14‏/04‏/2009

- المنطق - الاسماء المفردة


الفصل الثالث
الأسماء المفردة

لاحظنا من قبل أن "الاسم"هو احد العناصر الأساسية في القضية . لم نعالج في ذكرنا للأسماء سوي تلك التي تشير إلى شخص محدد معين أو عين مخصوصة . لقد ميّز ابن حزم من البداية (1) بين الأسماء التي تشير لشيء أو عين مخصوصة وتلك التي تشير إلى كثيرين . والأخيرة هي مثل "إنسان"أو "خيل"، وهذا الاسمان لا يشيران إلى عين مخصوصة بل يشير كل واحد إلى مجموعة من الأعيان متميزة بخصائص هي التي جعلتنا نشير لكل مجموعة باسم متفرد . موضوعنا هنا هو الأسماء التي تقال على كثيرين أو الكليات . والكليات تثير أكثر من مشكلة . هناك مشكل لغوي – منطقي من ناحية ، ومشكل منطقي من ناحية أخري ، عداك عن "الفلسفي " الذي لن نتطرق إليه هنا متبعين في ذلك طريق ابن حزم . سنبدأ بعرض المشكلة أو المشاكل قبل أن نعرف القارئ بالغرض النهائي من معالجة " الأسماء المفردة " كما يسميها ابن حزم ، ومعنى هذه التسمية الحزمية .

أولا لماذا المشكل في الكليات وليس في الأسماء التي تشير لأعيان؟ إن الميزة الأساسية للأسماء الأخيرة (التي لاحظها ابن حزم كما لاحظها " فلاسفة " المنطق أمثال رسل وفتجشتين ) أنها تتحدد وتتميز بالإشارة للعين أو الشيء الذي هي اسم له . وبالتالي فلا يبدو إلى هذا الحد أي مشكل فيها . بالنسبة للكليات فهي بسبب أنها تشير لأكثر من شيء فهي تثير اللبس في أكثر من موضع يوضح ابن حزم (2) هذا المشكل (الذي هو لغوى منطقي) بان يعدد أنواع الاتفاق والاختلاف بين المعاني التي تشير إليها الأسماء الكلية :

أولا : إن معنى "فرس" يتفق مع معنى "فرس" في الاسم الذي نعطيه لهما في العربية وهو "فرس" وفى التعريف فكلاهما "حساس متحرك بإرادة صهّال محدد الآذان يستعمل في الركوب متوهم منه السرعة في الجري " في هذه الحال نقول أن الاسمين "متواطئين" أو "متفقين".

ثـانيا : يختلف معنى "رجل" ومعنى "حمار" في أن لهما اسمين مختلفين وكذلك فتعريفيهما مختلفان . نسمى مثل هذه الأسماء "المختلفة " .

ثـالثا : يختلف معنى "نسر" (وهو الطائر) عن معنى " نسر" ( حافر الفرس) في أن لكل منهما تعريف متميز وان اتفقنا في الاسم " نسر" . هذا النوع يسمى الأسماء " المشتركة " الذي يحذر منها ابن حزم في كل مناسبة وفى أكثر من كتاب .

رابعا : يتفق معنى " سنور " و "ضيون" في أن كلاهما يشيران للحيوان الذي يصيد الفئران رغم استخدامنا لأكثر من اسم للإشارة له . فهما إذن يتفقان في التعريف ويختلفان في الاسم . هذا النوع من الأسماء يسمى " المترادفة " .

خـامسا : يختلف معنى " طائر " عن معنى " توب " في التعريف والاسم كما هو واضح . لكن قد يتفقان في صفة معينة . كاللون مثلا فيشتركان في هذه الصفة أو في "الاسم المشتق" إن الأسماء التي تشير إلى مثل هذه الصفات الغير جوهرية والمشتركة تسمي "مشتقة" .

على أن ابن حزم يحاول أيضا أن يبرز دور الكليات في بنية القضية الحملية (التي هي أساس المنطق القديم)(1) كحالة ثانية لتفادي ما قد يشكل بخصوص الكليات . قلنا من قبل أن ابسط أنواع القضايا هو المؤلف من موضوع ومحمول (القضية الحملية ) هذا النوع من القضايا هو المفضل عند المناطقة القدماء في تحليلاتهم المنطقية ، وقد سار ابن حزم عند كلامه عن الكليات على منوالهم . فنجده يقسم القضايا الحملية أولا إلى تلك التي يكون الحمل فيها جوهريا والتي يكون الحمل فيها عرضيا. بالنسبة للحمل الجوهري (أو الماهوي) فهو الذي يكون فيه المحمول ممثلا لجزء من ماهية الموضوع . والحمل العرضي ما يكون فيه المحمول احد أعراض الموضوع . لو قلنا "الإنسان حي" فهذا حمل ماهوي لان الحياة جزء من ماهية الإنسان . لكنه على حد قول ابن حزم حمل جوهري عام لان "الحي" لا يكون إنسانا فقط بل هو اسم للحيوان والنبات أيضا . أحيانا يكون الحمل الماهوي "مساويا" كما يقول ابن حزم كحمل الحياة على الحي إذ لا حي بلا حياة ولا حياة بلا حي . بالنسبة للحمل العرضي فهو كقولنا "الزنجي اسود" إذ السواد عرضي وليس جزءا من ماهية الموضوع . في المثال السابق يكون الحمل العرضي "عاما" لان السواد لا يقال على الزنجي فقط بل وعلي بعض الكائنات الأخرى كالغراب . لكن الحمل العرضي يكون أحيانا "مساويا "مثل قولك "الإنسان ضحّاك"فالضحك عرضي للإنسان وهو لا يوجد إلا في الإنسان باعتبار النظرية القائلة بأن الحيوانات غير الإنسان لا تضحك . لكن الحمل العرضي يكون أيضا "اخص " كقولنا "إنسان فقيه" فالمحمول هنا يحمل علي بعض الإنسان إذ ليس كل إنسان فقيه (1).

في تمييز آخر داخل بنية القضية الحملية يحدد ابن حزم (2) مفهوم الحامل والمحمول من ناحية والناعت والمنعوت من ناحية أخري .

أما الحامل فهو الذي يتقوم بنفسه ويحمل غيره كالجوهر . والمحمول هو الذي يتقوم بغيره ويحمله غيره وهذا هو العرض . بخصوص الناعت فهو الاسم الكلي الذي ينسحب على كل الأفراد الداخلين تحته . فالاسم "إنسان "ينسحب ويطلق على كل فرد أو عين له الخصائص الإنسانية . أما المنعوت فهو الأفراد أو الأعيان الذين أطلق عليهم الاسم الكلي – وعلي هذا فمن الأسماء ما هو حامل ناعت . فحين يقول تعالي "إن الإنسان خلق هلوعا "فهو يعطي قضية موضوعها "الإنسان" الذي هو جوهر أو موضوع حامل وهو يريد أن ينعت بالإنسان كل الأفراد الداخلين في هذا النوع . خصيصة الحامل الناعت انه لا يكون محمولا البتة . لأن المحمول لا يكون جوهرا (3) أما الحامل المنعوت فهو العين أو الشخص المفرد المحدد مثل "النبي محمد" والشخص المفرد في ذاته جوهرا كما سنبين ولذلك فهو حامل . وهو منعوت لان من الممكن أن نطلق عليه اسم عام ننعته به كما ننعت به غيره كقولنا "النبي محمد إنسان" . هناك أيضا أسماء محمولة ناعتة مثل "العلم" فهو صفة تطلق على مجموعة من الأشياء كالطب والفقه وبالتالي ينسحب اسم "العلم" على أكثر من شيء ، فهو ناعت . لكنه أيضا محمول لأنه يقوم بغيره ، إذ لا يقوم العلم إلا في شخص العالم الذي حصل عليه .

وأخيرا هناك المحمول المنعوت . إذ لو كان لدينا نقطة في علم النحو فهذه النقطة النحوية منعوتة . لأنها تحمل اسم العلم الذي ينسحب على كل جزء من الأجزاء فيه ، أو كل معلومة من المعلومات الداخلة في "العلم" فكما يقول ابن حزم "إن كل مسألة من مسائل الفقه تسمي فقها وعلما ، وكل قضية من قضايا الطب تسمي طبا وعلما ، وكل لفظة من اللغة تسمي لغة وعلما "(1) . هذه النقطة النحوية هي أيضا محمولة لأنها لا تقوم بنفسها أي ليست جوهرا قائما بذاته .

اعتقد أن الغرض الأساسي لكل ما نقلناه عن ابن حزم من تقسيمات وتمييزات داخل القضية الحملية هو محاولة بيان أهمية التمييز ضمن الكليات بين الجوهر والعرض ، ثم التمييز بين الحمل الماهوي والعرضي . عداك عن تمييز الكليات عن الأعيان الفردة .

كي نشرع في فهم القضية ونحلل بنيتها ثم نفهم الاستدلالات البرهانية المركبة من القضايا لابد أولا أن نشرح ونميز بين الكلمات أو "الأسماء المفردة "الداخلة في بنية القضية الحملية . هكذا يريدنا ابن حزم ان نفهم "المقولات" الارسطية . فكتاب الأسماء المفردة - كما ينبه ابن حزم في افتتاحية كلامه عن الأسماء المفردة - هو كتاب "قاطيغورياس" لأرسطو الذي يفتتح به المعلم الأول كتبه المنطقية . لكن لماذا "الأسماء المفردة " ؟ ذكرنا من قبل تعريف ابن حزم للاسم الذي يميزه عن الفعل بل والصفة . لكن ابن حزم يستخدم "الاسم"ليشير إلى الصفات . لكن كان الأولي بابن حزم أن يوضح هذا الاستخدام ويحدده تصريحا لا ضمنا . بالطبع لا بد أن يفهم ابن حزم " الأسماء" بهذا المفهوم الموسع والا فكيف نطلق لفظة "اسم" علي مقولة الوضع (أو النصبة كما يسميها) التي تشير إلي "هيئة" كالقيام والقعود. لكن هل نستبعد الأفعال أم ندخلها في هذا المعني الجديد الموسع للفظة اسم ؟ إن مقولة "الفعل" هي احدي مقولات أرسطو التي لا يغفلها ابن حزم. لكن ابن حزم يسميها "الفاعل" رغم انه في شرحه لها يتكلم عن الفعل لا الفاعل. هل يريد ابن حزم من عنوان المقولة أن يتفادى المشكلة التي تخلقها تسميته الجديدة للمقولات؟ هذا ما يبدو لي مادام لم يشر ولا مرة واحدة للفاعل أثناء شرحه للمقولة . يتبقى أن نوضح في تسمية ابن حزم وصفه للأسماء المدروسة بأنها "مفردة". يقول ابن حزم "إن الكلام ينقسم قسمين : مفرد ومركب ، فالمفرد لا يفيدك فائدة أكثر من نفسه كقولك: رجل وزيد وما أشبه ذلك والمركب يفيدك خبرا صحيحاً كقولك : زيد أمير"(2) . الكلام المفرد يشمل الألفاظ التي تشير إلى أعيان أو كليات ، والكلام المركب هو القضية التي تعطي خبراً يكون صادقاً أو كاذباً . لكن نلاحظ أن التفرقة هنا لا للأسماء ((وكيف نسمي القضية اسماً؟)) بل للكلام . اعتقد أن تعبير " الأسماء المفردة " أراد به الأسماء التي أخذت منفردة أي دون النظر فيها باعتبارها عنصراً داخلاً في قضية مع اسم آخر أو مع أسماء أخرى . هذا المعنى واضح تماماً في معالجته للقضايا أو "الأخبار" . فهو يشرح عنوان الفصل : "كتاب الأخبار" بأنه "الأسماء المجموعة إلى غيرها وتسمى المركبة " (1) .

أول المقولات أو الأسماء المفردة التي يعالجها ابن حزم "الجوهر". وهو يرى أن باقي المقولات التسعة هي أعراض (2) أو هكذا يجب أن نفهمها . وكما فعل المشائين يميز بين "جواهر أول" وهي الأعيان المشخصة و "الجواهر الثانية" التي هي الأجناس والأنواع .

والجوهر حامل يقوم بنفسه ويقبل المتضادات من الأعراض . فالنفس مثلاً جوهر قائم بنفسه يقبل صفات العلم والجهل والشجاعة والجبن (3) لكن الجوهر بنفسه لا ضد له ، لأن التضاد يكون للكيفيات أو الأعراض التي تقوم فيه . فلا يمكن أن نقول أن "زيد" كجوهر يضاد "عمرا" ، لكن كل منهما جوهر قائم بنفسه مغاير للآخر . كذلك ليس في الجوهر شدة أو ضعف فليس "إنسان أضعف إنسانية من آخر" (4). رغم أن مثاله لم يصغ الصياغة الدقيقة المرجوة ، إلا أنه يعنى منه أن "الجواهر الأول" هي التي لا تقبل من ناحية جوهريتها شدة وضعفاً . فهذا العين وذاك ، في إنسانيتها ، على نفس الدرجة .
بخصوص "الكمية" (5) وهي المقولة الثانية فهي تنقسم إلى كم منفصل وكم متصل الكم المنفصل هو كالعدد والمتصل مثل الخط والسطح . ينبه ابن حزم إلى أن العدد أيضاً يقع على الخط والسطح والجسم ((أو "الجرم" )) بل يزيد قائلاً بأن العدد يقع أيضاً على المكان إذ يمكن أن نقسمه ولو نظرياً لأجزاء نعدها . وكذلك يقع على الزمان المكون من أنات تعد . كذلك يقع العدد على النغم وعلى القول حيث يمكن أن ينظر للأخير بأنه مؤلف من مجموعة من المعاني أو مجموعة من الحروف .
يتساءل ابن حزم عما إذا كان من الممكن إدخال "الكيفية" في "الكمية" أو إيقاع الكم على الكيف كما يظن البعض . باعتبار أن البياض مثلاً يكون قليلاً أو كثيراً. وابن حزم ينكر ذلك لأنه يرى أن القول بأن البياض قليل يعنى أن السطح الذي يحمل اللون ضيق. فالكم إنما يقع على السطح . بالطبع رده مقنع إذا كان موقف من ينتقدهم هو بالضبط كما يعكسه المثال الذي يعطيه ابن حزم . لكن إذا كان موقفهم هو محاولة لتكميم الكيف ، فهي بلا شك محاولة تتفق مع أسلوب الفيزياء الحديث في النظر إلى الكيفيات ، والتي تعالج رياضياً وتخضع تبعاً لذلك للعدد .

ينكر ابن حزم أن يكون للكمية ضد (1) . إذ لا نقول بان للشبر (الكم المتصل) ضد هو الفتر فهما مقياسان مختلفان لا غير . وكذلك فليس للعدد "2" ضد إلا أن يكون "-2" . والظن أن ابن حزم ومعاصريه الرياضيين لم يعرفوا أو لم يقبلوا "-2" كعدد . لكن ما القول في "الصغير" أليس هو ضد "الكبير" والاثنان مقياسان للكم ؟ رأى ابن حزم أن "الصغير "و "الكبير" يدخلان في مقولة الإضافة . لان الصغير إنما هو صغير بالإضافة أو بالنسبة لشيء أخر هو اكبر منه وليس الصغير صغيرا في ذاته والكبير كبير في ذاته "إذ ليس في العالم شيء كبير بذاته ، ولا صغير بذاته "(2) .

كذلك لا تقبل الكمية في رأي ابن حزم الأشد والأضعف ، إذ لا نقول إن هذا العدد خمسة الذي كتبناه اشد أو اضعف في خمسيته من عدد خمسة أخر كتبناه في وقت سابق مثلا (3) والكميات كلها تخضع هي نفسها للتكميم . فأي عدد تذكره يمكن أن تحدده بأنه مساو لأعداد غيره ، كالعشرة المساوية للثمانية زائد اثنين أو أن تقول بان العشرة غير مساوية للثمانية . وعلي هذا فليس الواحد عددا ، لأننا لا نستطيع أن نحدد كمه بالرجوع إلى أي عدد أخر غير نفسه . بالطبع يمكن تكسير الواحد ونقول انه مساو لـ ½ + ½ لكن ابن حزم يري انك " إذا قسمته لم يكن واحد بل هو كسير حينئذ "(4).

ينتقل ابن حزم بعد ذلك "للكيفية"(5) ويري أنها الأحوال التي تتعاقب على كل الأشياء أو الأعيان سواء كان لها نفس (كزيد مثلا) أو كانت جمادا كالحجر . بعض هذه زائل لا يبقي كالصفرة في لون الوجه الآتي عن خوف . وبعضها يدوم كصفرة الذهب . بالطبع لا يعني دوام الكيفية أنها جوهرية فبعض الأعراض يكون لازما في رأي "الفلاسفة"(6)

يقول ابن حزم بأننا لو استثنينا الجوهر فان باقي المقولات التسع يمكن اعتبارها كيفيات (1). قد نوافق على ذلك لو فهمنا "الكيفية"بأنها "الصفة" بمعني عام . يمكننا مثلا أن نعتبر الإضافة أو النسبة صفة للشيء . فكون هذا الكرسي علي يمين كرسي أخر مثلا صفة أو عرض له . لكن لا يعني هذا عدم وجوب التمييز بين الأعراض (2) وهذا هو أيضا موقف ابن حزم . فابن حزم يحدد المراد "بالكيفية" (التي هي المقولة الثالثة هذه ) بأنها الجواب علي السؤال بكيف. (3) إذ لو سالت كيف هذا؟ لا يمكن أن يكون جوابك: أمس, أو سبعة اذرع, أو في الجامع. لكني لا أري أن هذه الطريقة في تحديد الكيف دقيقة تماما, إذ قد تجيب علي السؤال بقولك: "جالس" وهذا يدخل في "الوضع" وهي مقولة منفصلة عن "الكيف".

بعض الكيفيات جسمانية كاللون والطعم مثلا. وبعضها نفسانية كالعلم والجهل والحمق والذكر والتوهم الخ.(4) يعدد ابن حزم أنواع كل من هذه ويقسمها حسب التقسيم المعروف عند "الفلاسفة". يحدد ابن حزم خصائص الكيفية بأنها تقبل التضاد (فالأبيض ضد الأسود) كما تقبل الأشد والأضعف إذ هناك علم شديد وضعيف مثلا وهكذا.

ينتقل بعد ذلك لمقولة "الإضافة"(5) وهي في عرفه نسبة شيء إلى أخر ، أو باختصار هي العلاقة "وبالجملة فان الأوائل لما رأوا شيئين لا يثبت احدهما إلا بثبات الآخر وان ضم كل واحد منهما إلى صاحبه (نتج) معني ثالث غيرهما فجعلوا ذلك المعني رأسا من روؤس المقولات وهو الإضافة "(6) يعطي ابن حزم تمييزا هاما بين نوعين من المضاف (الذي هو احد أطراف العلاقة)(7) فبعض المضاف يكون نظيرا "كالأخ" إذ لا يكون س أخا لـ ص إلا وكان ص أخا لـ س فالإخوة علاقة منعكسة . لكن بعض المضاف يكون غير نظير "كالأب" الذي هو س مثلا فهو أب لـ ص لكن ص لا يكون أبا لـ س بل ابنه. فالأبوة علاقة غير منعكسة .

يقول ابن حزم بان "الإضافة تقع في جميع المقولات "(1) فالكم إنما هو كم لشيء ، والمكان مكاناً لمتمكن وهكذا . ثم يقول "وكذلك قالت الأوائل أن الإضافة موجودة في المقولات كلها بالعرض لا بالطبع أي أنها ليست موجودة في اقتضاء اللفظ لها "(2) . وهو يشرح ذلك ويقول أن من الخطأ القول "الطائر بالجناح طائر" فهناك من الحيوان ما له جناح ولا يطير كالنعام . كذلك نسمي حيوانا ما طائرا رغم إصابة جناحه وعدم استخدامه له. لكنا نقول "ذو الجناح بالجناح يكون ذا جناح" . وهو ينتقل من هذا ليبين خطأ من يري أن الله لكونه فاعلا فهو جسم لان الفاعل هو لأجل فعله جسم . والصواب القول أن الفاعل بالفعل فاعل . وعلى هذا فهو يخطئ من يقول أن الحي إنما هو حي بالحياة وسميع بالسمع فليس هو حي وسميع بعرض يعرض له وهو الحياة أو السمع .

يتكلم ابن حزم في الزمان وهو في رأيه نسبي أو مضاف إذ بدون الجسم (أو الجرم) لا يكون الزمان وبدون زمان لا يكون جسم (3) . بمعني أن ما يجعل للزمان حقيقة كونه زمانا لشيء ما . أول ما نعرف من الأزمنة الحاضر . هذا ما نعي به أولا ومنه نعرف الماضي وذلك حين ينقضي الحاضر ، ثم المستقبل نعرفه بناء على تجربتنا الماضية في انقضاء الآنات . وهو يعيب على اللغة العربية نقصها في تمييز الحاضر من المستقبل كما ميزت الماضي . وهو يقول بان اللغة الأعجمية ميزت الحاضر والمستقبل "بصيغتين مختلفتين وذلك أوضح في البيان والإفهام "(4)على انه يسارع ويقول "إلا أن في العربية ، إذا أردت تخليص المستقبل محضا ورفع الأشكال عنه أدخلت عليه السين أو سوف فقلت سيكون أو سوف يكون فأتي المستقبل مخلصا مجردا . وان شئت زدت لفظا غير هذا وهو مثل قولك غدا أو بعد ساعة أو في ما يستأنف وما أشبه ذلك من الألفاظ "(5) .

يتحدث بعد ذلك عن مقولة "المكان ". والمكان بعضه يشكل الشيء الذي فيه (المتمكن) كالماء الذي يتشكل بشكل المكان الذي فيه . وبعضه يتشكل بشكل المتمكن كأن نضع جسما صلبا في سائل . فيأخذ السائل (المكان ) شكل الجسم . وهو لا يري أن المكان مفهوم مطلق تماما "إذ المكان والمتمكن من باب الإضافة ، فلا يكون متمكن إلا في مكان ولا مكان إلا لمتمكن "(1).
وعلي هذا ينكر وجود الخلاء كما فعل أرسطو . والسبب أن الخلاء بلا متمكن ولا مكان بلا متمكن . كذلك يعتقد مثل أرسطو بتناهي المكان. ذلك انه يري بان المكان يخضع للعدد "وكل ما وقع عليه الإحصاء بالعدد والكمية فتمناه ولا بد"(2) .

يشير ابن حزم بعد ذلك باختصار للمقولات الأخرى. فهناك "النصبة"(3) وهي "هيئة المتمكن في المكان كقيامه أو قعوده"(4) ثم "الملك" وهو "ما كان من الإضافة متملكا للجوهر كالأموال وما أشبهها وهذا حقيقة الملك. وهو مركب من جوهر مع جوهر وإضافة إلا ان بعض الأوائل ادخلوا في الملك قولك: لفلان يد ورجل وبه حرارة وما أشبه ذلك, وهذا عندنا قضاء فاسد"(5). بعد ذلك يشير "للفاعل" ويقصد به الفعل أي "تأثير يكون من الجرم المختار أو المطبوع في جرم آخر"(6) , ثم "المنفعل" وهو" المتهيئ لقبول الفعل الذي ذكرنا كالمحترق "(7)

التعريف :

رغم اعتراف ابن حزم بأهمية مبحث "المقولات"إلا انه كغيره من المفكرين القدماء اعتبرها قسمة عامة جدا فهو يسميها "أجناس الأجناس"(8) لذلك إن شئنا تحديد شيء كي نعرفه علينا أن نحدده باللجؤ إلى قسمة أخري أي باللجؤ إلى مفهوم "الجنس " و" النوع " و "الفصل"و "الخاصة"و "العرض" أي المفهومات التي شرحها فورفوريوس في "ايساغوجي". ليس في كلام ابن حزم حول هذه الأشياء جديد ، وبعض ما قاله فيها إعادة مرة أخري عند كلامه عن المقولات . لكنه يوضح في حديثه عن التعريف خطأ وقع فيه البعض من عدم فهمهم للفرق بين التعريف بالحد والتعريف بالرسم . وهو يري انك إذا أعطيت لمفهوم حدا فقد رسمته في نفس الوقت . لكن رسمك له لا يعني بالضرورة انك أعطيته حده أيضا "فكل محدود مرسوم وليس كل مرسوم محدودا "(1) وهو يشرح هذا ويقول "أن كل مميز شيئا عن شيء فهو إما أن يكون تميزه بتميز يوجد من أجناس وأنواع ، فيكون حدا منبئا عن طبيعة الشيء ، مميزا له مما سواه أو يتميز بتمييز يوجد من أعراض أو من خواص ، فيكون مميزا لشيء مما سواه فقط غير منبئ عن طبيعته "(2) . فإذا ميزت طبيعة الشيء فقد أعطيت حده وميزته عن غيره أي أعطيت رسمه وإذا ميزت الشيء عن غيره دون تحديد الطبيعة بل بإعطاء عوارض وخواص له فقد أعطيت رسمه دون تحديد حده (3) . وهو في النهاية يشير لتعريف الأوائل للحد والرسم ويقول بأن الحد عندهم "قول وجيز دال على طبيعة الموضوع مميزا له من غيره "والرسم" قول وجيز مميز للموضوع من غيره "(4).

وكمثال للحد يعطي تعريف الإنسان بأنه الجسد القابل للون ذو النفس الناطقة الحية الميتة وهو تعريف بالجنس (الحي) والفصل (النفس الناطقة) .أما مثال الرسم فهو تعريف الإنسان انه الضحاك أو الباكي . فهذا يميز الإنسان عن غيره من الحيوان وان كان لا يحدد طبيعته وهو كونه ناطقا اى عاقلا مثلا .(5)

بالنسبة للجنس فيعرفه بأنه اللفظ الذي يجمع تحته أكثر من نوع واحد مثل "حي"الذي يجمع تحته النوع الإنساني والنبات والحيوان غير الناطق (6) ، أما النوع فهو "كل جماعة متفقة في حدها أو رسمها مختلفة بأشخاصها فقط كقولك : الملائكة والناس"(7) .

أما الفصل فهو "ما فصل طبيعة من طبيعة"(8) أو" هو الذي تتميز به الأنواع بعضها من بعض تحت جنس واحد "(9) . أما الخاصة فمثل وصفك للإنسان بأنه الضحاك . فالإنسان ضحاك بالقوة أو بالفعل لذلك فهي صفة تخصه . لكن ما الفرق بين الخاصة والفصل ؟ يجيب ابن حزم أن الفصل هو "ما لا يتوهم عدمه عن الشيء الذي هو فيه إلا ببطلان ذلك الشيء فان النطق والموت أن توهم أنهما قد عدما من شيء لم يكن ذلك الشيء إنسانا البتة ، أما الخاصة فبخلاف ذلك ، ولو توهمنا الضحك معدوما بالكل جملة واحدة ، حتى لا يعرف ما هو ، لم يبطل الإنسان "(1). بخصوص العرض فقد شرحناه عند كلامنا عن المقولات وهو "يعم أنواعا كثيرة جدا "، ومنه ما يزول ومنه ما هو بطئ الزوال ومنه ما يدوم (2). وقد ذكرنا هذا التميز من قبل سواء بطئ الزوال ومثاله الصبا للصبي الذي يأخذ وقتا ليتحول إلى الرجولة .

ما بعد المقولات :

يطلق هذا العنوان في المنطق القديم عادة على مجموعة من الملاحظات الموجودة في كتاب "قاطيغورياس" لأرسطو والتي تأتي بعد انتهاء حديثه عن المقولات نفسها . والملاحظات التي يأتي بها ابن حزم هنا (3) مبنية على كلام أرسطو والمشائين وهي لا تخلو من إسهام نحو الوضوح اللغوي .

يشرح أولا معني "الغير" . نقول عن شيئين أنهما متغايرين إذا كان كل واحد منهما عين منفردة قائمة بذاتها . فالأعيان متغايرة من ناحية "الجوهر الأول، لكنها قد يدخل بعضها في نفس المجموعة من ناحية "الجوهر الثاني" . فالحمار والإنسان يدخلان في جنس الأحياء مثلا ، وان كان هذا الحمار الذي نشير له هنا والآن مخالف لإنسان يقف أمامنا نفس الوقت (4) . لكن لا يمنع إذا ميزنا عين معينة عن عين أخري ، وقلنا ان احدهما "غير"الآخر ، أن نجد بينهما "تماثلا " . فرغم أننا نميز هذا الدينار عن ذاك باعتبار إن كل منهما عين مخصوصة منفردة ، فإننا نجد بينهما تماثلا في اللون مثلا أو الحجم . في هذا الحال سنقول أنهما "أغيار أمثال"(5) . لكن لا يكون ذلك ضرورة . فهذا الدينار غير ذاك الدرهم لان كل منهما عين منفردة لكنا لا نجد بينهما تماثلا في صفة من الصفات الواقعية فهما إذن أغيار خلاف"(6) . بالطبع قد نقول أنهما يتماثلان في أنهما "حادثان" بالمعني "الفلسفي" مثلا بهذا المعني سيكون الله تعالي هو الوحيد الذي لا مثيل له .(7)

والاغيار قد تكون "أضدادا" كالسواد والبياض ، وقد تكون متنافية كالحياة والموت والحركة والسكون .(1) يعّرف ابن حزم الأضداد بأنها "كل لفظتين اقتسم معنياهما طرفي البعد وكان واقعين تحت مقولة واحدة وكان بينهما وسائط... كالسواد والبياض "(2) كذلك فالضدين لا يدركان إلا بحاسة واحدة (3) . أما المتنافية فهي" ما اقتسما أيضا طرفي البعد ولا وسائط بينهما وكان إذا ارتفع احدهما وقع الآخر "(4).

يعرف أيضا "التقابل" ويقسمه إلي تقابل في القول وهو الإيجاب والسلب ، وتقابل في الطبع كتقابل الأضداد والمتناقضات ( وقد ذكر من قبل) وتقابل المضاف والقنية والعدم.(5)

بخصوص المضاف فهو يقابل مضافا أخر إذا ارتبطا بعلاقة معينة فكان احدهما طرفا أول فيها والآخر طرفها الثاني .ولذلك يقول ابن حزم إن "ثبات كل واحد منهما بثبات الآخر "(6) . هذا عكس التقابل بين الضدين الذين يكون ثبات أحدهما نفيا للآخر كالبياض الذي ينفي السواد . بالنسبة للقنية والعدم فهو كالبصر والعمى (7). والقنية لا تضاف إلى العدم فلا نقول بصر العمى ، لكن العدم يضاف للقنية فنقول عمي البصر (8). لكن هل نعتبر القنية والعدم ضدين ؟ يجيب ابن حزم بالنفي (9) لان التضاد يكون بين أشياء موجودة كالبياض والسواد .لكن العدم لا يكون موجودا ، فالعلاقة بين القنية والعدم علاقة بين شيء موجود وآخر معدوم .

ليست هناك تعليقات: