06‏/08‏/2009

- اعتزال الكتابة


لما لا يستقيل الكاتب فعلا ويعتزل دسيسة الكتابة عند حد معين او تاريخ يحدده ، كما هو حال اعتزال لاعب كرة القدم مثلا .. الا يمكن ان تتحول متعة تسلية الكتابة الى حالة ادمان قد تستلزم فعلا وقفة من الكاتب مع نفسه ، واعادة تأمل موقفه..؟ وماذا فيما لو تحول الامر الى ظاهرة ، واصبحنا نشاهد ونسمع عن كتاب يعلنون عن موعد اعتزالهم الكتابة , الا تشكل هذه البادرة ظاهرة صحية ,,! ؟.... الجواهر النفيسة تأتي بعد لآى .. ولربما من الاجدى للكاتب ان يحتفظ بكتاباته في رأسهِ ، كي لا يضيّع الوقت في كتابتها ، ومن ثمّ يندمُ على نشرها.

قصة " اعتزال الكتابة " تذكّر بالروائي العالمي " غابريل غارسيا ماركيز " والجدل الذي اثير حول اعلان عزمه اعتزال الكتابة .. وايضا الى روائع من التراث الانساني خطها بقلمه .. وتذكر بروايته العظيمة " مائة عام من العزلة " ..التي عدت اهم رواية صدرت باللغة الاسبانية بعد رواية سرفانتس " دون كيشوت " . وبقصة قصيرة لماركيز " اجمل رجل غريق في العالم " قدمها : : " أ. لانا فارس قبق " و " د . فؤاد عبدالمطلب " الى العربية بلسان رائع ضمن مجموعة قصصية لماركيز " عاصفة الاوراق وقصص اخرى " . واعربا في المقدمة عن ثقل المهمة .. حمل الترجمة : " دون شك ان الترجمة ليست مجرد عملية نقل لغوي لعمل لغة في لغة اخرى ، فالترجمة عملية معقدة تنطوي بالاضافة الى سعة الاطلاع بلغتين على فهم للادآب والثقافة الحاملة لكل من هاتين اللغتين " .. الى شيء منها ..: " ليس الا رجلا غريقا ..وقالوا فيما بينهم : انه كذلك ربما لانه كان عائما لفترة طويلة في البحر، فقد تسربت الى عظامه . وعندما وضعوه .. المنزل بصعوبة كاد يتسع له ، مما جعلهم يعتقدون ان امكانية النمو بعد الموت قد تكون جزءا من طبيعة الغرقى .. بقيت النسوة بجوار الغريق ازحن الوحل عنه بمماسح مصنوعة من العشب .. وبينما كن يقمن بذلك لاحظن ان النباتات العالقة به قد أتت من محيطات بعيدة ذات مياه عميقة .. ولاحظن ايضا أنه يحمل موته بكبرياء ، لانه لم تكن على وجهه تلك النظرة الموحشة لبعض الغرقى الذين لفظهم البحر ، ولا تلك النظرة المنهكة المستغيثة لرجال غرقوا في الانهار .. لم يكن لديهن ما يكفي من قماش الاشرعة . فكان سرواله الذي فصل على عجل ، وخيط بشكل سيىء ، ضيقا جدا ، كما ان القوة الكامنة في صدره كادت تقطع الازرار في قميصه .. واستطعن تخيله وهو حي ، وقد حكم عليه ان يدخل من الابواب بشكل جانبي ، فيصطدم راسه بالعوارض الخشبية . ويبقى واقفا اثناء الزيارات لا يعرف ماذا يفعل بيديه الناعمتين المتوردتين الضخمتين بينما تهم سيدة المنزل بالبحث عن كرسي اكثر مقاومة ، وترجوه .. فيبتسم وهو مستند الى الجدار : ! لا تهتمي سيدتي ، انني استريح هكذا ! .. ولا تهتمي يا سيدتي فأنا بخير حيث انا ! ويقول هذا فقط ليتجنب احتمال كسر الكرسي عندما يجلس عليه ، فهو قد يعلم أبدا أن اؤلئك الذين كانوا يقولون لا تذهب .. هم انفسهم يهمسون فيما بعد : يا لطيف اخيرا غادر ذلك المغفل الظخم .. هناك حيث الرياح الهادئة .. هناك تسطع الشمس باشاعتها الذهبية ، فتحتار أزهار دوار الشمس ، فلا تعرف الى اية جهة تستدير "
--------------

غابريل غارسيا ماركيز ، عاصفة الاوراق وقصص اخرى ، ت . أ . لانا فارس قبق ، د . فؤاد عبدالمطلب ، دار التوحيدي للنشر ، سوريا ، حمص .

هناك 5 تعليقات:

غير معرف يقول...

على سيرة اعتزال الكتابة اردت ان تكون مساهمتي تذكير بما قيل حال اعلان الروائي العالمي " ماركيز " للكتابة ..

ماركيز..القديس يعتزل الإبداع
01 يناير 1970
أحمد ندا- قلم رصاص

خبر صغير مر على الكثيرين مرور الكرام، في زحمة الأخبار المدوية هنا وهناك، داخل ميادين الحرب الشرسة والقوة الغاشمة، إلى ساحات سباقات التسلح النووي، إلى غيبوبة أرباب الجنود وقوادهم الذين عسكروا الحياة..

يقول الخبر الصغير: "إن الكاتب الكولومبي العالمي الذي صاغ أسطورة أمريكا اللاتينية في الكتابة الواقعية السحرية "جابرييل جارسيا ماركيز" قد أعلن توقفه عن الكتابة، والسبب أن الإلهام قد توقف، مما يعني أن منهل إبداعه الثري لم يعد وافرا!"

وهو يعلن ذلك بكل بسالة..فكما أعلن جنرالات رواياته وخاصة روايته العالمية "مائة عام من العزلة" انسحابهم من المعركة، وتسليمهم بأن الحياة تسير قدما بالحرب أو بالسلام، وما هي إلا لعبة حرب أو سلام..أعلن ماركيز بكل بسالة أيضا توقفه عن الكتابة في الثامنة والسبعين من عمره المديد.
أعماق ماركيزفي تصريحه المفاجئ، لصحيفة إسبانية، يقول ماركيز: "إن تجربتي تؤهلني لكتابة رواية جديدة بدون مشكلة، لكن قرائي سيجدون أنها ليست نابعة من الأعماق"، فهل كان ماركيز يشير بذلك إلى روايته الأخيرة "ذكريات عن عاهراتي الحزينات" التي تعرض بسببها إلى نقد قاس وجارح في فرنسا وبريطانيا وكولومبيا؟

هذه الأعماق التي أشار إليها ماركيز هي التي كتب من خلالها رواياته، بداية من روايته الأولى "الأوراق الذابلة" وهو في الثالثة والعشرين من عمره، مستلهما هذه الرواية من قصة افتتان أمه لويسا سانتياجا -التي تعلمت كل ما يجب أن تتعلمه الفتاة بدافع الطاعة والانصياع- بحب عامل التلغراف الشاب الذي هو والد ماركيز، منجبة أحد عشر فردا ربتهم مع أربعة من أبناء زوجها، متجاوزة بنفسها وعائلتها كل المحن التي عصفت بمسيرة حياة حافلة بالأمراض والأوبئة والحروب الأهلية، لقد ربتهم بالأظفار وبمزاج مستقل سعيد كما يقول ماركيز، كما أنها لم تستسلم أبدا لعدو بغيض هو الفقر، ولم تتمكن من هزيمته أيضا، حتى وصلت إلى عيد ميلادها السابع والتسعين.

ومن نفس المنطلق توالت رواياته بعد ذلك "مائة عام من العزلة"، "الحب في زمن الكوليرا"، "سرد أحداث موت معلن"..فكل رواية من تلك الروايات حفظت له مكانا متميزا في سجل الرواية العالمية، لينال عن استحقاق جائزة نوبل للأدب عام 1982.
سمات المبدعأن يمتلك الكاتب والمبدع جرأة وبسالة ماركيز ليعلن على الملأ توقف إلهامه عن الإبداع، فهذه من سمات هذا الكاتب الذي عرف تضاريس الواقع فحوّله إلى عالم سحري، لقد كان ماركيز في إبداعه المختلف ككاهن القبيلة، هو الذي رأى ليروي ما عاش ورأى، سواء بالخيال أو بالحواس، كقديس مر بتجربة الولادة فالتحول إلى إنسان كوني مستنير، تمركزت روحه ضمن شروط المبادئ العميقة للإنسانية، والتي أنتجت لنا تجربة إبداعية تصلح أن تكون منطلقا لتحديد معاني الحياة التي يراها ماركيز فيما يتذكره الإنسان وليست ما يعيشه، ثم لتكون في المحصلة فيما يرويه.
اعتزال سابقالأدباء لا يعتزلون الكتابة، والتقاعد ليس من شيمهم، وإن تسرّع أديب أو اضطر واعتزل، فإنه إما يتراجع أو ينهي حياته بيده..إن مصرع أرنست هيمنجواي ليس ناتجا عن خطأ وهو ينظف بندقية الصيد كما يزعم البعض، بل نتيجة إطلاق الرصاص على نفسه حينما شعر بعدم مقدرته على الإبداع.

هناك من يفتقر إلى الإبداع ويبقى يكتب لمجرد الاستمرار، وهناك من يشعر بالخوف والمرارة وينطوي ويذبل، وقلة تبقى نضارتها حاضرة، الكتّاب لا يتقاعدون إلا قسرًا، نجيب محفوظ اعتزل ذات يوم، ومنذ خمسين سنة، فبعد أن كتب محفوظ ثلاثيته الرائعة الشهيرة قرر اعتزال الكتابة معتقدا أنه كتب كل ما عنده، واستمر هذا الاعتزال مدة سبع سنوات قضاها محفوظ في القراءة والتأمل والتفكير، ثم جاءت انطلاقته الروائية الكبيرة..جاءت "ثرثرة فوق النيل" و"الحرافيش" و"ميرمار" و"أولاد حارتنا" وغيرها.. وظل يكتب حتى أيامه الأخيرة، وبرهن نجيب محفوظ أن الكاتب يعيش ليكتب..يعيش ليحكي.. يعيش ليقص.

وأخيرا جاء جابرييل جارسيا ماركيز لكي يعلن انسحابه، لكني أقول لا بد أنه عائد.

وما يدعوني إلى قول ذلك أن ماركيز كتب كثيرا.. وأعطى كثيرا، لذا فإن إعلانه غير طبيعي..والقراء ما زالوا ينتظرون أجزاء أخرى من السيرة الذاتية "أن تعيش لتحكي"، لذا أراهن أن سيعود قريبا..وما هذا التصريح إلا نوع من الخوف الإنساني من القارئ ومن الناقد..ولعله إعلان دعائي لعمل أدبي جديد.

ألستم معي.. في أنه لا بد عائد ؟

غير معرف يقول...

ما الذي يدفع كاتب - أي كاتب - الى اعتزال الكتابة؟ يمكن أن نقترح حفنة أجوبة:


1 - يكتشف الكاتب - في لحظة إلهام نادرة - ان ما يكتبه بلا قيمة. يكتشف انه لم يُعطَ ان يكون حقاً كاتباً. يكتشف ان ما يكتبه غير مميز. يكتشف أن ما يصنعه لا يزيد عن تسويد الورق الأبيض بالحروف. يكتشف شيئاً شكَّ في انه حقيقي دائماً. لكنه في هذه المرة يواجه الحقيقة بشجاعة. اكتشف ان ما يكتبه بلا قيمة، فقرر ان يعتزل الكتابة. هذا أمر نادر الحدوث. ان كاتباً يصل في أفكاره الى هذه المشارف هو في أغلب الظن كاتب حقيقي. كاتب عنده ما يكتبه. اعتزاله الكتابة خسارة إذاً.
2 - جواب آخر معقول، أو على الأقل معقول أكثر من الجواب السابق: يكتشف الكاتب أن نبع الابداع جفّ في أعماقه. يكتشف انه منذ هذه اللحظة لم يعد عنده ما يقوله. قبل زمنٍ بعيد كان يكتب أدباً، بلى. لكنه منذ فترة بات عاجزاً عن الكتابة. وإذا كتب لا يشعر بالرضى. هذا هو بالضبط احساسه: لم يعد قادراً على الكتابة كما كان يكتب في الماضي. وهكذا يقرر ان يعتزل الكتابة. العالم مملوء بالكتب الشنيعة، لماذا يُضيف الى الركام كتاباً؟
3 - ينتبه الكاتب، بعد عدد لا يحصى من الخيبات، ان احداً لا يقرأ ما يكتبه. يكتشف ان مؤلفاته يغطيها الغبار في المستودعات. يقدر أن يتخيل كتباً في صناديق كرتون، ويقدر أن يتخيل الفئران تسرح في الظلام بين الصناديق الثقيلة. ينتبه الكاتب ان العالم لا يدري انه موجود. هذا الكاتب ليس بالضرورة عربياً. مع ان كل كاتب عربي تنتابه هذه الأحاسيس، حتى من دون أن يقرأ تقرير التنمية البشرية.
يكتشف الكاتب ان تعبه يذهب هدراً. ان عمله مصيره الظلمات. كل هذا التعب الذي يتعبه! مثله مثل امرأة تلد طفلاً ثم ترمي طفلها في البحر! لماذا رمت الطفل الحبيب في البحر؟ لماذا رمت المرأة طفلها؟ هكذا يشعر الكاتب الذي لا يقرأ مؤلفاته أحد. انه يرمي كتباً الى العالم كمن يرمي أطفالاً الى البحر! يدرك الكاتب هذه الحقيقة فيعتزل الكتابة. هذا كاتبٌ أحبطه العالم. واسمه قد يكون هرمان ملفل.
4 - يرى الكاتب ان الشهرة تنهكه. نشر رواية أو روايتين فاكتظت حوله وسائل الإعلام وطاردته حيثما ظهر. يجد الكاتب كل هذا الاهتمام الاعلامي مرهقاً، قاتلاً. هو يحب الكتابة، ويحب عزلته. بلا عزلة، كيف يكتب؟ هذا الكاتب يدير ظهره للعالم ويمضي الى صومعة. قد يكون اسمه ج. د. سالنجر. هل يكتب في صومعته من دون أن ينشر ما يكتبه، هناك، في الخارج، في العالم الكبير؟ ربما. لا أحد يعلم. لكنه، في أغلب الظن، كفّ عن الكتابة.
5 - ينظر الكاتب الى أقرانه، يتصفح ما يؤلفون، ويفكر انه، مثل صامويل جونسون، لا يحب معاصريه. يكتشف انه لا يحب هذا التهالك على الكتابة. كل عمره أراد التميز: ألا يكون شبيهاً بالآخرين! أراد - كل حياته - أن يكون هو. أن يكون ذاته. ما دام البشر جميعاً قد تحولوا الى كتاب (انظروا كل تلك الكتب!) فإن الخيار الوحيد المتاح أمامه - للتميز - يكمن في اعتزال الكتابة. وهكذا يعتزل الكتابة.
6 - يقرر الكاتب ان ما كتبه يكفي ويزيد. يمدّ رجليه، يشرب شاياً حلواً طيباً، وينظر الى السماء. بعد الآن لن يكتب. تعب كثيراً. وجاء وقت الراحة. أرهقته الكتابة.
المفارقة
كل الأجوبة السابقة تُختصر الى جوابين. هناك سببان يدفعان الكاتب - أي كاتب - لاعتزال الكتابة:
1 - عنده مشكلة مع الكتابة.
2 - عنده مشكلة مع العالم.
والمفارقة انه في احد هذين السببين يكمن السرّ الغريب الذي يدفع الكاتب - أصلاً - الى الكتابة.

غير معرف يقول...

الكتابة حياة... وموتاً

ماركيز
عبده وازن

..الحافز على الكتابة يظلّ غامضاً مهما سعى الكتّاب الى تفسيره نظرياً، وقد لا يخلو من نزعة غريزية تكمن في سريرة هؤلاء الأشخاص الذين لا يستطيعون أن يحيوا خارج الأوراق والحبر.

.. الكتابة فعل حياة حتى وأن كان الموت موضوعها في أحيان. .

يصعب فعلاً على كاتب .. أن يعتزل الكتابة، مهما تقدم به العمر ومهما اشتد عليه المرض. ولئن كان يدرك جيداً أن ما يكتبه ليس في حجم ما كتبه سابقاً، وأن روايته الأخيرة «ذاكرة غانياتي الحزينات» لا تضاهي أعماله السابقة، فهو سيظل ممسكاً بالقلم أو بالأحرى جالساً الى «الآلة» يمرّر عليها أصابعه، خالقاً كعادته عالماً طريفاً من الوقائع والشخصيات... فالكتابة لديه ليست عادة يومية فقط لا يقدر على الخروج عنها، بل حاجة ملحّة مثل الماء والهواء، ومن دونها لا يقدر على مواصلة الحياة ولو شبه مقعد أو منعزلاً.

قال الكاتب الأرجنتيني بورخيس مرّة: «لا أستطيع أن أتوقف عن الكتابة. إنني لطالما أدركت أن قدري كان قدراً أدبياً، كقارئ وككاتب متهور أيضاً». بورخيس الذي أصابه العماء في منتصف العمر لم يستطع أن يعتزل الأدب، قراءة وإبداعاً، وآثر أن يقضي ما تبقى له من أعوام طوال، منصرفاً الى هاتين «الحرفتين» اللتين أجادهما تمام الإجادة، جاعلاً من القراءة فعلاً إبداعياً يوازي الكتابة نفسها.

لو سألنا أي كاتب: «لماذا تكتب؟» هل يمكنه أن يجيب على هذا السؤال جواباً شافياً ونهائياً؟ حتماً لا. ومهما مضى بعض الكتّاب في الشرح والكلام النظري تظل أجوبتهم شبه ناقصة. فالكتابة أمر والكلام عنها أمر آخر. هذا سرّ من أسرار الكائن الذي يُسمّى الكاتب. سرّ يكمن في روحه مثل بقية الأسرار التي لا يمكن فهمها علمياً أو عقلانياً. الكتابة هي صنو الحلم والغريزة والحبّ والكراهية والحدس والموت... أمر لا يلمّ به إلا مَن يعيشه أو يكابده بالأحرى، ومهما حاول توضيحه يظل محاطاً بهالة من الغموض الذي يرقى الى غموض الكائن نفسه.

يصرّ الشعراء والروائيون وسواهم على الكتابة حتى الرمق الأخير. يشعرون أنّ لديهم الكثير مما لم يقولوه، ويحسّون أن الزمن يمضي بسرعة وعليهم أن يسابقوه لئلا يغدر بهم. يكبونّ على الكتابة من غير هوادة وهمهم أن يجابهوا إيقاع الزمن وأن يسبقوه. وفي مثل تلك اللحظات لا ينتبهون الى أن «السباق» هنا ليس إلا ضرباً من العبث.

لا أذكر من قال: ليس المهم متى نبدأ بل المهم متى ننتهي. وقد يمكن تحريف هذه الجملة حتى تصبح: ليس المهم كيف نبدأ بل المهم كيف ننتهي. النهاية فعلاً أشدّ صعوبة من أي بداية. يبلغ الشاعر أو الكاتب ذروة إبداعه ثم لا يلبث أن يتراجع ليصل في أحيان دركاً لا يليق به. لكنّه يصرّ على الكتابة حتى وإن انتهى مقلّداً نفسه أو مقلّداً مقلّديه، وهنا الطامة الكبرى. يعرف الكاتب متى يبدأ وكيف، لكنّه يتجاهل متى ينتهي وكيف. التوقف عن الكتابة موت أشد وطأة من الموت الحقيقي. هذا أمر يجب الاعتراف به. كم من مبدعين كبار دفعوا ثمن هذا الإصرار على الكتابة. بل كم من مبدعين أساءوا إلى أنفسهم والى تاريخهم نتيجة إصرارهم على الإبداع حتى وإن أصبح مجرّد تقليد أو محاكاة أو اجترار أو تكرار...

أعلن الشاعر العراقي بلند الحيدري في الثمانينات اعتزاله الكتابة، وكان لقراره الجريء وقع طيّب في الوسط الأدبي، فهو كان ربما أول شاعر يقرر حينذاك الخلود الى الصمت، ويعترف أنّ لم يبق لديه ما يقول او يكتب. ولكن لم يمضِ عام أو أكثر حتى عاد، وبحماسة غير مألوفة. وراح يصدر الديوان تلو الديوان حتى بات ممكناً الكلام عن مرحلة ما قبل «القرار» ومرحلة ما بعده. ولم تلبث «قضية» بلند الحيدري أن أصبحت بمثابة المثل الذي يُضرب في هذا الصدد، ليس في سبيل السخرية بل «الحجة» ذات الدلالة البيّنة.

ما من شاعر أو كاتب يجهل متى عليه أن يصمت، فالصمت يحين مثلما يحين أي أمر قدريّ، لكن هذا الشاعر أو الكاتب يعرف يقيناً أنه إذا صمت انتهى أو مات، فيما هو على قيد الحياة. الاعتزال صعب جداً وقاهر جداً وأليم... أن يعتزل المبدع «حرفة» لم يزاول سواها طوال حياته، حرفة التصق بها حتى أصبحت حافزه على الحياة، ومبرراً لوجوده... هذا ضرب من ضروب الموت حقاً. هكذا تظل الكتابة أجدى مهما فقدت من ألقها أو شحبت وهزلت. أتذكر هنا ما كان يقوله بعضهم ساخراً: توفّي الشاعر الفلاني قبل أعوام لكنّ خبر وفاته وصل الآن. فعلاً كم من شعراء أو كتّاب ماتوا قبل أن يوافيهم الموت الحقيقي، ماتوا أو بالأحرى «أماتوا» أنفسهم - لئلا أقول انتحروا - وهم على قيد الحياة، طامحين الى الخلود، خلود الحياة الذي ليس إلا وهماً بوهم.

العبرة يمكن استخلاصها من بورخيس، هذا الكاتب الكبير، ومفادها أن الكاتب إذا لم يبق لديه ما يقول، يستطيع أن يصبح قارئاً، فالقراءة فعل إبداع مثلما الكتابة فعل ابداع.

(الحياة

غير معرف يقول...

النهار البيروتية - الملحق الثقافي اليوم -شوقي نجم

بعضهم يعتزل الكتابة وبعضهم ما كان يجب أن يكتب ...

قبل مدة، اعلن الكاتب الكولومبي غبريال غارثيا ماركيز اعتزال الكتابة، على الاقل في الوقت الحاضر. قال: "لم أكتب حرفاً واحداً عام "، لكنه همس في أذن محدّثه أنه "يمرّ بحالة إبداعية خاصة". فجّر اعلانه نقاشا بين الكتّاب والنقاد ووالصحافيين، بعضهم كتب عن "إرهاب الورقة البيضاء"، وبعضهم الآخر وجد في الاعلان أمثولة للكتّاب الاخرين، وسأل: أما من كاتب عربي يقول أنا تعبت؟

يسحرنا ماركيز بوقع كلامه، كما يسحرنا بواقعيته السحرية، وبرواياته، وصمته، ومواقفه السياسية. انه صاحب صوت خاطف للألباب. في موقفه الاخير، كان صادما بامتياز، وهو أخذنا الى السؤال الذي طالما راود الخلاّقين: هل يعتزل الكاتب على نحو ما يفعل الممثل او لاعب كرة القدم او الموظف، او ان الكتابة تبقى لوثة الكاتب حتى رمقه الاخير؟

ماركيز في تصريحه لم يعتزل الكتابة، على ما اشيع، لكنه كان يعيش لحظات تأمل منتظراً اللحظة التي تنضج فيها الثمرة. ربما لان كتاباته تشبه حياته، وتصريحاته تشبه اللحظة التي يعيش فيها. فهو لا يبني آمالا على اوهام مستقبلية، ولا يطمح الى الخلود على نحو ما يفعل بعض شعراء العالم العربي. بعدما اكتشف إصابته بمرض السرطان عام 1999، قرر "اعتزال الحياة العامة"، وبعد روايته "ذكرى غانياتي الحزينات" قرر "اعتزال" الكتابة. بعد عام 1999 قرر ان يظل بعيدا عن الأضواء، إلا أنه من دون شك لم يقرر اعتزال الحياة، بل على العكس، قال إن هذه فرصة لكتابة مذكراته التي صدر منها "عشت لأروي".

رغم مرضه بقي غابو محافظاً على نشاطه اليومي على نحو منتظم: يصحو في الخامسة صباحا، ويبدأ بقراءة كتاب حتى الساعة السابعة، ثم الصحيفة، ويردّ على رسائله الإلكترونية، وفي العاشرة تماما يجلس وراء مكتبه ليكتب حتى الثانية والنصف بعد الظهر حين يتناول الغداء مع أسرته. أما المساء فيخصصه للمقابلات، والجلوس مع الأسرة والأصدقاء.

خرج ماركيز من عزلته الإعلامية عام 2000 لينفي صلته بما قيل إنها وصية كتبها، ووزعت على صفحات الإنترنت، واعتبر ان ما تضمنه "الوصية" من إحساس بالرثاء للذات بعيد كل البعد عن إحساسه الحقيقي. ورغم تكذيبه أن يكون كتب هذه الوصية فإن كلماتها تبدو قريبة من روحه: "لو نسي الرب لثانية واحدة أني مجرد دمية من أسمال، وأهداني من الحياة قطعة، فسوف أنام أقل، وأحلم أكثر، واعياً أننا في كل دقيقة نغمض أعيننا، نفقد ستين ثانية من النور. وسوف أسير عندما يتوقف الآخرون، وأستيقظ حين يرقدون، وأسمعهم عندما يتكلمون، وأستمتع جدا بلذة آيس كريم الشكولاتة! إن وهبني الرب من الحياة قطعة فسأرتدي ملابس بسيطة، وأستلقي تحت الشمس. ربي، إذا حزت من الحياة قطعة، فلن أدع يوما ينقضي بدون أن أخبر من أهواهم بأني أهواهم، وسأثبت للرجال مدى خطئهم حين يفكرون أنهم سيكفّون عن الحب عندما يشيخون، من دون أن ينتبهوا إلى أنهم يشيخون حين يتوقفون عن الحب".

يوم نشرت الوصية المزوّرة سارع كثيرون الى الكتابة عنها، والامر نفسه عندما شاع خبر اعتزاله. قال: "ان تجربتي تؤهلني لكتابة رواية جديدة بدون مشكلة، لكن قرائي سيجدون أنها ليست نابعة من الأعماق". يسأل بعضهم هل كان ماركيز يشير بذلك الى روايته الأخيرة، "ذكرى غانياتي الحزينات" (2004) التي تعرض بسببها للنقد القاسي في فرنسا وبريطانيا وكولومبيا؟

غير معرف يقول...

النهار البيروتية - الملحق الثقافي اليوم -شوقي نجم

معتزلون والأسباب شتّى

ليس ماركيز وحده من اعتزل الكتابة في التاريخ، فقد تحدث الادباء كثيرا عن اسطورة "صمت رامبو"، وفي الخمسينات من القرن الماضي أنجز الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ ثلاثيته فقرر اعتزال الكتابة معتقدا انه كتب كل ما عنده. واستمر هذا الاعتزال سبع سنوات أمضاها محفوظ في القراءة والتأمل، ثم جاءت انطلاقته الروائية الجديدة، وكتب "ثرثرة فوق النيل" و"الحرافيش" و"ميرامار" و"اولاد حارتنا". وفي العام 2003 فاجأ الصحافي محمد حسنين هيكل القراء في العالم حينما كتب "استئذان في الانصراف. رجاء ودعاء. وتقرير ختامي". يقول هيكل في كتابه إنه فكر قبل ذلك أكثر من مرة في اعتزال الكتابة. كانت المرة الأولى يوم وفاة عبد الناصر، أي في 28 ايلول 1970 ، اذ أدرك أن العهد الجديد لن يعامله مثلما عامله وأحبه عبد الناصر. والمرة الثانية عام 1999 بعدما تعرض لإصابة كليته بالسرطان وعولج منه في الولايات المتحدة.

وعاد هيكل في العام 2005 ليحكي تجربة حياته في فضائية "الجزيرة" في مسلسل طويل، قال بعضهم انه انتقل "من الكتابة الى الثرثرة". على ان الظاهرة الغريبة كانت اعتزال الكاتب المصري سيد القمني بالاكراه، اذا جاز التعبير، بعدما تلقى تهديدا عبر البريد الإلكتروني من رجل يطلق على نفسه اسم "أبو جهاد القعقاع". الرسالة الإلكترونية حذّرت القمني من القتل إذا لم يعلن أنه متبرىء من كل ما كتب! وأكد صاحب الرسالة تحذيره: "لن نكرر تهديدنا مرة أخرى ولن تنفعك حراسة خاصة أو إجراءات أمان"، ومضى ممعناً في تهديداته، مؤكداً أن ثمة طرقاً لا حصر لها لاختراق أي نظام حراسة سيتبعه القمني، تعتمد على تفخيخ السيارات، أو طلقات نيران القناصة من أماكن غير متوقعة.

كان الترهيب الالكتروني سببا في اعتزال سيد القمني. قصة اشبه بفيلم رعب لم يُعرض بعد، وعنوانه "اذ تكتب تموت". قال الكاتب انه لن يكتب بعد التهديد. اما ستيفن كينغ فله قصة اخرى مع الكتابة، اذ قرر اعتزالها بعد أن تصدر كتبه الخمسة المقبلة، محددا موعدا للتوقف عن الكتابة، كما يحدد لاعب الكرة سنة اعتزال اللعبة. لا يربط الأمر بعجزه بل بإنتاجه. انه الكاتب الذي يتعامل مع الكتابة الروائية في وصفها مهنة وليست إلهاما، فهل يستطيع الكاتب ان يكون على هذا النحو؟ ستيفن كينغ من أشهر كتّاب روايات الرعب في أميركا حاليا وأكثرهم مبيعا، ويبدو كأنه يفتح الباب أمام التراجع عن القرار وخصوصاً أن إتمام الكتب الخمسة يتطلب عامين على الأقل بحسب تقدير كينغ نفسه. وقد نشر خبر اعتزال كينغ في حوار أجرته معه جريدة "لوس أنجلس تايمز" وقال فيه: "لا أحب أن أسمع النقاد يشتمون أعمالي في آخر أيامي. هذا هو أسوأ كابوس.

عندما يجد الكاتب أنه قدّم كل شيء يكون أمام خيارين: أولهما أن يكرر نفسه ويعيد كتابة أعماله، وثانيهما أن يعتزل ويقول: تركت اللعب عندما كانت الكرة في يدي ولم أكن أنا أسيرا للكرة.

يُرجع الناقد عبد السلام باشا قرار ستيفن كينغ الى الفشل الذي دق بابه لأول مرة منذ عام تقريبا عندما تحدى قوانين السوق وناشره وطبع الجزء الأول من رواية كان يكتبها في ذلك الوقت على الانترنت فحسب. كانت الرواية متاحة أمام كل القراء، لكن كينغ طلب أن يدفع كل واحد منهم طواعية مقابل قراءة الجزء الأول من الرواية لكي يستطيع الانتهاء منها. وكان هذا المقابل يعادل دولارين تقريبا. لكن صدمة كينغ في قرائه كانت كبيرة، إذ لم يدفع سوى نصف الذين قرأوا النص تقريبا. ولم يستكمل الرواية وقام بسحبها من على شبكة الانترنت. هذا في وقت كانت دار النشر التي تطبع أعماله تؤكد أنها رهن إشارته لو احتاج لمساعدتها في نشر الرواية على الانترنت وبدون مقابل. وتوقع الكثيرون أن تفشل التجربة، وتحداهم كينغ، لكنه كان الخاسر الوحيد في هذه المباراة. وكان يقول إنه قام بهذه التجربة لكي يقلل من تكلفة شراء الكتاب بالنسبة الى القارئ، اذ يبلغ متوسط ثمن الكتاب في الولايات المتحدة عشرين دولارا، في حين ان هذه التجربة في حال نجاحها وإتمام الكتاب، كانت ستكلف القارئ ستة دولارات فقط.

بعد ثلاثة أسابيع من تصريحات كينغ الصحافية وصلت ألوف الرسائل إلى موقعه على الانترنت تتساءل عن حقيقة الخبر وهل يعتزل الكتابة بالفعل. فكانت إجابته لا تختلف كثيراً في مضمونها عما قاله من قبل، وإن كانت الكلمات مختلفة في ترتيبها. اذ نشر في موقعه الخاص على الانترنت: لا يزال لديّ ما يكفي من المشاريع لكي أظل مشغولا خلال العامين المقبلين. وبعد ذلك قد أتخذ القرار النهائي.

منتهى القول ان بعضهم يعتزل الكتابة، والبعض الآخر ما كان يجب ان يكتب.