21‏/04‏/2009

المنطق - السفسطة والجدل

السفسطة :


لا يكتفي ابن حزم ببيان الاستدلالات أو طرق البرهان التي تقود إلى معرفة الحقائق ، بل ويكشف عن المغالطات (أو ما يسمي بالسفسطة) التي تقع في طريق تطبيق أو استخدام هذه الاستدلالات أو القوانين .


يفهم من كلام ابن حزم في بيان السفسطة أن ما يقصده المغالطة المقصودة (2). أي التي تكون متعمدة من قبل الباحث او المستدل ويعتبرها من أسلحة المشاغبين ومن اسالبيهم في تلبيس الحقائق .


يري ابن حزم أن المغالطة أو تلبيس الحقائق بالباطل قد يقع بعدة وجوه :(3)


أولا : بإيجاب ما لا يجب : مثال ذلك أن يقول القائل : لو كان الباري تعالي غير جسم لكان عرضا فلما ثبت أن الباري تعالي ليس عرضا صح انه جسم . يشير ابن حزم إلى أن هذا التقديم غير صحيح والصحيح أن يقال : لو كان الباري تعالي محدثا وكان غير جسم لكان عرضا .


ثانيا : إسقاط قسم من الأقسام التي يحتمل أن ينقسم إليها الشيء مثال ذلك : أن يقول القائل : لا يخلو اللون من أن يكون احمرا أو اخضرا أو اصفرا مسقطا بقية الألوان الأخرى .


ثالثا : إضافة قسم فاسد إلى الأقسام التي ينقسم إليها الشيء ، كقول القائل : لا يخلو هذا الشيء من أن يكون هو هذا الشيء أو هو غيره ، أو لا هو هو ولا غيره .
فهذا القسم الأخير قسم فاسد لا حاجة به .


رابعا : المجئ بأقسام كلها فاسدة . كمن يقول : لا يخلو الباري تعالي من يكون فعل الأشياء لدفع مضرة أو لأجتلاب منفعة أو لآفة .


خامسا : الغلط الواقع في اشتباه الأسماء أي (اشتراك الألفاظ في المعني) وقد سبقت الإشارة إلى تنبيه ابن حزم إلى اللبس الذي قد يقع من استخدام ألفاظ مشتركة المعني


سادسا : الغلط الواقع من اشتباه الخط . يشير ابن حزم إلى أن هذا النوع كثير الحدوث في الخط العربي لان أكثر حروفه لا يفرق بينها في الصور إلا بالنقط كزيد وزند وزبد . يدخل أيضا في هذا الباب الغلط الواقع من اختلاف الحركات الواقعة علي الحروف وكذلك الغلط الواقع في المعطوف أي معرفة حرف العطف والمعطوف عليه .


سابعا : تصحيح شيء بتصحيح شيء آخر أو بطلانه ببطلان شيء آخر دون وجود برهان يؤكد علي إضافة أحداهما إلي الآخر أو يبين العلاقة التي تربط بينهما .



الجــدل :


تبين لنا فيما سبق اهتمام ابن حزم بالفائدة العملية من العلوم . احد وجوه التطبيق العملي للمنطق يتم بالممارسة العملية للاستدلالات والبراهين المنطقية في الجدل أو المناظرة بين شخصين حول موضوع معين . والجدل احد الوجوه الهامة – علي رأى ابن حزم – في بيان الحقائق لما فيه من كثرة التقصي والبحث ، ذلك أن مصدر البحث فيه مشترك بين اثنين أو شخصين متناظرين .


وحد الجدل أو الجدال هو "إخبار كل واحد من المختلفين بحجته او بما يقدر انه حجته "(1) . ولما كان الجدال قائم على الاختلاف بين المتناظرين حول معرفة حقيقة معينة . فان "حكم الجدال أن لا يكون الاثنين طالبي حقيقة " (2) .لان الحقيقة واحده . فإما أن يكون أحداهما محقا والآخر مبطلا في لفظه أو في مراده ، وأما أن يكون كلاهما مبطلا "ولا سبيل إلى أن يكونا معا محقين في الفاظهما ومعانيهما "(3).


يقسم ابن حزم الجدل إلى قسمين : جدل محمود ، وجدل غير محمود .


القسم الأول ما كان الغرض فيه نصرة الحق وإظهاره ، وفى العادة يكون احد المتناظرين على يقين من أمره ببرهان ، أما الآخر فمتوهم انه على حق أو يكون طالب حقيقة فقط . متي اتخذ الجدل هذه الصفة فهو مأمور به في الدين بصريح الآيات القرآنية (4)


القسم الثاني (الجدل غير المحمود) الذي يكون الغرض فيه المجاهرة بالباطل وإفساد الحقائق . والمتناظرين في هذا النوع قد يكونا مغالطين أو يكون احدهما جاهل والثاني مغالط يرفض ابن حزم هذا النوع من الجدل . ولكي يجنب ابن حزم الناس الوقوع في جدل غير محمود يضع بعض الشروط التي يجب أن يدور الجدل في إطارها ، يتعلق بعضها بشخص المناظر والآخر بطريقة المناظرة . يمكن أن نجمل هذه الشروط في الآتي :


أولا : أن يكون لدي المتناظرين استعداد للإجابة في المسألة التي اتفقا التناظر فيها فان سئل احدهما ولم يجب انقطعت المناظرة ووجب البدء في مناظرة أخري . غير أن هذا ليس في كل الأحوال فقد ينقطع المجيب عن الإجابة لا لجهل منه بل لخوف من ظلم يقع عليه أن أجاب . فهو هنا معذور . لان شرط المناظرة توفر الأمن ، مع أن ابن حزم يري أن من الأفضل البوح بالجواب إذا كان فيه نصرة للحق وللإسلام لأن العاقل – علي حد تعبيره – لا يري لنفسه ثمنا إلا الجنة (1) .


ثانيا : أن يترك كلا المتناظرين لخصمه فرصة الكلام وان لا يقاطع كلامه حتى يتمه . لأن من أدب المناظرة التي أوصي بها الشرع الرفق في الحديث . كما ينبغي على المتكلم عدم الإطالة في الكلام أي أن يختصر كلامه لكن بالقدر الذي لا يقصر عن البيان المستوعب للحقائق .


ثالثا : الدقة في الإجابة ، ذلك أن نوعية السؤال تحدد نوعية الإجابة ، فمثلا إذا سأل السائل خصمه : "ما قولك في كذا ؟ فالجواب مفوض إلى المسئول يجيب بما شاء ، وأما إذا قال له : أمر كذا حق هو ؟ فلا بد أن يجيب أما بنعم أو لا "(2). كذلك إذا سأل السائل بتقسيم فقال : ما قولك في كذا ، اكذا أو كذا ؟ مثال ما قولك في كسب الحجام أمستحب أم حرام أو مكروه ؟ فعلي المجيب أن يلتزم بأحد الأقسام المذكورة في السؤال ولا يخرج بالإجابة عنها إذا كانت الأقسام مستوفاة كلها . أما إذا كانت الأقسام غير مستوفاة فالسؤال مردود علي سائله لان فيه بيان جهله . وقد تكون الأقسام مستوفاة غير أن فيها قسم زائد . فعلي المجيب تنبيه السائل بالقسم الزائد وتحديد القسم الصحيح من بين الأقسام المستوفاة التي ذكرها السائل .


رابعا : إثبات حقيقة شيء ما يقتضي قيام البرهان بالدلائل علي صحته . من اجل ذلك فان الكثير من الأدلة يعتبر قوة وليس عجزا . يشير ابن حزم إلي أن هناك أشياء لا سبيل إلى تصويرها لأنها لا صور لها أصلا . في هذه الحالة يجب أن لا يجهد الإنسان نفسه بأكثر مما يقدر عليه . مثال ذلك إثبات مقيم البرهان "أن الواحد الأول لا جوهر ولا عرض ولا جسم ولا في زمان ولا في مكان ... فأراد الخصم منه أن يشكل له ذلك " وهذا أمر غير مستطاع . مثال آخر : من أراد أن يري العرض منعزلا عن الجوهر قائما بنفسه . يري ابن حزم أن في هذا تكليف بتشكيل أشياء في النفوس يصعب تشكيلها وهذا في حد ذاته لا يقلل من قيمة البرهان إذ " لو جاز لكل من لا يتشكل في نفسه شيء أن ينكره لجاز للاخشم أن ينكر الروائح والذي ولد أعمى أن ينكر الألوان " . كما لا يقلل من قيمة البرهان تقصير مقصر عن إقامة البرهان علي حق اعتقده (1).


خامسا : التزام كلا المتناظرين بالمسألة المتناظر فيها وعدم الخروج بالمناظرة إلى مسائل أخري حتى تنتهي المناظرة حول المسألة الأولي .


يضيف ابن حزم بعض الملاحظات العامة وهي في الحقيقة تمثل نصائح وتوجيهات واجب أن يلتزم بها الشخص المناظر أثناء المناظرة وتتلخص في الآتي :


1. سعة الصدر لقبول الحق الذي قام البرهان عليه . فإذا أقام الخصم البرهان علي بطلان قولك أو رأيك الذي تقدمت به فلا تتأخر بقبول رأيه والتخلي عن رأيك . يقول ابن حزم : "لا ترضي لنفسك ببقا ساعة أبيا من قبول الحق "(2).


2. إن الحقيقة واحدة . والبرهان لا يتعارض . فلا تهتم بمن "يتبجح بقدرته في الجدل فيبلغ به الجهل إلى أن يقول : إني قادر علي أن اجعل الحق باطلا والباطل حقا ... واعلم انه لا سبيل إلى ذلك لأحد و لا هو في قوة مخلوق"(3).


3. لا يجوز تصحيح الشيء بنفسه . وفي هذا السياق ينبه ابن حزم إلى أن المقدمات الأوائل (البديهيات) التي يؤخذ منها البرهان لا تدخل في هذا الباب (أي تصحيح الشيء بنفسه) لأنها لم تصحح نفسها بنفسها بل " صححتها الخلقة وانه لا يخلو ذو فهم قط من معرفة صحتها" أما إبطال الشيء بنفسه فهو أمر جائز لان الشيء متي صح انه باطل صح انه ليس حقا و "الحق الصحيح لا يبطل أصلا"(4).


4. التثبت في القول والإنصات إلى ما يقوله الخصم وتحقيقه أمر ضروري وبدونه لا يمكن تقصي الشغب أو المغالطة التي يوردها الخصم . يقول ابن حزم :"وتأمل مقدماتك ومقدماته وعكسك وعكسه ونتائجه ونتائجك فلا ترضي من خصمك إلا بالحق الواضح "(1) .


5. ينبغي على المناظر تجنب الكلام في اى علم من العلوم لا دراية له به أو لم يسبق له التبحر فيه ، إلا إذا كان ذلك علي سبيل الاستفهام والتزيد في المعرفة وهو هنا ملزم بالاعتراف لمن هو اعلم منه . يشير ابن حزم إلى أن عبارة الأوائل التي تقول "ليس علي السائل بيان الحقيقة " غير صحيحة . والصحيح "أن علي السائل بيان الحقيقة فإذا أبطل حكما ما فعليه أن يبين قوله ".(2)


6. متي كان غرض الباحث أو المناظر طلب الحق فعليه أن لا يبالي بكثرة خصومه أو بتعظيم الناس إياهم ، وكذلك بمدح الناس له أو ذمهم إياه (3). فكل هذه الخصال لا تغني عن إظهار الحقائق في شيء فيجب عليه أن يروض نفسه علي قلة المبالاة بها .


يشير ابن حزم إلى أن الناس في كلامهم ينقسمون إلي ثلاثة أصناف :(4)


- الصنف الأول : "لا يبالي فيما صرف كلامه مبادرا إلى الإنكار أو التصديق أو المكابرة دون تحقيق اى الذي لا يبالي في الكلام فينكر أو يصدق أو يكابر دون اعتبار للكلام.


- الصنف الثاني :"ينصر ما عقد عليه بنيته و اعتقده بغير برهان فلا يبالي بما نصره حق أم باطل ". ويختلف هذا الصنف عن سابقه في أن هذا الصنف الثاني يعتقد بصدق آرائه التي قد يكون حصلها منذ الصغر أو بتقليد للسابقين عليه دون نظر .


- الصنف الثالث : "لا يقصدون إلا إلى نصرة الحق وقمع الباطل "وقد أشاد ابن حزم بفضل هذه الطائفة في مواقع كثيرة من مؤلفاته .


ينهي ابن حزم حديثه في الجدل وكيفيته بالإشارة إلى القاعدة الأساسية والصلبة التي يجب أن ينطلق منها المتباحثان أو المتناظران وكل من كان غرضه الوقوف علي الحقائق هذه القاعدة تتمثل في كثرة الإطلاع علي العلوم والتبحر فيها والنظر في الآراء والأقوال وفي طبائع الأشياء . يقول ابن حزم : "واعلم أن ما ذكرنا من الوقوف علي الحقائق لا يكون إلا بشدة البحث ، وشدة البحث لا تكون إلا بكثرة المطالعة لجميع الآراء والأقوال والنظر في طبائع الأشياء وسماع حجة كل محتج والنظر فيها والتفتيش والإشراف علي الديانات والنحل والمذاهب والاختيارات واختلاف الناس وقراءة كتبهم ". يضيف إلى ذلك ضرورة الإطلاع علي القرآن الكريم ورواية ألفاظه ومعانيه وأحكامه وحديث النبي وسيرته ، ومطالعة الأخبار القديمة ، والوقوف علي اللغة والأخذ بنصيب وافر من علم النحو . ثم يضع للبحث في كل هذه العلوم حدان ، حد اكبر وحد اصغر . الحد الأكبر هو الذي لا يتخلى فيه الباحث عن البحث والإطلاع إلا في أوقات العبادة ، أما الحد الأصغر فهو الذي لا ينبغي لأي عاقل أن يقصر دونه ويكفي فيه استبدال أوقات الحديث الذي لا يجزي مع الآخرين بالنظر في العلوم .


بعد حديثه عن البرهان يضيف ابن حزم فصلين يسمي احدهما "كتاب البلاغة"والآخر "كتاب الشعر" لا يتجاوزا معا أربع صفحات ولا يحتويا ما ينتظر قارئه منه واعتقادي انه يسير هنا في هدي التقليد السكندري المتأخر الذي يضع كتابي "الخطابة" و "الشعر"الارسطيين مع كتب أرسطو المنطقية الستة اعني "المقولات" و "العبارة " و "التحليلات الأولي" و "التحليلات الثانية " و "السفسطة" و "الجدل" .


إن النقطة الايجابية الوحيدة التي أسجلها له هي إعطاؤه عنوان "البلاغة " بدل "الخطابة" لكتاب أرسطو ، إذ كلمة "بلاغة" تشير بشكل أفضل لمحتوي الكتاب الارسطي .


ليست هناك تعليقات: