14‏/04‏/2009

- العلة في بواكير اصول الفقه وعلم الكلام - ج 3


ننتقل الآن لقياس التشابه الذي ذكره الشافعي جنبا الى جنب مع قياس المعنى " او العلة " . على الرغم من موقف الجصاص النقدي تجاه قياس التشابه الا انه يعطينا من خلال اقواله صورة قوية لتعقد النقاش حول هذا القياس في بواكير اصول الفقه وعمقه الفكري . يقول الجصاص " اصول الفقه ، ج2 ، ص 93 ، 94 " بأن مؤيدى قياس التشابه اختلفوا حول الشيء او الاشياء التي يجب اعتبارها اساسا للتشابه . فالاصم قال بأن التشابه لابد ان يكون في الصورة والذات . مثلا : هناك اجماع بين الفقهاء على ان نسيان السجدة الاولى في الصلاة لا يفسدها . وعلى هذا الاساس قرر الاصم ان نسيان السجدة الثانية في الصلاة لن يفسدها اذ ليس هناك ما هو اشبه من سجدة في صلاة بعينها من سجدة اخرى في نفس الصلاة . اما الشافعي وغيره من الفقهاء فاعتبروا التشابه من جهة الاحكام ، اى انهم يقرون على ان شيئين متشابهين اذا ما عوملا في الفقه بنفس الطريقة . مثلا : الجناية حين ترتكب ضد عبد فعقابها مثل عقاب الجناية على الحر . لان الحر والعبد كلاهما مكلف بالعبادة في الفقه الاسلامي . كذلك فالجناية على العبد مثلها مثل الجناية على الحيوان لان كلاهما سلعة تباع وتشترى ، فاذا اصيبا بضرر من قبل شخص فلابد من تعويض يكافؤ الضرر الملحق بهما . كذلك يذكر الجصاص ان بعض الفقهاء يبنون قياسهم على عدد الاشياء التي يتشابه بها شيئين . فاذا شابه س مثلا ص في ثلاثة صفات وشابه ع في صفتين . فحكم س يكون كحكم ص لا ع .

يعترض الجصاص على قياس التشابه قائلا : بأن لا التشابه في الصورة " يعني الشكل الجسماني المادي " ولا التشابه في الاسم مما يوجب اعتباره في القياس . ان العامل الجامع بين القضايا هو العلة " اصول الفقه ، ج2 ص 93، 94 وايضا 72 ، 73 " . ما يريد الجصاص تأكيده في سياق نقده للآخذين بقياس الشبه ان العامل الذي يجمع بين القضايا لابد ان يكون مفهوما ذهنيا لا شيئا ماديا . ذلك ان من السهل على مؤيدى قياس التشابه ان يقولوا بأن قياسهم نفسه يمكن ان يؤخذ على انه قياس علة وان كل ما يريدون تأكيده هو ان ما يسمى بالعلة لابد ان يكون شيئا ماديا فزيقيا تشترك فيه القضايا التي تتبع احكاما شرعية واحدة . من المحتمل جدا ان فريقا من الفقهاء قالوا بمثل هذا القول ايام الجصاص او قبل زمانه . اذ اجد في كتاب الدبوسي " تقويم الادلة ص 132 " اشارة الى فريق من الفقهاء يسميهم الدبوسي حشوية اهل الظاهر الذين قالوا بالصورة " اى الشكل المادي " بلا معنى وسموا قياسهم قياس الشبه .

يشرح الظاهريون المذكورون قياسهم كالاتي : في اى قضية منصوص عليها في الاصول نبحث عن وصف يرتبط بالحكم الشرعي المعطى لهذه القضية بحيث اذا وجد الوصف وجد الحكم الشرعي ، اما اذا لم يوجد الوصف فلا يجب ان يوجد الحكم . فاذا وجدنا وصفا مشابها للوصف السابق في قضية غير منصوص عليها في الاصول انسحب حكم الاولى على الثانية .

يشرح الدبوسي هذا الوصف فيقول بأنه علة او علامة مادية . وهو يختلف عن العلة التي هي معنى في ان المعنى شيء يدرك بالذهن اما الوصف فهو ما يدرك بالحس . عند هذه الفئة من الظاهريين ، ان الفرق بين علل الفقه والعلل العقلية " اى العلل الكلامية والفلسفية " ان علل الفقه اشياء مادية تدرك بالحس ، وعلاقة هذه بالاحكام تكون كعلاقة مقدم القضية الشرطية بتاليها . اما العلل العقلية فهي ما يتصور بالذهن وتكون علاقته بما يرتبط به من قول كعلاقة مقدم اللزوم التام بتاليه . لا استبعد ان يكون مثل هذا التفريع في المذهب الظاهرى هو الذي دفع البعض الى تأويل موقف داوود بن خلف من الدليل الذي لا يحتمل الا معنى واحد بأنه قبول لمنهج القياس في الفقه .

يمكن ان نلخص الموقف في ما يتعلق بالقياس على الوجه التالي : في محاولة اغلب الفقهاء تجاوز نصوص الاصول ، اتفقوا على ان نقطة البداية لابد ان تكون الاصول الثابتة المقبولة نفسها . ان الاختلاف بينهم يقوم حول ما يمكن ان نعتبره اساسا للجمع بين قضيتين احدهما منصوص عليها والاخرى ليست كذلك . فهناك من بحث عن تشابه مادى بين ما هو مذكور في النصوص وما هو تحث النظر مما لم ينص عليه كما فعل الاصم . وآخرون بحثوا عن وصف مادي يرتبط بالحكم ارتباط مقدم القضية الشرطية بتاليها ، وسموا هذا الوصف علة او علامة . وهذا الوصف او ما شابهه هو ما نبحث عنه في القضايا غير المنصوص عليها " كما فعل حشوية اهل الظاهر " . ومنهم " كالشافعي " من بحث عن التشابه في الاحكام . اى ان القضايا المتشابهة هي التي يعالجها القانون المقبول المنصوص عليه على انها من نفس النوع . فريق رابع اعتقد ان القرب او البعد في التشابه يقوم على اساس عدد الاشياء او الخصائص بين القضايا . اما الكرخي والجصاص فهم من القائلين بقياس العلة التي هي معنى ذهني يتعلق بالحكم كتعلق مقدم القضية الشرطية بتاليها ، وهذه هي الخصيصة الاساسية للعلة الفقهية عندهم .

يبدو ان الفقيهين المعتزليين المذكورين ينتميان الى مدرسة من الفقهاء حاولت ان ترتفع بالفقه واصوله من مستوى استخدام الاحساسات والادوات كالمقاييس التي تحدد الطول والعرض وما شابه ذلك ، الى درجة عالية من التجريد يعتمد فيها ايضا على الفكر والمنطق ، دون ان يغسلوا ايديهم من الواقع ولغة الوجود . لا نجد غرابة " كما يجد البعض ممن يفهمون القياس على انه قياس التشابه " في تبني مترجمي منطق ارسطو لكلمة " قياس " واستخدامها للدلالة على السللوجسموس الارسطي . فقد مهد النحاة وفقهاء قياس العلة الطريق لمثل هذه النقلة في معنى الكلمة ، وهي نقلة لا تبدو لنا نقلة غير طبيعية . ثم ان المسألة لا تقف عند كلمة " قياس " . فقد قام اللغويون والفقهاء بمجهود كبير من اجل تقرير المصطلحات المنطقية من قبيل كلمة دليل واستدلال واستنباط . هذا المجهود يفسر لنا كيف امكن اتمام الترجمات الفلسفية والعلمية على يد المترجمين بالشكل الذي تم به . لا اريد بحال ان اخلص من هذا الى القول بأن منطق ارسطو كان وراء قياس العلة الفقهي . ذلك ان ما يقوله الجصاص مبني على منطق آخر مختلف عن منطق ارسطو . ان تأويلات الفقهاء لمنطق القضايا اللارسطي ثم تطويره على يدهم والمتكلمين بالشكل الذي بينا ، مهد الطريق لصياغة مفهوم اللزوم التام " او التكافؤ " مما يجعل منهم والمتكلمين اندادا للمناطقة الارسطيين في الاسلام .

كختام لهذا البحث اود ان اثير مسألتين : الاولى منهما تخص مفهوم العلة عند الفلاسفة ، وارتباط هذا المفهوم بنظرية القياس الارسطية . وغرضي من ذلك المقارنة بين مفهوم العلة عند الفلاسفة ومفهومي العلة الذين عالجتهما في سابق كلامي لاجل استخلاص بعض النتائج العامة فيما يتعلق بالفكر الاسلامي . اما المسألة الثانية فتعني بتقسيم العلوم . وغرضي من اثارة هذه المسألة القاء نظرة سريعة عل تقسيم ابو نصر الفارابي للعلوم في كتاب " احصاء العلوم ، ت ، عثمان امين ، ط 2 ، القاهرة 1949 " ، ثم على احد تقسيمين لابى حامد الغزالي في كتاب " المستصفى من علم الاصول ، جزءان " بهدف توضيح ولو جزئي لقائمتي الفارابي والغزالي والاستعانة بهما ان امكن في اعطاء تأويل عام لعلمي الفقه والكلام .

1 – يجب ان لا يغيب عن بالنا ان ارسطو " و 384 ق م – ت 322 ق م " لم يكن صاحب التحليلات الاولى " الذي وضع فيه نظريته الشهيرة في القياس " فقط بل هو ايضا " وكذلك عرف عند فلاسفة الاسلام " مؤلف التحليلات الثانية الذي وضع فيه نظريته في البرهان . باختصار يمكن ان نقول ان غاية ارسطو في المؤلف الثاني وضع نمودج للمنهج العلمي وهو ما يسميه البرهان . في الكتاب الثاني من التحليلات الثانية يعالج ارسطو البرهان كآلة نتوصل بها الى التعريف ويقصد به التعريف الماهوى . فلكي نعرف صفة او كيفية معينة لابد من البحث عن حد اوسط يربط هذه الصفة او الكيفية بموضوع او شيء ما ونبين السبب في ان هذا الشيء له هذه الصفة او الكيفية . نظرية البرهان اذن مرتبطة بفكرة البحث عن الحد الوسط . يزيد ارسطو على كلامه هذا بتحليل لفكرة العلة ويحاول دون كبير نجاح بيان ان اى واحد من علله الاربعة " العلة الصورية ، المادية ، الفاعلة ، الغائية " يمكن ان يكون حدا اوسطا في قياس . " انظر
bosterior Analytics , ed . and tr . by H. Tredennick , Camgebrid , Mass . and London 1966 ( rebrint ) 94 a – 94 b 25 .”
ثم يتسأل ارسطو في موضع آخر عما اذا كانت العلة تتضمن المعلول والمعلول يتضمن العلة . وفي رأيه ان هذا لا يصح ولو كان صحيحا لامكن استخدام احدهما للبرهنة على الآخر . وهو يعتقد ان من غير الممكن لشيئين ان يكونا علة لبعضهما ، لان العلة سابقة على المعلول . يريد بهذا انه اذا كانت " أ " علة " ب " ، فان " أ " سابقة على " ب " . لذلك فلا يمكن ان تكون " ب " علة " أ " لانها تالية لها . ثم يتسأل ارسطو ان كانت هناك اكثر من علة لحصول صفة او كيفية معينة في كل الاشياء التي توجد بها تلك الكيفية . واجابته اننا اذا كان لدينا برهانا علميا فان ذلك ليس ممكنا اما اذا كان ما حصلنا عليه برهانا بالعلامة فذلك ممكن لان ما نفعله في هذه الحال الربط بين صفة او كيفية وبين موضوع او شيء ما بعلاقة عرضية . معنى هذا ان البرهان العلمي يعطينا العلة الحقيقية التي تحدث كيفية ما في كل الاشياء الموجودة بها تلك الكيفية . اما في برهان العلامة فما يسمى علة ومعلولا انما يرتبطان عرضا ومن ثم فبالامكان ان نشير لاكثر من علة " بهذا المعنى من العلة " لنفس الكيفية في اكثر من موضوع . لا يوضح ارسطو نوع العلاقة العرضية تلك . ولكنها بلا شك ليست العلاقة بين العلة الفقهية وما يلزم عنها من حكم ، فكما رأينا هذه العلاقة الاخيرة هي كالعلاقة بين مقدم القضية الشرطية المتصلة وتاليها ، وتحليل العلاقة المذكورة كما عبر عنها الاصوليون لم يتم على يد ارسطو .

ان تفكير فلاسفة الاسلام في موضوع العلة وارتباطه بالاستدلال الصحيح وبمنهج البحث " البرهاني " اعتمد اساسا على مثل الافكار السابقة وغيرها مما نجده في كتاب التحليلات الثانية والتحليلات الاولى وتعقيبات شرح المشائين . يتضح هذا مثلا من قراءة كتاب ابن سينا " الشفا : البرهان ، ت ، ابوالعلا عفيفي ، القاهرة 1956 " .

ما يجب بيانه في هذا الصدد ان مفهوم المنهج العلمي او طريق البحث العلمي يدور حول العلة وعلاقتها بنوع معين من الاستدلال الصحيح ، يصدق هذا جملة على اراء الفلاسفة وعلماء الكلام والفقهاء والاصوليين والنحويين . وحتى النافين للعلة من متكلمين وفقهاء ونحويين لا يمكن ان يفهم موقفهم الا من خلال فهمنا لما ينتقدون او ينفون . الا ان من الضرورى ان انبه الى ان سيادة مفهوم معين للعلة وما يرتبط به من استدلال صحيح عند فئة معينة من المفكرين لا يعني ان تلك الفئة لا تلجأ احيانا الى مفهوم او مفهومات اخرى للعلة في صياغة حججها ، فالجبائي المتكلم كما رأينا في السابق يقدم لنا مثلا حجة كلامية تقوم على ترابط بين مقدم قضية شرطية وتاليها . كذلك نجد الغزالي في " شفاء الغليل وبيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل ، ت ، القبيسي بغداد 1971 ، ص 435 " يصوغ العلة الفقهية كحد اوسط في قياس من مقدمتين ونتيجة هكذا :

الاكل يحرم فيه الربا
السفرجل اكل
السفرجل يحرم فيه الربا

وان عاد الغزالي في " المستصفى ، ج2 ، ص229 " فأنكر على الفلاسفة اعتبارهم قياس العلة كنوع من القياس الارسطي . قائلا بأن النتيجة في القياس تلزم ضرورة عن المقدمات وهذا لا يصدق على قياس العلة الفقهي . كذلك فان كتب الاصول تشير الى بعض الفقهاء لا يستبعدون كلية العثور على علة في الفقه تحقق شروط العلة كما هي في علم الكلام " انظر الدبوسي ، تقويم الادلة ، ص 116 " .

من ناحية اخرى نجد ان الفلاسفة المسلمين انفسهم لا يقتصرون في ابحاثهم المنطقية على نظريات القياس الارسطية بل يدخلون فيها اقوال الرواقيين في القضايا الشرطية وقد يزيدون عليها احيانا ويوسعون فيها ، كما فعل ابن سينا في " الشفاء : القياس ، ص 321 ، 424 " حيث يحلل القضايا والاقيسة الشرطية فيما يقرب من مائتي صفحة وان قال في النهاية " ص 415 – 425 " بأن الاقيسة الاستثنائية التي يكون احد مقدمتيها قضية شرطية متصلة او منفصلة ، والتي هي تطوير سينوى لاشكال الاستدلال الرواقية . لا تتم فائدتها الا بردها الى نظرية ارسطو في القياس .

2 - في كتاب احصاء العلوم يقدم لنا الفارابي قائمة مفصلة لفروع المعارف العلمية والفلسفية المختلفة . وقائمته بلا شك مبنية عموما على تقسيم ارسطو للعلوم واضافات امونيوس " الذي ازدهر في النصف الاول من القرن الثالث بعد الميلاد " واوليمبيودوروس " تلميذ قارنيادس الذي عاش من 214 – 129 ق م " على ارسطو . لكن قائمة الفارابي تشتمل ايضا على عناصر جديدة كاحتوائها على علم اللغة والفقه وعلم الكلام . لكن المهم من وجهة نظرنا ان الفارابي يعالج الفقه وعلم الكلام مع الفلسفة السياسية . كذلك فهو يعتبر الفقه وعلم اللغة علوما متميزة عن غيرها بسبب أنها لا تعم كل الامم . فهناك من فنون الفقه والكلام بعدد الاديان والقوانين الالهية . يمكننا بالتالي ان نقول انه ضمن نطاق دين معين او امة معينة كالامة الاسلامية مثلا يشيع نوع معين من فنون الفقه والكلام تتميز به عن غيرها . واذا شئنا ان نؤول الفارابي على انه يعتبر الفقه والكلام فنين او ادتين للفلسفة السياسية . فبامكاننا ان نعطي تأويلا أعم للفرق بين العلة في علم الكلام والعلة الفقهية والغاية من هذه التفرقة . فبينما يترك الباب مفتوحا امام العقل لاكتشاف وتطوير علل الاحكام القانونية وبالتالي يعطوا الفرصة لتغيرها حسب ظروف الزمان والمكان ، فانهم لا يقبلون تغييرا في الاطار العام العقلاني الذي يجمع امة الاسلام اعني علم الكلام . لذلك كان لزاما عليهم ان يبينوا ان علل علم الكلام عللا حقيقية مبرهن عليها ، وبالتالي لا تقبل التغير . هذا التأويل لا يتنافى وواقع الامة الاسلامية التي ضمت أنواع مختلفة من البشر تختلف ظروفها وبيئتها الجغرافية ومدى صلتها بغيرها من الشعوب غير المسلمة وفي تعاملها معها خصوصا في ميدان التجارة والحرب . فلكي يقبل القانون التطبيق ، كان لزاما على الاصوليين أن يفتحوا له المجال للتغيير والتطوير ، وفي نفس الوقت كان لابد من جمع أطراف الدولة الاسلامية المترامية تحت لواء واحد ، وهذا عند البعض يتم عقلانيا عن طريق ما اطلق عليه أسم علم الكلام .

يقول الجصاص بأن القليل من الاحكام نص عليه في الاصول ، وان جزءا كبير منها أستخرج باستخدام العقل والحواس ( اصول الفقه ، الجزء2 ، 72 ، 41 ) . كما يذكرنا الجصاص بأن الفقهاء المنكرين للقياس لا يعترفون بالتعريف السابق للشرعيات ( اصول الفقه ج 2 ، 72 ) . على اية حال الفارق بين الشرعيات والعلوم العقلية المحضة من وجهة نظر فقهية معينة أن الاخيرة تعتمد في كليتها على كل من العقل والحواس . في ضوء هذا الكلام يمكن أن نفهم بوضوح احد تقسيمين للعلوم يعطيهما الغزالي في كتاب المستصفى " ج1، ص8 " . يقسم الغزالي العلوم الى ثلاثة انواع . الأول علوم عقلية محضة مثل الرياضيات والهندسة والفلك ، والثانية علوم نقلية محضة كعلم الحديث وتفسير القرآن . اما الثالثة فعلوم تجمع بين العقل والوحي مثل الفقه واصوله وهذه الاخيرة يصفها الغزالي بأنها " اشرف " بسبب هذا الجمع الذي تنفرد به عن غيرها .

هذا التقسيم يميز بين العلوم من حيث مصادر المعرفة فيها لا من حيث الدور الذي تلعبه في المجتمع ولا من حيث الطبيعة الابستمولوجية لقضاياها اعني درجة اليقين فيها .، وكونها ضرورية ام لا ، واقتناع عامة الناس بها في كل زمان ومكان او جانب من الناس في زمان او مكان معين . فالفقه مثلا أشرف من غيره لانه يجمع مصدرى المعرفة المعروفين : العقل والنقل . وقد لا يكون كذلك اذا كان معيار التفضيل درجة اليقين في قضاياه . فلا تناقض اذن بين وجهة نظر الغزالي هنا وموقف الاصوليين اجمالا من ان علمهم أقل شأنا من علم الكلام لأن علله ليست حقيقية وحججه بالتالي غير برهانية . وايضا فالتقسيم بناء على مصادر المعرفة ييسر صلة الفقه واصوله بالحساب وعلم العدد من ناحية ، وبالحديث من ناحية اخرى . بل واعتماد الفقه واصوله على تلك العلوم المذكورة . فأصول الفقه ليس علما نقليا محضا بل هو في الكثير من الاحيان يعتمد على العقل . فليس هناك ما يمنع من استخدامه لعلم عقلي كالحساب . وكذلك فليس يعتمد الاصولي على العقل وحده ، فنقطة البداية عنده نصوص القرآن والسنة ، فهو بالتالي مرتبط بعلم الحديث .

ليست هناك تعليقات: