلفت ، كان الهول أشد ، والهيبة أفشا ، والزجر أنجع ، والعامة أخوف ، فقال المعتضد – وكان أعقل من الوزير - : والله لقد بردت لهيب غضبي بفورتك هذه ، ونقلتني إلى اللين بعد الغلظة ، وحططت على الرفق ، من حيث أشرت بالخرق . وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك وهديك ومروءتك ، ولو أمرتك ببعض ما رأيت بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ومبذول النصيحة والنظر للرعية الضعيفة الجاهلة أن تسألني الكف عن الجهل ، وتبعتني على الحلم، وتحبب إلى الصفح وترغبني في فضل الإغضاء على هذه الأشياء . وقد سائني جهلك بحدود العقاب وبما تقابل به هذه الجرائر .. ألا تدري أن أحد من الرعية لا يقول ما يقول إلا لظلم لحقه أو لحق جاره ، وداهية نالته أو نالت صاحبا له ؟لا والله ما الرأي رأيت ، ولا الصواب ذكرت ، وجه صاحبك وليكن ذا خبرة ورفق، ومعروفا بخير وصدق ، حتى يعرف حال هذه الطائفة، ويقف على شان كل واحد منها في معاشه ، وقدر ما هو متقلب فيه ومنقلب إليه ، فمن كان منهم يصلح للعمل فعلقه به ، ومن كان سيء الحال فصله من بيت المال بما يعيد نضرة حاله ، ويفيد طمأنينة باله ؛ ومن لم يكن من هذا الرهط ، وهو غني مكفي ، وإنما يخرجه إلى دكان هذا التبان البطر والزهو ، فادع به، وانصحه ، ولاطفه ، وقل له : إن لفظك مسموع ، وكلامك مرفوع ، ومتى وقف أمير المؤمنين على كنة ذلك منك لم تجدك إلا في عرصة المقابر، فاستأنف لنفسك سيرة تسلم بها .. وإياك أن تجعل نفسك عظة لغيرك بعدما كان غيرك عظة لك ؛ ولولا ان الأخذ بالجريرة الأولى مخالف للسيرة المثلى ، لكان هذا الذي سمعته ما تراه ، وما تراه تود انك لو سمعته قبل أن تراه . فإنك يا عبيد الله إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة ، وملكت طرفي المصلحة ، وقمت على سواء السياسة.قال : وفارق الوزير حضرة الخليفة ، وعمل بما أمر به على الوجه اللطيف ، فعادت الحال ترف بالسلامة العامة ، والعافية التامة ؛ فتقدم إلى الشيخ التبان برفع حال من يقعد عنده حتى يواسي إن كان محتاجا ، ويصرف إن كان متعطلا ، وينصح إن كان متعقلا . فقال الوزير ما سمعت مثل هذا قط .. فهات الجواب الآخر الذي تحفظه عن الصوفي.قلت : حدثني شيخ من الصوفية في هذه الأيام قال : كنت بنيسابور سنة سبعين وثلاثمائة، وقد اشتعلت خراسان بالفتنة ، وتبلبلت دولة آل سامان .. وساءت الظنون ، وضجت العامة، والتمس الرأي ، وانقطع الأمل ، ونبح كلب من كل زاوية ، وزأر كل أسد من كل أجمة ، و ضبح كل ثعلب من كل تلعة.قال : وكنا جماعة غرباء نأوي دويرة الصوفية لا نبرحها ، فتارة نقرأ ، وتارة نصلي، وتارة ننام ، وتارة نهدي ، والجوع يعمل عمله، ونخوض في حديث آل سامان ، والوارد من جهتهم إلى هذا المكان ، ولا قدرة لنا على السياحة لإنسداد الطرق ، وتخطف الناس للناس، وشمول الخوف ، وغلبة الرعب ، وكان البلد يتقد نارا بالسؤال والتعرف والإرجاف بالصدق والكذب، وما يقال بالهوى والعصبية ، فضاقت صدورنا ، وخبئت سرائرنا. واستولى علينا الوسواس ، وقلنا ليلة : ما ترون يا أصحابنا ما دفعنا إليه من هذه الأحوال الكريهة ، كأنا والله أصحاب نعم وأرباب ضياع نخاف عليها الغارة والنهب ، وما علينا من ولاية .. فما هذا الذي يعترينا من هذه أحاديث التي ليس لنا فيها ناقة ولا جمل ، ولاحظ ولا أمل ، قوموا بنا غذا .. فلقينا في الطريق شيخا من الحكماء يقال له أبو الحسن العامري ، وله كتاب في التصوف قد شحنه بعلمنا وإشاراتنا ، وكان من الجوالين الذين نقبوا في البلاد .. فقال نعم، أما العامة فإنها تلهج بحديث كبرائها وساستها لما ترجوا من رخاء العيش وطيب الحياة وسعة المال ودرور المنافع واتصال الجلب ونفاق السوق وتضاعف الربح؛ فأما .. الطائفة .. العارفة بالله .. فانها مولعة أيضا بحديث الأمراء ، والجبابرة العظماء ، لتقف على تصاريف قدرة الله فيهم ، وجريان أحكامه عليهم ، ونفوذ مشيئته في محابهم ومكارههم .. وقد يتشابه الرجلان في فعل واحد ، وأحدهما مذموم والآخر محمود.فلما سمع الوزير هذا عجب وقال : لا أدري : أكلام أبي سليمان في ذلك الاحتجاج أبلغ ، أم أن الحكاية عن المعتضد أشفى ، أم روية الشيخ الصوفي أطرف.


(56)

قال الوزير : أنشدني شيئا؛ فأنشدته قول الشاعر:

وفضل الحلم أبلغ من سفيه ** وأحرى أن ينال به انتقاما

فقال : ما أعجب أمر العرب ، تأمر بالحلم مرة ، والصبر والكظم مرة ، وتحت بعد ذلك على الإنتصاف وأخذ الثأر، وتذم السفه وقمع العدو ! وهكذا شانها في جميع الأخلاق ؛ أعني أنها ربما حضت على القناعة والصبر والرضاء بالميسور، وربما خالفت هذا، فأخذت تذكر أن ذلك فسالة ونقصان همة ولين عريكة ومهانة نفس ؛ وكذلك أيضا تحت على البسالة والإقدام والانتصار والحمية والجسارة ؛ وربما عدلت إلى أضداد هذه الأخلاق والسجايا والضرائب والأحوال ؛ في أوقات يحسن فيها بعضها ، ويقبح بعضها، ويعذر صاحبها في بعضها ، ويلام في بعضها ، وذلك لأن الطبائع مختلفة ، والغرائز متعادية ، فهذا يمدح البخل في عرض الحزم ، وهذا يدم الشجاعة في عرض طلب السلامة ، وليس في جميع الأخلاق شيء يحسن في كل زمان وفي كل مكان ، ومع كل إنسان ، بل لكل ذلك وقت وحين وأوان.


( 57 ) 

 قال أبو سليمان .. المعاني صوغ العقل ، واللفظ صوغ اللسان ، ومن بعد من المعاني قل نصيبه من العقل ، ومن قل نصيبه من العقل كثر نصيبه من الحمق، ومن كثر نصيبه من الحمق خفي عليه قبح الذكر.


(58)

 قال أبو سليمان : الشجاعة إن كانت نطقية كانت فرصتها تعاطي الحكمة والدءوب في بلوغ الغاية ، وبدل القوة في نيل البغية ؛ وإذا كانت غضبية كانت فرصتها شفاء الغيظ إما من مستحق، وإما من غير مستحق ، وإذا كانت شهوية كانت فرصتها التحلي بالعفة التامة ، أعني في الخلوة والحفل.

(59)

 قال عز الدولة : ما زوي عني ما طرق هذه البلاد .. ولعمري أن الغفلة علينا أغلب ، والسهو فينا اعمل ، ولكن فيما ركبتموه منى تهجين شديد .. وإنكم لتظنون أنكم مظلمون بسلطاني عليكم، وولايتي لأموركم : كلا ، ولكن كما تكونوا يولي عليكم ، هكذا قول صاحب الشريعة فينا وفيكم، والله لو لم تكونوا أشباهي لما وليتكم ، ولولا أني كواحد منكم ، لما جعلت قيما عليكم ، ولو خلا كل واحد منا بعيب نفسه لعلم أنه لا يسعه وعظ غيره.

(60)

 قال الوليد العنبري : مرت امرأة من بني نمير على مجلس لهم ، فقال رجل منهم : أيتها الرسحاء . فقالت المرأة : يا بني نمير ، والله ما أطعتم الله ولا أطعتم الشاعر ، قال الله عز وجل في تنزيله ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) وقال الشاعر :

فغض الطرف إنك من نمير ** فلا كعبا بلغت ولا كلابا

وقال : مر الفرزدق بخالد بن صفوان بن الأهتم ، فقال له خالد : يا أبا فراس ، ما أنت الذي لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ، فقال له الفرزدق ؛ ولا أنت الذي قالت الفتاة لأبيها فيه : ( يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين).

(61 

 قال رجل للأحنف : بأي شيء سدت تميما ؟ فولله ما أنت بأشجعهم ، ولا أجملهم ، ولا أشرفهم ، قال : بخلاف ما أنت فيه .

 قال : وما خلاف ما أنا فيه ؟ قال : تركي ما لا يعنيني من أمور الناس كما عناك من أمري ما لا يعنيك.

(62 ) 

 قال المدائني : أسرت مزينة حسان بن ثابت – وكان قد هجاهم – فقال :

مزينة لا يرى في خطيب ** ولا فلج يطاف به خصيب

أناس تهلك الاحساب فيهم ** يرون التيس يعدله الحبيب

فأتتهم الخزرج يفتدونه ؛ فقالوا : نفاديه بتيس ، فغضبوا وقاموا ؛ فقال حسان ؛ يا إخوتي خذوا أخاكم وادفعوا إليهم أخاهم.

( 63 ) 

 قيل لعمر بن عبد العزيز : ما تقول في علي وعثمان وفي حرب الجمل وصفين ؟ قال : تلك دماء كف الله يدي عنها ، فأنا أكره أن اغمس لساني فيها.

(64) 

 قال معاوية : هذا عقيل عمه أبو لهب ، فقال عقيل : هذا معاوية عمته حمالة الحطب.

( 65 )

 رأيت ابن برموية في دعوة ، وترامى الحديث فقال : رأيت اليوم الوزير شديد العبوس، اهو هكذا أبدا، أم عرض له هذا على بختي ؟فقال ابن جبلة : لعله كان ذاك السبب ، وإلا فالبشر غالب على وجهه ، والبشاشة مألوفة منه ، فقال ابن برموية : ما أحسن ما قال الشاعر :

أخو البشر محمود على حسن بشره ** ولن يعدم البغضاء من كان عابسا

فقال علي بن محمد – رسول سجتان – ما ادري ما أنتما فيه ، ولكن يقال : ما أرضى الغضبان ، ولا أستعطف السلطان ، ولا ملك الإخوان ، ولا استلت الشحناء ، ولا رفعت البغضاء ، ولا توقى المحذور ، ولا اجتلب السرور بمثل البشر والبر ، والهدية والعطية.

(66) 

حدثني – الوزير – أن امرأة تظلمت إلى مسلم بن قتية بخراسان ، فزبرها ، ولم ينظر في قضيتها ، فقالت له : إن أمير المؤمنين بعتك إلى خراسان لتنظر هل تثبت خراسان بلا عامل أم لا؛ فقال لها مسلم : أسكتي ويلك ، فظلا متك مسموعة ، وحاجتك مقضية.وقال مسلم : ما وخز قلبي قط شيء مثل قول هذه المرأة ، ولقد اليت ألا استهين بأحد من ذكر أوأنثى.

(67) قال الوزير – أنشدني أبياتا غريبة جزلة، فأنشدت :

سآوي إلى خير فقد فاتني الصبا ** وصيح بريعان الشباب فنفرا

أمور وألوان وحال تقلبت ** بنا وزمان عرفة قد تنكرا

أصبنا بمالو أن سلمي اصابه ** تسهل من أركانه ما توعرا

وإن ننج من أهوال ما خاف قومنا ** علينا فإن الله ما شاء يسرا

و إن غالنا دهرا فقد غال قبلنا ** ملوك بنى نصر وكسرى وقيصرا

وذي نيرب قد عابني لينالني ** فأعيا مداه عن مداي فاقصرا

فان يك دهر نالني فأصابني ** بريب فما تشوى الحوادث معشرا

فلست اذا الضراء نابت بجبا ** ولا جزع إن كان دهرا تغيرا

********

أردف أبا حيان مسامراته مع الوزير برسالتين بعث بهما إليه . قال في صدر الأخيرة منها :

إني أرى على بابك جماعة .. يؤثرون لقائك .. والحجاب قد حال بينهم وبينك .. لكل منهم وسيلة شافعة ، وخدمة للخيرات جامعة ، منهم – وهو أهل الوفاء – ذو كفاية وأمانة ، ونباهة ولباقة : ومنهم من يصلح للعمل الجليل ، ولرتق الفتق العظيم ، ومنهم من يمتع إذا نادم ، ويشكر إذا أصطنع ، ويبدل المجهود إذا رفع ؛ ومنهم من ينظم الدر إذا مدح ، ويضحك التغر إذا مزح ؛ ومنهم من قعد به الدهر لسنه العالية ، وجلابيبه البالية ، فهو موضع الأجر المذخور ، وناطق بالشكر المنظوم والمنثور؛ ومنهم طائفة أخرى قد عكفوا في بيوتهم على ما يعنيهم من أحول أنفسهم ، في تزجيه عيشهم .. لهم العلم والحكمة والبيان والتجربة .. لكن اليأس غلب عليهم ..و رأوا أن سف التراب ، أخف من الوقوف على الأبواب ، إذا دنوا منها دفعوا عنها ؛ فلو لحظت هؤلاء .. كان في ذلك بقاء النعمة عليك، وصيت فاشي بذكرك.


ليست هناك تعليقات: