09‏/04‏/2009

- العلة في بواكير اصول الفقه وعلم الكلام ( ج 1 )

العلة في بواكير اصول الفقه وعلم الكلام

ج ( 1 )

على الرغم من الاضافات العديدة والقيمة التي قدمها الباحثون المعاصرون في العالم الاسلامي وخارجه في حقل الفكر الاسلامي عموما ، فاننا نجد اهمالا نسبيا منهم لذلك الجانب من الفكر الاسلامي الذي يتعلق بما يسمى باصول الفقه والموضوعات المتصلة به كالجدل الفقهي . قد يرجع هذا لتعقد الموضوع الذي لا بد فيه من الاحاطة بمسائل تتعلق بالفقه نفسه وبالمنطق واللغة وعلم الكلام وغير ذلك . سبب آخر يبدو انه وراء هذا الاهمال النسبي يعود الى رأى بعض الباحثين المسلمين والمستشرقين في ان المناقشات حول اصول الفقه لا قيمة لها في فهم القانون الاسلامي وانه لا دور للموضوع في تقرير الاحكام الشرعية او في حل المشاكل التي يواجهها القضاة مثلا وهم الذين يعانون المشاكل القانونية ويتخدون فيها الاحكام .
على الرغم من اني اوافق هؤلاء لحد ما ، فهناك جوانب في اصول الفقه لا يبدو انها متعلقة بالتطبيق إلا انه من الضروري ان اشير الى اهمية هذا الموضوع بشكل يتجاوز حدود الفقه . اذ ان من كتبوا فيه تناولوا مشكلة المنهج بشكل عام وعلى المستوى النظري والعملي . فلا نجد مثلا في اى نوع آخر من الكتابات نفس الاهتمام بغايات ومناهج العلوم الشرعية والعلوم العقلية البحتة واشكال الاستدلال فيهما . اذكر هذا بصفة خاصة لعلمي بالاهتمام الكبير الذى يوليه الباحثون في الغرب بعلم الكلام ، وتساؤلهم عن مناهجه وغاياته خصوصا في فترة ظهوره الاولى وقبل ان تتحول الكتابة فيه الى تلخيصات مدرسية ومعلومات مرصوصة لا يستطيع الباحث من خلالها تفهم هذا الميدان الهام في الفكر الاسلامي خصوصا من ناحية منهجية .
من الضروري ان أبدأ ببيان نوع الاعمال التي استخدمتها في هذا البحث حتى لا تختلط بغيرها من الكتب والرسائل التي تحمل نفس العنوان : اصول الفقه .

لعبارة اصول الفقه خمسة معان مختلفة وان كانت مترابطة :

1- تستعمل العبارة احيانا للاشارة الى الاعمال او المراجع الثابتة المقبولة والتي فيها توجد الاحكام القانونية . فالقرآن بهذا المعنى يوصف في عدة اماكن بأنه اصل . مثلا في " طبقات الشافعية الكبرى - للسبكي ت 771 – 370 ، القاهرة 1324ه ، الجزء الاول ، ص 262 " . كذلك فالكتاب الذي يجمع بين دفتيه الاحاديث الصحيحة ككتاب " المسند – لابن حنبل يسمى ( 2 ) اصلا . يضيف الفقهاء عادة الى النوعين السابقين الاجماع والقياس ويسمونها اصولا ، ويعنون الطرق التي بواسطتها يمكن استخراج الاحكام القانونية في القضايا التي توصلنا الى احكامها عن طريق الاصول بالمعنى ( 1 ) .

3 - يسمي الاصوليون اصلا القضايا التي توصلنا الى احكامها عن طريق الاصول بالمعنى 1 و 2 ، هذا اذا كان الاصولي ممن يقبلون القياس مثلا كمنهج او طريقة صحيحة لاستخراج الاحكام . والاصوليون يدعون تلك القضايا اصولا لانها الاساس الذي نستخدمه لاستخراج الاحكام باستخدام القياس في القضايا التي لم تعالج في القرآن او السنة والتي لا يوجد اجماع او قياس سابق يحدد الحكم الشرعي لها ، وهذه الاخيرة يسمونها الفروع . إلا ان كلمة فروع تستخدم احيانا لتعني كل القضايا التي توصلنا لاحكامها بالقياس او الاجماع او اى منهج عقلي آخر . وفي هذه الحالة يقتصر استخدام كلمة الاصول على القضايا التى عولجت في القرآن والسنة الى جانب تلك التي أبدى الأئمة الكبار الأوائل رأيهم فيها ( انظر مثلا السبكي ، المرجع السابق ، الجزء الاول ، ص 243 و 277 ) . وهذا على ما يبدو هو المعنى الذى يستخدم به الكلمة ابن النديم ( ت ، 380 – 990 ) حين يشير في الفهرست ( تحقيق جلوجل ، ليبزج1871 ، ص 203 ) الى كتب ابي يوسف القاضي ( ت 182- 798 ) في اصول الفقه . فابن النديم يعطي عناوين تلك الكتب من مثل : الوصايا والزكاة .. الخ ، وهذه على ما يبدو كتبا او رسائل في موضوعات معينة من الفقه الاسلامي يحتوى كل منها الاحكام الخاصة بتلك المواضيع والتي وجدها ابويوسف القاضي في القرآن والسنة ، ولعل بعضها كان ايضا من الاحكام اتى بها هو نفسه وأئمة مذهبه .

4 – تشير عبارة اصول الفقه احيانا الى مبادىء منهجية واراء لأئمة مذهب من المذاهب يسلم بها تسليما. وهذا معنى نجده مثلا في كتاب ابوزيد الدبوسي ( ت 430 – 1038 ) تأسيس النظر ، وكتاب ابوالحسن الكرخي ( و ، 260 - 873 – ت 340 – 952 ) الأصول . يقول الدبوسي " ص 2 " ان غرضه بيان " المواضع " او " المحال " التي يختلف فيها الفقهاء من اجل معونة " المتناظرين " في الفقه . وفي بيانه هذا يعطي اولا ما أسميه مبدأ منهجيا او رأيا أساسيا يسلم به في مذهب من المذاهب الفقهية ، ثم يشفع ذلك بأمثلة من الاحكام التي يمكن استخراجها منها . وكمثال لما أسميه مبدأ منهجيا نشير الى مبدأ فقهاء الحنفية في أن حديث الآحاد ( اى الحديث المروى عن عدد قليل نسبيا من الرواة ) افضل من قياس صحيح " ص 3 " . وهذا ما عارضه مالك بن انس ( ت 179 – 795 ) الذي فضل القياس الصحيح على حديث الآحاد . وكمثال للرآى القانوني المسلم به نأخذ رأى ابن ابي ليلى ( ت 148 – 765 ) وابوحنيفة ( و 81 – 700 – ت 150 – 767 ) في ان العقد يبطل بجملته اذا ما أخل بجزء منه " ص 10 ، 12 ، 20 " .

5 – تستخدم عبارة اصول الفقه أيضا بمعنى النظرية القانونية ، وهو ميدان من المعرفة أوجده بعض المفكرين المسلمين ليناقشوا فيه طرق قراءة النصوص واثباتها والمناهج المتبعة لتجاوز تلك النصوص باستخدام النصوص الثابتة نفسها . وفيه أيضا تناقش مشكلة المنهج عموما كما قلت . وبالتالي فليس من الغريب ان نعالج في هذا الميدان مواضيع تتعلق بالمنطق واللغة والفقه وعلم الكلام وغيرهم . في بحثي هذا استعنت بهذا النوع من الكتب والرسائل وموضوعها هو موضوع مناقشتي هنا .
لابد لي في هذا السياق ان أشير الى ما يقوله ابن خلدون ( و 732 – 1332 – ت 808 – 1406 ) في المقدمة " تحقيق كواترومير ، بايريز 1858 ، ج 1 ، القسم 3 ، ص 17 ، 26 " حيث يميز بين نوعين من الاعمال في اصول الفقه . النوع الاول في رأيه كتب من قبل علماء الكلام من امثال كتاب الجويني ( ت 478 – 1058 ) البرهان ، وكتاب ابوالحسن البصري ( ت 436 - 1004) المعتمد . والنوع الثاني كتبه الفقهاء من امثال ابوزيد الدبوسي .

يصف ابن خلدون النوع الاول بأنه ذو طابع تجريدي يستخدم فيه المنهج العقلي الذي تميز به المتكلمون . أما النوع الثاني فهو في رأيه أقرب الى الفقه لانه يحتوي على امثلة عديدة من الفقه ولأن المسائل تؤسس على نكت فقهية " المقدمة ، ج 1 ، القسم 3 ، من ص 21 – 25 " .

قد يتبادر للذهن ان التمييز الذي يعطيه ابن خلدون هو تمييز بين كتب أصول الفقه بالمعنى الذي اعالجه هنا من ناحية وبين كتب من امثال تأسيس النظر للدبوسي والاصول للكرخي من ناحية اخرى ، وهذه الاخيرة تدخل في المعنى 4 لاصول الفقه كما شرحته من قبل . ولكن لا يبدو ان هذا ما يهدف اليه التمييز الخلدوني . اذ أن ابن خلدون يحدثنا في نفس الموضع عن مجهود الدبوسي لشرح القياس بشكل أكثر شمولا وتماما من شرح أى فقيه حنفي سابق عليه .

للأسف لا يذكر ابن خلدون كتابا معينا للدبوسي في هذا الموضوع . ولكنه بلا شك لم يكن يعني تأسيس النظر ، لأن الكتاب المذكور لا يحوى مثل هذا الشرح الذي يشير اليه ابن خلدون . وان كنا نجده في كتابه الهام الذي عنوانه " تقويم الادلة " .
بعد قراءة مفصلة لتقويم الادلة وكتاب " البرهان " للجويني وكتاب " المعتمد " للبصري لم اجد كبير اختلاف بين هذه الاعمال . ففيها جميعا نجد امثلة فقهية لتأييد حجة معينة وفيها كلها يستخدم المنهج العقلي في المناقشة والدفاع عن رأى ونقد رأى مضاد لوجهة نظر الكاتب .

لا انكر أن كتاب الجويني يحوى مناقشة لموضوعات تتعلق مثلا بالمعرفة في جملتها واقسامها لا نجدها في تقويم الادلة ، كما نجد في المعتمد تفصيلات وافية للمشاكل المتعلقة بأصول الفقه لا نجدها في كتاب الدبوسي بنفس التفصيل . لكن هذا لا يبرر اعتبار كتاب الدبوسي نوعا منفصلا من الاعمال في اصول الفقه يختلف اساسا عن كتب الجويني والبصري .
تعتبر مصادر العصر الوسيط الاسلامية ابوسليمان داود بن على خلف ( و 200 – 815 .. ت رمضان 270 – 884 ) انه امام اهل الظاهر واول من اوجد مذهب الظاهر في الفقه الاسلامي ( انظر البغدادي ت 463 – 1070 ، تاريخ بغداد ، القاهرة ، 1931 ، ج 8 ص 369 و 374 ، وابن النديم ، الفهرست ، ص 217 ) . استعملت كلمة الظاهر في حقل الفقه الاسلامي قبل زمان داود كما هو واضح مثلا في عنوان كتاب للشافعي ( و 150 – 767 – ت 204 – 820 ) اعني كتاب الحكم بالظاهر . يقول جولدزيهر في كتابه : The zahiris , Their Doctrine and Their History, Eng , tr . w . Behn , 1971 , p . 24 .
بأن ما يعنيه الشافعي بالظاهر هو التأويل الاكثر احتمالا للنص ويستشهد على ذلك بكتاب الجويني " البرهان " حيث استخدمت الكلمة بهذا المعنى . ولكن جولدزيهر لم يكن بحاجة الى الاستشهاد بالجويني ، فكتاب " الرسالة " نفسه للشافعي يحوي هذا المعنى للظاهر كما سنبين بعد . أضف لهذا أن " الرسالة " لا تحوى أى رأى يمكن أن نقول انه ظاهرى النزعة .
ما نعرفه عن داود الظاهرى يعتمد على القائمة الطويلة لكتبه في " فهرست " ابن النديم ( ص 216 – 217 ) وشذرات في كتب المتأخرين . من الآراء المنسوبة اليه رفضه للقياس والرآى . على ان جولدزيهر في كتابه المذكور " ص 35 " يذكر قول ابي الفداء ( ت 732 – 1331 ) : " وكان داود لا يرى القياس في الشريعة ثم اضطر اليه فسماه دليلا " لكن دون مناقشة .

من الواجب ان اشير هنا الى ان البغدادى وهو اسبق من أبي الفداء يذكر هذه النقطة بعبارة تختلف قليلا عن عبارة أبي الفداء ويبدو أنها ادق فيقول : " ونفى – اى داود – القياس في الاحكام قولا واضطر اليه فعلا فسماه دليلا " ( تاريخ بغداد ، ج 8 ، 374 ) . يمكن لنا ان نطابق هذه العبارة بما جاء في كتاب السبكي " طبقات الشافعية الكبرى " ، القاهرة ، ج 2 ، ص 46 ( الذى لا يشير اليه جولدزيهر ايضا ) حيث يحدثنا الكاتب بأنه بعد قراءة رسالة طويلة ، ويبدو في نظره أنها صحيحة النسبة لداود ، موجهة الى ابي الوليد موسى بن جارود ، ومنسوخة على قول السبكي في عام 300 – 912 او قبل ذلك بقليل ، لم يجد السبكي ولا كلمة واحدة تشير الى قبول داود للقياس . على العكس واضح من الرسالة رفضه له كلية . كذلك يقول السبكي انه راى كتابا لداود عنوانه " الاصول " مكون من بضع ورقات وفيه يعلن بأن لا حكم للقياس وأن الاستحسان لا يجوز .

يتضح هذا الخلاف حول موقف داود بشكل أكمل فيما يقول ابوبكر الجصاص ( و 305 – 917 – ت 370 – 981 ) في كتابه " اصول الفقه " .. : " خبرنا " والاشارة هنا الى داود الظاهرى " عن وجوب القول بالدليل الذي زعمت أنه لا يحتمل إلا معنى واحد " . يذكر الجصاص عبارته هذه في سياق اشارته لداود ونقد الاخير للقياس في انه ليس اصلا ولا فرعا . لا يشرح الجصاص هذا الدليل ولكن في سياق آخر يحدثنا في كتابه عن انواع الاحكام التي يستدل عليها بالاصول ولا ينص عليها بحرفها ، فيشير الى مجموعة منها يستخدم فيها الاجتهاد بشكل او بآخر ويميزها عن نوع يقول انه ليس فيه اجتهاد وهو الذى يستخدم فيه " الدليل الذي لا يحتمل إلا معنى واحد " . وكمثال له يذكر ان ابن عباس ( ت 68 – 688 ) قال بأ، المرأة قد تلد بعد فترة حمل ستة اشهر واستخرج هذا من آيتين قرآنيتين لا خلاف حول معنييهما وهما " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " : سورة الاحقاف ، آية 15 و" وفصاله في عامين " : سورة لقمان آية 14 . بناء على هاتين الآيتين يمكن ان نقرر شرعيا بأن فترة الحمل قد لا تزيد على ستة اشهر . يعطي الجصاص ايضا المثال الآتي من القرآن : " فان لم يكن له ولد وورثه ابواه فلامه الثلث فان كان له اخوة فلامه السدس " : سورة النساء آية 11 . يقول الجصاص ان الآية تدل دون جدال على ان للاب الثلثين من ميراث ابنه اذا مات الابن دون اولاد . يبدو من هذا ان الاحكام الشرعية المقبولة عند داود هي التي قررت بنصها في الاصول المعتمدة ، او تلك التي عليها دليل من نص لا منازعة فيه بالمعنى المشار اليه في المثالين السابقين .

إلا ان من الاهمية بمكان ان نذكر ان عبارة الجصاص الاولى المتعلقة بالدليل الذي لا يحتمل الا معنى واحد قد تؤول بأنها تعني ان داود أيد استخدامنوع معين من القياس يختلف عن القياس الذى يقر به الجصاص وغيره من اغلبية الفقهاء . لأن كلمة معنى في قوله " لا يحتمل إلا معنى واحد " قد تعني " علة " وقد تعني مجرد المعنى القاموسي . يذكر الجصاص في كتابه ان بالامكان استخراج اكثر من علة او معنى لنفس الحكم ، وهذا هو رأيه الخاص وأئمة الحنفية معه . ولكن بعض الفقهاء ممن ايدوا استخدام القياس قالوا ان كل حكم منصوص عليه في الاصول له علة واحدة فقط وهذه العلة هي التي نقيس عليها الاحكام " اصول الفقه " ، الجزء 2 ، ورقة 132 " . فإذا كانت امامنا قضية قانونية ما لم ينص عليها في الاصول فليس بالامكان ان نقارنها الا بقضية قانونية واحدة منصوص عليها وذلك بأن نستخرج العلة الوحيدة التي يشتركان فيها . هذا حسب قول الجصاص هو رأى " ابوبكر " الاصم و " ابراهيم بن اسماعيل " ابن عليه ( و 151- 769 – ت 218 – 833 , وصفه البغدادي في – تاريخ بغداد , ج 6 , ص21 بأنه تلميذ ابوبكر الاصم ) وبشر بن غيات المريسي ( ت 218 – 833 ) . لا يذكر الجصاص اسم داود في هذه القائمة ، وحسب ما اعلم لم يرتبط اسم هؤلاء الثلاثة بأسمه كما لم يربط احد اتجاههم الفقهي بالمذهب الظاهري .

يقال ايضا ان داود رفض التقليد اى الاتباع الاعمى لفقيه او لمذهب فقهي . وهذا يعني ان على المسلم العادي ، الذي لا معرفة له بالفقه ، ان يرجع الى الاصول الفقهية بنفسه ولا يسأل اماما من الأئمة اذا واجه مشكلة شرعية خصوصا اذا كان الامام يعتمد على رأيه ويستخدم القياس في استخراج الاحكام .الغريب ان الظاهريين لم ينتبهوا على ما يبدو الى أنهم أنفسهم اصحاب مذهب ومدرسة لها فقهاؤها واتباعها وذات تقاليد فقهية مميزة .

اما بالنسبة لأرائه الكلامية فيحدثنا الجصاص " اصول الفقه ج 2 ورقة 17 " بأن داود رفض حجج العقول كلية ، كما يقول بأنه مشهور عن داود قوله بأنه لا توجد " دلائل " في السموات ولا في الارض ولا في انفسنا على وجود الله ووحدانيته وان داود عرف الله بالخير – اى بالنسبة كما يشرح ذلك الجصاص . هذا النوع من الدلائل على ما يبدو هو كاستخدام النجوم لمعرفة موقع القبلة ودراسة ارض المعركة قبل الدخول فيها والذي يسميه الجصاص اجتهاد دون رجوع للاصول" اصول الفقه ، ج 2 ، 47 – 48 " . اما بالنسبة لمشكلة خلق القرآن فيقال انه حين سئل عنها اجاب بأن ما في اللوح المحفوظ فهو غير مخلوق ، اما الكتاب الذي بأيدي الناس فهو مخلوق ( انظر البغدادي ، تاريخ بغداد ،ج 8 ، ص 374 ) . كذلك يذكر البغدادي ( نفس المرجع ، ج 8 ، 373 – 374 ) ان احمد بن حنبل رفض مقابلة داود بسبب آرائه في خلق القرآن .

من الضروري ان اشير في هذا المقام الى ان الجصاص يعتبر المتكلم المعتزلي ابراهيم بن سيار النظام ( ت 220 – 835 ) اول من رفض القياس الفقهي " اصول الفقه ، ج 2 ، 49 " ، كذلك ذكر الاشعري ( و260 -873 – ت 324 – 935 ) في كتاب " مقالات الاسلاميين " – ت ريتر ، فيزبادن ، 1963 ، ط2 ، ص 191 و 587 ، 588 – ان النظام اعتبر كلام الله على انه جسم اى صوت مسموع خلقه الله . ليست لدى اى شواهد مستقلة لبيان ان كانت هناك صلة بين داود والنظام او حتى بينه وبين حركة الاعتزال في اوئلها . ولكن يكفي ان نذكر هنا ان الجصاص المعتزلي تتلمذ على ابوالحسن الكرخي ، والكرخي كانت له علاقة قوية كتلميذ ومدرس لابي عبدالله المعتزلي البصري ( و293 – 905 – ت 369 – 979 ) وان الاخير تلميذ أبي هاشم عبدالسلام المعتزلي ( و 277 – 890 – ت 321 – 933 ) ولما كان الكرخي والجصاص من مؤيدى قياس العلة فإن بامكاننا ان نتصور مدى تعقد حركة الاعتزال اذا ما درسناها في مدة حوالي قرن من الزمن .

ان ضياع اعمال داود لا شك خسارة يؤسف لها . ولكن بالامكان الاستنارة حول آرائه وبالذات فيما يتعلق بكلمة معنى بالرجوع الى اعمال مفكر ظاهري هام اعني على بن حزم القرطبي ( و 384 – 994 – ت 456 – 1064 ) على الرغم من تأخره الزمني وعدم اتفاقه في الرآى مع كل ما يقوله داود عدا عن الظروفالتي ادت الى ظهور هذا الاتجاه في الاندلس والمغرب تبدو مختلفة . لعلها ترجع جزئيا الى رغبة مسلمي الغرب تفادى النزاع والشقاق المؤلم الذي ساد الشرق الاسلامي بسبب تعقد الحياة الفكرية فيه ، ومن ثم اتجاها عاما في الاندلس يميل الى العودة للاصول الاولى الفكرية أيا كانت وفهمها كما هي .

هذا واضح من موقف ابن رشد ( و 520 – 1126 – ت 595 – 1198 ) من فلسفة ارسطو وقبوله مثلا لأرائه الفلكية ورفضه النظريات المتطورة التالية التي تستخدم فرض دوائر خارجة المراكز وافلاك التدوير لفهم الظواهر الفلكية ، وكذلك رفض ابن مضاء القرطبي ( ت 592 – 1195 ) للعلل النحوية غير الظاهرة ونقده اللاذع للنحاة الذين تتناقض أراؤهم في تقرير حالات الاعراب وعدم امكانية الحسم بينها بسبب تعدد التفسيرات العلية .

على اى حال يذكر ابن حزم في كتاب " المحلى " ( تحقيق احمد محمد شاكر ، القاهرة 1347هـ ، ج1 ، ص 13 ، 32 ، 53 ) ان القرآن كلام الله وان كل ما فيه لابد ان يؤخد بمعناه الظاهر دون تأويل ، فليس في القرآن رمز ، ومن ثم فليس من حق احد أن يدعي سبلا الى اسرار في الدين ، وفي هذا نجد مزجا بين آراء داود في رفض القياس ورفض التقليد . كذلك يكتب ابن حزم كتابا عنوانه " ملخص ابطال القياس والرآى والاستحسان والتقليد والتعليل ( ت ، سعيدالافغاني ، دمشق ، 1960 ص 4 -6 ) يقول فيه ان كل الطرق الفقهية باطلة لان كل ما يتعلق بالدين ، وهذا يشمل الفقه طبعا ، نص عليه في النصوص . والطرق المذكورة انما ابتدعت من اجل تجاوز النصوص المكتوبة . كذلك يعلن في كتاب " التقريب لحد المنطق والمدخل اليه " ( ت ، احسان عباس ، بيروت 1959 ص 202 ) ان العلل النحوية ايضا فاسدة جدا .

اما بالنسبة لارائه الكلامية فهو من ناحية يرفض ان يأخذ بظاهر القرآن حين يشير النص الى ان لله يدين ووجه الخ . ويقول بأن النص لا يعني يدين حقيقيتين او وجه حقيقي بل هو اشارة الى ذات الله . ومن ثم فهو يرفض اعتبار الله جسما ذو الابعاد الثلاثة والاوجه الستة على اعتبار ان الله لا يصف نفسه في القرآن بأنه جسم ( انظر " الفصل في الملل والاهواء والنحل " ، القاهرة 1320 هـ ، ج 2 ، ص 121 – 122 ) .

ان ما يهمني على وجه الخصوص في اراء ابن حزم هو ما يذكره في " الاحكام في اصول الاحكام " 0 ت ، احمد محمد شاكر ، القاهرة ، 1345 هـ ، ج 2 ، ص 1129 ) من ان المعنى بالنسبة اليه هو المعنى القاموسي ليس إلا . فلو سأل شخص عن معنى " الحرام " فالاجابة هي ما لا يجوز فعله . وكذلك فمعنى " الميزان " هو الآلة التي نعرف بواسطتها الفروق بين كميات الاجسام . اما المعنى الذي هو علة فيرفضه ويعتبر ان كل ما قيل بشأنه نوعا من الخلط والسفسطة . هذا التمييز بين معنيين لكلمة " معنى " نجده عند الجصاص الذي يميز بين المعنى الجلي الظاهر والمعنى الخفي الغامض . الاول يعقل بلا نظر ولا استنباط . اما الثاني فلابد من اعتباره في معرفة احكام القضايا التي لم ينص عليها في الاصول ( اصول الفقه ، ج 2 ، 67 – 68 ) . وان هذا المعنى الاخير هو العلة المطلوبة لاستخراج الاحكام فيما لم ينص عليه ( اصول الفقه ، ج 2 ، ص 74 ، 88 ، 91 – 96 الى غير ذلك من المواضع ) .

كلمة معنى عند الظاهريين اذن لا تعني اكثر من المعنى القاموسي وبوجه ادق هذا الفهم لكلمة معنى هو الذي يميز الظاهريين الرافضين للقياس عن الفقهاء الآخذين بقياس العلة .

ليست هناك تعليقات: