14‏/04‏/2009

- العلة في بواكير اصول الفقه وعلم الكلام - ج 2


اذا عدنا للوراء ونظرنا فيما يعتبر اول كتاب في اصول الفقه ، أعني " الرسالة " للشافعي ، نجد ان كلمة معنى تستعمل لتعنى علة الحكم الشرعي وان لم يستخدم الشافعي كلمة علة في هذا السياق . على اى حال يتحدث الشافعي اولا عن الاحكام التشريعية التي أتى بيانها اما في نص من القرآن او عن طريق النبى . والنبى قد يبين تفصيلا احكاما عامة وردت في القرآن او يشرع احكاما جديدة لم ينص عليها في كتاب الله ( الرسالة ، ت احمد محمد شاكر ، القاهرة ، 1940 ، ص 21- 22 ) . ثم يضيف بأن هناك حالات يستخدم فيها الناس الاجتهاد للبحث عن الاحكام الشرعية . فالله قد " دل " الناس حين يكونوا بعيدين عن المسجد الحرام ولا يروه بالعين طريق الاجتهاد الصحيح لبيان مكانه باستخدام عقولهم التي ركبها فيهم " وبالعلامات التي نصبها لهم " ( الرسالة ص 23، 24 ) . ويتكلم الشافعي أيضا عن نوعين من المعرفة : احدهما "علم احاطة في الظاهر والباطن " والثاني علم هو " حق في الظاهر " . الاول علم يقيني كعلمنا حين يكون لدينا نص من الله او في السنة . والثاني نحصل عليه بالاجتهاد عن طريق القياس . مثال الاول كما يعطيه الشافعي هو مثال الشخص الذي ينوى الصلاة والكعبة على مرأى منه ، والثاني كعلم شخص باتجاه الكعبة عن طريق النجوم مثلا دون ان يرى الكعبة ، فعلمه حق في الظاهر لانه قد يصيب وقد يخطىء في التقدير ( الرسالة 497 ) .

يميز الشافعي ايضا بين نوعين من القياس . الاول يقوم على معنى مشترك بين قضيتين قانونيتين . فالله والنبي يحرمان ويحللان أشياء لمعنى " يقصد لعلة " فاذا وجدنا هذا المعنى في قضية لم تشر لها الاصول انسحب الحكم في القضية الاولى على الثانية . لا يعطي الشافعي للأسف مثالا على هذا القياس الذي يهمنا اساسا لانه يصف بدقة قياس العلة كما يستعمله الجصاص واستاذه الكرخي . اما النوع الثاني من القياس فهو قياس الاشباه ، وهو الذي يمكن ان يؤدى الى خلاف في الرآى بين الفقهاء . مثال ذلك قوله تعالى في سورة المائدة " اللآية 94 " : " يا أيها الذين امنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذا عدل منكم " . ومعنى " فجزاء مثل ما قتل من النعم شبها في الحجم لجسم الصيد المقتول ( الرسالة ، ص 28 -29 ) .

يعالج الجصاص القياسين السابقين في كثير من التفصيل ويوضح عبارات الشافعي المقتضبة ويضع جوانب منها في سياق تاريخي يبين مدى نظوج الفكر الاسلامي في بواكيره . لنبدا بقياس العلة . ان نقطة البداية عند الجصاص ضرورة النظر ولزوم استخدام حجج العقول في الفقه واصوله ( اصول الفقه ج 2 ، ص 35 – 45 ) فعلى الرغم من ان طريق معرفة الاصول " القرآن والسنة " ليس العقل ومناهجه بل السمع عن طريق الرسول ، فان الله قد نصب في تلك الاصول دلائل بواسطتها نستدل على الفروع . فاصول الفقه ليس علما موحى به في جملته ولذلك وجب اعتباره من العلوم العقلية " اصول الفقه ، ج 2 ، ص 41 " . هذه العلوم تحوى أشياء خفية غامضة واخرى جلية ظاهرة . ومن الجلي الظاهر ننتقل الى الخفي الغامض باستخدام النظر " اصول الفقه ، ج 2 ، ص 36 " . ومنهج النظر هذا هو الاستدلال او الاستنباط . ويتمثل في القياس " اصول الفقه ، ج 2 ، 46 – 47 " ، إلا ان الجصاص ينبه قارئه الى الفرق بين منهج علم الكلام وعلم اصول الفقه . فبينما يؤدى الاول الى العلم فان كل ما يحققه الثاني ليس الا غالب الظن . لذلك نصف استعمالنا لمنهج اصول الفقه بالاجتهاد " اصول الفقه ، ج 2 ، ص46 " . ومن اجل تحديد الفرق بين المنهجين يحيل الجصاص على ما قاله استاذه ابوالحسن الكرخي الذى يميز بين الاثنين عن طريق التمييز بين العلاقة القائمة بين العلة والحكم " او القضية المرتبطة بالعلة " في كل من الميدانين . ففي علم الكلام ترتبط العلة بالحكم او بالقول المترتب عليها بحيث اذا وجدت العلة وجد الحكم واذا لم توجد العلة لم يوجد الحكم المتعلق بها . اما في اصول الفقه فالعلل لا ترتبط بالاحكام هذا الارتباط ، ولذلك نسميها امارة او علامة او سمة ، وذلك لأن الحكم لا يلزم عنها لزوما ضروريا " اصول الفقه ، ج2 ، 97 " وغير ذلك من المواضع " وكمثال على العلة الفقهية يشير الى مشكلة ولاية الاب على ابنته حين يزوجها . يقول الجصاص ان بعض الفقهاء يرون ان العلة في الولاية صغر السن وآخرون يرون العلة في عذرية الابنة . يؤيد الآخذون بالعلة الاولى رأيهم قائلين ان الثيب الكبيرة اى الابنة غير العذراء " المطلقة او الارملة " والتي بلغت نضجها العقلي غير ملزمة بولاية أبيها اذا ما اقدمت على الزواج ، بينما البكر الصغيرة اى العذراء التي لم تصل لسن النضج العقلي فهي ملزمة بولاية أبيها اذا ما أقدمت على الزواج . ولكن ، كما يذكر الجصاص ، مثل هذه الحجة يمكن ان تستخدم لتأييد الرآى القائل بأن العذرية هي علة الولاية .

السبب وراء بحث الفقهاء عن العلة هو معرفة الحكم الشرعي في العذراء التي بلغت سن النضج العقلي الكافي ، هل تحتاج لولاية ابيها عليها اذا ما اقدمت على الزواج ؟ " اصول الفقه ، ج2 ، 98 " .

يتأدى عن عدم امكانية القطع بعلة معينة في الفقه اننا نقول : ان الحكم الشرعي لا يلزم ضرورة عن علة بعينها .للاسف لا يعطينا الجصاص مثالا للعلة في علم الكلام . ولكن من الممكن افتراض القضية التي تصف الخالق او واجب الوجود على انها مثال للعلة الكلامية ، والقضية التي تصف العالم المخلوق او الممكن الوجود بأنها مثال للقضية المتعلقة بالعلة او المترتبة عليها . والعلاقة بينهما هي العلاقة التي يقال انها تقوم بين العلة في علم الكلام وما يترتب عنها من قول . على الرغم من ان العلاقة في هذه الحالة عبر عنها بلغة الانطولوجيا ، اى الوجود وعدم الوجود ، فمن الممكن ترجمة تلك العلاقة الى لغة المنطق ، فنعبر عنها باستخدام مفهوم الصدق والكذب . وليس في هذا اى تجن على ما كتب الجصاص ، فهو كغيره من مفكرى العصر الوسيط والقديم مند ارسطو ينتقلون من المستوى الانطلوجي الى المستوى المنطقي والعكس دون ان ينبهوا او ينتبهوا هم انفسهم لهذا . اذا سمحنا لانفسنا بمثل هذه الترجمة ، فسنعبر عن العلاقة المذكورة في الجدول التالي :

اذا كان الحكم الذى يعبر عن العلة في علم الكلام === والحكم المتعلق به == فان الحكم الذي يعبر عن العلاقة بينهما يكون
صادقا ===== كاذبا ======= صادقا
كاذبا ====== صادقا ====== كاذبا
صادقا ===== صادقا ====== كاذبا
كاذبا ====== كاذبا ====== صادقا

هذه العلاقة في صورتها المنطقية هي التي تسمى اللزوم التام او الاتصال التام في كتاب ابن سينا ( " و 370 – 980 – ت 428 – 1037 " . الشفاء : القياس ، ت سعيد زايد ، القاهرة ، 1964 ، ص 232 و 396 -397 ) . وابن سينا فيما يظهر اول من صاغ تلك العلاقة التي تدعى التكافؤ في المنطق الحديث بلغة الصدق والكذب في تاريخ المنطق . ولكن كيف نعبر عن العلاقة بين العلة الفقهية والحكم الشرعي المرتبط بها ؟

لا يزيد الجصاص على القول بأننا قد نصل الى الحكم الشرعي الحقيقي على الرغم من عدم تأكدنا من الادلة ( مخطوط مكتبة شتربيتى ، دبلن ، رقم 3343 ، الورقات 121 . 59 ) قوله انه اذا لم توجد العلة الفقهية فهذا لا يعني بالضرورة ان الحكم لا يوجد . ثم يضيف الدبوسي بأن هذا رأى مجمع عليه من قبل الاصوليين .

كذلك نجد بصورة اوضح تعبيرا عن تلك العلاقة في كتاب الجويني البرهان ، حيث يرى انه ليس شرطا في العلل السمعية انها اذا لم توجد فالحكم لن يوجد بالضرورة . ان شرط تلك العلة انها اذا وجدت فالحكم لن يوجد ضرورة . على هذا يمكننا التعبير عن تلك العلاقة في الجدول التالي :

اذا كان الحكم المعبر عن العلة الفقهية === والحكم الشرعي المتعلق به === فان الحكم المعبر عن العلاقة بينهما يكون
صادقا ===== صادقا ======= صادقا
صادقا ===== كاذبا ======== كاذبا
كاذبا ====== صادقا ======== كاذبا
كاذبا ====== كاذبا ======== صادقا

معنى هذا انه اذا كانت العلة الفقهية صادقة " اى اذا كانت علة حقيقية " فان الحكم الشرعي المرتبط بها لابد ان يكون صادقا ايضا ، ولكن قد يكون الحكم الشرعي المقترح في قضية قانونية صادقا مع ان العلة المقترحة له كاذبة .

هذه العلاقة في صورتها المنطقية نجدها في كتاب الشفاء : القياس لابن سينا ،" ص 232 ، 390 ، 395 ، 396 " ويسميها اللزوم او الاتصال الناقص او غير التام . وهذه عنده علاقة تقوم بين مقدم وتالي القضية الشرطية المتصلة " اذا كان .. فان .. " . هذه الصورة الشرطية للعلاقة المذكورة نجدها في ما يقوله ابن حزم في التقريب لحد المنطق والمدخل اليه " ص 169 – 171 " من انه لا يصح ان نقول في الفقه انه اذا وجدت العلة يوجد الحكم المرتبط بها وانه اذا لم توجد لم يوجد الحكم . لاننا كما يذكر ابن حزم حين نقول " اذا كان الجسم ميتا فهو بالضرورة غير انسان " فهذا لا يعني انه " اذا كانت في جسم ما حياة فهو بالضرورة انسان " . يتضح في هذا المثال ان ابن حزم رأى الصلة بين تحليل الفقهاء للعلاقة بين العلة الفقهية والحكم الشرعي وتحليل القضايا الشرطية المنطقي . كذلك من الضروري ان اشير الى ما يذكره الاشعري في مقالات الاسلاميين " ص 204 " من ان الجبائي " ت 303 – 915 " قال بأنه اذا وصل محال بمحال صح الكلام ، واذا وصل مقدور بمحال استحال الكلام . وكمثال على الاول يقول : " لو كان الجسم متحركا وساكنا فبالامكان ان يكون حيا وميتا " . على الرغم من ان كلام الجبائي موضوع بلغة الانطولوجيا الا ان من السهل تبين اساسه المنطقي . فلو ترجمنا كلامه الى لغة المنطق فسنقول انه اذا وصل الكاذب بالكاذب كانت نتيجة الاتصال " او القضية الشرطية المتصلة كما يسميها ابن سينا " قضية صادقة ، واذا وصل الصادق بالكاذب فالقضية الشرطية المتصلة كاذبة .

لنعد الى العلة الفقهية والقياس الفقهي الذي ينبني عليها . يثير الجصاص المشكلة الفقهية التالية . حسب بعض الاحاديث يحرم على المسلم الربا " كما يحدده الشرع الاسلامي " في السلع الآتية : الذهب – الفضة – القمح – الشعير – التمر – الزيت . عند اغلب الفقهاء كل ما تعطي هذه الاحاديث ليس الا امثلة لانواع السلع المحرم فيها الربا . ولكن المشكلة كيف نحدد انواع السلع المحرم فيها الربا من الامثلة المعطاة في الاحاديث ؟ رأى البعض ان العلة في المثالين الاولين " الذهب والفضة " هي الوزن ، وفي الثالثة والرابعة " القمح والشعير " الكيل . فالربا يحرم في الرصاص ، حسب هذا الرأى ، لانه من الموزونات ، فهو من النوع الاول . وكذلك يحرم في الجبص وهو من المكيلات لانه يدخل في النوع الثاني " اصول الفقه ، ج 2 ، ص 73 " .
يذكر الجصاص هذا المثال بمناسبة ذكره لبعض الفقهاء الذين لا يسميهم والذين اعترضوا على القياس الفقهي قائلين بأن الله لا يعطي بالضرورة نفس الاحكام في المشاكل المتشابهة . فاحيانا نجده يعطي نفس الحكم في مشاكل قانونية مختلفة غير متشابهة . واحيانا يعطي احكاما مختلفة في مشاكل متشابهة .

يرد الجصاص على هذا القول بأن القياس عنده لا يقوم على الشبه بل على العلة التي تشترك فيها القضايا المنظور فيها . فالجص مثلا يختلف في اكثر من صفة عن القمح والشعير ومع ذلك فحكمه حكم القمح والشعير . بالطبع قد نختلف حول العلة ما هي . ولكن العلة في كل حال هي ما نبحث عنه . لا استبعد ان قياس العلة هذا أتى كمحاولة لاحلاله محل قياس الشبه الذي بدى للبعض سادجا ان لم يكن من المستحيل تطبيقه .

يثير الجصاص نقطة اخرى بخصوص العلة الفقهية وهي ان بعض الاصول الفقهية تنص على العلة التي من أجلها حكم في قضية معينة " اصول الفقه ، ج 2 ، ص 95 " . فمثلا جاءت فاطمة بنت حبيش للرسول وقالت بأن الدم جاءها وهي لا تعلم ان كان دم الحيض ام لا . فسألته ان كان لابد لها ان تتوضأ قبل الصلاة . فقال لها الرسول انما دم عرق وامرها بالوضوء .
يعلق على ذلك الجصاص بأن هنا نص صريح على ان دم العرق علة الوضوء . هذا النوع من العلل المنصوص عليها كان مثار اشكال عند نفاة القياس كما يذكر الجصاص " الجزء 2 ، ص 95 – 96 " . اذ هل يمكن تعميم العلة المنصوص عليها لتشمل الحالة التي لم ينص عليها والتي نجد فيها نفس العلة ؟ .

يقول الجصاص بأن النظام رأى انه لو قال الله حرم عليكم لحم الماعز لانه يسير على اربع فلا بد ان يحرم لحم كل ما يسير على اربع . ولما كان النظام يرفض العلة والقياس ارتأى ان الحكم السابق لابد أن يقرأ على انه حكم كلي عام ، اى حكم بالنهي عن اكل لحم ذوات الاربع كلها لا على انه حكم مخصوص بلحم الماعز فقط . ولكن هذا كما يقول الجصاص لم يكن رأى كل نفاة القياس القائم على العلة . اذ رأى بعضهم ان لابد من تجاهل النص على العلة في الاصول ووجوب قراءة النص وكأنه لا ينص عليها . واضح ان اصحاب الرأيين السابقين لا يريدون قراءة النص كما هو في ظاهره .

يعترف الجصاص بأن الاصول لا تنص على العلة الا في حالات قليلة جدا . المشكل انه حين لا ينص على العلة في الاصول يصبح تحديدها مجالا للخلاف ، ذلك انه بالامكان ان نجد اكثر من علة تحقق شرط العلة الفقهية في علاقتها بالحكم الشرعي الذي ذكرته سابقا . وحتى لا يترك الفقهاء والاصوليين الآخذين بالعلة الباب مفتوحا لخلافات لا تنتهي قد تؤدى الى الفوضى الفكرية ناهيك عن مشاكل التطبيق القانوني ، اقترحوا قواعد منهجية للمفاضلة بين العلل المستخرجة التي تحقق الشرط السابق دون ادعاء منهم ان تلك القواعد المنهجية تؤدى في نهاية الامر الى حسم الرآى حول علة واحدة مقبولة للجميع . اى دون ادعاء منهم انهم برهنوا على صدق علتهم الفقهية المقترحة أيا كانت .

اهم قاعدة يقدمها الجصاص متبعا في ذلك استاذه الكرخي ، هي قاعدة تأثير العلة " اصول الفقه ج2، ص 96 " . لتوضيح تلك القاعدة يشير الجصاص هنا الى مثال ولاية الاب على ابنته حين يزوجها . يوجب فقهاء الحنفية تلك الولاية حين تكون الابنة قاصرة . اما الشافعية فيوجبونها في حالة كون الابنة عذراء . يعتقد الحنفية ان علتهم افضل لأنها علة مؤثرة في الاحكام ، وهذا لا ينطبق على علة الشافعية . يعنون بهذا ان علتهم " كون الابنة قاصرة " ترتبط باحكام شرعية اخرى وهذا لا ينطبق على العذرية . ففي احكام البيع والشراء نجد ان سن البنت لا عذريتها هو المعيار الذي يحدد وجوب الولاية عليها " اصول الفقه ج 2 ص 96 – 97 " . ولتوضيح هذه النقطة يقارن الجصاص بين مفهوم العلة ومفهوم الدليل " اصول الفقه ، ج 2 ص 45 – 46 " فيقول بأن الدليل لا تأثير له في وجود المدلول . فبتأمل الدليل نصل الى معرفة المدلول لا غير . اما العلة فلابد ان ننظر اليها على انها سببا او طريقة لوجود المدلول . يتابع الجصاص شرحه فيقول بأن العلة في اصلها اللغوى تعني المرض ، فاذا حدثت العلة في مكان ما اوجبت اوصافا لم تكن بدونها . لذلك نقول ان كل علة دليل لكن العكس غير صحيح . " يتضح من هذا ان العلة عنده مفهوم انطلوجي ومنطقي في نفس الوقت ".

ايضا يبين الجصاص ان تأثير العلة في الحكم يختلف باختلاف طبيعتة العلة وطبيعة العلاقة بين العلة والحكم هل هي اتفاق اجتماعي او واقعة فيزيقية " اصول الفقه ، ج 2 ، ص 90 ، 103 " . فالعلاقة المذكورة تقوم احيانا بناء على عادات الناس . وفي هذه الحالة فأن تأثير العلة يبقى ما دامت تلك العادة باقية . مثال ذلك تحريم الربا في القمح والشعير وهما من البضائع المكيلة . فعلة التحريم هنا عند الحنفية هي الكيل . ولكن الكيل ليس الا وسيلة اخترعها الناس وتعودوا عليها حين يتعاملون في بضائع من نوع معين . وليس غريبا ان يهجر الناس عادة من العادات التي تعودوها ، لكنا نجد نوعا آخر من العلل لا يعتمد في تأثيره على العادات التي هي اتفاقات اجتماعية بل يعتمد على الواقع . مثل اعتبار دم العرق علة الوضوء ، فالدم في هذه الحالة ينجس الجسم وهذا التأثير للدم لا يتوقف على العادة التي هي اتفاق اجتماعي بل املاه الواقع الفيزيقي . ولكن هذا لا يعني ان العلة في هذه الحالة افضل من العلة في الحالة السابقة . ذلك اننا لا نعرف ان كانت العلة المستخرجة اى غير المنصوص عليها هي فعلا علة الحكم . كل ما يمكن ان نقوله حين نستخرج علة ما ونبين انها في علاقتها بالحكم تخضع لشروط محددة ، انها افضل من علة لا تحقق الشروط الموضوعة .

يشير الجصاص الى معيار آخر او قاعدة اخرى للتفضيل بين العلل المستخرجة ، وهي ان نستخرج في قضية معينة كل العلل الممكنة ونفندها الا واحدة ، وهذه العلة المتبقية تكون العلة المقبولة " اصول الفقه ج 2 ص 96 " . يعطي الجصاص على هذا المثال الآتي : حملت جارية يملكها رجلان وادعى الاثنان أبوة الجنين . فكان على الفقهاء الذين عرضت عليهم تلك القضية ان يقرروا بين اختيارات ثلاثة . اما ان يحسموا الموضوع بالقرعة وهذا ما لم يقبلوه . او ان لا يعطوا حكما فيه ، وهذا ايضا رفضوه . فلم يبقى لهم الا ان يعتبروا الرجلين ابوى الجنين . بالطبع لا يصلح المثال في نفسه كبيان لمنهج المفاضلة المقترح ، اذ لا يبين الجصاص بأى معنى يمكن ان نعتبر الاختيارات الثلاثة المقدمة عللا ، ولم اقتصر على تلك الثلاثة المذكورة . لكن المنهج المذكور يستحق منا الاهتمام . فهذا منهج استخدمه اقليدس في الاصول كما نجده عند رياضي اليونان والمسلمين . كذلك نوقش المنهج المذكور من قبل المناطقة الرواقيين في تحليلهم للقضايا " اما ... او ... " . ولعل هذا التحليل " الذى نجده ايضا عند الفارابي وابن سينا مثلا " كان وراء الرآى الذي يعرضه لنا الجصاص هنا .

من اهم صفات العلة الصحيحة كونها متعدية " اصول الفقه ج 2 ص 91 " . وهذا يعني امكانية تطبيقها في قضايا غير تلك المذكورة في الاصول . يذكر الجصاص هذا في سياق نقده لبعض فقهاء الشافعية الذين لا يسميهم والذين يرون ان بعض العلل تكون قاصرة او غير متعدية . في رآى الجصاص ان العلل تستخرج اصلا لتطبيقها في الحالات الغير منصوص عليها ، وبدون هذا التطبيق تفقد اهميتها .

لا يذكر الجصاص الداعي وراء رآى فقهاء الشافعية المشار اليهم . ولكنه يقول بعد ذكر القضية السابقة ان البعض قد يقول بأن الفرق بين الحكيم والسفيه ان لاعمال الحكيم اغراضا محمودة ومن ثم فأحكام الله تعالى لابد ان تكون لاغراض محمودة لانه حكيم ولا يفعل شيئا عبثا . هذه الاغراض المحمودة هي العلل القاصرة التي لا يمكن تطبيقها على حالات غير تلك المذكورة في الاصول . الجصاص يتصور ان حجتهم قد تكون من هذا النوع .

على اى حال ما يهمني هنا هو " الاغراض المحمودة " ما هي . بعد سطور قليلة " اصول الفقه ج 2 ص 91 " ، يقول الجصاص بأن الاغراض المحمودة هي مصالح الناس . وان العلل التي تمليها مصالح الناس تسمى علل المصالح ، وهي مختلفة عن ما يسميه علل الاحكام . والاخيرة هي نوع العلل الوحيد الذي يؤيده الجصاص .

ان الفقهاء في رأيه لا يجرون وراء مصالح الناس ، كما انهم لا يملكون المعرفة التي تؤهلهم لان يحددوا المصلحة التي أملاها حكم شرعي معين . ان كل ما يستطيع ان يقوله الاصولي او الفقيه هو ان حكما معينا يتأدى عن علة مقترحة . ان وظيفة الفقيه او الاصولي في رآى الجصاص ان ينظر في الاحكام كما هي في الاصول . ويبين الرابطة بين العلة والحكم دون ان يبحث عن مبررات الاحكام . فهذه لا مجال لمعرفتها ونادرا ما تشير اليها الاصول . وحتى حين تشير لها الاصول كما في سورة الكهف " الآيات 71 – 82 " حين برر فتى موسى خرقه السفينة بأنها لمساكين يعملون في البحر وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا الى آخر الآيات ، فان هذه التبريرات لا تعني الاصولي . وكذلك فقد نعبد الله ونطيع اوامره معتقدين ان في ذلك مصلحة لنا . ومثل هذا الاعتقاد لا يوجد الا في ذهن المتعبد لا في احكام التعبد نفسها .

على اى حال يبدو ان بعض اتباع الشافعي اعتبروا ان بعض الاحكام اتت لخدمة مصلحة معينة املتها ظروف معينة . مثل هذه الظروف قد تكون فريدة ولا يمكن ان نطبق العلة التي تقررت في ظروف كهذه لاستخراج احكام في ظروف مختلفة . يبدو ان هذا هو سبب القول بأن بعض العلل تكون غير متعدية . اما الجصاص فرآيه ان المشكل ليس البحث عن الفرض المحدد الذي من اجله جاء الحكم الشرعي ، بل من اى مبدأ يمكن الاستدلال على الحكم . الا ان رآى الجصاص في هذه النقطة غير متسق تماما فيما يبدو . ففي موضع سابق من اصول الفقه " ج 2 ص 66 – 67 " يقسم الاحكام الى ثلاثة :

1 - احكام تقرر بعض الاشياء على انها واجبات . في نفس الوقت يقرر العقل ان هذه الاشياء نفسها واجبة . كالاعتقاد بصدق النبى او شكر المنعم . ففي هذه الاحكام يقرر الشرع ما عرف من قبل عن طريق العقل .

2 – احكام تحضر علينا فعل اشياء يحظرها العقل نفسه . وفي هذه الحالات يقرر الشرع ما عرف من قبل بالعقل .

3 – لكننا نجد احيانا اشياء يوجبها العقل مرة ويحرمها مرة اخرى . هذه الاشياء ليست في نفسها قبيحة ولا حسنة ، والاحكام الشرعية توجب بعضها وتحظر بعضها الآخر . كذلك فقد أمرنا الله بالاجتهاد في هذه الاشياء حين لا ينص عليها في الاصول . ففي ميادين التجارة والزراعة والطب وما شابه يمكن لنا ان نجتهد ونقرر الحكم الذي يأتينا بالمنفعة ويبعد عنا الضرر . وقد ترك الله لنا الاجتهاد في هذه الامور لانه يعلم بأنها ليست نافعة او ضارة في كل وقت ومكان . ومن ثم ترك لنا النظر فيها بأنفسنا وتقرير ما يلائم مصالحنا .

ان ما يبدو من عدم اتساق في آراء الجصاص حول هذه المسألة قد لا يبدو كذلك اذا نحن حاولنا ان نفهم بدقة استخدامه لكلمة " اجتهاد " . يستعمل الجصاص " وكذلك الجويني " الكلمة للاشارة الى نوعين من العمليات العقلية . فمن ناحية تشير الكلمة الى الوسيلة او الوسائل المتبعة لاستخراج الاحكام الشرعية بالاعتماد على الاصول الثابتة " القرآن والسنة " . من ناحية اخرى تشير الكلمة الى عملية استخراج الاحكام دون رجوع لتلك الاصول المذكورة ، كما نفعل حين نحدد موضع القبلة حين لا تكون على مرأى منا ، او حين يحاول المسلمون تحديد افضل الوسائل للدخول في معركة حربية تجاه غير المؤمنين . واضح انه في مثل هذه المواقف يترك لنا تحديد افضل الوسائل لبلوغ غايتنا او ما فيه منفعتنا . يبدو ان هذا النوع الثاني من ما نراه مصلحة لنا في وقت معين . اذ في هذه الاحوال لا نرجع لنص قانوني . ومن ثم لا مجال للحديث عن علة الحكم المنصوص عليه ، او المبدأ الذي منه استنتج .

يرى الجصاص بأن العلة في بعض الاحيان لا تعمل الا بتوافر شروط محددة ترتبط بها . مثال ذلك علة العقوبة في الزنا . اذ وجود هذه العلة " حفظ الانساب " في حالة معينة لا يكفي في ذاته لتوقيع العقوبة المنصوص عليها في القانون الاسلامي ما لم تتوافر شروط معينة في تلك الحالة التي نحن بصدد البحث فيها . الا وهي كون الزاني مسلما مع توافر شرط الاحصان " اى كونه راشدا " ..الخ . في بعض الاحيان لابد من تواجد اكثر من علة تجتمع معا لاعطاء الحكم الشرعي . مثال ذلك تحريم سؤر الكلب " اى ما يتبقى من اكله " على المسلم . في رأى الجصاص ، لهذا التحريم علتين . الاولى تحريم اكل لحم الكلب على المسلم . والثانية كون الكلب نجسا . يقول الجصاص بأن العلة الاولى وحدها لا تكفي ، لانه على الرغم من ان لحم الانسان محرم على المسلم ، فانه لا حرمة في اكل ما تبقى من طعامه " اصول الفقه ج2 ص 102 ، 105 " .

اهم خاصية للاحكام الشرعية المتوصلة اليها باستخدام العلة من وجهة نظر ابستمولوجية كونها قابلة للنقض يرجح هذا من ناحية لان العلة نفسها ظنية . وايضا لاننا قد نختلف حول اى اصل في القرآن والسنة " اعني اى قضية او حكم مذكور في هذين المصدرين " نعقد عليه قياسنا . من اجل ذلك يعطينا الجصاص عدة قواعد منهجية تساعدنا في ترجيح علة على اخرى " اصول الفقه ج2 ص 110- 111 " . لنفترض ان لدينا العلة " ل " والعلة " م " في موقف معين ، سنقول ان ل " ارجح " او " اولى " من م اذا توافر واحد من الشروط الآتية :

1 – اذا صرح بـ " ل " في احد المصادر القانونية المعتمدة ، كالتصريح بها في القرآن او السنة ، بينما استنتجت " م " بطريق عقلي .

2 – اذا تأيدت " ل " بنص عام ، بينما تأيدت " م " بنص خاص .

3 – اذا كان الحكم الشرعي وعلته المقترحة " ل " من نفس الجنس ولا يصدق ذلك على " م " . يوضح الجصاص في مكان آخر " اصول الفقه ج2 ص 88 " معنى هذا حين يعالج الاعتكاف ويتسأل ان كان من الواجب معالجته كالوقوف بعرفات او معالجته كالصوم ، يقول الجصاص بأنه حين سئل الكرخي عن ذلك اجاب بأن الاعتكاف يعالج كالوقوف بعرفات لانهما من نفس الجنس اى كلاهما لبث .

4 – اذا تأيد القياس المنعقد على " ل " بقول صحابي او واحد من الخلفاء الراشدين ، بينما لا نجد تأييد كهذا للقياس المنعقد على " م " . على ان الجصاص يحذر من ان مثل هذا التأييد لا يقبل الا اذا لم يكن هناك قول آخر لصحابي او لواحد من الخلفاء الراشدين يناقضه .

5 – اذا تأيدت " ل " بحديث ضعيف ، بينما لا نجد تأييدا من اى نوع من الحديث لـ " م " .

6 – اذا تأيدت " ل " بأكثر من اصل شرعي ، بينما لا نجد مثل هذا التأييد لـ " م " .

ليست هناك تعليقات: