14‏/04‏/2009

المنطق - نظرة عامة



الفصل الثاني
المنطق: نظرة عامة

كيف يقيّم ابن حزم عمله في حقل المنطق في ضؤ أنواع التأليف والكتابة الممكنة للمؤلف في رأيه ؟ ما المراد عند ابن حزم بالمنطق ، وما الدور المحدد الذي يلعبه المنطق في العلوم المختلفة في رأيه ؟ سأحصر نفسي ، في صفحات هذا الفصل ، في نطاق الإجابة على هذين السؤالين التمهيديين اللذين لا يخلوان من دلالة مباشرة على ما سبق وما يتلى ذكره .
نبدأ بالمسألة الأولي . يرتب ابن حزم الأنواع المختلفة من التأليف في الآتي(1) :
1. استخراج شيء لم يسبق لأحد قبل المؤلف استخراجه .
2. إتمام النقص في تأليف من سبق المؤلف وعاصره .
3. تصحيح أخطاء المؤلفين السابقين والمعاصرين .
4. شرح ما غمض وعسر فهمه في تأليف معين أو تأليف منوعة.
5. اختصار كتاب أو كتب أو أفكار بحيث لا يستبعد الاختصار شيئا يؤدي إلى الخلل في الفكر المراد اختصاره .
6. جمع معلومات أو أفكار متفرقة حول موضوع معين في مؤلف واحد .
7. ترتيب معلومات أو أفكار في مادة معينة كان ينقصها الترتيب.
إذا أردنا تقييم عمل في أي ميدان كان ، لابد أولا أن نحدد بالضبط المهمة التي أرادها المؤلف أو الكاتب لنفسه ضمن هذه السبعة ، التي يعتقد ابن حزم أنها تحصر كل أنواع المهمات في التأليف (2)، وان كان لا يري مانعا بالطبع أن يجمع المؤلف في عمل واحد بين أكثر من واحدة من هذه السبعة كما فعل هو نفسه مثلا في مؤلفه المنطقي (3) . بعد تحديد المهمة نقيمه بناء على الدرجة أو الحد الذي وفق إليه في مهمته المحددة .(4)
سؤالنا الآن ما المهمة التي أرادها ابن حزم لنفسه حين كتب في المنطق ؟ مهمته – على حد ما عبر عنها هو - (1) هي أساسا شرح ما غمض وعسر على الأذهان . لكنه أيضا يضيف مهمات أخري يقوم بها عند الحاجة لها وهي تصحيح الخطأ والاختصار وجمع المتفرق اى انه بشكل أو آخر يريد حصر مهمته في مهمات أربعة بين السبعة المعدودة سابقا من (3-6) .
هذا ما يقوله ابن حزم ، وقد لا يري البعض داعيا لزيادة في هذا الموضوع . لكن لابد في اعتقادي أن نري بأنفسنا ومن خلال كتاباته مهمته وحدود توفيقه فيها دون أن يعني ذلك أننا نكذّب ابن حزم أو نري في تقريره محاولة للخداع . كذلك يستحسن في رأيي أن نصوغ مهمة مؤلفنا بلغة عصرية كي يكون حكمنا اقرب للفهم ولعله يكون اصدق في التقييم أيضا .
سيري القارئ فيما يلي هذه المقدمة من صفحات تحليلا وعرضا لآراء ابن حزم المنطقية ولن نكرر هنا ما سنقوله بتفصيل من بعد . يكفينا هنا أن نقرر تقريرا بأن عمل ابن حزم الأساسي كان "تحليلا" لكل الأفكار والموضوعات الأساسية في المنطق الارسطي . فابن حزم يبدأ من "الاورجانون" الارسطي ناظرا إليه على انه آلة نافعة في كل العلوم . يقول ابن حزم : "فلم يسلكوا شعبا من شعاب العلوم إلا وجدوا منفعة هذه الكتب (يقصد كتب أرسطو المنطقية الثمانية ) أمامهم ومعهم ...بل ألفوها تفتح لهم كل مستغلق ، وتليح لهم كل غامض في جميع العلوم "(2) من خلال كتاب "التقريب "( بل ومن خلال كتبه الأخرى "كالأحكام " و "الفصل") يتضح انه وجد في أعمال أرسطو المنطقية قوانين لتركيب القضايا والاستدلال منها علي غيرها مع براهين هذه القوانين . هذه القوانين وبراهينها تدخل ضمن نطاق القوانين الرياضية ، وبالتالي فلا مجال للنقاش فيها إلا إذا كان هناك خطأ إنساني لم ينتبه إليه أرسطو .
إن مهمة المؤلف في المنطق هي "تحليل" متضمات "الاورجانون" بحيث لا يزيد مضمون نتائج التحليل عن ما قيل في المقدمات المأخوذة من أعمال أرسطو المنطقية .
هذا التحليل من وجهة النظر المعاصرة هو لب المنطق الذي يأخذه ابن حزم على انه آلة للعلوم كلها ابن حزم إذن لا يريد أن يتجاوز الأسلوب المنطقي في المعالجة – أسلوب التحليل – عند كلامه أو تأليفه في المنطق الارسطي . هذا أسلوب أو منهج مشروع وهو منهج ينادي به منطقي معاصر كبرتراند رسل ولا يري غضاضة فيه و لا يقيّمه باعتباره "اقل" من غيره . أقول "اقل"لأن الناظر في قائمة المهمات التي وضعها ابن حزم يحس أن ترتيب المهمات هو ترتيب من حيث القيمة . فالمهمة الأولي أفضل فكريا من الثانية وهكذا في استبعاده المهمة الأولي والثانية يضع ابن حزم مؤلفه في المرتبة من الثالثة حتى السادسة .
وأيضا فان توسيع ابن حزم لمجال تطبيق المنطق الارسطي ليشمل ليس فقط "العلوم القديمة "أي كما قلنا الموروثة من الشعوب قبل الإسلام (1) ، بل وأيضا العلوم الإسلامية "كالفقه وأصوله" ، هو في حد ذاته وفي تطبيقاته الموجودة في أعماله الفقهية وفي كتابه المنطقي(2) إضافة وإسهام في التأليف لا محل له في قائمة المهمات السبعة التي وضعها لنا فالقائمة في اعتقادي ليست شاملة وهي تهمل جانبا لم يذكره ابن حزم .
بالنسبة للسؤال الثاني : ما المراد عنده بالمنطق ، وما الدور المحدد الذي يلعبه المنطق في العلوم ؟ فابن حزم يعطينا فكرة عامة عن ذلك . وشرحه لهذا يدور حول مفهوم "البيان" لا اعتقد أن استخدامه لهذا المفهوم جاء عرضا . رغم عدم وجود دراسات مطولة ومفصلة حول البيان ، فان للمفهوم تاريخ طويل سواء في ميدان اللغة أو أصول الفقه أو علم الكلام(3) . اعتقد أن ابن حزم قد قصد أن يستعير هذا المفهوم من ميدان اللغة والفقه وأصوله وتوسع فيه وطبقه على موضوع المنطق (4).
يختصر ابن حزم أولا المقصود بالبيان ، ويبدو من هذا الاختصار انه يعتبر مفهوم البيان مساو لمفهوم المنهج العقلاني في الفهم والمعرفة (1). هذا المنهج العقلاني (أو البيان) في رأيه يكون في تحديد الفروق بين الأشياء بتحديد معاني الكلمات (2) والتمييز بينها ثم في طريقة تركيب الكلمات بعضها ببعض كي نعطي معلومات عن الأشياء التي حددناها ، ثم تحديد ما يصح وما لا يصح من تراكيب القضايا بعضها ببعض اى ما يصح من الاستنتاجات المؤلفة من قضايا(3) .
كي يتم هذا "البيان " أو المنهج العقلاني في الفهم والمعرفة لابد من توافر عناصر أربعة لو لم يتوفر احدها اختل البيان (4):
1. لابد أن تكون هناك أشياء أو أعيان موجودة وجودا موضوعيا أي بصرف النظر عن وجود شخص يدركها أو يحس بها ويقرر وجودها . أن معرفة هذه الأشياء أو الأعيان ممكنة ، لأنها موجودة وجودا موضوعيا في ذاتها وبصرف النظر عن إدراك الإنسان لها .
2. لابد أن تدرك هذه الموجودات أو الأعيان بأن تنتقل أشكالها وصفاتها إلى نفس المدرك لها . أي لابد أن ندركها إدراكا حسيا . هذا الإدراك ليس كادراك الحيوانات غير العاقلة للأشياء ، بل هو إدراك يتم بمعونة العقل أو "بمادة العقل "حسب تعبيره (5).
3.لابد من توافر الأصوات التي نميز فيها مقاطع معينة لو اجتمع بعضها بطريقة معينة خرج لنا صوت يدل على شيء أو هو اسم لشيء ( الكلمة المؤلفة من حروف) بحسب اتفاق مجموعة من الناس ( المتكلمون للغة واحدة ) .
4.لابد أن نعبّر عن هذه المقاطع الصوتية (الحروف)وتراكيبها الصوتية (الكلمات) برموز أو "إشارات"مكتوبة يتفق نفس المجموعة من الناس (المتكلمون لتلك اللغة) على دلالتها على الأشياء التي دل الصوت عليها . وميزة هذا الاتفاق الجديد على الكتابة وتجاوز الاتفاق الصوتي أن تبقي حكمة وعلم من سبق من الأجيال . فالصوت لا يبقي بينما تظل الكتابة ولو إلى حين . ذلك أن بالإمكان نقل ما خطط بخط جديد وهكذا .
واضح مما سبق أن الموضوعات الرئيسية التي يعالجها المنطق عند ابن حزم هي نفس الموضوعات الرئيسية الارسطية ، اعني : المقولات والتي يسميها ابن حزم الأسماء المفردة ، ثم القضايا ويسميها الأخبار ، ثم الاستدلال الذي هو عنده البرهان . إذ أضفنا إلى هذا "المدخل" (ايساغوجي)الذي يعالج منذ فورفوريوس (مؤلف أول مدخل اوايساغوجي) الكليات الخمس والتعريف ، نجد أن الموضوعات الرئيسية في التقريب هي أربعة .
فيما يلي سنقسم عرضنا إلى فصول ثلاث تعالج : الأسماء المفردة والأخبار والبرهان . بالنسبة للمدخل فهو يعالج كما قلنا الكليات الخمس وعلاقتها بالتعريف وسنأتي على ذكر هذا ضمن كلامنا عن الأسماء المفردة وبعد الانتهاء من عرض المقولات . لقد استفدنا من ما قاله عن اللغة في مدخله وأثبتناه ضمن ما قلناه عن اللغة في الفصل السابق . سيقتصر عرضنا التالي في الغالب على إبراز إسهامات ابن حزم نفسه في كل مسألة منطقية . سنتوخى في عرض المسائل ذاتها عناصر العرض الحزمية لها مع الأخذ في الاعتبار في كل حال أن يكون عرضنا عصريا .

ليست هناك تعليقات: