21‏/04‏/2009

- خاتمة



خاتـمة

يمكن لي من هذا الموقع وبعد أن تناولت جميع الجوانب التي رأيت في البداية أنها لازمة وضرورية لدراستي في منطق ابن حزم ، إن اجمع نتائج دراستي في النقاط التالية :


1. إن حياة ابن حزم المضطربة غير المستقرة سياسيا وتنشئته العلمية في جو الحضارة الإسلامية السائد في الأندلس آنذاك شكّل تفكيره وبالخصوص نظرته للغة والمنطق باعتبار انه رأي ضرورة أن يأخذ الفكر الطابع النهائي اليقيني البرهاني حتى لا تتكثر الآراء ويسود التصدع بنيان الحياة الإسلامية وهو أمر كان يخافه شخصيا للأسباب السياسية والاجتماعية المذكورة . وان النظرة العرقية لابن حزم تؤدي بالباحث إلى طريق مسدود علي عكس النظرة إليه كمفكر ساهمت الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية في وقته في تشكيل فكره ومنطقه بالذات .


2. يهتم ابن حزم بالجانب المنفعي في كل علم يقبله ويحض علي دراسته . والجانب المنفعي الذي لا يتنافى مع تعاليم الشريعة الإسلامية . تركزت اهتمامات ابن حزم الفكرية علي ما يسمي بالعلوم الإسلامية سواء بالكتابة فيها أو بالحض علي تعلمها . هناك استثناء واحد لديه هو علم المنطق الذي هو علم يوناني دون شك غير أن هذا الاستثناء لا يخلو من دلالة فكرية ترتبط بالحياة الاجتماعية والسياسية التي عاشها وبالمذهب الفقهي الذي اختاره . فمن ناحية أن المنطق لا يتكلم في موضوع معين بل هو آلة ومنهج . وبالتالي فلن تدخل عن طريقة أفكار دخيلة أو أجنبية غير إسلامية. ومن ناحية أخري إن ابن حزم قد اهتم برفع التناقضات الفكرية في العالم الإسلامي باعتبار أن هذه طريق دمار للحضارة الإسلامية والمجتمع الإسلامي ، وحيث أن المنطق الذي هو منهج يمثل في ذاته نسق غير متناقض لأنه – كما هو معروف – يقوم أساسا على مبدأ عدم التناقض فهو يدعو إلى ضرورة تعلمه . بل والأكثر من ذلك انه يري فيه أداة لفهم الشريعة . إضافة إلى ذلك أن إلغاء ابن حزم لوظيفة الإمام في فقهه الظاهري وتعميم القدرة علي الرجوع للنص ، أوجبت عليه أن يسلح المسلم (الذي قد لا تكون له دراية بالعلم والشريعة واسالبيها) بجهاز أو آلة تعينه علي معرفة الشريعة دون تقليد لإمام معين.


3. إن ابن حزم ظاهرة فكرية ولدتها الحضارة التي أنشأها العرب في الأندلس ولا تفهم إلا في ضمن ذلك الإطار . وإن كل ما تركه لنا من تراث فكري يمثل مشروعا فكريا متكاملا مرتبط بعضه ببعض ومرتبط أيضا بحياة هذا المفكر والظروف السياسية والاجتماعية التي مر بها . هذا المشروع يهدف إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي الذي لا يتم في رأيه إلا بالعودة إلى حياة الإسلام الأولي وفكر الإسلام الأول . لذا كان عمله بالسياسة منصبّا بالدعوة إلى رجوع دولة بني أمية باعتبارها الدولة الوحيدة التي ارتقي فيها الإسلام إلى عصره الذهبي ، لكنه عندما فشل في الوصول إلى شيء في ميدان السياسة انصرف عنها ورجع يمارسها بطريق غير مباشر علي صعيد الحياة الفكرية . فاختار مذهبا فقهيا يخالف المألوف (مذهب أهل الظاهر) باعتباره يمثل أفضل تمثيل الإسلام الأول وباعتباره وسيلة نفي النزاع والفرقة ونبذ السلبية الفكرية .


4. رغم ضياع أعمال داوود الاصفهاني الذي يعتبر المؤسس الأول للمذهب الظاهري إلا أن الفضل يرجع لابن حزم في توسيع رحاب هذا المذهب وتأييد فروعه بالبراهين والأدلة ، بل تبين لي انه تجاوز داوود في كثير من الأحيان . هذا ما تؤيده الشواهد من أقوال المؤرخين . وقد لمسنا نوعا من هذا التجاوز ، بل والتفادي لما يوقع الغلط في الفهم ، من خلال تعريف "الدليل" – الذي اشرنا إليه مسبقا- عند كلا من داوود وابن حزم .


5. في رأي ابن حزم أن التناقضات الموجودة في المجتمع الإسلامي في عصره ما كانت تقع لولا تلك التأويلات المغرضة للنصوص الشرعية. وان هذه التأويلات جاءت نتيجة اعتماد الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية علي مناهج استدلالية كالقياس والرأي والاستحسان التي هي في حد ذاتها قائمة علي الظن أو غالب الظن . من اجل ذلك فهو يرفض كل هذه السبل أو المناهج ويشيد بالبحث عن اليقين في أمور الشريعة الذي في رأيه لا يتحقق بالطرق التي يسلكها بقية الفقهاء بل بالرجوع إلي النصوص الثابتة (القرآن و السنة) وما قام الدليل البرهانى (المنطقي ) على صحته وكان مأخوذ منها.


6. رغم أننا لم نعثر لابن حزم على مؤلفات مخصوصة في اللغة إلا أن صياغته لنظرية في اصل اللغة ( تفيد أن اصل اللغة توقيف من الله ) ينسجم انسجاما تاما مع مذهبة الفقهي الذي يؤثر النص على التأويل . ذلك أن الإقرار بالتوقيف يحتم علينا أن نقرأ النصوص التي هي كلام الله كما نزلت ولا داعي لمحاولة الهروب وراء السطور للبحث عن علل خفية لان ذلك تصرف في كلام الله . الله هو الوحيد الذي يمتلك حق تصريف الأسماء وإيقاعها علي ما يشاء ، فهو الخالق . خلق اللغة ، وخلق الإنسان وأوقفه عليها , فليس من حق هذا الإنسان نقل أي لفظ عما وضع له في اللغة خصوصا إذا كانت نتائج هذا البلبلة اللغوية و الفكرية كما أن دعوة ابن حزم إلى الأخذ بمنهج التبسيط وتقريب المعرفة إلى الأذهان في كافة العلوم عن طريق تميز الألفاظ الواقعة على المعاني هي في حد ذاتها دعوة إلى أهداف سامية أنتجها واقع الحياة الاجتماعية والسياسية التي عاشها . هذه الأهداف تتمثل في الدعوة إلى شمولية التعليم ونشر الثقافة العامة من اجل جمع شتات الأمة الإسلامية حول حقيقة واحدة .


7. رغم أن ابن حزم نفسه لا ينظر إلى عملة في ميدان المنطق باعتباره إضافة علمية من الدرجة الأولى إلا أننا لو نظرنا لعمله من وجهة نظرنا نحن المعاصرين للفكر المتأثر بالمنطق الرياضي نجد أن الحدود التي رسمها لنفسه وهى ميدان التحليل المنطقي (باعتباره استنباط لمتضمنات ما نضعه كمقدمات أو قضايا أولية ) هو عمل فكرى من الدرجة الأولى. ذلك أننا تعلمنا من فكر رسل مثلا ، الذي يأبى القفز "الفلسفي" في آفاق لا نستطيع فيها الوصول إلى قضايا سليمة و صحيحة والذي يرضى بمهمة التحليل فقط ، إن هذه المهمة الأخيرة ليست أمرا ثانويا كما أنها ليست عملا يقوم به ذوى الموهبة المحدودة . إضافة لتحليلاته المنطقية فان ابن حزم قد أوكل لنفسه مهمة صياغة المنطق بلغة مبسطة يفهمها عموم الناس، إضافة إلى تقديم المصطلح التقني الجديد مبتعدا عن مصطلحات المترجمين القريبة من النص اليوناني .


8. رغم أن ابن حزم قد سار في منطقة على غرار منطق أرسطو إلا أن دورة كان بارزا في الكثير من المواقف . فمثلا تحليله الرائع للأوامر . ثم معالجته للاستدلال المباشر في باب واحد مع الاستدلالات القياسية يعتبر عملا هاما يتفق مع وجهة نظر المنطق الرياضي الحديث . ذلك أن كلاهما يتعلق بالاستدلال ، ولا فرق في المنطق الحديث بين استدلال من مقدمة واحدة أو اثنين أو أكثر . أيضا نذكر على سبيل المثال موقف آخر هو إدراكه إلى أن هناك نوع من العلاقات غير الحمل كالعلاقات التي تعبر عن كيفية مثل : " اشد من " أو "يشبه " التي هي كعلاقة " الحمل " علاقة متعدية كما يقال بلغة المنطق الحديث . نضيف إلى ذلك تطبيقاته المنطقية في حقل الفقه .


9. إن رفض ابن حزم للقياس الفقهي وتقريره للقياس المنطقي لا يعتبر عمل متناقض إطلاقا ، وان تجنبه لاستخدام كلمة " قياس " في معالجاته المنطقية جاء من شعوره باحتمال وقوع البس عند بعض الناس في فهم المقصود بالقياس الفقهي والقياس المنطقي . فكما عرفنا من قبل أن ابن حزم يهتم بتميز الألفاظ الواقعة على المعاني والألفاظ المشتركة بالذات التي كثيرا ما يقع الشغب والمغالطة في استخدامها .لذا فان تجنبه لاستخدام كلمة " قياس" في المنطق يجب أن يفهم من هذا القبيل ، هذا من ناحية ، أما الناحية الأخرى والاهم هي اختلاف الغرض الذي يؤديه كلا من القياسيين ، فالقياس الفقهي يودى إلى الظن أو غالب الظن ، بينما القياس المنطقي لا يودى إلا إلى اليقين. وهنا يجب أن نشير إلى أن الاستدلال ونظريته عموما – في نظر ابن حزم – غرضها في النهاية عملي وهو المعرفة اليقينية أو البرهانية . وهذا ما حدا به إلى أن يجمع تحت عنوان "البرهان" موضوعات الاستدلال المباشر (كعكس القضايا ) ثم الاستدلالات القياسية بأشكالها وضروبها والقضايا الشرطية .


تمّ بحمـــد الله










ليست هناك تعليقات: