05‏/04‏/2009

نداء من المثقفين العرب

- نداء من المثقفين العرب


نداء من المثقفين العرب والمنظمات الحقوقية حول “الدين وحرية التعبير في العالم العربي” بمناسبة ٦٠ عاما على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
٥ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٨
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

في مناسبة مرور ستين عاما على صدور “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” (1948)، عقد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ورشة عمل عن “الدين وحرية التعبير في العالم العربي”، يوم 21 نوفمبر 2008 بباريس، قدمت فيها أوراق مختلفة ناقشت الموضوع من زواياه المتعددة، وقد أعد عدد من المشاركين مشروع النداء التالي:

استنادا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان –الذي يحتفل العالم كله هذه الأيام بمرور ستين عاما على صدوره- والذي يقرر أن حرية الرأي والتعبير والاعتقاد هى أم الحريات البشرية، واستلهاما “لإعلان القاهرة لتعليم ونشر ثقافة حقوق الإنسان”* (أكتوبر 2000) الذي أكد أن “الخصوصية الثقافية” الحقة هى التي تُرسّخ شعور الإنسان بالكرامة والمساواة ومشاركته في إدارة شئون بلاده، وليست تلك التي تتخذ ذريعة لإقصاء الآخر، لاعتبارات دينية أو ثقافية أو سياسية، أو تتخذ ذريعة للتملص من الالتزام بالمواثيق الدولية، وتطويرا “لإعلان باريس: حول سبل تجديد الخطاب الديني”** (أغسطس 2003)، الذي أشار إلى أن تجديد الخطاب الديني يرتبط بالإصلاح الثقافي والديمقراطي والمجتمعي، مؤكدا على أن أبرز المعوقات أمام تجديد الخطاب الديني في العالم العربي، هو التوظيف السياسي للدين، بواسطة الحكومات العربية والجماعات المتطرفة وبعض الأحزاب السياسية، كل لخدمة أغراضه الخاصة.

ونظرا لأن حالات قمع حرية التعبير في البلاد العربية، بسبب المحاكمة الدينية للرأي والتعبير والإبداع، قد تفشت بدرجة غير مسبوقة في الفترات الأخيرة، وطالت أسماء من كل المجالات في أغلب البلدان العربية، فإن المثقفين العرب الموقعين على هذا النداء يطالبون المؤسسات والتيارات الدينية –الرسمية وغير الرسمية- في بلادنا العربية، بتنحية المنظور الديني في النظر إلى التعبير الفكري والأكاديمي والأدبي والفني، لأن هذه الوصاية باسم الدين على “حرية” الفكر والأدب، تسئ إلى “الحرية” وإلى “الدين” معا. فهى تسئ إلى الحرية لأنها تقمع اجتهاد المفكرين وتكبح خيال المبدعين، فتتعطل طاقات الأمة الساعية إلى التقدم. وهى تسئ إلى الدين لأنها تظهر هذا الدين في مظهر القامع الكابح المتسلط، وتعطي للآخرين صورة كريهة متخلفة قبيحة عن مجتمعاتنا العربية. إننا ندعو هذه المؤسسات، رسمية وغير رسمية، إلى التركيز على عملها الأصلي (حماية القرآن والأحاديث النبوية من التحريف والدس) انطلاقا من أن أهل الدين “دعاة لا قضاة”، وسبيلهم في ذلك هو “الموعظة الحسنة”، لا الحرق والحبس والقتل.

كما يطالب المثقفون العرب الموقعون على هذا النداء، النظم السياسية الحاكمة في العالم العربي بتحقيق شرعيتها عن طريق إنجاز الديمقراطية والتنمية والعدل والحرية والمساواة لشعوبها، لا عن طريق التقنع بالرداء الديني جلبا لشرعية مفقودة، لأن الشرعية المستقاة من التنمية والعدل والمساواة هى الشرعية الأصيلة المستمرة الحامية، بينما شرعية الرداء الديني هى شرعية مؤقتة وخادعة. ويطلبون من هذه النظم تنقية الدساتير والتشريعات والقوانين في العالم العربي، من كل ما يكبح حرية الرأي والاعتقاد والإبداع. ويدعون هذه السلطات –كذلك- إلى إسقاط تحفظاتها المخبأة خلف “الثوابت القومية أو الدينية”، للتهرب من الالتزام بالمواثيق الدولية الخاصة بحرية الفكر والإبداع والاعتقاد.

إن وضع الدين في تناقض مع حرية التعبير –كما تفعل السلطات السياسية والدينية- لا يعني سوى جمود الدين والحرية على السواء، ومن ثم جمود حركة المجتمع بأسره. ولذا فإن الموقعين يوقنون أن فك الاشتباك، بين الدين وحرية التعبير، هو إحدى الحلقات المفقودة الأساسية في نهوض مجتمعاتنا العربية، ومواكبة التاريخ قبل الخروج النهائي منه. ويوقنون أن أي تعارض بين الطرفين ينبغي أن يُحلّ بالمساجلة لا بالمساجنة، وبالمحاورة لا المصادرة. فهذا أنفع للدين ولحرية التعبير ولمستقبلنا المرتجى!

الرأي بالرأي.. والكلمة بالكلمة.. والمقال بالمقال.
وما ينفع الناس يمكث في الأرض.

ليست هناك تعليقات: