14‏/04‏/2009

- اللغة والمنطق (1 - اللغة )

الفصل الأول
اللغـــــــــــة

مقدمـــة :

ليس غريبا أن نعالج آراء ابن حزم في اللغة قبل أن نهم بتحليل أرائه المنطقية وأن نربط الموضوعين كما هو ظاهر من عنوان الباب . مثل هذه المعالجة وهذا الربط لا يستغربهما منطقي معاصر . ذلك إن الأبحاث اللغوية المعاصرة اعتمدت في جانب منها على آراء المناطقة . نجد ذلك واضحا تماما مثلا في تأثير اللغوي شومسكي بآراء المنطقي و "الفيلسوف" كارناب . كما اهتم أيضا المناطقة المعاصرون بما يقوله اللغويون حول بنية اللغة باعتبار أن المنطق لغة مصطنعة (بمعني أنها لم تنمو نموا طبيعيا). لقد رأى البعض إن من المستحسن أن تقارن اللغة الطبيعية التي يتكلمها ويستخدمها الناس بنجاح في مختلف الميادين ، بتلك التي قدمها المناطقة من اجل فهم أفضل للغة المتكلمة . لا ننسي أن المنطق الحديث نجح لحد كبير في إبراز بنية الرياضيات واللغة الرياضية . وقد أدي هذا النجاح إلى توسيع دائرة تطبيق المنطق فأصبح يستخدم الآن من اجل إبراز بنية لغة الفيزياء إضافة إلى غير ذلك من العلوم بل وميادين الفكر مثل القانون .

على أن لدينا دافعا آخرا هاما لهذه المعالجة ، اعني ربط اللغة والمنطق في باب واحد . ذلك أن لابن حزم - كما سنبين من بعد – آراء حول اصل اللغة متأثرة في رأيي بمذهبه الظاهري وتلعب دورا هاما في فكره الفقهي . وأيضا فان هذه الآراء الظاهرية واللغوية كان لها دورها وتأثيرها في اتجاهه المنطقي . من اجل بيان هذا كله كان لابد إن نعالج في فصل مستقل ما يقوله ابن حزم حول اللغة لتتبين آراءه حول هذا الموضوع الهام .

آراء ابن حزم اللغوية :

عني ابن حزم بقضية اللغة واهتم بها اهتماما بالغا . ورغم إننا لم نعثر على كتب مخصوصة له في هذا المجال ، إلا إن ثنايا مؤلفاته العديدة مليئة بالإشارات والتنبيهات التي تبرز هذا الاهتمام .
أول مناحي هذا الاهتمام تتمثل في ميله إلى تقديم رؤية خاصة أو نظرية في اصل اللغة وكيفية ظهروها أي نشأتها الأولي .
الواقع أن التفكير والبحث في نشأة اللغة ميدان طويل له جذور قديمة تمتد إلى عصور سابقة لعصر أبن حزم ، وقد تطورت هذه المباحث وتعددت المذاهب والنظريات حول هذا الموضوع بمرور الزمن وعبر مختلف العصور (1) . ولا داعي لنا بكل النظريات التي تناولت هذا الجانب (اصل اللغة) ، يهمنا فقط نظريتين عرض لهما ابن حزم بالمناقشة والتحليل . وربما لم يكن معروفا غيرهما في عصره .

النظرية الأولي : نظرية المواضعة والاصطلاح :
يري أصحاب هذه النظرية أن اصل اللغة اصطلاح بين الناس (وهو رأى أرسطو والمشائين) ، أي أن اللغة رموز متواضع عليها بين البشر بالاتفاق فيما بينهم .

يرفض ابن حزم هذه النظرية . ويرد على قول القائلين بها بحجتين . الأولي "حجة سمع" بقوله تعالي : "وعلم آدم الأسماء كلها" فلم يترك الأمر للبشر ليتواضعوا علي شيء . والثانية "حجة برهان" حيث يقول "الاصطلاح يقتضي وقتا لم يكن موجودا قبله لأنه من عمل المصطلحين . وكل عمل لابد من أن يكون له أول فكيف كانت حال المصطلحين على وضع اللغة قبل اصطلاحهم عليها . فهذا الممتنع المحال ضرورة "(2). ذلك أن اتفاق جماعة على شيء ما يقتضي مستوي سام من التفاهم ويتطلب وجود خلفية ثقافية تسمح بوجود هذا التفاهم. وهذا يقتضي أن تكون الجماعة قد قضت وقتا طويلا قبل الوصول إلى هذا التفاهم أو الاتفاق . إضافة إلى أن الوصول إلى هذا المستوي (الاتفاق أو الاصطلاح) يتعين بالضرورة وجود كلام متقدم على زمان الاصطلاح بين المصطلحين والا فكيف تفاهموا ؟ و حتى لو افترضنا أن الاتفاق تم عن طريق الإشارة ، فهو غير مقبول لأن الإشارات نفسها حتى تفهم تستوجب وجود كلام مسبق لذلك الفهم . يقول ابن حزم "الاصطلاح على وضع لغة لا يكون إلا بكلام متقدم بين المصطلحين علي وضعها ، أو بإشارات قد اتفقوا علي فهمها ، وذلك الاتفاق علي فهم تلك الإشارات لا يكون إلا بكلام ضرورة . ومعرفة حدود الأشياء وطبائعها التي عبر عنها بألفاظ اللغات لا يكون إلا بكلام وتفهيم لابد من ذلك "(3) .

النظرية الثانية :
وهي التي تتمثل في قول القائلين بأن الكلام فعل الطبيعة . وان الأماكن أوجبت بالطبع علي ساكنيها النطق بكل لغة نطقوا بها .
لم يرتض ابن حزم هذه النظرية . إذ في رأيه أن الواقع المشاهد في العالم من تداخل اللغات واختلافها من قطر لآخر يتناقض مع كون اللغة فعل الطبيعة . فهناك شعوب تتكلم لغة واحدة وتقطن أقطار مختلفة . كما أن هناك شعوب أخري تتكلم لغات مختلفة في قطر واحد . فلو صح ما يدعيّة أصحاب هذه النظرية لكان من الضروري أن تتمايز اللغات بين الشعوب تبعا لاختلاف طبائع الأمكنة أو الأقاليم التي يعيشون بها . يقول ابن حزم: " لو كانت اللغات علي ما توجبه طبائع الأمكنة لما أمكن وجود مكان إلا بلغته التي يوجبّها طبعه وهذا يري بالعيان بطلانه لان كل مكان في الأغلب دخلت فيه لغات شتي على قدر تداخل أهل اللغات ومجاورتهم "(1). إضافة إلى انه يستحيل أن تكون نشأة اللغة نتاج للطبيعة . لآن الطبيعة واحدة وبالتالي يجب أن يستوي جميع البشر فيما توجبه الطبيعة لهم . يقول ابن حزم : "الطبيعة لا تفعل إلا فعل واحد لا أفعال مختلفة وتأليف الكلام فعل اختياري متصرف في وجوه شتي "(2).

ينتهي ابن حزم من هذه النظرة النقدية إلى ترجيح رأيه حول اصل اللغة . مقررا أن اللغة توقيف من الله عز وجل استنادا منه إلى الآية القرآنية : "وعلم ادم الأسماء كلها" أي أن الله لقن ادم أسماء جميع المخلوقات ولم يترك منها شيئا . لا يجزم ابن حزم بما هي اللغة الإنسانية الأولي التي تكلمها آدم . يكتفي فقط بالقول بأنها دون شك أتم اللغات وأبينها عبارة واقلها إشكالا لكثرة وقوع الأسماء المختلفة فيها على المسميات المختلفة المتمثلة في كل ما في العالم من جواهر وأعراض .

ليس بالغريب في رأى ابن حزم ما نشاهد من تعدد لغات الشعوب مع كون اللغة التي وقف عليها آدم لغة واحدة . إذ انه لا ينكر إمكانية اصطلاح الناس على أحداث لغات شتي بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها وعلموا بها ماهية الأشياء وكيفياتها (3). وهذا لا يتعارض مع المبدأ الذي اشرنا إليه مسبقا والذي يشترط فيه سبق التفاهم بالكلام قبل الاصطلاح علي وضع لغة معينة .

لكن لابن حزم وجهة نظر أخري يعرضها لنا في كتاب "التقريب لحد المنطق " . يري ابن حزم أن للإنسان والحيوان القدرة على إخراج أصوات مسموعة لغيره من الأناس والحيوانات . بعض هذه الأصوات ليست بذات دلالة أو معني ، وبعضها يدل على ، أو له معني ، بالطبع ، وبعضها الآخر يدل باتفاق . يناقش ابن حزم هذه الثلاثة بشيء من التفصيل :

1. الصوت الذي لا دلالة له هو "كل صوت سمعته لم تدرِ ما هو "(1). هذا التعريف عام . فهو يشمل صوت مثل "اياو"الذي لم يتعارف احد من المتكلمين بالعربية على دلالته لأي معني . وكذلك يشمل كلام المجانين على حد قوله (2) لكن (كما يذكر ابن حزم في نفس المكان) ألا "يدل"كلام المجانين على اختلاف عقولهم ومرضهم العقلي ؟ أن كلام المجنون لا يدل على معني محدد ممكن للجميع فهمه ولكن لأننا نتوقع من المجنون أن يقول شيئا عند كلامه ، لاحتواء هذا الكلام على كلمات ذات دلالة ، نجد عند تركيب هذه الكلمات أنها لا تتوافق مع التراكيب المتواضعة عند العقلاء فنقول انه ليس بعاقل . إنما هو " استنتاج " عام و ليس كلامه في حد ذاته وكما هو ذا دلالة أو معني محدد .

2. لكن بعض الأصوات تكون ذات دلالة أو معني وان كانت دلالتها طبيعية (3) مثل عواء الكلب إذا رأي شخصا ، قد يستدل من يسمع الصوت من بعد أن هناك شخص مكان العواء . الحقيقة أن مثال ابن حزم هذا لا يعني أن الدلالة ضرورية في هذه الحالة لآن عواء الكلب قد يكون لسبب آخر كما هو واضح من كلام ابن حزم نفسه في نفس المكان . نفس الشيء ينطبق على مثاله الآخر المتعلق بصوت الديك الدال على السحر . علي أي حال هناك نقطة أساسية متعلقة بمثل هذه الأصوات وهي أنها غير مركبة من مقاطع (حروف) هناك أيضا بعض الكلمات التي يستخدمها الإنسان يري البعض أنها ذات دلالة طبيعية كصوت أوراق الشجر إذا مرّ بها الريح (شش) المعبر عنه بكلمة ( شجر) أو كلمة Whisper الإنجليزية التي تعني "الهمس" والقريبة في صوتها من الهمس . مثل هذه الكلمات نادرة طبعا لكن ابن حزم لم يشر لها ، بل لا يبدو انه يعتقد أن هناك كلمات في لغة إنسانية تدل دلالة طبيعية . قد يكون ذلك بسبب عدائه للنظرية الطبيعية في اصل اللغة . لكنه أيضا يعادي النظرية التعاقدية وهو في كتاب " التقريب "يقبلها كما سنري . لسبب ما نجده على استعداد لان يقبل فكرة الاتفاق في الدلالة اللغوية ولا يقبل مثل هذا بالنسبة للنظرية الطبيعية .

3. قد يكون الصوت دالا لكن باتفاق أو "قصد" كما يقول ابن حزم (1) وهذا هو اللغة التي يري ابن حزم أنها خصيصة الإنسان من بين أسرة الحيوان . وهو يؤكد ذلك في رده (2) على من يري أن الصوت الخارج من الببغاء ، والذي يشبه الصوت الإنساني الذي يخرجه المتكلمون بلغة معينة ، هو صوت دال . يري ابن حزم أن هذا الصوت الذي تخرجه الببغاء ليس المقصود به إفهام معني" بل مجرد تكرار كما يكرر سائر تغريده كما عوده "(3) . يحاول بعض علماء نفس الحيوان المعاصرين أن يثبوا أن هناك نوعا من اللغة عند بعض الحيوانات وان اصواتا حيوانية معينة تكون دالة بالنسبة للحيوانات التي من نوعها . لا يستبعد ابن حزم مثل هذا الرأي تماما إذ يظهر من كلامه انه يري أن كثيرا من الحيوان يصوت بحروف ما علي رتبة ما (4) لكنه يعتقد في نفس الوقت أن هذه الأصوات ليست ككلام الإنسان المستخدم "كي يعبر به عن أنواع العلوم والصناعات "(5) إضافة إلى توصيل " الأخبار وجميع المرادات "(6).

ملاحظات حول اللغة :

لا يتوقف ابن حزم في استقصاء اللغة عند هذا . فهو في كتاب "التقريب لحد المنطق" يتناول بعض الجوانب التي تدخل في النحو ، فيعرف "الاسم" بأنه "صوت موضوع باتفاق لا يدل على زمان معين وان فرقت أجزاؤه لم يدل علي شيء من معناه "(7) .

الجزء الأول من التعريف (صوت موضوع باتفاق) يسير في هدي ما ذكرنا من قبل . أن تسمية العرب لحيوان معين "بعيرا " مجرد اتفاق بينهم للدلالة علي المعني المراد وقد كان يمكن أن يتفقوا على اسم آخر .(8) أن الجزء الثاني من التعريف هام بلا شك فالأسماء "بخلاف الأفعال" لا تشير إلى زمن معين . فالاسم "محمد" يراد به الإشارة لشخص معين فقط وليس في هذه الدلالة أي نسبة للزمان(1) أما الجزء الأخير من التعريف فيقول بان جزء الاسم لا يدل على المعني الذي يدل عليه الاسم كله . لو قلنا "بعي"فهذه لا تدل على معني اسم "بعير "على أننا نري بعض الأسماء المركبة مثل "عبد الله" يدل جزؤها على معني . لكن معني "عبد" ليس هو معني "عبد الله"(2) .الحق أن التعريف وشرحه مأخوذ كله من كتاب "العبارة " لأرسطو . لكن يعقب ابن حزم علي هذا بمناقشة هامة . هي رأيه في أن الاسم غير المعني (أو غير"المسمي" على حد قوله)(3) يفيدنا ابن حزم في نفس المكان بأن هناك "من أصحابنا" (والمقصود فيما يبدو المفكرين المسلمين) من ظن أن المعني أو المسمي هو الاسم . لكن كما يقول أن التمييز ضروري بين الاثنين إذ أننا نحتاج للتسليم بالمعني . فالحكم في القضية (أو "الخبر" كما يسميها) يقع على المعني لا الاسم . ينقل ابن حزم عن هؤلاء المفكرين احتجاجهم على رأيهم بالآية "سبح اسم ربك الأعلى" . وابن حزم يخطئهم بتفسيره للآية بأنها تعني التسبيح لله ذاته ولكن حيث أننا لا نصل إلى المعاني أو دلالات الأسماء إلا بتوسط الأسماء فنحن لن نسبح الله إلا بذكر اسمه .

كذلك يزيد على أرسطو بالرجوع إلى النحو العربي فيقول بان الاسم قد يكون معرفة ، كقولنا "غلامي " ونقصد بالتحديد شخصا معينا. كذلك فقد يكون الاسم نكرة كقولنا "رجل" الذي قد يعني أي رجل دون تحديد . تنوب عن الأسماء أحيانا الضمائر وأسماء الإشارة ، مثل "أنا" التي للمتكلم المحدد أو الخاص . وكقولنا "أنت" وهذه لحاضر . أو قولنا "هي" لمخبر عنه أو "هذا" وتشير لشيء (4). لا جديد في هذا طبعا لكنه يزيد بأن يقول أن الضمائر وأسماء الإشارة هذه هي "غاية الخصوص واعرف المعارف "(5). فالجزئي المحدد الواقع تحت الحس مباشرة هو في عرفه اعرف من غيره أو هو ما تكون معرفته أيقن من معرفة أي شيء آخر .

ينتقل بعد ذلك "للكلمة " ويعطي تعريف الأوائل (يعني اليونان) وهو أنها تدل على زمان معين . فقولك "صح" تشير لفعل ماضي و "يصح" لفعل مستقبل و "صحيح"لحال حاضر . هذه الدلالة على الزمان هي التي تميز الكلمة عن الاسم . إذ يتفقان في أنهما صوت موضوع باتفاق لا يدل أي جزء منه على المعني الذي يدل عليه الكل . (1) ابن حزم هنا يتابع أرسطو وتمييزه للفعل عن الاسم . على أننا نجد عند ابن حزم تفصيلا هو في بعض أجزائه مثير للبس وان أفاد في مجموعه . فهو يقول إن ما يعنيه "الفلاسفة " بالكلمة هو نفس ما يعنيه النحويون "بالنعوت" أو ما يسميه المتكلمون "بالصفات"(2). وتعريف النحويين كما يعطيه هو أن الكلمة أو النعت "اسم مشتق من فعل مثل صح يصح فهو صحيح"(3) هل يريد أن يقول أن "صحيح" نعت أو صفة مشتقة من الفعل "صح"؟ هل اختلطت الصفة مع الفعل بالنظر في القضايا الحملية ؟ يعطي ابن حزم في نهاية مناقشته للكلمة الأمثلة "قام زيد" و "زيد صحيح" شارحا هاتين القضيتين الحمليتين بأنهما مكونتان " من اسمين أحدهما اسم مميز للمخبر عنه عن غيره وهو الموضوع ، والثاني صفة مميزة للأخبار عنه من غيره وهو المحمول " (4). كذلك يشرح "المصدر"بأنه يكون فعلا مرة ، وصفة أخري "فالضرب" فعل "للضارب" و "الصحة"صفة "الصحيح"ويعقب بعد ذلك قائلا أن "الضارب" و "الصحيح" اسمان للمتحرك بالضرب والمبرأ من العلة على التوالي وهما موضوعان للقضية الحملية . أما ما يسميه النحويون "المصدر"اى "الضرب"و "الصحة "فهما محمولان للقضية الحملية (5) . المحمول قد يكون فعلا وقد يكون صفة بشكل عام أو صفة مشتقة من فعل ، ليس في ذلك لبس (6) . لكن يجب على المستوي النحوي أن نوضح المراد من "الفعل" و "النعت" كي نتمكن من تمييزهما لان كل منهما يخضع لشروط نحوية مختلفة .

ينتقل ابن حزم بعد ذلك ليعالج الجملة أو "القول" كما يقول . الجملة أو القول "خبر قائم بنفسه " (7) أي قضية يتم معناها من ذاتها اى من نفس ألفاظها . إن جزء الجملة أو القول يدل على شيء من معني الجملة ولا ينطبق ذلك – كما ذكرنا – على الأسماء المفردة (8) كما لو قلنا"محمد نبي" فان "محمد" يعطي بعض معني الجملة . ابسط أنواع القول أو القضايا ما كان مكونا من اسم وصفة على ما ذكرت ، كقولك "زيد صحيح " .

لكن بعض القضايا يحتوي على زوائد أو توابع . يقول ابن حزم إن التوابع هذه "سمتها الأوائل لواحقا وروابطا "(1) أما اللواحق فهي تزيدك بيانا أو تأكيدا ، كقولك " القوم أجمعون أتوني " أو "الشعر الطويل الجيد لفلان "(2) كذلك يعتبر "ال "التعريف من اللواحق لأنها تزيدك بيانا ، وفرق أن تقول "حسن" و "الحسن". بالنسبة للربط فهي – كما يقول – ما يسميه النحويين "الحروف" ، وهذه تربط بين اسم واسم أو اسم وصفة .(3) مثال ذلك قولك "زيد في الدار" أو "زيد وعمرو قاما" أو "زيد لم يقم" فكأن حروف الجر والعطف وحروف النفي تعتبر روابط . يضيف لهذه حروف الاستفهام ثم "سائر الحروف الموصلة للمعاني"(4) لا يشير ابن حزم لفعل الوجود verb to be الذي اعتبر ضمن الروابط عند اليونان باعتباره يربط الموضوع بالمحمول . وتركه له لا يخلو من دلالة لأنه يخاطب القارئ العربي الذي قد لا يفهم مراده في هذا الحال . وهو يريد لمنطقه أن يكون عربيا . وبالطبع يشير ابن حزم في كتاب "التقريب" للغات أخري غير العربية ولكن ليوضح أشياء في المنطق لا يمكن أن يدركها من يعرف العربية بمفردها . إن إهمال ذكر فعل الكينونة أمر متعمد فيما اعتقد فهو جزء من عملية التقريب التي تلجأ للألفاظ العامية لا اليونانية .

لابن حزم ملاحظات لغوية أخري حول الجمل أو القضايا وجدنا من الأنسب أن ندخلها في الكلام عن القضايا المنطقية وقد افردنا لها فصلا مستقلا .

يجب أن نشير هنا إلى نقطة أخري تمثل وجهة نظر سديدة وصائبة أثارها ابن حزم تتعلق بتأثير الظروف السياسية والعوامل الاجتماعية في ازدهار اللغة ومدى تداولها وانتشارها بين البشر . ففي رأيه إن قوة اللغة واتساعها ومدى التعامل بها ترتبط بالعامل السياسي والاجتماعي اى بقوة دولتها ونشاط أهلها.يقول ابن حزم :"فان اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم ، أو بنقلهم من ديارهم واختلاطهم بغيرهم .فان ما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم . وأما من تلفت دولتهم،وغلب عليهم عدوهم واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخواطر وربما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم"(5)

يعرف ابن حزم اللغة على أنها : "ألفاظ يعبر بها عن المسميات وعن المعاني المراد إفهامها"(1) وتمشيا مع مذهبه الفقهي يدعو إلى الدقة في استعمال هذه الألفاظ أو التراكيب اللغوية ، وحملها على ظاهرها اللغوي دون تأويل أو خروج بها عما وضعت له. يقول ابن حزم : "وحمل الكلام علي ظاهره الذي وضع له فرض لا يجوز تعديّه"(2) . " ومن أحال شيئا من الألفاظ اللغوية عن موضعها في اللغة بغير نص محيل لها ولا إجماع من أهل الشريعة فقد فارق أهل المعقول والحياة وصار في نصاب من لا يتكلم معه " (3)

هذه النصوص وغيرها كثير تدل على الأهمية التي يوليها ابن حزم الفقيه للغة ومدلولاتها . ولاشك أن طبيعة المذهب الظاهري تقتضي ذلك . لان بناء المذهب كان على هذه الدلالات اللغوية لنصوص التشريع . وهو رد فعل لأولئك الذين ذهب بهم القياس إلى تأويل النصوص والخروج بها عما وضعت له . فالوقوف عند النص والاعتماد عليه إنما يكون بواسطة هذه الدلالة اللغوية المتفق عليها بين أهل اللغة .وذلك مقابل الإسراف في تجاوز النصوص أو الأصول وتحميلها ما لا يحتمل والمبالغة في الاستنتاج منها .

وابن حزم إذ يقدم لنا هذا الفهم ، يشير إلى المغالطة والالتباس الواقع حول فهم الحقيقة الواحدة ، إنما جاء من قبل اشتراك الألفاظ ووقوعها على معاني مختلفة . لذا فهو يدعو إلى التبسيط والوضوح اللغوي عن طريق تحقيق المعاني وتميز كل معني عن غيره من المعاني بحدوده التي هي صفاته التي لا يشاركه فيها سائر المعاني . يقول ابن حزم : "ولو كانت اللغة أوسع حتى يكون لكل معني في العالم اسم مختص به لكان ابلغ للفهم واجلي للشك واقرب للبيان "(4) .

وقد اهتم ابن حزم بتطبيق هذا المبدأ – أي التبسيط والوضوح – في كافة مؤلفاته فمثلا من خلال عنوان كتابه في المنطق "التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية " نستشف هذا الأسلوب . بل وان قارئ الكتاب بالفعل يشعر بحرص المؤلف على ذلك . وقد أشار ابن حزم نفسه إلى انه من ضمن الأغراض التي دعته إلى تأليف الكتاب إيراد هذا العلم (أي علم المنطق) في كتب السابقين بألفاظ غير عامية ولا فاشية الاستعمال وان هدفه هو تقديم هذا العلم بألفاظ سهلة مبسطة يستوي في فهمها العامي والخاص . يقول ابن حزم : "العلم الذي وعرته الأوائل وعبرت عنه بحروف الهجاء ضنانة به ، واحتسبنا الأمر في إبدائه وتسهيله وتقريبه على كل من نظر فيه "(1) .

يبرز ذلك أيضا في مؤلفاته الفقهية . تكاد تجمع الكلمة على رأى الدكتور الأفغاني(2) على أن أجمل لغة كتبت بها الشريعة وضوحا وإشراقا هي لغة ابن حزم . وكمثال على حرصه لإعطاء كل كلمة مفهومها الخاص في ذهن القارئ ، فقد وضع في بداية كتابه "الأحكام " شروحا لثلاث وتسعين كلمة ترد على ألسنة الفقهاء وتقابل القارئ أثناء إطلاعه على الكتاب .

ولا يقف ابن حزم عند حد تطبيقه لهذا المبدأ في العلوم التي يعالجها بل نجده يشيد بإتباع هذا المنهج في كافة العلوم الأخرى والتي لم يعالجها ويركز بالذات على علمي البلاغة والنحو لتعلقهما بالأداة التي تقدم بها العلوم .

يعرف البلاغة على أنها : "ما فهمه العامي كفهم الخاص وكان بلفظ يتنبه له العامي ...ولم يزد فيه ما ليس منه ولا حذف مما يحتاج من ذلك المطلوب شيئا ، وقرب على المخاطب به فهمه ، لوضوحه وتقريبه ما بعد ... وملاك ذلك الاختصار لمن يفهم والشرح لمن لا يفهم "(3).

وعلي ضوء هذا التعريف يصنف البلغاء إلى صنفين : صنف مائل إلى الألفاظ المعهودة عند العامة كبلاغة عمر بن بحر والجاحظ . وصنف مائل إلى الألفاظ غير المعهودة عند العامة كبلاغة الحسن البصري وسهل بن هارون . هذا التصنيف يبين أن هناك نوعين من البلاغة عنده . بلاغة الوضوح والفهم العام المشترك التي هي عنده البلاغة الحقيقية ، وبلاغة الترف اللغوي بحيث تصبح اللغة وسيلة متعة لا أداة تفاهم وتوصيل .

لما كانت اللغة في مذهب ابن حزم أداة تسهيل وتيسير وتقريب للإفهام ، فهو يؤكد على أهمية علم النحو ويحث على ضرورة الأخذ فيه بنصيب وافر يمكّن من فهم خطاب الله (القرآن)وسنة رسوله . إذ "لو سقط علم النحو لسقط فهم القرآن وفهم حديث النبي "(4) . غير انه لا يفضل التعمق في هذا العلم بأكثر من هذا القدر ، لان ذلك من باب الفضول الذي لا منفعة به ، يقول أبن حزم : " وأما التعميم في علم النحو ففضول لا منفعة بها بل هي مشغلة عن الأوكد ، ومقطعة دون الاوجب والاهم ، ...... فمن يزيد في هذا العلم إلى أحكام كتاب سيبويه فحسن إلا أن الاشتغال بغير هذا أولي وأفضل ، لأنه لا منفعة للتزيد على هذا المقدار الذي ذكرنا إلا لمن أراد أن يجعله معاشا"(1).

يحدد القدر الذي تقتضيه الضرورة من كتب النحو قائلا : "واقل ما يجزي من النحو كتاب "الواضح" للزبيدي أو ما نحا نحوه كـ (الموجز ) لابن السراج وما أشبه هذه الأوضاع الخفيفة "(2) . وفي سياق دعوة ابن حزم إلى الوضوح والابتعاد عن التعقيد واستخدام الألفاظ المألوفة ، يحمل على النحاة الذين ذهب بهم التعليل إلى الخروج بالألفاظ عن المعاني التي وضعت لها في اللغة . فهو كما يرفض التعليل في الشريعة يرفضه أيضا في علم النحو . فهو يقول : "ومثل هذا ما يستعمله النحويين في عللهم فإنها كلها فاسدة لا يرجع منها شيء إلى الحقيقة البتة . وإنما الحق من ذلك أن هذا سمع من أهل اللغة الذين يرجع إليهم في ضبطها ونقلها ، وما عدا هذا فهو ، مع انه تحكم فاسد متناقض ، فهو أيضا كاذب " (3) . وقد كان لهذا الرأي في نقد العلة النحوية صدى وتأثير عند نحوي عاش في دولة الموحدين الظاهرية المذهب .وهو أبو العباس احمد بن مضاء القرطبي(513 – 592) (4).

بناء على كل ما سبق ذكره – فيما يخص آراء ابن حزم في اللغة – يمكننا التقرير بأن تأثير الحياة الاجتماعية والسياسية التي عاشها ابن حزم ، واختياره لمذهب الظاهر ، ساعدا إلى حد ما في تكوين هذه الآراء ، ولعبا دورا كبيرا في دفعه لكي يتعمق اللغة ويدلي بآراء قيمة فيها . فنظريته في اصل اللغة – في رأيي تنسجم انسجاما تاما مع مذهبه الفقهي الذي يؤثر النص على التأويل . إن الإقرار بكون اللغة توقيف من عند الله يحتم علينا أن نقرأ النصوص القرآنية التي هي كلام الله كما أنزلت ولا داعي لمحاولة الهروب وراء السطور للبحث عن علل خفية لان ذلك تصرف في كلام الله . الله هو الوحيد الذي يمتلك حق تصريف الأسماء وإيقاعها على ما يشاء ، فهو الخالق ، خلق اللغة ، وخلق الإنسان وأوقفه عليها ، فليس من حق هذا الإنسان نقل أي لفظ عما وضع له في اللغة خصوصا إذا كانت احد نتائج هذا البلبلة اللغوية والفكرية . وربما هذا الذي دفع ابن حزم إلي رفض منهج التعليل في النحو كما رفضه في الشريعة. لان التعليل ما هو إلا منهج وضعي تصدر النتيجة فيه عن تخمين أشخاص معينين .

يبدو لي أيضا أن ابن حزم عندما يعمد منهج التبسيط والتيسير وتقريب المعرفة إلي الأذهان عن طريق تمييز الألفاظ الواقعة على المعاني وتحديد المصطلح اللغوي, إنما يسعى إلي أهداف سامية نبيلة أنتجها واقع الحياة الاجتماعية والسياسية التي عاشها. هذه الأهداف تتمثل في الدعوة إلي شمولية التعليم ونشر الثقافة العامة بتداول العلوم بين أبناء الأمة . إضافة إلي أنها محاوله إلي جمع شتات الأمة الإسلامية حول لغة واحده وبالتالي حقيقة واحده.

ليست هناك تعليقات: