21‏/04‏/2009

- المنطق - المنهج العلمي البرهاني

المنهج العلمي البرهاني :

تكلمنا فيما سبق عن قوانين الاستدلال المنطقي وقد وضحنا أن الاستدلالات المنطقية الصحيحة بجميع أنواعها المذكورة سالفا تتأدي بنا إلى نتائج صادقة بالضرورة لو كنا علي يقين من صدق المقدمات . لكن المنطقي الذي ينظر فقط في صور الاستدلالات وتمييز صحيحها من فاسدها لا ينظر فيما إذا كانت المقدمات صادقة فعلا ويقينا . كل ما يهمه إبراز لزوم النتيجة عن المقدمة أو المقدمات لزوما ضروريا بحيث لو صدقت المقدمة أو المقدمات تكون النتيجة صادقة .

يهتم الباحثون في المنهج (وبالذات المنهج العلمي) منذ أرسطو بمحاولة التأكد (أن أمكن ذلك) من أن النتائج ليست فقط لازمة عن المقدمات بل التأكد من كونها صادقة . كيف ينظر ابن حزم لهذه المشكلة ؟ يبدأ مفكرنا في تحليل المنهج البرهاني بالنظر في أنواع القضايا العلمية التي لا يمكن للعاقل (حسب تعبيره) أن يداخله شك في صدقها . أو قل هي القضايا اليقينية الضرورية التي لا خلاف حولها .
احد أنواع هذه القضايا تلك التي تعرف بالفطرة أو "بأول العقل"
(1) ، هذا النوع يمثل الأساس للعقل وبدونه او بنقضه يكون وكأنه فقد العقل والتمييز (2) مثال هذه القضايا "الكل اكبر من الجزء" و "أن كون الجسم الواحد في مكانين مختلفين في وقت واحد محال "و "أن كل شيء صدق في نفيه فإثباته كذب وان كذب في نفيه فإثباته حق"(اى القضية أما صادقة أو كاذبة ) و "أن الحق لا يكون في الشيء وضده " (قانون عدم التناقض)(3) .

النوع الثاني من القضايا اليقينية الضرورية هو تلك التي عرفت بحس مباشر بتوسط العقل ، اى الاحساسات التي صححها العقل (4) مثل " أن النار حارة " و "طعم الثمر حلو" و "القار اسود" و "الحرير ليّن" يقول ابن حزم أننا لا ندري كيف وقعت لنا صحة هذه المعرفة (5) . وأيضا فهي معرفة مباشرة بمعني انه ليس هناك فترة زمنية بين وقت حصولها ووقت معرفتنا بصحتها(1) ، اى عند حصولها يحصل اليقين بها . هذا النوع من القضايا أيضا أساس للعقل والفكر وبإنكاره يكون الإنسان وكأن "بعقله آفة شديدة "(2) .

يدخل ابن حزم ضمن هذا النوع الثاني قضايا ليست من نفس النوع وان كان يعتبرها ضرورية مثلها وهي القضايا الحسية (أي التي تصف أشياء يمكن معرفتها بالحس) التي لم نخبرها بأنفسنا ولكنا تيقنا من ضرورتها بتصحيح "النقل " اى بمعرفتنا صحة ما قاله الغير الذين خبروها . مثل "أن الفيل موجود ولم نره" و "انه قد كان موسي وعيسي ومحمد عليهم السلام" (اى القضايا التاريخية التي تيقنا منها رغم عدم اختبارنا لها حسيّا) و "أن في رأس الإنسان دماغا وفي بطنه مصرانا وفي جوفه قلبا وفي عروقه دما وإنما يرجع في ذلك إلى قول المشرحين"(3).
النوع الثالث من القضايا الضرورية هي تلك التي استنتجت بالضرورة من النوعين الأولين باستخدام الاستدلالات التي سبق شرحها .
(4)
واضح من هذا أن كل ما يقبله من قضايا علمية ينحصر في ميادين النظر العقلي . لكن ما هو نوع القضايا التي نجدها في العلوم الشرعية ؟ في سطور تالية يعود ابن حزم مشيرا إلى النوعين الأولين من القضايا ويضيف إليها ثالثا وهي القضايا المنصوصة في القرآن والحديث
(5) . هذه كلها هي المقدمات الأولي ومنها يتم استنتاج غيرها. فالعلوم الشرعية إذن تبدأ من نصوص القرآن والحديث وتستعين بقوانين الاستدلال المنطقية للوصول بها إلى نتائج يقينية برهانية .

هناك بعض الملاحظات بخصوص موضوع قضايا العقل والحس تدخل في الحقيقة باب الابستمولوجيا وسيكولوجية المعرفة أكثر من دخولها في المنطق . لكن حيث أن موضوعنا الآن المنهج العلمي كان لابد من الإشارة إليها خصوصا أنها – كما سيري القارئ – لا تخلو من دلالة تاريخية .

يؤكد ابن حزم في هذا السياق وجود خمس قوي للنفس تتعلق بالمعرفة وهي الحس والعقل والظن والتخيل والفكر (1) . والعقل في رأيه هو الوحيد بين هذه الذي يمكن الوثوق به في المعرفة فهو "صادق أبدا"(2) وهو أيضا الذي يصحح الإحساس(3). أما الظن فهو اضعف هذه الخمس أو علي حد تعبيره "اكذب دليل"(4) . والتخيل أيضا كاذب(5). لكنه كما هو واضح اعلي مرتبة عند ابن حزم من الظن . والسبب في ذلك علي ما اعتقد أننا نعلم بكذب التخيل فنحترس ، لكن في الظن لا نستطيع الحسم ومن ثم قد نخطئ ظانين أننا على صواب . لا ننسي أن هذا الظن هو طريق الاستدلال عند من يعارضهم ابن حزم من الفقهاء. بخصوص الفكر فهو "حكم النفس فيما أدته هذه القوي ( يقصد الحس والعقل والظن والتخيل)"(6). الغريب في هذا الوصف انه لا يمكننا من تمييز العقل عن الفكر بوضوح إلا إذا فهمنا أن الفكر هو الحكم الذي قد يكون صادقا أو كاذبا ، بينما حكم العقل صادق دائما . لكن كيف نميز بين الفكر والظن ؟ يبدو أن الظن ليس مجرد الحكم الذي قد يصدق أو يكذب ، بل هو أيضا مشفوع باعتقاد أن الحكم اقرب للصدق منه إلى الكذب . أقول ذلك رغم قول ابن حزم انه اكذب دليل فهذا القول منه ليس في رأيئ يمثل وصفا حقيقيا للظن وابن حزم يعلم ذلك لكنها خصومته الفكرية مع الفقهاء هي التي أملت ذلك .

يتبقى الحس الذي يضعه ابن حزم كما رأينا في منزلة عالية إذا كان مصححا بالعقل . أن الحواس – حسب رأيه – قد لا تؤدي بنا في جميع الأحوال إلى معرفة يقينية . بل كثيرا ما تقصر عن الإدراك أو تضعف ما يجعل الاعتماد عليها وحدها غير مأمون الجانب ولا يؤدي إلى الإدراك الحقيقي . وفي هذا السياق يضع ابن حزم موازنة بين المعرفة الحاصلة عن طريق الحواس والمعرفة الآتية بتوسط العقل. ويغلب الثانية علي الأولي . باعتبار أن "العقل قوة افرد الباري تعالي به النفس ولم يجعل فيه شركة لشيء من الجسد "(7) ، وان إدراك العقل إدراك واحد . وهو هنا يري في الجسد انه عائق أو "كدر ثقيل"يقف حائلا دون إدراك النفس للأشياء علي حقيقتها . لهذا السبب فهو يشكك في المعارف المدركة عن طريق الحس وحده لتعلقه بالجسد . فالنفس التي تسلك طريق العقل والحواس لبلوغ المعرفة لا يمكنها أن تصل إلى غوامض الأشياء إلا بالانفراد والتخلي عن الجسد .


يبرهن علي ذلك ممثلا لكل حاسة من الحواس الخمس بمواقف تعرض لها وتبرز قصورها أمام العقل . فحاسة البصر مثلا توهمك وأنت تري إنسانا قادما من بعيد بأنه صغير الجرم "وأنت لا تشك بعقلك انه اكبر مما تراه ثم لا يلبث أن يقترب منك فتراه علي قدره الذي هو عليه الذي لم يشك العقل قط في انه عليه "
(1) . كذلك في حاسة السمع فقد تسمع من بعيد صوت انهيار ويكون الصوت ضعيفا لبعد المسافة . لكنك لا تشك بعقلك في أن الصوت من قريب أضخم من ذلك كثيرا . وفي حاسة الذوق نجد المريض يدرك "طعم العسل مرا كالعلقم والعقل يشهد الشهادة الصحيحة الصادقة انه حلو "(2). وفي حاسة الشم "فان مقدار جزء من حلتيت يكون معك في البيت لا تشمه أصلا والعقل موقن أن لذلك الفلس جزءا من النتن"(3) . وفي حاسة اللمس فان الجسم لا يشعر بما قيمته حبة خردل علقت به ، في الوقت الذي يشعر بثقل الوزن في ما زاد عن ذلك وظهر وزنه ، مع أن العقل يدرك حصة حبة خردل واحدة من الوزن .(4)

كل ما سبق يمكن أن ندخله في باب "الابستمولوجيا" أو نظرية المعرفة . لكن ابن حزم يضيف بعض الملاحظات القليلة حول سيكولوجية المعرفة – اعني وصف العملية أو العمليات النفسية التي بها يتم للإنسان أن يعرف ما يريد معرفته – فهو يؤكد علي وجود أكثر من عامل قد يتدخل أثناء عملية الاستدلال أو التفكير الاستدلالي . فهناك العقل (أو فلنقل المنطق) ثم هناك الأهواء والتقليد
(5) . فإذا شئنا أن تكون استدلالاتنا صحيحة ويقينية يجب أن نراعي ليس فقط قواعد الاستدلال المنطقي التي ذكرناها ، بل وان ننتبه لأننا قد ندخل أثناء الاستدلال عناصر من خارجه . هذه العناصر الدخيلة قد تمليها تقاليد معينة قريبة إلى نفس المستدل أو لعله هوي أو رغبة قد تؤدي بالاستدلال إلى غير النتيجة المرجوة . يقول ابن حزم "واعلم انه لا يدرك الأشياء علي حقائقها إلا من جرد نفسه عن الأهواء كلها ونظر في الآراء كلها نظرا واحدا مستويا لا يميل إلى شيء منها.... ثم سلك بعقله الطريق التي وصفنا في هذا الديوان "(1) .

يري ابن حزم أن إتباع طريق الاستدلال لغرض الوصول إلى المعرفة يتطلب البحث . والبحث أما أن يتم في فكر الشخص المستدل اى بينه وبين ذاته ، وأما عن طريق التعلم من معلم أو خلال مناظرة أو مناقشة حول مسألة ما
(2) . والبحث قد يكون أما عن الأوليات أو عن أشياء يتوصل إليها بالاستدلال باستخدام الأوائل . كي يبدأ البحث لابد لنا من السؤال عن ما نبحث عنه . هناك أربعة أنواع من الأسئلة .(3)

أولها السؤال "بهل " ، كقولك : هل هذا الشيء موجود أم لا ؟ وهنا يجب أن لا تخرج الإجابة بالضرورة عن القول : نعم أو لا . فان كانت الإجابة "بلا" سقط السؤال . وان كانت "بنعم" ، يصعد التساؤل إلى المرتبة الثانية وهي السؤال "بما" إذ هو تالٍ للسؤال "بهل" وفيه يتم البحث عن جوهر الشيء أو الإفادة بخبر يحده أو يرسمه بعدما تحقق وجوده في المرتبة الأولي فان تم تحديده بتعريف صفته اللازمة ننتقل بالسؤال إلى المرتبة الثالثة وهي السؤال "بكيف" وفيه تتبين هيئة الوجود أو الحالة التي عليها الشيء . فان تحقق كل هذا ننتقل إلى المرحلة الأخيرة من السؤال وهي السؤال بـ" لم" . كقولك : "لم كان ما اثبت كما وصفت وما برهانك علي صحة ما ادعيت مما ذكرت ؟ "
(4) . في هذه المرتبة ينبغي أن تطلب الدلائل حتى يتم البيان عن حقيقة الشيء المراد الاستدلال عليه ، كما ينبغي مراعاة الدقة في الإجابة من حيث إيراد لفظ الإيجاب في حالة تحقق الوجود ولفظ النفي في حالة النفي ، كما يجب أن لا يترك اى قسم من الأقسام التي يحتمل أن ينقسم إليها الشيء في حالة القسمة ، والنظر فيها جميعا واثبات صحيحها من فاسدها .

ينتقل ابن حزم إلى بيان نقطة أخري هامة وهي الكيفية التي يتم بها استخدام المنهج العلمي البرهاني في الشرائع . ينظر أولا في الألفاظ الواردة في الشرائع أو المقدمات اليقينية الشرعية علي أنها تحتمل ثلاثة وجوه : "أما قول عام كلي ذي سور أو ما يجري مجري السور من المهمل الذي قوته في اللغة قوة ذي السور ، ومن الخبر الذي يفهم منه ما يفهم من الأمر "
(5) . هذه الوجوه الثلاث ينقسم كل واحد منها إلى أربعة أقسام هي : كلي اللفظ كلي المعني ، جزئي اللفظ جزئي المعني ، جزئي اللفظ كلي المعني ، وكلي اللفظ جزئي المعني . القسم الأول والثاني "جاريان علي حسب موضوعيهما في اللغة لا يحتاجان إلى دليل "(1) .أي أن الألفاظ الشرعية التي من قبيل هذين القسمين تؤخذ علي ظاهرها أو ما يفهم من معناها اللغوي دون زيادة أو نقصان .

القسم الثالث (جزئي اللفظ كلي المعني ) يتمثل في الألفاظ التي جاءت جزئية غير أن المقصود منها معني كلي وليس جزئي ، اى حكمها شامل لسائر النوع الذي نصت عليه يمثل لذلك ببعض الآيات القرآنية التي تخاطب "الذين امنوا" مع أن المراد منها ليسوا هم فقط . هذه الألفاظ – حسب رأيه – لا تؤخذ على ظاهرها أو موضعها الذي وضعت له في اللغة . بل يجب أن تنقل عن موضعها لتشمل جميع أفراد النوع الذي جاءت فيه . غير أن هذا النقل لا يتأدى في جميع الحالات ، بل يشترط وجود "الدليل" الذي أما أن يكون من نصوص أخري "آيات أخري" تقتضيه ، أو من بديهة عقل وحس . يقول ابن حزم :

" ولولا تلك الألفـاظ الأخر لما دخل في هذا الحكم من ليس مسمي باسم خوطب به أصلا "
(2) .

القسم الرابع : (كلي اللفظ جزئي المعني) يتمثل في الألفاظ التي جاءت عامة أو كلية غير أن المراد منها بعض ما تقتضيه دلالتها اللغوية . يقول ابن حزم : "أن هذا القسم والذي قبله لا يفهم معناهما من الفاظهما أصلا لكن ببرهان من لفظ آخر أو بديهة عقل أو حس تبين كل ذلك انه إنما أريد به بعض ما يقتضيه ذلك اللفظ "
(3) . مثال ذلك قوله تعالي : "الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم ". فلامتناع لقاء جميع الناس لجميع الناس مخبرين لهم ، يفهم منه أن المراد في الآية هو لقاء بعض الناس لبعضهم الآخر .
ما يريده ابن حزم أثناء تطبيق منهجه العلمي في الشرائع الإقرار بقاعدتين:

الأولي: أن تؤخذ الألفاظ الشرعية علي ظاهرها اللغوي وان يشمل حكمها جميع النوع الذي وردت فيه دون زيادة أو نقصان . (كما في الألفاظ الواردة في القسم الأول والثاني) .

والثانية : تمثل استثناء في داخل القاعدة الأولي وهي أننا قد نجد أنفسنا أمام ألفاظ يمتنع أخذها على ظاهرها اللغوي لوجود ألفاظ أخري من نفس النصوص الشرعية أو بديهة عقل وحس تقتضي نقلها عن موضعها . وهنا يجب قيام البرهان علي نقلها .

ينهي ابن حزم مناقشته للمنهج العلمي البرهاني باستعراض بعض أنواع من البراهين المعروفة عند المفكرين (يونان ومسلمين) فيعترض على أنواع منها ويقبل غيرها . فهو مثلا يقبل برهان الخلف لكنه يشير إليه دون أن يعطيه اسما
(1).
ويتلخص برهان الخلف في إبداء وجهة نظر ثم الاستدلال منها علي نتيجة متناقضة مما يؤدي بنا إلى إثبات بطلان وجهة النظر المقدمة . كذلك يقبل ابن حزم ما يسميه "الاستدلال بالمعلول علي العلة "
(2) كالاستدلال علي وجود النار ( العلة ) من رؤية الدخان (المعلول)كما يقول هو . يقرر ابن حزم ضمنيا أن الاستدلال من العلة إلي المعلول أفضل حين يقول بأن "العلة اظهر في العقول من المعلول"(3). لكن هناك مواقف لا نستطيع فيها البت مباشرة (بالعقل أو الحس) بان العلة موجودة . فنستدل عليها من ظاهرة أو شيء نعلم انه معلول لتلك العلة. هذا النوع من الاستدلال ليس برهانيا كما يظن ابن حزم . فقد يتولد المعلول عن أكثر من علة ولا نستطيع أن نبت أيها هو العلة للحالة أو الظاهرة التي أمامنا . كل ما نستطيع أن نفعله هو اللجؤ إلى الظن . وهذا طريق غير مقبول عند ابن حزم .

يعترض ابن حزم وبحق علي برهان الدور باعتبار أننا نلجأ فيه إلى الاستشهاد "بالشيء علي نفسه"
(4) والصواب في البرهان أن "نستشهد على مجهول بمتيقن "(5) وهو ما نفعله في الاستدلالات المنطقية التي تكلمنا عنها في السابق . ينتقد ابن حزم أيضا الاستدلال علي المجهول من المجهول (6) . كمن يريد معرفة صفة الفيل فنشير إليه إلي صفة الخنزير حين تكون الأخيرة مجهولة عنده . كذلك يعترض ابن حزم علي "الاستقراء"(7) وهو يري أن ما سماه الأوائل (اليونان) استقراء سماه أهل ملتنا (الفقهاء) القياس (1) ويعني بذلك القياس الفقهي .

يشرح ابن حزم الاستقراء
(2) . بأنه عملية نبدأ فيها من صفة نجدها في مجموعة من الموجودات كلها ، من نفس النوع أو الجنس ، فنحكم بان كل أفراد هذا النوع أو الجنس لهم هذه الصفة . المشكلة في رأي ابن حزم أننا قد نتوهم وجود تلك الصفة في كل الأفراد المشار إليهم إذ أن هذه الصفة ليست لهؤلاء الأفراد بمقتضي العقل . والسبب أننا لا نستطيع أن نتقصى "تلك الأشخاص أولها عن آخرها حتى نحيط علما بأنه لم يشذ عنا منها واحدة "(3). إذن لا يمكن لنا كأناس أن نحصي كل الأفراد الداخلين في نوع ما حاضرا وماضيا ومستقبلا . لكن يجب التنبيه إلى أننا في الأحكام المبنية علي العقل لا نحتاج لمثل هذا الإحصاء والسبب أن الصفة تقال علي الشيء أو الموصوف بضرورة عقلية . هذه الضرورة العقلية تغنينا عن اللجؤ إلى الإحصاء والتقصي . فبالعقل نعلم أن كل ذي روح متنفس . لكن ليست هناك ضرورة عقلية في القول بان كل حيوان فله مرارة . لكن لو أحطنا علما بأن جميع "الجزيئيات التي تحت الكل "(4) لها الصفة المذكورة (المرارة في هذا المثال) قطعنا بصدق الحكم القائل بأن " كل حيوان فله مرارة ".

يقول ابن حزم أن البعض سموا هذا النوع من الاستدلال "الاستدلال بالشاهد عن الغائب"
(5)ظنّا منهم أن هذا الاستدلال غير الاستقراء . واعتراض ابن حزم علي تسمية هؤلاء هو أن الغائب قد يكون غائبا عن الحواس وليس بغائب عن العقل . في هذه الحالة لا يمكن القول بأنه غائب لأنه حاضر للعقل والحاضر للعقل حاضر للحواس ولا فرق (6) .
أما أن كان غائبا عن العقل "لم يجز أن يعلم البتة "
(7) .في هذا السياق يثير ابن حزم نقطة هامة متعلقة بالاستقراء وهي انه حين لا يجد المستقرئ الصفة المطلوبة في شيء داخل النوع يعتبر هذا الشيء حالة شاذة ويمضي في تعميمه للصفة علي كل النوع باعتبار أن هذا الشيء خرج عن أصله وشد ، والشاذ لا يقاس عليه (8). ورد ابن حزم أن هذا الشاذ لو كان داخلا فعلا في النوع أو الأصل لما شذ . وفي هذه المناسبة يشير ابن حزم للنحويين الذين يعطون للقواعد العامة شواذ باعتبار أن القاعدة كانت في الأصل كذا ثم استثقل ذلك فنقل إلى كذا (1) وهذا عنده كذب لا يجوز .

ليست هناك تعليقات: