21‏/04‏/2009

- خاتمة



خاتـمة

يمكن لي من هذا الموقع وبعد أن تناولت جميع الجوانب التي رأيت في البداية أنها لازمة وضرورية لدراستي في منطق ابن حزم ، إن اجمع نتائج دراستي في النقاط التالية :


1. إن حياة ابن حزم المضطربة غير المستقرة سياسيا وتنشئته العلمية في جو الحضارة الإسلامية السائد في الأندلس آنذاك شكّل تفكيره وبالخصوص نظرته للغة والمنطق باعتبار انه رأي ضرورة أن يأخذ الفكر الطابع النهائي اليقيني البرهاني حتى لا تتكثر الآراء ويسود التصدع بنيان الحياة الإسلامية وهو أمر كان يخافه شخصيا للأسباب السياسية والاجتماعية المذكورة . وان النظرة العرقية لابن حزم تؤدي بالباحث إلى طريق مسدود علي عكس النظرة إليه كمفكر ساهمت الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية في وقته في تشكيل فكره ومنطقه بالذات .


2. يهتم ابن حزم بالجانب المنفعي في كل علم يقبله ويحض علي دراسته . والجانب المنفعي الذي لا يتنافى مع تعاليم الشريعة الإسلامية . تركزت اهتمامات ابن حزم الفكرية علي ما يسمي بالعلوم الإسلامية سواء بالكتابة فيها أو بالحض علي تعلمها . هناك استثناء واحد لديه هو علم المنطق الذي هو علم يوناني دون شك غير أن هذا الاستثناء لا يخلو من دلالة فكرية ترتبط بالحياة الاجتماعية والسياسية التي عاشها وبالمذهب الفقهي الذي اختاره . فمن ناحية أن المنطق لا يتكلم في موضوع معين بل هو آلة ومنهج . وبالتالي فلن تدخل عن طريقة أفكار دخيلة أو أجنبية غير إسلامية. ومن ناحية أخري إن ابن حزم قد اهتم برفع التناقضات الفكرية في العالم الإسلامي باعتبار أن هذه طريق دمار للحضارة الإسلامية والمجتمع الإسلامي ، وحيث أن المنطق الذي هو منهج يمثل في ذاته نسق غير متناقض لأنه – كما هو معروف – يقوم أساسا على مبدأ عدم التناقض فهو يدعو إلى ضرورة تعلمه . بل والأكثر من ذلك انه يري فيه أداة لفهم الشريعة . إضافة إلى ذلك أن إلغاء ابن حزم لوظيفة الإمام في فقهه الظاهري وتعميم القدرة علي الرجوع للنص ، أوجبت عليه أن يسلح المسلم (الذي قد لا تكون له دراية بالعلم والشريعة واسالبيها) بجهاز أو آلة تعينه علي معرفة الشريعة دون تقليد لإمام معين.


3. إن ابن حزم ظاهرة فكرية ولدتها الحضارة التي أنشأها العرب في الأندلس ولا تفهم إلا في ضمن ذلك الإطار . وإن كل ما تركه لنا من تراث فكري يمثل مشروعا فكريا متكاملا مرتبط بعضه ببعض ومرتبط أيضا بحياة هذا المفكر والظروف السياسية والاجتماعية التي مر بها . هذا المشروع يهدف إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي الذي لا يتم في رأيه إلا بالعودة إلى حياة الإسلام الأولي وفكر الإسلام الأول . لذا كان عمله بالسياسة منصبّا بالدعوة إلى رجوع دولة بني أمية باعتبارها الدولة الوحيدة التي ارتقي فيها الإسلام إلى عصره الذهبي ، لكنه عندما فشل في الوصول إلى شيء في ميدان السياسة انصرف عنها ورجع يمارسها بطريق غير مباشر علي صعيد الحياة الفكرية . فاختار مذهبا فقهيا يخالف المألوف (مذهب أهل الظاهر) باعتباره يمثل أفضل تمثيل الإسلام الأول وباعتباره وسيلة نفي النزاع والفرقة ونبذ السلبية الفكرية .


4. رغم ضياع أعمال داوود الاصفهاني الذي يعتبر المؤسس الأول للمذهب الظاهري إلا أن الفضل يرجع لابن حزم في توسيع رحاب هذا المذهب وتأييد فروعه بالبراهين والأدلة ، بل تبين لي انه تجاوز داوود في كثير من الأحيان . هذا ما تؤيده الشواهد من أقوال المؤرخين . وقد لمسنا نوعا من هذا التجاوز ، بل والتفادي لما يوقع الغلط في الفهم ، من خلال تعريف "الدليل" – الذي اشرنا إليه مسبقا- عند كلا من داوود وابن حزم .


5. في رأي ابن حزم أن التناقضات الموجودة في المجتمع الإسلامي في عصره ما كانت تقع لولا تلك التأويلات المغرضة للنصوص الشرعية. وان هذه التأويلات جاءت نتيجة اعتماد الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية علي مناهج استدلالية كالقياس والرأي والاستحسان التي هي في حد ذاتها قائمة علي الظن أو غالب الظن . من اجل ذلك فهو يرفض كل هذه السبل أو المناهج ويشيد بالبحث عن اليقين في أمور الشريعة الذي في رأيه لا يتحقق بالطرق التي يسلكها بقية الفقهاء بل بالرجوع إلي النصوص الثابتة (القرآن و السنة) وما قام الدليل البرهانى (المنطقي ) على صحته وكان مأخوذ منها.


6. رغم أننا لم نعثر لابن حزم على مؤلفات مخصوصة في اللغة إلا أن صياغته لنظرية في اصل اللغة ( تفيد أن اصل اللغة توقيف من الله ) ينسجم انسجاما تاما مع مذهبة الفقهي الذي يؤثر النص على التأويل . ذلك أن الإقرار بالتوقيف يحتم علينا أن نقرأ النصوص التي هي كلام الله كما نزلت ولا داعي لمحاولة الهروب وراء السطور للبحث عن علل خفية لان ذلك تصرف في كلام الله . الله هو الوحيد الذي يمتلك حق تصريف الأسماء وإيقاعها علي ما يشاء ، فهو الخالق . خلق اللغة ، وخلق الإنسان وأوقفه عليها , فليس من حق هذا الإنسان نقل أي لفظ عما وضع له في اللغة خصوصا إذا كانت نتائج هذا البلبلة اللغوية و الفكرية كما أن دعوة ابن حزم إلى الأخذ بمنهج التبسيط وتقريب المعرفة إلى الأذهان في كافة العلوم عن طريق تميز الألفاظ الواقعة على المعاني هي في حد ذاتها دعوة إلى أهداف سامية أنتجها واقع الحياة الاجتماعية والسياسية التي عاشها . هذه الأهداف تتمثل في الدعوة إلى شمولية التعليم ونشر الثقافة العامة من اجل جمع شتات الأمة الإسلامية حول حقيقة واحدة .


7. رغم أن ابن حزم نفسه لا ينظر إلى عملة في ميدان المنطق باعتباره إضافة علمية من الدرجة الأولى إلا أننا لو نظرنا لعمله من وجهة نظرنا نحن المعاصرين للفكر المتأثر بالمنطق الرياضي نجد أن الحدود التي رسمها لنفسه وهى ميدان التحليل المنطقي (باعتباره استنباط لمتضمنات ما نضعه كمقدمات أو قضايا أولية ) هو عمل فكرى من الدرجة الأولى. ذلك أننا تعلمنا من فكر رسل مثلا ، الذي يأبى القفز "الفلسفي" في آفاق لا نستطيع فيها الوصول إلى قضايا سليمة و صحيحة والذي يرضى بمهمة التحليل فقط ، إن هذه المهمة الأخيرة ليست أمرا ثانويا كما أنها ليست عملا يقوم به ذوى الموهبة المحدودة . إضافة لتحليلاته المنطقية فان ابن حزم قد أوكل لنفسه مهمة صياغة المنطق بلغة مبسطة يفهمها عموم الناس، إضافة إلى تقديم المصطلح التقني الجديد مبتعدا عن مصطلحات المترجمين القريبة من النص اليوناني .


8. رغم أن ابن حزم قد سار في منطقة على غرار منطق أرسطو إلا أن دورة كان بارزا في الكثير من المواقف . فمثلا تحليله الرائع للأوامر . ثم معالجته للاستدلال المباشر في باب واحد مع الاستدلالات القياسية يعتبر عملا هاما يتفق مع وجهة نظر المنطق الرياضي الحديث . ذلك أن كلاهما يتعلق بالاستدلال ، ولا فرق في المنطق الحديث بين استدلال من مقدمة واحدة أو اثنين أو أكثر . أيضا نذكر على سبيل المثال موقف آخر هو إدراكه إلى أن هناك نوع من العلاقات غير الحمل كالعلاقات التي تعبر عن كيفية مثل : " اشد من " أو "يشبه " التي هي كعلاقة " الحمل " علاقة متعدية كما يقال بلغة المنطق الحديث . نضيف إلى ذلك تطبيقاته المنطقية في حقل الفقه .


9. إن رفض ابن حزم للقياس الفقهي وتقريره للقياس المنطقي لا يعتبر عمل متناقض إطلاقا ، وان تجنبه لاستخدام كلمة " قياس " في معالجاته المنطقية جاء من شعوره باحتمال وقوع البس عند بعض الناس في فهم المقصود بالقياس الفقهي والقياس المنطقي . فكما عرفنا من قبل أن ابن حزم يهتم بتميز الألفاظ الواقعة على المعاني والألفاظ المشتركة بالذات التي كثيرا ما يقع الشغب والمغالطة في استخدامها .لذا فان تجنبه لاستخدام كلمة " قياس" في المنطق يجب أن يفهم من هذا القبيل ، هذا من ناحية ، أما الناحية الأخرى والاهم هي اختلاف الغرض الذي يؤديه كلا من القياسيين ، فالقياس الفقهي يودى إلى الظن أو غالب الظن ، بينما القياس المنطقي لا يودى إلا إلى اليقين. وهنا يجب أن نشير إلى أن الاستدلال ونظريته عموما – في نظر ابن حزم – غرضها في النهاية عملي وهو المعرفة اليقينية أو البرهانية . وهذا ما حدا به إلى أن يجمع تحت عنوان "البرهان" موضوعات الاستدلال المباشر (كعكس القضايا ) ثم الاستدلالات القياسية بأشكالها وضروبها والقضايا الشرطية .


تمّ بحمـــد الله










المنطق - السفسطة والجدل

السفسطة :


لا يكتفي ابن حزم ببيان الاستدلالات أو طرق البرهان التي تقود إلى معرفة الحقائق ، بل ويكشف عن المغالطات (أو ما يسمي بالسفسطة) التي تقع في طريق تطبيق أو استخدام هذه الاستدلالات أو القوانين .


يفهم من كلام ابن حزم في بيان السفسطة أن ما يقصده المغالطة المقصودة (2). أي التي تكون متعمدة من قبل الباحث او المستدل ويعتبرها من أسلحة المشاغبين ومن اسالبيهم في تلبيس الحقائق .


يري ابن حزم أن المغالطة أو تلبيس الحقائق بالباطل قد يقع بعدة وجوه :(3)


أولا : بإيجاب ما لا يجب : مثال ذلك أن يقول القائل : لو كان الباري تعالي غير جسم لكان عرضا فلما ثبت أن الباري تعالي ليس عرضا صح انه جسم . يشير ابن حزم إلى أن هذا التقديم غير صحيح والصحيح أن يقال : لو كان الباري تعالي محدثا وكان غير جسم لكان عرضا .


ثانيا : إسقاط قسم من الأقسام التي يحتمل أن ينقسم إليها الشيء مثال ذلك : أن يقول القائل : لا يخلو اللون من أن يكون احمرا أو اخضرا أو اصفرا مسقطا بقية الألوان الأخرى .


ثالثا : إضافة قسم فاسد إلى الأقسام التي ينقسم إليها الشيء ، كقول القائل : لا يخلو هذا الشيء من أن يكون هو هذا الشيء أو هو غيره ، أو لا هو هو ولا غيره .
فهذا القسم الأخير قسم فاسد لا حاجة به .


رابعا : المجئ بأقسام كلها فاسدة . كمن يقول : لا يخلو الباري تعالي من يكون فعل الأشياء لدفع مضرة أو لأجتلاب منفعة أو لآفة .


خامسا : الغلط الواقع في اشتباه الأسماء أي (اشتراك الألفاظ في المعني) وقد سبقت الإشارة إلى تنبيه ابن حزم إلى اللبس الذي قد يقع من استخدام ألفاظ مشتركة المعني


سادسا : الغلط الواقع من اشتباه الخط . يشير ابن حزم إلى أن هذا النوع كثير الحدوث في الخط العربي لان أكثر حروفه لا يفرق بينها في الصور إلا بالنقط كزيد وزند وزبد . يدخل أيضا في هذا الباب الغلط الواقع من اختلاف الحركات الواقعة علي الحروف وكذلك الغلط الواقع في المعطوف أي معرفة حرف العطف والمعطوف عليه .


سابعا : تصحيح شيء بتصحيح شيء آخر أو بطلانه ببطلان شيء آخر دون وجود برهان يؤكد علي إضافة أحداهما إلي الآخر أو يبين العلاقة التي تربط بينهما .



الجــدل :


تبين لنا فيما سبق اهتمام ابن حزم بالفائدة العملية من العلوم . احد وجوه التطبيق العملي للمنطق يتم بالممارسة العملية للاستدلالات والبراهين المنطقية في الجدل أو المناظرة بين شخصين حول موضوع معين . والجدل احد الوجوه الهامة – علي رأى ابن حزم – في بيان الحقائق لما فيه من كثرة التقصي والبحث ، ذلك أن مصدر البحث فيه مشترك بين اثنين أو شخصين متناظرين .


وحد الجدل أو الجدال هو "إخبار كل واحد من المختلفين بحجته او بما يقدر انه حجته "(1) . ولما كان الجدال قائم على الاختلاف بين المتناظرين حول معرفة حقيقة معينة . فان "حكم الجدال أن لا يكون الاثنين طالبي حقيقة " (2) .لان الحقيقة واحده . فإما أن يكون أحداهما محقا والآخر مبطلا في لفظه أو في مراده ، وأما أن يكون كلاهما مبطلا "ولا سبيل إلى أن يكونا معا محقين في الفاظهما ومعانيهما "(3).


يقسم ابن حزم الجدل إلى قسمين : جدل محمود ، وجدل غير محمود .


القسم الأول ما كان الغرض فيه نصرة الحق وإظهاره ، وفى العادة يكون احد المتناظرين على يقين من أمره ببرهان ، أما الآخر فمتوهم انه على حق أو يكون طالب حقيقة فقط . متي اتخذ الجدل هذه الصفة فهو مأمور به في الدين بصريح الآيات القرآنية (4)


القسم الثاني (الجدل غير المحمود) الذي يكون الغرض فيه المجاهرة بالباطل وإفساد الحقائق . والمتناظرين في هذا النوع قد يكونا مغالطين أو يكون احدهما جاهل والثاني مغالط يرفض ابن حزم هذا النوع من الجدل . ولكي يجنب ابن حزم الناس الوقوع في جدل غير محمود يضع بعض الشروط التي يجب أن يدور الجدل في إطارها ، يتعلق بعضها بشخص المناظر والآخر بطريقة المناظرة . يمكن أن نجمل هذه الشروط في الآتي :


أولا : أن يكون لدي المتناظرين استعداد للإجابة في المسألة التي اتفقا التناظر فيها فان سئل احدهما ولم يجب انقطعت المناظرة ووجب البدء في مناظرة أخري . غير أن هذا ليس في كل الأحوال فقد ينقطع المجيب عن الإجابة لا لجهل منه بل لخوف من ظلم يقع عليه أن أجاب . فهو هنا معذور . لان شرط المناظرة توفر الأمن ، مع أن ابن حزم يري أن من الأفضل البوح بالجواب إذا كان فيه نصرة للحق وللإسلام لأن العاقل – علي حد تعبيره – لا يري لنفسه ثمنا إلا الجنة (1) .


ثانيا : أن يترك كلا المتناظرين لخصمه فرصة الكلام وان لا يقاطع كلامه حتى يتمه . لأن من أدب المناظرة التي أوصي بها الشرع الرفق في الحديث . كما ينبغي على المتكلم عدم الإطالة في الكلام أي أن يختصر كلامه لكن بالقدر الذي لا يقصر عن البيان المستوعب للحقائق .


ثالثا : الدقة في الإجابة ، ذلك أن نوعية السؤال تحدد نوعية الإجابة ، فمثلا إذا سأل السائل خصمه : "ما قولك في كذا ؟ فالجواب مفوض إلى المسئول يجيب بما شاء ، وأما إذا قال له : أمر كذا حق هو ؟ فلا بد أن يجيب أما بنعم أو لا "(2). كذلك إذا سأل السائل بتقسيم فقال : ما قولك في كذا ، اكذا أو كذا ؟ مثال ما قولك في كسب الحجام أمستحب أم حرام أو مكروه ؟ فعلي المجيب أن يلتزم بأحد الأقسام المذكورة في السؤال ولا يخرج بالإجابة عنها إذا كانت الأقسام مستوفاة كلها . أما إذا كانت الأقسام غير مستوفاة فالسؤال مردود علي سائله لان فيه بيان جهله . وقد تكون الأقسام مستوفاة غير أن فيها قسم زائد . فعلي المجيب تنبيه السائل بالقسم الزائد وتحديد القسم الصحيح من بين الأقسام المستوفاة التي ذكرها السائل .


رابعا : إثبات حقيقة شيء ما يقتضي قيام البرهان بالدلائل علي صحته . من اجل ذلك فان الكثير من الأدلة يعتبر قوة وليس عجزا . يشير ابن حزم إلي أن هناك أشياء لا سبيل إلى تصويرها لأنها لا صور لها أصلا . في هذه الحالة يجب أن لا يجهد الإنسان نفسه بأكثر مما يقدر عليه . مثال ذلك إثبات مقيم البرهان "أن الواحد الأول لا جوهر ولا عرض ولا جسم ولا في زمان ولا في مكان ... فأراد الخصم منه أن يشكل له ذلك " وهذا أمر غير مستطاع . مثال آخر : من أراد أن يري العرض منعزلا عن الجوهر قائما بنفسه . يري ابن حزم أن في هذا تكليف بتشكيل أشياء في النفوس يصعب تشكيلها وهذا في حد ذاته لا يقلل من قيمة البرهان إذ " لو جاز لكل من لا يتشكل في نفسه شيء أن ينكره لجاز للاخشم أن ينكر الروائح والذي ولد أعمى أن ينكر الألوان " . كما لا يقلل من قيمة البرهان تقصير مقصر عن إقامة البرهان علي حق اعتقده (1).


خامسا : التزام كلا المتناظرين بالمسألة المتناظر فيها وعدم الخروج بالمناظرة إلى مسائل أخري حتى تنتهي المناظرة حول المسألة الأولي .


يضيف ابن حزم بعض الملاحظات العامة وهي في الحقيقة تمثل نصائح وتوجيهات واجب أن يلتزم بها الشخص المناظر أثناء المناظرة وتتلخص في الآتي :


1. سعة الصدر لقبول الحق الذي قام البرهان عليه . فإذا أقام الخصم البرهان علي بطلان قولك أو رأيك الذي تقدمت به فلا تتأخر بقبول رأيه والتخلي عن رأيك . يقول ابن حزم : "لا ترضي لنفسك ببقا ساعة أبيا من قبول الحق "(2).


2. إن الحقيقة واحدة . والبرهان لا يتعارض . فلا تهتم بمن "يتبجح بقدرته في الجدل فيبلغ به الجهل إلى أن يقول : إني قادر علي أن اجعل الحق باطلا والباطل حقا ... واعلم انه لا سبيل إلى ذلك لأحد و لا هو في قوة مخلوق"(3).


3. لا يجوز تصحيح الشيء بنفسه . وفي هذا السياق ينبه ابن حزم إلى أن المقدمات الأوائل (البديهيات) التي يؤخذ منها البرهان لا تدخل في هذا الباب (أي تصحيح الشيء بنفسه) لأنها لم تصحح نفسها بنفسها بل " صححتها الخلقة وانه لا يخلو ذو فهم قط من معرفة صحتها" أما إبطال الشيء بنفسه فهو أمر جائز لان الشيء متي صح انه باطل صح انه ليس حقا و "الحق الصحيح لا يبطل أصلا"(4).


4. التثبت في القول والإنصات إلى ما يقوله الخصم وتحقيقه أمر ضروري وبدونه لا يمكن تقصي الشغب أو المغالطة التي يوردها الخصم . يقول ابن حزم :"وتأمل مقدماتك ومقدماته وعكسك وعكسه ونتائجه ونتائجك فلا ترضي من خصمك إلا بالحق الواضح "(1) .


5. ينبغي على المناظر تجنب الكلام في اى علم من العلوم لا دراية له به أو لم يسبق له التبحر فيه ، إلا إذا كان ذلك علي سبيل الاستفهام والتزيد في المعرفة وهو هنا ملزم بالاعتراف لمن هو اعلم منه . يشير ابن حزم إلى أن عبارة الأوائل التي تقول "ليس علي السائل بيان الحقيقة " غير صحيحة . والصحيح "أن علي السائل بيان الحقيقة فإذا أبطل حكما ما فعليه أن يبين قوله ".(2)


6. متي كان غرض الباحث أو المناظر طلب الحق فعليه أن لا يبالي بكثرة خصومه أو بتعظيم الناس إياهم ، وكذلك بمدح الناس له أو ذمهم إياه (3). فكل هذه الخصال لا تغني عن إظهار الحقائق في شيء فيجب عليه أن يروض نفسه علي قلة المبالاة بها .


يشير ابن حزم إلى أن الناس في كلامهم ينقسمون إلي ثلاثة أصناف :(4)


- الصنف الأول : "لا يبالي فيما صرف كلامه مبادرا إلى الإنكار أو التصديق أو المكابرة دون تحقيق اى الذي لا يبالي في الكلام فينكر أو يصدق أو يكابر دون اعتبار للكلام.


- الصنف الثاني :"ينصر ما عقد عليه بنيته و اعتقده بغير برهان فلا يبالي بما نصره حق أم باطل ". ويختلف هذا الصنف عن سابقه في أن هذا الصنف الثاني يعتقد بصدق آرائه التي قد يكون حصلها منذ الصغر أو بتقليد للسابقين عليه دون نظر .


- الصنف الثالث : "لا يقصدون إلا إلى نصرة الحق وقمع الباطل "وقد أشاد ابن حزم بفضل هذه الطائفة في مواقع كثيرة من مؤلفاته .


ينهي ابن حزم حديثه في الجدل وكيفيته بالإشارة إلى القاعدة الأساسية والصلبة التي يجب أن ينطلق منها المتباحثان أو المتناظران وكل من كان غرضه الوقوف علي الحقائق هذه القاعدة تتمثل في كثرة الإطلاع علي العلوم والتبحر فيها والنظر في الآراء والأقوال وفي طبائع الأشياء . يقول ابن حزم : "واعلم أن ما ذكرنا من الوقوف علي الحقائق لا يكون إلا بشدة البحث ، وشدة البحث لا تكون إلا بكثرة المطالعة لجميع الآراء والأقوال والنظر في طبائع الأشياء وسماع حجة كل محتج والنظر فيها والتفتيش والإشراف علي الديانات والنحل والمذاهب والاختيارات واختلاف الناس وقراءة كتبهم ". يضيف إلى ذلك ضرورة الإطلاع علي القرآن الكريم ورواية ألفاظه ومعانيه وأحكامه وحديث النبي وسيرته ، ومطالعة الأخبار القديمة ، والوقوف علي اللغة والأخذ بنصيب وافر من علم النحو . ثم يضع للبحث في كل هذه العلوم حدان ، حد اكبر وحد اصغر . الحد الأكبر هو الذي لا يتخلى فيه الباحث عن البحث والإطلاع إلا في أوقات العبادة ، أما الحد الأصغر فهو الذي لا ينبغي لأي عاقل أن يقصر دونه ويكفي فيه استبدال أوقات الحديث الذي لا يجزي مع الآخرين بالنظر في العلوم .


بعد حديثه عن البرهان يضيف ابن حزم فصلين يسمي احدهما "كتاب البلاغة"والآخر "كتاب الشعر" لا يتجاوزا معا أربع صفحات ولا يحتويا ما ينتظر قارئه منه واعتقادي انه يسير هنا في هدي التقليد السكندري المتأخر الذي يضع كتابي "الخطابة" و "الشعر"الارسطيين مع كتب أرسطو المنطقية الستة اعني "المقولات" و "العبارة " و "التحليلات الأولي" و "التحليلات الثانية " و "السفسطة" و "الجدل" .


إن النقطة الايجابية الوحيدة التي أسجلها له هي إعطاؤه عنوان "البلاغة " بدل "الخطابة" لكتاب أرسطو ، إذ كلمة "بلاغة" تشير بشكل أفضل لمحتوي الكتاب الارسطي .


- المنطق - المنهج العلمي البرهاني

المنهج العلمي البرهاني :

تكلمنا فيما سبق عن قوانين الاستدلال المنطقي وقد وضحنا أن الاستدلالات المنطقية الصحيحة بجميع أنواعها المذكورة سالفا تتأدي بنا إلى نتائج صادقة بالضرورة لو كنا علي يقين من صدق المقدمات . لكن المنطقي الذي ينظر فقط في صور الاستدلالات وتمييز صحيحها من فاسدها لا ينظر فيما إذا كانت المقدمات صادقة فعلا ويقينا . كل ما يهمه إبراز لزوم النتيجة عن المقدمة أو المقدمات لزوما ضروريا بحيث لو صدقت المقدمة أو المقدمات تكون النتيجة صادقة .

يهتم الباحثون في المنهج (وبالذات المنهج العلمي) منذ أرسطو بمحاولة التأكد (أن أمكن ذلك) من أن النتائج ليست فقط لازمة عن المقدمات بل التأكد من كونها صادقة . كيف ينظر ابن حزم لهذه المشكلة ؟ يبدأ مفكرنا في تحليل المنهج البرهاني بالنظر في أنواع القضايا العلمية التي لا يمكن للعاقل (حسب تعبيره) أن يداخله شك في صدقها . أو قل هي القضايا اليقينية الضرورية التي لا خلاف حولها .
احد أنواع هذه القضايا تلك التي تعرف بالفطرة أو "بأول العقل"
(1) ، هذا النوع يمثل الأساس للعقل وبدونه او بنقضه يكون وكأنه فقد العقل والتمييز (2) مثال هذه القضايا "الكل اكبر من الجزء" و "أن كون الجسم الواحد في مكانين مختلفين في وقت واحد محال "و "أن كل شيء صدق في نفيه فإثباته كذب وان كذب في نفيه فإثباته حق"(اى القضية أما صادقة أو كاذبة ) و "أن الحق لا يكون في الشيء وضده " (قانون عدم التناقض)(3) .

النوع الثاني من القضايا اليقينية الضرورية هو تلك التي عرفت بحس مباشر بتوسط العقل ، اى الاحساسات التي صححها العقل (4) مثل " أن النار حارة " و "طعم الثمر حلو" و "القار اسود" و "الحرير ليّن" يقول ابن حزم أننا لا ندري كيف وقعت لنا صحة هذه المعرفة (5) . وأيضا فهي معرفة مباشرة بمعني انه ليس هناك فترة زمنية بين وقت حصولها ووقت معرفتنا بصحتها(1) ، اى عند حصولها يحصل اليقين بها . هذا النوع من القضايا أيضا أساس للعقل والفكر وبإنكاره يكون الإنسان وكأن "بعقله آفة شديدة "(2) .

يدخل ابن حزم ضمن هذا النوع الثاني قضايا ليست من نفس النوع وان كان يعتبرها ضرورية مثلها وهي القضايا الحسية (أي التي تصف أشياء يمكن معرفتها بالحس) التي لم نخبرها بأنفسنا ولكنا تيقنا من ضرورتها بتصحيح "النقل " اى بمعرفتنا صحة ما قاله الغير الذين خبروها . مثل "أن الفيل موجود ولم نره" و "انه قد كان موسي وعيسي ومحمد عليهم السلام" (اى القضايا التاريخية التي تيقنا منها رغم عدم اختبارنا لها حسيّا) و "أن في رأس الإنسان دماغا وفي بطنه مصرانا وفي جوفه قلبا وفي عروقه دما وإنما يرجع في ذلك إلى قول المشرحين"(3).
النوع الثالث من القضايا الضرورية هي تلك التي استنتجت بالضرورة من النوعين الأولين باستخدام الاستدلالات التي سبق شرحها .
(4)
واضح من هذا أن كل ما يقبله من قضايا علمية ينحصر في ميادين النظر العقلي . لكن ما هو نوع القضايا التي نجدها في العلوم الشرعية ؟ في سطور تالية يعود ابن حزم مشيرا إلى النوعين الأولين من القضايا ويضيف إليها ثالثا وهي القضايا المنصوصة في القرآن والحديث
(5) . هذه كلها هي المقدمات الأولي ومنها يتم استنتاج غيرها. فالعلوم الشرعية إذن تبدأ من نصوص القرآن والحديث وتستعين بقوانين الاستدلال المنطقية للوصول بها إلى نتائج يقينية برهانية .

هناك بعض الملاحظات بخصوص موضوع قضايا العقل والحس تدخل في الحقيقة باب الابستمولوجيا وسيكولوجية المعرفة أكثر من دخولها في المنطق . لكن حيث أن موضوعنا الآن المنهج العلمي كان لابد من الإشارة إليها خصوصا أنها – كما سيري القارئ – لا تخلو من دلالة تاريخية .

يؤكد ابن حزم في هذا السياق وجود خمس قوي للنفس تتعلق بالمعرفة وهي الحس والعقل والظن والتخيل والفكر (1) . والعقل في رأيه هو الوحيد بين هذه الذي يمكن الوثوق به في المعرفة فهو "صادق أبدا"(2) وهو أيضا الذي يصحح الإحساس(3). أما الظن فهو اضعف هذه الخمس أو علي حد تعبيره "اكذب دليل"(4) . والتخيل أيضا كاذب(5). لكنه كما هو واضح اعلي مرتبة عند ابن حزم من الظن . والسبب في ذلك علي ما اعتقد أننا نعلم بكذب التخيل فنحترس ، لكن في الظن لا نستطيع الحسم ومن ثم قد نخطئ ظانين أننا على صواب . لا ننسي أن هذا الظن هو طريق الاستدلال عند من يعارضهم ابن حزم من الفقهاء. بخصوص الفكر فهو "حكم النفس فيما أدته هذه القوي ( يقصد الحس والعقل والظن والتخيل)"(6). الغريب في هذا الوصف انه لا يمكننا من تمييز العقل عن الفكر بوضوح إلا إذا فهمنا أن الفكر هو الحكم الذي قد يكون صادقا أو كاذبا ، بينما حكم العقل صادق دائما . لكن كيف نميز بين الفكر والظن ؟ يبدو أن الظن ليس مجرد الحكم الذي قد يصدق أو يكذب ، بل هو أيضا مشفوع باعتقاد أن الحكم اقرب للصدق منه إلى الكذب . أقول ذلك رغم قول ابن حزم انه اكذب دليل فهذا القول منه ليس في رأيئ يمثل وصفا حقيقيا للظن وابن حزم يعلم ذلك لكنها خصومته الفكرية مع الفقهاء هي التي أملت ذلك .

يتبقى الحس الذي يضعه ابن حزم كما رأينا في منزلة عالية إذا كان مصححا بالعقل . أن الحواس – حسب رأيه – قد لا تؤدي بنا في جميع الأحوال إلى معرفة يقينية . بل كثيرا ما تقصر عن الإدراك أو تضعف ما يجعل الاعتماد عليها وحدها غير مأمون الجانب ولا يؤدي إلى الإدراك الحقيقي . وفي هذا السياق يضع ابن حزم موازنة بين المعرفة الحاصلة عن طريق الحواس والمعرفة الآتية بتوسط العقل. ويغلب الثانية علي الأولي . باعتبار أن "العقل قوة افرد الباري تعالي به النفس ولم يجعل فيه شركة لشيء من الجسد "(7) ، وان إدراك العقل إدراك واحد . وهو هنا يري في الجسد انه عائق أو "كدر ثقيل"يقف حائلا دون إدراك النفس للأشياء علي حقيقتها . لهذا السبب فهو يشكك في المعارف المدركة عن طريق الحس وحده لتعلقه بالجسد . فالنفس التي تسلك طريق العقل والحواس لبلوغ المعرفة لا يمكنها أن تصل إلى غوامض الأشياء إلا بالانفراد والتخلي عن الجسد .


يبرهن علي ذلك ممثلا لكل حاسة من الحواس الخمس بمواقف تعرض لها وتبرز قصورها أمام العقل . فحاسة البصر مثلا توهمك وأنت تري إنسانا قادما من بعيد بأنه صغير الجرم "وأنت لا تشك بعقلك انه اكبر مما تراه ثم لا يلبث أن يقترب منك فتراه علي قدره الذي هو عليه الذي لم يشك العقل قط في انه عليه "
(1) . كذلك في حاسة السمع فقد تسمع من بعيد صوت انهيار ويكون الصوت ضعيفا لبعد المسافة . لكنك لا تشك بعقلك في أن الصوت من قريب أضخم من ذلك كثيرا . وفي حاسة الذوق نجد المريض يدرك "طعم العسل مرا كالعلقم والعقل يشهد الشهادة الصحيحة الصادقة انه حلو "(2). وفي حاسة الشم "فان مقدار جزء من حلتيت يكون معك في البيت لا تشمه أصلا والعقل موقن أن لذلك الفلس جزءا من النتن"(3) . وفي حاسة اللمس فان الجسم لا يشعر بما قيمته حبة خردل علقت به ، في الوقت الذي يشعر بثقل الوزن في ما زاد عن ذلك وظهر وزنه ، مع أن العقل يدرك حصة حبة خردل واحدة من الوزن .(4)

كل ما سبق يمكن أن ندخله في باب "الابستمولوجيا" أو نظرية المعرفة . لكن ابن حزم يضيف بعض الملاحظات القليلة حول سيكولوجية المعرفة – اعني وصف العملية أو العمليات النفسية التي بها يتم للإنسان أن يعرف ما يريد معرفته – فهو يؤكد علي وجود أكثر من عامل قد يتدخل أثناء عملية الاستدلال أو التفكير الاستدلالي . فهناك العقل (أو فلنقل المنطق) ثم هناك الأهواء والتقليد
(5) . فإذا شئنا أن تكون استدلالاتنا صحيحة ويقينية يجب أن نراعي ليس فقط قواعد الاستدلال المنطقي التي ذكرناها ، بل وان ننتبه لأننا قد ندخل أثناء الاستدلال عناصر من خارجه . هذه العناصر الدخيلة قد تمليها تقاليد معينة قريبة إلى نفس المستدل أو لعله هوي أو رغبة قد تؤدي بالاستدلال إلى غير النتيجة المرجوة . يقول ابن حزم "واعلم انه لا يدرك الأشياء علي حقائقها إلا من جرد نفسه عن الأهواء كلها ونظر في الآراء كلها نظرا واحدا مستويا لا يميل إلى شيء منها.... ثم سلك بعقله الطريق التي وصفنا في هذا الديوان "(1) .

يري ابن حزم أن إتباع طريق الاستدلال لغرض الوصول إلى المعرفة يتطلب البحث . والبحث أما أن يتم في فكر الشخص المستدل اى بينه وبين ذاته ، وأما عن طريق التعلم من معلم أو خلال مناظرة أو مناقشة حول مسألة ما
(2) . والبحث قد يكون أما عن الأوليات أو عن أشياء يتوصل إليها بالاستدلال باستخدام الأوائل . كي يبدأ البحث لابد لنا من السؤال عن ما نبحث عنه . هناك أربعة أنواع من الأسئلة .(3)

أولها السؤال "بهل " ، كقولك : هل هذا الشيء موجود أم لا ؟ وهنا يجب أن لا تخرج الإجابة بالضرورة عن القول : نعم أو لا . فان كانت الإجابة "بلا" سقط السؤال . وان كانت "بنعم" ، يصعد التساؤل إلى المرتبة الثانية وهي السؤال "بما" إذ هو تالٍ للسؤال "بهل" وفيه يتم البحث عن جوهر الشيء أو الإفادة بخبر يحده أو يرسمه بعدما تحقق وجوده في المرتبة الأولي فان تم تحديده بتعريف صفته اللازمة ننتقل بالسؤال إلى المرتبة الثالثة وهي السؤال "بكيف" وفيه تتبين هيئة الوجود أو الحالة التي عليها الشيء . فان تحقق كل هذا ننتقل إلى المرحلة الأخيرة من السؤال وهي السؤال بـ" لم" . كقولك : "لم كان ما اثبت كما وصفت وما برهانك علي صحة ما ادعيت مما ذكرت ؟ "
(4) . في هذه المرتبة ينبغي أن تطلب الدلائل حتى يتم البيان عن حقيقة الشيء المراد الاستدلال عليه ، كما ينبغي مراعاة الدقة في الإجابة من حيث إيراد لفظ الإيجاب في حالة تحقق الوجود ولفظ النفي في حالة النفي ، كما يجب أن لا يترك اى قسم من الأقسام التي يحتمل أن ينقسم إليها الشيء في حالة القسمة ، والنظر فيها جميعا واثبات صحيحها من فاسدها .

ينتقل ابن حزم إلى بيان نقطة أخري هامة وهي الكيفية التي يتم بها استخدام المنهج العلمي البرهاني في الشرائع . ينظر أولا في الألفاظ الواردة في الشرائع أو المقدمات اليقينية الشرعية علي أنها تحتمل ثلاثة وجوه : "أما قول عام كلي ذي سور أو ما يجري مجري السور من المهمل الذي قوته في اللغة قوة ذي السور ، ومن الخبر الذي يفهم منه ما يفهم من الأمر "
(5) . هذه الوجوه الثلاث ينقسم كل واحد منها إلى أربعة أقسام هي : كلي اللفظ كلي المعني ، جزئي اللفظ جزئي المعني ، جزئي اللفظ كلي المعني ، وكلي اللفظ جزئي المعني . القسم الأول والثاني "جاريان علي حسب موضوعيهما في اللغة لا يحتاجان إلى دليل "(1) .أي أن الألفاظ الشرعية التي من قبيل هذين القسمين تؤخذ علي ظاهرها أو ما يفهم من معناها اللغوي دون زيادة أو نقصان .

القسم الثالث (جزئي اللفظ كلي المعني ) يتمثل في الألفاظ التي جاءت جزئية غير أن المقصود منها معني كلي وليس جزئي ، اى حكمها شامل لسائر النوع الذي نصت عليه يمثل لذلك ببعض الآيات القرآنية التي تخاطب "الذين امنوا" مع أن المراد منها ليسوا هم فقط . هذه الألفاظ – حسب رأيه – لا تؤخذ على ظاهرها أو موضعها الذي وضعت له في اللغة . بل يجب أن تنقل عن موضعها لتشمل جميع أفراد النوع الذي جاءت فيه . غير أن هذا النقل لا يتأدى في جميع الحالات ، بل يشترط وجود "الدليل" الذي أما أن يكون من نصوص أخري "آيات أخري" تقتضيه ، أو من بديهة عقل وحس . يقول ابن حزم :

" ولولا تلك الألفـاظ الأخر لما دخل في هذا الحكم من ليس مسمي باسم خوطب به أصلا "
(2) .

القسم الرابع : (كلي اللفظ جزئي المعني) يتمثل في الألفاظ التي جاءت عامة أو كلية غير أن المراد منها بعض ما تقتضيه دلالتها اللغوية . يقول ابن حزم : "أن هذا القسم والذي قبله لا يفهم معناهما من الفاظهما أصلا لكن ببرهان من لفظ آخر أو بديهة عقل أو حس تبين كل ذلك انه إنما أريد به بعض ما يقتضيه ذلك اللفظ "
(3) . مثال ذلك قوله تعالي : "الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم ". فلامتناع لقاء جميع الناس لجميع الناس مخبرين لهم ، يفهم منه أن المراد في الآية هو لقاء بعض الناس لبعضهم الآخر .
ما يريده ابن حزم أثناء تطبيق منهجه العلمي في الشرائع الإقرار بقاعدتين:

الأولي: أن تؤخذ الألفاظ الشرعية علي ظاهرها اللغوي وان يشمل حكمها جميع النوع الذي وردت فيه دون زيادة أو نقصان . (كما في الألفاظ الواردة في القسم الأول والثاني) .

والثانية : تمثل استثناء في داخل القاعدة الأولي وهي أننا قد نجد أنفسنا أمام ألفاظ يمتنع أخذها على ظاهرها اللغوي لوجود ألفاظ أخري من نفس النصوص الشرعية أو بديهة عقل وحس تقتضي نقلها عن موضعها . وهنا يجب قيام البرهان علي نقلها .

ينهي ابن حزم مناقشته للمنهج العلمي البرهاني باستعراض بعض أنواع من البراهين المعروفة عند المفكرين (يونان ومسلمين) فيعترض على أنواع منها ويقبل غيرها . فهو مثلا يقبل برهان الخلف لكنه يشير إليه دون أن يعطيه اسما
(1).
ويتلخص برهان الخلف في إبداء وجهة نظر ثم الاستدلال منها علي نتيجة متناقضة مما يؤدي بنا إلى إثبات بطلان وجهة النظر المقدمة . كذلك يقبل ابن حزم ما يسميه "الاستدلال بالمعلول علي العلة "
(2) كالاستدلال علي وجود النار ( العلة ) من رؤية الدخان (المعلول)كما يقول هو . يقرر ابن حزم ضمنيا أن الاستدلال من العلة إلي المعلول أفضل حين يقول بأن "العلة اظهر في العقول من المعلول"(3). لكن هناك مواقف لا نستطيع فيها البت مباشرة (بالعقل أو الحس) بان العلة موجودة . فنستدل عليها من ظاهرة أو شيء نعلم انه معلول لتلك العلة. هذا النوع من الاستدلال ليس برهانيا كما يظن ابن حزم . فقد يتولد المعلول عن أكثر من علة ولا نستطيع أن نبت أيها هو العلة للحالة أو الظاهرة التي أمامنا . كل ما نستطيع أن نفعله هو اللجؤ إلى الظن . وهذا طريق غير مقبول عند ابن حزم .

يعترض ابن حزم وبحق علي برهان الدور باعتبار أننا نلجأ فيه إلى الاستشهاد "بالشيء علي نفسه"
(4) والصواب في البرهان أن "نستشهد على مجهول بمتيقن "(5) وهو ما نفعله في الاستدلالات المنطقية التي تكلمنا عنها في السابق . ينتقد ابن حزم أيضا الاستدلال علي المجهول من المجهول (6) . كمن يريد معرفة صفة الفيل فنشير إليه إلي صفة الخنزير حين تكون الأخيرة مجهولة عنده . كذلك يعترض ابن حزم علي "الاستقراء"(7) وهو يري أن ما سماه الأوائل (اليونان) استقراء سماه أهل ملتنا (الفقهاء) القياس (1) ويعني بذلك القياس الفقهي .

يشرح ابن حزم الاستقراء
(2) . بأنه عملية نبدأ فيها من صفة نجدها في مجموعة من الموجودات كلها ، من نفس النوع أو الجنس ، فنحكم بان كل أفراد هذا النوع أو الجنس لهم هذه الصفة . المشكلة في رأي ابن حزم أننا قد نتوهم وجود تلك الصفة في كل الأفراد المشار إليهم إذ أن هذه الصفة ليست لهؤلاء الأفراد بمقتضي العقل . والسبب أننا لا نستطيع أن نتقصى "تلك الأشخاص أولها عن آخرها حتى نحيط علما بأنه لم يشذ عنا منها واحدة "(3). إذن لا يمكن لنا كأناس أن نحصي كل الأفراد الداخلين في نوع ما حاضرا وماضيا ومستقبلا . لكن يجب التنبيه إلى أننا في الأحكام المبنية علي العقل لا نحتاج لمثل هذا الإحصاء والسبب أن الصفة تقال علي الشيء أو الموصوف بضرورة عقلية . هذه الضرورة العقلية تغنينا عن اللجؤ إلى الإحصاء والتقصي . فبالعقل نعلم أن كل ذي روح متنفس . لكن ليست هناك ضرورة عقلية في القول بان كل حيوان فله مرارة . لكن لو أحطنا علما بأن جميع "الجزيئيات التي تحت الكل "(4) لها الصفة المذكورة (المرارة في هذا المثال) قطعنا بصدق الحكم القائل بأن " كل حيوان فله مرارة ".

يقول ابن حزم أن البعض سموا هذا النوع من الاستدلال "الاستدلال بالشاهد عن الغائب"
(5)ظنّا منهم أن هذا الاستدلال غير الاستقراء . واعتراض ابن حزم علي تسمية هؤلاء هو أن الغائب قد يكون غائبا عن الحواس وليس بغائب عن العقل . في هذه الحالة لا يمكن القول بأنه غائب لأنه حاضر للعقل والحاضر للعقل حاضر للحواس ولا فرق (6) .
أما أن كان غائبا عن العقل "لم يجز أن يعلم البتة "
(7) .في هذا السياق يثير ابن حزم نقطة هامة متعلقة بالاستقراء وهي انه حين لا يجد المستقرئ الصفة المطلوبة في شيء داخل النوع يعتبر هذا الشيء حالة شاذة ويمضي في تعميمه للصفة علي كل النوع باعتبار أن هذا الشيء خرج عن أصله وشد ، والشاذ لا يقاس عليه (8). ورد ابن حزم أن هذا الشاذ لو كان داخلا فعلا في النوع أو الأصل لما شذ . وفي هذه المناسبة يشير ابن حزم للنحويين الذين يعطون للقواعد العامة شواذ باعتبار أن القاعدة كانت في الأصل كذا ثم استثقل ذلك فنقل إلى كذا (1) وهذا عنده كذب لا يجوز .

- المنطق - البرهان

الفصل الخامس
البرهـــــــــــــــــــــان

يضع ابن حزم تحت هذا العنوان موضوعات الاستدلال المباشر (كعكس القضايا) ثم الاستدلالات القياسية بأشكالها وضروبها والقضايا الشرطية بنوعيها المتصل والمنفصل ، ثم بعض الموضوعات المتعلقة بالاستدلالات الباطلة الداخلة في السفسطة والجدل ، وأخيرا ملاحظات حول العلوم ومقدماتها واليقين فيها .


لقد ادخل أرسطو موضوع الاستدلال المباشر في "كتاب العبارة".و"العبارة " إضافة إلى الشروح المتعلقة به هو المكان الذي عولج فيه الاستدلال المباشر تقليديا . إن ضم الاستدلال المباشر في باب واحد مع الاستدلالات القياسية أفضل ، ما دام كلاهما يتعلق بالاستدلال . ولا فرق في المنطق الحديث بين استدلال من مقدمة واحدة أو اثنين أو أكثر .


بالنسبة للشرطيات فإننا نعلم منذ تقدم المنطق في العصر الحديث إن الاستدلالات الصورية - أي كان عدد مقدماتها طبعا – يمكن التعبير عنها في شكل صيغة شرطية بحيث تكون مقدمة أو مقدمات الاستدلال مقدم الصيغة الشرطية ، ونتيجة الاستدلال تالي الشرطية . إن صحة أو فساد استدلال ما إنما يحسم بتحويل الاستدلال إلى صيغة شرطية (متصلة حسب التعبير التقليدي) وعمل جدول صدق للصيغة . إن الصيغة الشرطية التي تكون قيم الصدق لها كلها صادقة تعبر عن قانون منطقي أو تمثل استدلالا صحيحا . إذن وضع الشرطيات في باب الاستدلال المنطقي الصوري طبيعي من وجهة نظر المنطق الحديث.


بخصوص السفسطة والجدل فهذه تتعلق بما يمكن أن يسمي المنطق غير الصوري informal ولا بأس إطلاقا أن تلحق بالاستدلالات الصورية سواء من وجهة نظر تربوية أو حتى من اجل فهم أوضح للاستدلالات الصورية . إن الكلام في مقدمات العلوم ويقينها ومراتبها موضوع يدخل في "فلسفة" العلوم ومناهجها . وليس من مانع – بل من المحبب – أن يدرس هذا الموضوع مع المنطق الصوري لاعتماد الأول على الثاني . لقد عالج أرسطو موضوع البرهان في كتاب "التحليلات الثانية"(1) . وفصله عن الاستدلالات القياسية التي عالجها في كتاب "التحليلات الأولي ".(1) إن الاستدلال الصوري في رأي أرسطو (وهو مصيب في هذا) يهتم بصحة استنتاج النتيجة من المقدمات دون النظر في صدق أو يقين المقدمات . أما البرهان فهو عنده يعني ليس فقط بصحة استدلال النتيجة من المقدمة أو المقدمات ، بل وأيضا بيقين المقدمة أو المقدمات وصدقها والتي تعتمد النتيجة عليها . باختصار البرهان يعتمد علي نظرية الاستدلال الصورية ويحاول أن يزيد عليها بأمل الوصول إلى اليقين في المعرفة (2).


ابن حزم باحث عن اليقين في المعرفة وبوجه خاص اليقين في معرفة أمور الشرع المتعلقة بحياة الناس اليومية . إذ لو تجاذبت هذه الأمور ظنون مختلفة فبالامكان أن يسيّر ظن معين حياة الناس ويؤدي بها إلى التهلكة . إذن الاستدلال ونظريته غرضها في النهاية عملي وهو المعرفة اليقينية أو "البرهانية" . لذلك اختار ابن حزم عنوان "البرهان" للباب المتعلق بالاستدلال الصوري واليقين المعرفي . فكأنه يود أن يقول أن الاستدلال الذي لا يؤدي إلي اليقين ليس مما ينبغي دراسته . والعنوان في الحقيقة يشير بشكل غير مباشر إلى رفضه للقياس الفقهي القائم علي الظن . يتفادى ابن حزم استخدام كلمة "قياس" حتى عند معالجة الاستدلالات القياسية الارسطية (التي تختلف بالطبع عن القياس الفقهي). إذ قد يؤدي ذلك إلى سؤ فهم عند من لا يعرف الفرق بين القياسين . وأيضا فانه يؤكد ما سبق ذكرته وهو أن القياس المنطقي يهمنا أساسا باعتباره "آلة" ، كي نصل لليقين المعرفي الذي لا خلاف فيه وليس ينبغي أن نهتم به إلا لهذا الغرض .(3)


الحقيقة إن كلمة "برهان" تستخدم في المنطق الحديث بل وفي عصور الفكر المختلفة للإشارة أيضا "للاستدلال الصحيح"إذ نقول الآن بأنّا "برهّنا"علي نظرية رياضية ما إذ بينا أنها مستنتجة استنتاجا صحيحا من مقدمات اخترناها دون اهتمام منّا بما إذا كانت هذه المقدمات يقينية أم لا . كذلك فهي تطلق أيضا علي الاستدلالات الصحيحة التي يعتقد أصحابها أن مقدماتها يقينية أو الاستدلالات التي يحاول أصحابها فيها الوصول إلى المستوي المطلوب في اليقين . هذا الاستخدام المزدوج لكلمة "برهان "يثير اللبس أحيانا لذلك يستحسن الفصل بينهما . إن اليقين أمر لسنا نستطيع البت فيه وليست لدينا الوسائل حتى الآن للبت فيه . لكنا لا نلوم ابن حزم علي محاولته للوصول لليقين ، فالبحث عن اليقين أمر راود المفكرين حتى برتراند رسل . كل ما نريده هنا أن ننبه للفرق بين معنيي كلمة "برهان" معناها الذي فيه نشير إلى استدلال صوري صحيح ، ثم ذاك الذي ندل به علي استدلال صحيح وصادق النتيجة بناء علي تيقننا من صدق المقدمات . وقد استخدم ابن حزم الكلمة ليشير للاثنين بحيث تتضمن إشارته هذه إلى أن الاستدلالات الصورية إنما تهمنا لغرض ابعد وهو الوصول إلى اليقين .


الاستدلال المباشر :


يعالج ابن حزم الاستدلال المباشر (1) وطريقته في بيان صحة الاستدلال تستند علي مفهوم "العكس" أو "الانعكاس". "والانعكاس هو أن تجعل الخبر مخبرا عنه موصوفا ، وتجعل المخبر عنه خبرا موصوفا به من غير أن يتغير المعني في ذلك أصلا ، بل إن كانت القضية موجبة قبل العكس فهي بعد العكس موجبة ، وان كانت نافية قبل العكس فهي بعد العكس نافية ، وان كانت صادقة قبل العكس فهي بعد العكس صادقة ، وان كانت كاذبة قبل العكس فهي بعد العكس كاذبة"(2) . أن الجملتين الأخيرتين تعنيان انه لو جعلنا القضية التي نود عكسها مقدمة والقضية بعد العكس نتيجة فانه إذا صدقت الأولي تكون الثانية صادقة وإذا كذبت ستكون الثانية كاذبة .


يقول ابن حزم أن الكلية السالبة تنعكس سالبة كلية مثل "لا واحد من الناس حجر "تنعكس" "لا واحد من الحجارة ناس" وكما يقول أيضا (3) انه إذا انعكست الكلية الى كلية فان هذا يعني ان الكلية يمكن أن تعكس إلي جزئية ، إذ الجزئية حسب منطق أرسطو ، متضمنة أو لازمة عن الكلية . فالقضية "لا واحد من الناس حجر" تنعكس أيضا إلى "بعض الحجارة ليس إنسانا".


أما الكلية الموجبة فهي تنعكس إلى جزئية موجبة مثل قولك "كل إنسان حي" فهذه تعكس "بعض الحي إنسان"(4) .
بالنسبة للجزئية الموجبة فهي تنعكس موجبة جزئية كقولك "بعض الناس نحويون" التي تنعكس "بعض النحويين ناس"(5) .


بالنسبة للقضايا الموجهة فوضعها في العكس كالآتي (1) : الواجب يعكس في حال إيجابه (2)، الذي نجده في القضايا الكلية والجزئية الموجبة ، وهكذا : "من الواجب أن يكون بعض الناس أنبياء" تعكس "من الواجب أن يكون بعض الأنبياء أناس ".


في الامكان كقولنا "من الممكن أن يكون الإنسان طبيبا"(حيث المحمول اخص من الموضوع) فيعكس في الكليات الموجبة . كقولك "من الممكن أن يكون كل إنسان طبيب" تعكس "من الممكن أن يكون بعض الأطباء أناسي". في الجزئيات الموجبة تعكس الممكنة سواء كان المحمول اخص أو اعم من الموضوع . كقولنا "من الممكن أن يكون بعض الناس أطباء"تعكس "من الممكن أن يكون بعض الأطباء أناسى "ثم "من الممكن أن يكون بعض الناس سودا "تعكس "من الممكن أن يكون بعض السود أناس"(3) .


في النفي الكلي تعكس الممكنة (سواء كان المحمول اخص أو اعم من الموضوع) هكذا : "من الممكن أن لا يكون واحد من الناس اسودا أو طبيبا"وتعكس "من الممكن أن لا يكون واحد من السودان أو الأطباء إنسانا ". بالنسبة للنفي الجزئي فينعكس في حالة كون المحمول اعم من الموضوع هكذا : "من الممكن أن لا يكون بعض الناس اسود "تعكس "من الممكن أن لا يكون بعض السودان إنسانا "(4).


أخيرا في حال القضية الممتنعة (5) فتعكس في الكلية الموجبة هكذا : "من الممتنع أن يكون كل واحد من الناس حجر" تصبح "من الممتنع أن يكون كل حجر إنسان" . في الموجبة الجزئية تنعكس هكذا : "من الممتنع أن يكون بعض الإنسان حجر" تصبح "من الممتنع أن يكون بعض الحجر إنسان".


بخصوص النفي في الممتنع ففي السالبة الكلية ينعكس سالبة جزئية " :"من الممتنع أن لا يكون واحد من الإنسان حي " تعكس "من الممتنع أن لا يكون بعض الحي إنسان" . في حال السالبة الجزئية ستنعكس هكذا "من الممتنع أن لا يكون بعض الحي إنسان" تعكس "من الممتنع أن لا يكون بعض الإنسان حيا " .



الاستدلال القياسي :


يعطي ابن حزم في البداية المفردات الأولية التي اخذ بها في نظرية الاستدلال القياسي (1) القضية إذا أخذت منفردة تسمي "مقدمة" كقولنا "كل إنسان حي" . إذا اجتمعت معها مقدمة أخري أو قضية أخري تشترك معها في "حد مشترك" كقولنا "كل حي جوهر" يتكون من اجتماعهما "قرينة"(2) ، فإذا أدت القرينة إلى قضية لازمة عنها ضرورة تسمي هذه الأخيرة "نتيجة" وتسمي المقدمتان مع النتيجة "جامعة" التي تقابل عند ابن حزم الكلمة اليونانية "السلجسموس" . فمن المقدمتين السابقتين تنتج نتيجة هي كل إنسان جوهر .


يحدد ابن حزم "صور القرائن التي يكون منها البرهان " أو أشكال البرهان (3) بأنها ثلاثة فقط"ولا سبيل في مرتبة العقل إلي قسمة رابعة بوجه من الوجوه " (4). هذه نقطة هامة . إذ من المعروف للمتصفح في كتب المنطق التقليدي أن أشكال القياس أربعة . لكن من المعروف أيضا أن "كتاب التحليلات الأولي" لأرسطو لا يذكر سوي أشكال ثلاثة . لقد عرف الغربيين عن طريق ابن رشد الشكل الرابع الذي نسبه المفكر المسلم لجاليونوس(5) واضح من عبارة ابن حزم معرفته للشكل الرابع إذ هو ينكره . السؤال في الحقيقة هو :ما دلالة هذا الإنكار ؟ للأسف لا نستطيع الإجابة علي هذا السؤال لان ابن حزم لا يزيد على ما ذكرت من نص كلامه سابقا .لكنه سؤال هام لأنه يتعلق بنوع التقاليد في دراسة المنطق التي انتقلت للغرب الإسلامي وأيها كان له النفوذ الأولي وكيفية استقاء ابن رشد لمعلوماته ، ثم موقف ابن حزم من هذه التقاليد المنطقية ، وما يمثله رفضه للشكل الرابع بالشكل الذي رفضه به تاريخيا .


كي يشرح ابن حزم الأشكال الثلاثة وضروبها (أو "أسمائها" كما يقول هو ) يشرح اعتمادنا في تحديد الأشكال على وضع الحد المشترك بين المقدمتين . إذ نستطيع أن نحدد من كون المحمول في المقدمة الأولي ، والموضوع في الثانية ، أن هذا شكل يختلف عن الذي فيه الحد المشترك محمولا في المقدمتين والذي فيه الحد المشترك موضوعا في الاثنين . أول الأشكال التي ذكرنا هو الشكل الأول والثاني والثالث يتبعان هذا الترتيب . وقد جعل الشكل الأول شكلا أولا "لان الشكلين الأخريين يرجعان عند الحقيقة إليه "(1). إذا أضفنا لهذا أن المناطقة المسلمين اعتادوا وضع المقدمة الصغرى قبل الكبرى (2) فان بالامكان من النظر في الحد المشترك ووضعه كمحمول أو موضوع في أي استدلال قياسي يكون أمامنا أن نحدد إلي اى شكل من الثلاثة ينتمي (3). قبل الإشارة لهذه الأشكال ، لابد أن نعطي قواعد الإنتاج للأشكال القياسية التي يوردها ابن حزم في كتابه (4) .


أولا : المقدمتين الجزئيتين السالبتين لا تنتجان .
ثانيا : تتبع النتيجة أخس أو اقل المقدمتين (اى السلب والجزئية). فإذا كانت أحداهما سالبة كانت النتيجة سالبة ، وإذا كانت جزئية خرجت نتيجة جزئية .
ثالثا : المقدمتين الكليتين تنتجان نتيجة كلية أو جزئية ، فالجزيء منطوي تحت الكلي .


يشير ابن حزم في هذا السياق للمهملة والمخصوصة .(5) لقد نبه ابن حزم من قبل أن المخصوصة لا تكمم ، وبالتالي لا تدخل في نظرية الاستدلال القياسي لكنه هنا يعود ويقول أن "حكم المخصوص حكم الجزئي"(6) يري ابن حزم انه لو كانت احدي المقدمتين مهملة والأخرى مسورة ، فالنتيجة مهملة ، وان كانت احدي المقدمتين مخصوصة كانت النتيجة مخصوصة . وإذا كانت احدي المقدمتين جزئية أو مخصوصة والأخرى سالبة فالنتيجة جزئية سالبة أو مخصوصة سالبة . كقولك :
لا واحد من الناس حجر .
وزيد من الناس .
فزيد لا حجر .


في حال المقدمات الموجهة (1) ، فانه إذا كانت احدي المقدمتين ضرورية (واجبة) والثانية ممكنة فالنتيجة ممكنة . أما أن كانتا ضروريتين (واجبتين) فالنتيجة ضرورية ، وان كانتا ممكنتين فالنتيجة ممكنة .
يعدد ابن حزم كما قلنا أشكالا ثلاثة معطيا ضروبا أربعة للأول، وأربعة للثاني ، وستة للثالث .(2) والحد المشترك في الأول – كما قلنا – محمول في الصغرى (المقدمة الأولي) وموضوع في الكبرى وضروبه هي : (3)
الضرب الأول : كل أ ب
و كل ب جـ
النتيجة كل أ جـ
الضرب الثاني : كل أ ب
ولا واحد من ب جـ
النتيجة لا واحد من أ جـ
الضرب الثالث : بعض أ ب
وكل ب جـ
النتيجة بعض أ جـ

الضرب الرابع : بعض أ ب
ولا واحد من ب جـ
النتيجة بعض أ ليس جـ

في الشكل الثاني يكون الحد المشترك محمولا في المقدمتين وضروبه هي : الضرب الأول: كل أ ب
ولا واحد من جـ ب
النتيجة لا واحد من أ جـ
الضرب الثاني : لا واحد من أ ب
وكل جـ ب
النتيجة لا واحد من أ جـ
الضرب الثالث : بعض أ ب
ولا واحد من جـ ب
النتيجة بعض أ ليس جـ
الضرب الرابع : بعض أ ليس ب
وكل جـ ب
النتيجة بعض أ ليس ب
الشكل الثالث هو الذي يكون الحد المشترك فيه موضوعا في المقدمتين وضروبه هي :
الضرب الأول : كل ب أ
وكل ب جـ
النتيجة بعض أ جـ
الضرب الثاني : كل ب أ
ولا واحد من ب جـ
النتيجة بعض ا ليس جـ
الضرب الثالث : بعض ب أ
وكل ب جـ
النتيجة بعض أ جـ
الضرب الرابع : كل ب أ
وبعض ب جـ
النتيجة بعض أ جـ .
الضرب الخامس : كل ب أ
وبعض ب ليس أ
النتيجة بعض أ ليس جـ
الضرب السادس : بعض ب أ
ولا واحد من ب جـ
النتيجة بعض أ ليس جـ
يبرهن ابن حزم علي الضرب الأول من الشكل الثاني برده إلى الضرب الثاني من الشكل الأول :
(1) (2)
الضرب الأول من الشكل الثاني الضرب الثاني من الشكل الأول
كل إنسان حي كل إنسان حي
ولا واحد من الحجارة حي ولا واحد من الحي حجر
النتيجة لا واحد من الناس حجر النتيجة ولا واحد من الإنسان حجر

يتم الرد بعكس المقدمة الثانية في (1) فينتج (2) .
أما رد الضرب الثاني من الشكل الثاني فيتم بالرد إلي الضرب الثاني من الشكل الأول .
(1) (2)
الضرب الثاني من الشكل الثاني الضرب الثاني من الشكل الأول
لا واحد من الحجارة حي كل إنسان حي
وكل إنسان حي ولا واحد من الحي حجر
النتيجة لا واحد من الحجارة إنسان النتيجة لا واحد من الإنسان حجر
يتم الرد بتغير موقع المقدمتين في (1)ثم عكس المقدمة السالبة وكذلك النتيجة التي هي سالبة أيضا في (1) فينتج (2) .

يرد الضرب الثالث من الشكل الثاني إلى الضرب الرابع من الأول :
(1) (2)
الضرب الثالث من الشكل الثاني الضرب الرابع من الشكل الأول
بعض الناس حي بعض الناس حي
ولا واحد من الحجارة حي ولا واحد من الأحياء حجر
النتيجة بعض الناس ليس بحجر النتيجة بعض الناس ليس حجرا
يتم الرد بعكس المقدمة السالبة (الثانية) في (1)
يبرهن علي الضرب الرابع من الشكل الثاني ببرهان الرد إلى المحال . الضرب الرابع من الشكل الثاني
بعض الحجارة ليس حيا
وكل إنسان حي
النتيجة بعض الحجارة ليس إنسانا .
إذا انكرت النتيجة فسيكون نقيضها حقا وهو "كل الحجارة إنسان" إذا أضفنا لها المقدمة الثانية "كل إنسان حي" نتج "كل حجر حي" وقد قلنا في المقدمة الأولي "بعض الحجارة ليس حيا". هذا تناقض .
يبرهن علي الضرب الأول من الشكل الثالث برده إلى الضرب الثالث من الشكل الأول .

(1) (2)
الضرب الأول من الشكل الثالث الضرب الثالث من الشكل الأول
كل إنسان حي بعض الحي إنسان
وكل إنسان جوهر وكل إنسان جوهر
النتيجة بعض الأحياء جوهر النتيجة بعض الأحياء جوهر
يتم الرد بعكس المقدمة الأولي في (1) .
أما الضرب الثاني من الشكل الثالث فيبرهن عليه برده إلى الضرب الرابع من الشكل الأول .



(1) (2)
الضرب الثاني من الشكل الثالث الضرب الرابع من الشكل الأول
كل إنسان حي بعض الحي إنسان
ولا واحد من الإنسان حجر ولا واحد من الإنسان حجر
النتيجة بعض الأحياء ليس حجرا النتيجة بعض الأحياء ليس حجرا
يتم الرد بعكس المقدمة الأولي في (1).
أما الضرب الثالث من الشكل الثالث فيرد إلى الضرب الثالث من الشكل الأول .
(1) (2)
الضرب الثالث من الشكل الثالث الضرب الثالث من الشكل الأول
بعض الأحياء ناس كل الناس حي
كل الأحياء جوهر بعض الناس جوهر
النتيجة بعض الناس جوهر النتيجة بعض الجوهر حي
يتم الرد بعكس المقدمة الأولى في ( 1) .


أما الضرب الرابع من الشكل الثالث ، فيرد إلى الضرب الثالث من الشكل الأول .
(1) (2)
الضرب الرابع من الشكل الثالث الضرب الثالث من الشكل الأول
كل إنسان حي بعض الجوهر إنسان
وبعض الإنسان جوهر وكل إنسان حي
النتيجة بعض الحي جوهر النتيجة بعض الجوهر حي
يتم الرد بتغيير موضع المقدمة الثانية في (1) ثم عكسها . بعد ذلك نعكس نتيجة (1) .
يبرهن علي الضرب الخامس من الشكل الثالث ببرهان الرد إلى المحال .
الضرب الخامس من الشكل الثالث .
كل إنسان حي
بعض الإنسان ليس حجرا
النتيجة بعض الحي ليس حجرا
أن كانت النتيجة باطلة فنقيضها حق وهو "كل حي حجر" لكن المقدمة الثانية تقول أن "بعض الإنسان ليس حجرا" . هذا تناقض .


يبرهن علي الضرب السادس من الشكل الثالث برده إلى الضرب الرابع من الشكل الأول

(1) (2)
الضرب السادس من الشكل الثالث الضرب الرابع من الشكل الأول
بعض الحي إنسان بعض الإنسان حي
ولا واحد من الأحياء حجر ولا واحد من الأحياء حجر
النتيجة بعض الإنسان ليس حجرا النتيجة بعض الإنسان ليس حجرا
يتم الرد بعكس المقدمة الأولي في (1)فينتج (2) .


يزيد ابن حزم بعد ذلك ضروبا ثمانية وذلك بتطبيق بعض القواعد التي سبق ذكرها :
1 _ إذا نتج عن قرينة (مقدمتين) نتيجة كلية موجبة فستنتج نفس القرينة عكس النتيجة السابقة وتكون جزئية موجبة .
2 _ إذا نتج عن قرينة نتيجة جزئية موجبة فستنتج نفس القرينة عكس النتيجة السابقة وتكون كلية سالبة .
بهذا سيكون لدينا ثلاث اضرب جديدة في الشكل الأول وهى :


الضرب الخامس : كل أ ب
وكل ب جـ
النتيجة بعض جـ أ
الضرب السادس : كل ا ب
ولا واحد من ب جـ
ولا واحد من جـ أ
الضرب السابع: بعض أ جـ
وكل ب جـ
النتيجة بعض جـ أ
ثم ضربان جديدان في الشكل الثاني وهما :
الضرب الخامس : كل أ ب
ولا واحد من جـ ب
النتيجة لا واحد من جـ أ
الضرب السادس : لا واحد من أ ب
وكل جـ أ
النتيجة لا واحد من جـ أ
ثم ثلاثة ضروب في الشكل الثالث وهي :
الضرب السابع : كل ب أ
وكل ب جـ
النتيجة بعض جـ أ
الضرب الثامن : بعض ب أ
وكل ب جـ
النتيجة بعض جـ أ
الضرب التاسع : كل ب أ
وبعض ب جـ
النتيجة بعض جـ أ
وبهذا يكون ابن حزم قد اعترف باثنين وعشرين ضربا صحيحا .


القضايا والاستدلالات الشرطية :


يقسم ابن حزم القضية الشرطية إلى نوعين معلقة ومقسمة . سنبدأ بالأولي "المعلقة" (وهي التي تسمي المتصلة) تأخذ الشكل "إذا كان .... فان .... " يسمي الجزء الأول منها الذي يلي "إذا كان "مباشرة "المقدم " ، والجزء الثاني الذي يلي "فان "يسمي "التالي"(1) يلاحظ أن المقدم يعبر عن شرط ومن هنا أتي اسم القضية ، وان التالي معلق بهذا الشرط ولذلك فابن حزم في محاولة نحت كلمات منطقية جديدة اختار لها هذا الاسم : "معلقة"(2). علي أن ابن حزم أيضا ينظر للشرطية باعتبارها تعبر عن علاقة علّية أو سببية ، بحيث يكون المقدم سببا والتالي مسببا كقولك: "إذا طلعت الشمس فان النهار موجود" . لا يري ابن حزم أن من الضروري أن نستخدم فقط الحرف "إذا" لنعبر عن الشرط فهناك حروف أخري تعبر عنه مثلما يعبر عنه اللفظ السابق وهذه هي : أن ، وإذا ما ، ومتي ما ، ومهما ، وكلما(3) علي انه كان من الواجب أن يذكر أن الأخيرة (كلما) تسور الشرط تسويرا كليا مما يجعلها مختلفة عن الأخريات . كذلك لا يري ابن حزم ضرورة التزامنا بوضع المقدم أولا والتالي بعده . فقد نقول في المثال السابق : "النهار موجود إذا طلعت الشمس"(1) . يضيف ابن حزم إلى هذه الملاحظات ، ملاحظات أخري هامة ومتعلقة بهذا النوع من القضايا . احدها احتمال كون احد الأجزاء في الشرطية المعلقة (المقدم أو التالي)أو الجزئين منفيين . كقولنا في الحالة الأولي : "إذا طلعت الشمس لم يكن ليل" . و"إذا لم تطلع الشمس كان ليل" ، وفي الحالة الثانية "إذا لم تغرب الشمس لم يأت ليل "(2) . والملاحظة الثانية هو احتمال أن يكون المقدم مكونا من عدة قضايا لا قضية واحدة . مثال ذلك قولنا : "أن كان العالم محدثا وكان المحدث يقتضي محدثا فالعالم محدث"(3). وهذا يتمشى مع ما نجده في المنطق الحديث وان كان المنطق الحديث يميز بين روابط أساسية وروابط فرعية . ففي المثال السابق سيكون الشرط رابطا أساسيا . ورابط العطف في المقدم رابطا فرعيا . إذا رمّزنا القضية السابقة فستكون :

(ق ٨ ل) م
كذلك يري ابن حزم (4) انه في القضية السابقة قد يكون المقدم (وهو قضية مركبة ) موجبا والتالي منفيا وبالرموز :
(ق ٨ ل) م
ولا مانع بالطبع من حالة كهذه . للأسف لا يزيدنا ابن حزم في هذا الموضوع بيانا ، لكنه علي الأقل يعترف بالقضايا الشرطية المركبة ويعطي أمثلة عليها .
ينتقل ابن حزم بعد هذا ليشرح الاستدلالات المبنية علي هذا النوع من القضايا الشرطية (5)، وكلامه هنا غامض أحيانا ملتبس أخري . رغم هذا فقد أعطي استدلالات صحيحة في هذا الباب وبين فساد بعضها الآخر .
في الاستدلال الأول (6) سنقرر(7) مقدم الشرطية ونستنتج تاليها :
إذا طلعت الشمس فان النهار موجود
لكن طلعت الشمس
إذن النهار موجود
هذا استدلال صحيح وشكله بالرموز :
ق ل
ق
ل
في نفس هذا الاستدلال قد يكون المقدم والتالي سالبان لكن بالطبع لن يغير هذا من صحة الاستدلال :
إذا لم تطلع الشمس فانه لن يكون نهار
لكن لم تطلع الشمس

إذن لن يكون نهار(1).
في الاستدلال الثاني (2) نقرر نفي التالي فنستنتج نفي المقدم :
إذا طلعت الشمس فان النهار موجود .
لكن النهار غير موجود
إذن لم تطلع الشمس
وبالرموز :
ق ل
ل
ق
هذا الاستدلال صحيح مثل السابق وابن حزم نفسه يلخصهما قائلا "فالوجه أن تصحح أما الأول (يقصد الجزء الأول وهو المقدم) فينتج لك صحة التالي وأما أن تصحح نفي التالي فيصح لك نفي الأول "(3) . وهو يردف ذلك بقوله : "وأما أن صححت التالي أو صححت نفي الأول فانه لا يصح لك بتصحيح التالي تصحيح الأول ولا يصح لك بتصحيح نفي الأول نفي التالي ".
هذا أيضا صحيح . علي أن ابن حزم يعطي حالات شاذة ليبين أن هناك شذوذا عن القاعدة في بعض الحالات وكلامه مختلط وغير سليم .(1)
يعالج ابن حزم القسم الثاني من الشرطيات وهو الشرطي المنقسم (2) أو المنفصل كما يسميه المناطقة المسلمين . وهيكل هذا النوع هو "أما ....أو ...." يقول ابن حزم أن الحروف المستخدمة للعبارة عن هذا النوع قد تختلف لكنها جميعا تؤدي نفس المعني . والحروف التي يعطيها هي "لا يخلو من" أو "هذا ينقسم إلي كذا وكذا " أو "لا سبيل إلي غير كذا وكذا " أو "قسم منه كذا وكذا " . هذه الحروف تشير إلى نوع معين من هذه القضايا التي تستوعب كل الإمكانيات ولا يكون منها صادقا سوي واحد فقط . اى بلغة المنطق الحديث هي التي تصدق إذ صدق احد مكوناتها فقط وتكذب إذا كذبوا جميعا أو صدقوا جميعا .
يشير ابن حزم أيضا إلى المنفصلة المركبة اى المكونة من عدة مكونات ، كقولنا "أما أن يكون الشيء واجب وأما مباح متساوي وأما مباح مستحب ، وأما مباح مكروه وأما حرام "(3) .لكن ابن حزم للأسف لا يميز بين الروابط الرئيسية والفرعية في هذه الحالة كما لم يميز من قبل في حال الشرطية المتصلة .
يعرف الشرطي المنقسم(4) بأنه الذي تستوعب أجزاؤه كل الأقسام بحيث تكون هذه الأقسام متباينة متغايرة . كما سنوضح بعد . كان عليه أن يضيف وجوب صدق احد هذه المكونات فقط إذ هذا هو النوع الوحيد الذي يعترف به .
بالنسبة للاستدلالات المركبة منه فالاستدلال الأول (5) وهو كالآتي :
أما العالم أزلي أو العالم محدث
لكن العالم أزلي
إذن العالم ليس محدثا .
وبالرموز :
ق ٧ ل
ق
ل
في الاستدلال الثاني (1) سننفي احد الأجزاء أو المكونات فينتج الآخر كقولنا :
أما العالم أزلي أو العالم محدث
لكن العالم ليس أزليا
إذن العالم محدث
وبالرموز :
ق ٧ ل
ق
ل
إذا كانت مكونات المنفصلة ثلاثة أو أكثر فهو يعطينا استدلالين صحيحين منهما الاستدلال الأول :(2)
أما أن يكون هذا العدد مساوي أو أكثر أو اقل من عدد آخر .
لكنه عدد مساوي للعدد الآخر .
إذن فليس العدد أكثر وليس اقل من العدد الآخر .
في الاستدلال الثاني(3) : ننفي جميع الأجزاء سوي واحد .هذا الجزء المتبقي هو الذي سنقرره كنتيجة نهائية :
أما أن يكون هذا العدد مساو أو أكثر أو اقل من عدد معين آخر .
لكن هذا العدد غير مساو وليس أكثر من العدد الآخر .
إذن هذا العدد اقل من العدد الآخر .
العلاقات : يعطي ابن حزم (4) أمثلة لنوع آخر من الاستدلالات تتعلق بالعلاقات وهو موضوع هام ومتعلق أصلا بالرياضيات كما هو واضح حتى من بعض أمثلة ابن حزم نفسها لكن ابن حزم لا يتكلم بالتفصيل فيها ويحاول فهمها من خلال نظرية القياس الارسطية .
احد هذه الاستدلالات هو : النرجس اشد صفرة من التفاح .
والتفاح اشد صفرة من الاترج
النتيجة النرجس اشد صفرة من الاترج .
كأنه أدرك هنا أن علاقة "اشد من " هي كعلاقة "الحمل" علاقة متعدية كما يقال بلغة المنطق الحديث . وهو يري أن علاقة "يشبه" هي أيضا علاقة متعدية كقولك :
بياض زيد يشبه بياض عمرو
وبياض عمرو يشبه بياض خالد
النتيجة بياض زيد يشبه بياض خالد .

استدلالات مكونة من أكثر من مقدمتين :
يعطي ابن حزم أيضا استدلالات تزيد فيها المقدمات عن اثنين (1) مثال ذلك :
بعض الموجودات شيء لم يزل
ولا موجود إلا الخالق والجوهر والعرض
والذي لم يزل ليس هو الجوهر ولا العرض
النتيجة : فهو الخالق عز وجل


للأسف لا يوضح ابن حزم صورة الاستدلال وبرهانه ويكتفي بالأمثلة ، مما يضعف كلامه في كتاب موضوعه المنطق وهو المتعلق بالاستدلالات وبراهينها.


يشير ابن حزم (2) أيضا إلى نوع من الاستدلال القياسي يعتمد على مفهوم الحد الأوسط الذي يتكرر في عدة مقدمات وهو :


إذا أفرط الأكل وجبت التخمة
وإذا وجبت التخمة ضعفت المعدة
وإذا ضعفت المعدة وجب سؤ الهضم
وإذا وجب سؤ الهضم وجب المرض
النتيجة : إفراط الأكل يوجب المرض .


بالرموز :
(((( ق ل ) ٨ ( ل م )) ٨ ( م ن) ٨ ( ن هـ )) (ق هـ ))
ص ك ك ك ك ص ك ك ك ص ك ك ك ص ك ص ص ك ك
هذا الاستدلال صحيح كما هو موضح .


يعطي ابن حزم (1) استدلال آخر معروف في المنطق التقليدي ويتكون من سلسلة من الاقيسة تكون نتيجة القياس الأول فيها مقدمة أولي في قياس جديد وهكذا يسمى بالإنجليزيةsorties :


كل معدود فذو طرفين .
وكل ذي طرفين فمنتاه
نتيجة كل معدود فمتناه
نضع هذه النتيجة مقدمة أولي في قياس جديد
كل معدود فمتناه
كل متناه فذو أجزاء
نتيجة كل معدود فذو أجزاء
نضع هذه النتيجة الجديدة مقدمة أولي في قياس ثالث
كل معدود فذو أجزاء
وكل ذي أجزاء مؤلف
نتيجة كل معدود مؤلف
ثم نأخذ النتيجة كما في السابق مقدمة أولي في قياس رابع :
كل معدود مؤلف
وكل مؤلف مقارن للتأليف.
النتيجة كل معدود مقارن للتأليف
ثم نعمل قياسا خامسا كما في السابق
كل معدود مقارن للتأليف
وكل مقارن للتأليف فلم يسبق التأليف
النتيجة كل معدود لم يسبق التألي

- الاخبار


الفصل الرابع
الأخــــــــــبار

ذكرنا من قبل أن بعض الكلام (الذي يتم معناه من لفظه ) يكون مركبا. هذا الكلام المركب هو ما يمكن أن نسميه "الجملة". والجملة علي أنواع . بعضها يكون "خبرا " علي حد عبارة ابن حزم . والخبر من الجمل هو ما يقبل الصدق والكذب
(1) ، أو هو قضية أن شئنا أن نخرج عن التعبير الحزمي . هذا النوع من الجمل (أي الأخبار والقضايا) هو الذي يهمنا أساسا وبصفة خاصة في نظرية الاستدلال أو "البرهان" كما يؤكد ابن حزم نفسه (2). لكن من الجمل ما ليس خبرا أي لا يقبل الصدق والكذب . بعض هذا النوع كالأوامر (التي تهمنا في مجال الأخلاق والقانون) تعالج الآن ضمن مجال المنطق الرمزي الحديث وقد ميزها ابن حزم وشرحها .

سننظر أولا في الجمل التي لا تقبل الصدق والكذب ويقسمها ابن حزم إلي أربعة أنواع
(3) :

1- أول هذا النوع من الجمل الأوامر . يري ابن حزم أن الأمر في ذاته لا يقبل الصدق والكذب وبالتالي لا يقوم منه برهان أي لا يمكن أن يكون مقدمة أو نتيجة في برهان إذ البراهين (بالمعني الارسطي والإسلامي) هي التي تكون مقدماتها ونتائجها قضايا تقبل الصدق والكذب . لكن ابن حزم الفقيه والمفكر الأخلاقي يدقق في موضوع الأوامر بشكل مفصل ولا يقف عند هذا الحد تجاه الأوامر . إذ من الأوامر ما ينطوي علي خبر يتضمن قضية تقبل الصدق والكذب
(4). فلو قلنا "لا تشرب الخمر" فهذا أمر قد يمكن النظر إليه علي انه يتضمن خبرا عن ضرر الخمر ، أي يتضمن القضية "الخمر ضارة" . كذلك في الرغبة كأن تقول "لابد لي من الحصول علي هذا الشيء "، فقد ننظر لهذا علي انه يتضمن خبرا وهو "هذا الشيء نافع لي ". كذلك يري ابن حزم أن الأمر قد "يجب"أي يصبح واجبا لخبر أوجبه (5) كأن نقول :" لا تتقاتلوا" بناء على القضية "العدو قادم". وكذلك قد يجب بناء علي اتفاق خصمين في جدال . فهو واجب لهم لأنهم سلموا بذلك . ما يريده ابن حزم في رأيي من الممكن أن نقدم حججا لوجوب أمر ما . أو فلنقل أن الحجاج وارد في مسائل القانون والأخلاق مثلا ، وليست الأوامر في هذين الميدانين أمور تؤخذ دائما مسلمة دون نقاش . لكن ابن حزم يستدرك ويقول "فالأمر حينئذ (يقصد في حال اعتماده علي خبر أو في حال اتفاق الخصمين ) مبرهن علي صحة وجوبه وليس برهانا "(1) . لعله يقصد أن الحجج الموجبة للأمر ليست في النهاية براهين علي صدق الأمر وإنما هي حجج مؤيدة لا غير.
يقسم بعد ذلك
(2) الأمر إلى أقسام . فمنه الواجب الملزم . والأمر الواجب الملزم يؤخذ كما هو ولا يمكن الخروج علي صياغته اللفظية إلا بدليل برهاني كالذي شرح من قبل . هناك أيضا أمر محضوض عليه غير ملزم ، ثم الأمر المسموح فيه ويعني به الذي يكون تركه أفضل (3) . بل من الأوامر ما يعني عدم رضي الآمر علي المأمور كقولك "افعل ما شئت" . وقد يكون الأمر وعيدا كقوله تعالي "اعملوا ما شئتم ". ومنه تهكم كقوله تعالي "ذق انك أنت العزيز الكريم " وبعض الأمر تقرير كقول المعصي "قد نهيتك فاصبر واحتمل ما أتاك". وبعضه تعجيز كقوله تعالي "قل كونوا حجارة أو حديدا". ومنه دعاء كقول القائل :"ابعد اخسأ ". وبعضه زجر كقول القائل "اخسئوا فيها". ومنه تكوين وهذا لا يكون إلا لله الذي يقول "كن فيكن" ، وقد يكون تعجبا كقول القائل "أحسن بزيد" أي ما أحسنه .
2- النوع الثاني من الجمل التي لا تقبل الصدق والكذب هو السؤال أو الاستفهام فلو سألت هل هو موجود ؟ فهذه جملة لا نقول عنها صادقة أو كاذبة .
3- النوع الثالث هو النداء كقولك "يا محمد" هذا بالطبع لا يقبل الصدق والكذب
4- النوع الرابع هو الرغبة : كقولك "أريد هذا الشيء " . الغريب أن ابن حزم ادخل الرغبة في الأوامر عند معالجته للأمر وان فصلها مستقلة عند تقسيمه للجمل التي لا يقع عليها صدق أو كذب .

يتوجه ابن حزم لمعالجة الأخبار فيركز بشكل أساسي علي القضية الحملية رغم تأكيده بأن القضايا التي تحتمل الصدق والكذب تشمل الشرطيات عدي الحمليات
(1) ، ورغم تقريره بأهمية القضايا الشرطية كما وضحنا من قبل في كلامنا علي الدليل . لا يعني هذا انه أهمل الشرطيات في "التقريب" إذ يدخل ابن حزم الشرطيات ضمن كلامه علي البرهان باعتبار أن الأسلوب الشرطي نوع من الاستدلال . وفي هذا كما سنبين عند كلامنا عن البرهان يتفق ابن حزم في وجهة النظر مع المناطقة المحدثين .
يحدد ابن حزم ابسط الحمليات بأنها القضية الاثنينية المركبة من موضوع ومحمول
(2) . لكن ليست كل الحمليات علي هذا الشكل . فهناك قضايا حملية يكون لها أكثر من موضوع ومحمول واحد ، كقولك "الملك والأنس والجن أحياء" وهذه عنده ثلاث قضايا لا قضية واحدة (3) أي أنها عنده كقولك "الملك حي والأنس حي والجن حي ". لكن ابن حزم يري انه إذا تعدد المحمول وكان الموضوع واحد فالناتج قضية واحدة فقط . كقولك "نفس الإنسان حية ناطقة ميتة مشرفة علي جسد يقبل اللون منتصب القامة " ؟ (4). لكن أليست هذه تساوي ثلاث قضايا هم "نفس الإنسان حية ، ونفس الإنسان ناطقة ، ونفس الإنسان ميتة مشرفة علي جسد يقبل اللون منتصب القامة" بل نجده هو نفسه يؤكد هذا عندما يعلق عليها قائلا بأنك لو فرقت عناصرها كانت قضايا متغايرة (5) هذا ينطبق أيضا علي القضية التي يتعدد موضوعها ويكون المحمول فيها واحدا . علي انه يقول بعد ذلك أن القضايا الحملية "الأكثر من اثنينية "(6) هي التي تزيد صفة أو زمانا مثلا كأن نقول "محمد كان أمس وزيرا" و "عمرو رجل عاقل". فهو يريد أن يقسّم القضية الحملية الواحدة إلى بسيطة ، وهي الاثنينية . ومركبة وهي التي يزيد محمولها عن اسم أو صفة واحدة في هذه الحالة سنتفق معه أن القضية "الملك والأنس والجن أحياء "مختلفة عن القضية المتعددة المحمول . بالطبع قد يكون موضوع القضية الحملية أكثر من لفظة واحدة دون أن يعني هذا أنها تدخل في نفس الفئة مع القضية السالفة الذكر . فقد نقول "زيد المنطلق كريم"(7) في هذه القضية الموضوع هو: زيد المنطلق. والمنطلق هنا مجرد تحديد لمن نريد أن نعطي صفة الكريم .فلفظة "منطلق"هي كاسم الإشارة إلى "زيد " وليست موضوعا جديدا كما في قولنا "زيد وعمرو كريمان" .
يقسم ابن حزم القضية الحملية عدة أقسام يتبع فيها التقسيم التقليدي . فالقضية الحملية قد تكون مخصوصة أو مهملة أو مسوّرة تسويرا كليا أو جزئيا . هذا هو التقسيم الأول . كذلك قد تكون موجبة أو منفية وهذا هو التقسيم الثاني . أما التقسيم الثالث فهو تقسيمها من حيث الجهة بحيث تكون واجبة أو ممكنة أو ممتنعة .

نبدأ بالتقسيم الأول . القضية الحملية المخصوصة هي التي يكون موضوعها شخص أو عين محددة أو أكثر من شخص أو عين محددين منفردين
(1). هذا يعني أنها القضية التي لا يكون موضوعها اسما كليا . يلاحظ أن ابن حزم أردف شرحه هذا قائلا بان القضية المخصوصة لا يقوم منها برهان . وهي بالتالي ليست تهمنا في نظرية الاستدلال . هذا هو موقف أرسطو أيضا . الذي يقتصر في استدلالاته في كتاب "التحليلات الأولي" علي تلك التي تكون مقدماتها قضايا حملية يكون محمولها وموضوعها اسما كليا لا شخصيا .
أما القضية المسورة فيكون سورها كليا : "كل"أو جزئيا "بعض"
(2) . القضايا المسورة أو "ذوات الأسوار" هي التي منها يتكون البرهان (3) . هذا يؤكد ما ذكرناه أن القضايا التي تقبل التسوير هي عنده وحدها التي يمكن إدخالها في نظرية البرهان .
القضية المهملة لا سور لها كقولك : "الإنسان حي" (4) واضح أن القضية المهملة ليس فقط ما لا سور لها ، فالشخصية لا سور لها ، ولكن المهملة تتميز بأنها تقبل التسوير . بل يقول ابن حزم أن بعضها يمكن تحديد سوره رغم عدم وجود سور له مثل "الإنسان حي"إن هذه تعني "كل إنسان حي"(5) بل يعطي ابن حزم(6) طريقة لتحديد المهملات من ناحية الكلية و الجزئية وذلك بالنظر للمحمول فإذا كان عاما فموضوعها كلي ، وإذا لم يكن عاما فموضوعها جزئي . فمثلا "الأطباء محسنون " تعني "بعض الأطباء محسنون" لان المحسنون صفة جزئية . لكن قولك "الإنسان ضحاك" تعني "كل إنسان ضحاك " لان الضحاك صفة عامة . لكن ماذا يقول ابن حزم في القضية "الأنبياء محسنون"؟ هل هذه تقول "بعض الأنبياء محسنون" ؟ لا يمكن أن يقبل ابن حزم هذا في اعتقادي.
يعتقد ابن حزم أن السور الكلي لابد أن يوضع قبل الموضوع
(1) فنقول "كل إنسان حي" لأنك لو قلت "الإنسان كل حي" أفاد هذا معني مغايرا عداك عن كون الأخيرة كاذبة والسابقة صادقة . أما السور الجزئي فبالامكان أن يوضع قبل المحمول فنقول "الإنسان بعض الحي" وهو يساوي قولك "بعض الإنسان حي"(2).
التقسيم الثاني للقضايا الحملية الذي يأخذ به ابن حزم هو التقسيم من ناحية الكيف أي التقسيم إلى الموجبة والسالبة . والنفي علي حد قوله هو نفي لمحمول معين مذكور في قضية على أن يكون صفة للموضوع المذكور
(3) ، وهو يصر علي أن يوضع النفي أمام المحمول لا الموضوع حتى تتبين هذه النقطة . ومثاله في الواقع لا يخو من دلالة لغوية . فهو يقول (4) بأنه لا يجب أن نقول "لا زيد منطلق"بل "زيد غير منطلق" . الأولي تنفي عن زيد معين انه منطلق . لكن لو قلنا " ليس زيد منطلقا " فهذه لاشك تساوي قولنا "زيد ليس بمنطلق" للأسف لا يوضح ابن حزم هذا الفرق بين "لا"و " ليس "والذي ينطبق في المثال الذي أتي به هو نفسه .
كما هو معروف يلتصق حرف النفي بالسور الكمي لنفي بعض أو كل ما تريده في الحكم
(5). بالنسبة للنفي الجزئي ، فالنفي يكون نفيا لصفة عن بعض النوع ويكون أما بان تنفي السور الجزئي وتقول "ليس بعض" أو تنفي السور الكلي وتقول "ليس كل" وكلاهما واحد كما يقول (6) . أما النفي الكلي العام فهو نفي لصفة عن جميع النوع فتقول "ليس واحد من الخيل ناطقا"(7) . لكن قد تنفي نفيا كليا بمعني انك تريد نفي صفة عن بعض النوع كما ذكرنا(1) .الحقيقة أن هذا مثير للبس لان السور "ليس كل" قد دخل حسب هذا التقسيم في القضية السالبة الجزئية والسالبة الكلية والأفضل كي نفصل بينهما أن نجعل لكل واحدة سورا خاصا بها حتى لو خرجنا بذلك عن اللغة العادية .
من المهم أن أشير هنا إلي فقرة هامة لابن حزم
(2) حول النفي يتكلم فيها عن النفي في موقف الجدال أو المناظرة . يقول بأنك لو أردت نفي أو نقض كل ما قال الخصم في المناظرة فلابد أن يخضع نفيك أو نقضك للشروط الآتية :(3)
1- لابد أن يكون موضوع ما أوجب الخصم وما نفيت أنت واحدا . وهو يعتقد أن الكثير من النزاعات في علم الكلام صادرة عن أن الموضوع عند الموجب والنافي ليس واحدا كما لو قلنا "الموجود محدث" . فالعالم مثلا موجود وهو محدث لكن الله موجود وليس محدثا . فكأنك لو نفيت الحدوث عن الموجود وكان قصدك الله تعالي لم يكن نفيك نقضا لمن قال الموجود محدث ويعني العالم محدث .
2- كذلك لابد أن يكون المحمول واحد عند من أوجب ومن نفي. فلو قال واحد "زيد عالم "ويقصد عالم بالنحو ونفي آخر عنه صفة العلم وكان في ذهنه علم غير النحو لم يكن كلامه نفيا لما قاله الأول .
3- لابد أن يراعي زمان الحكم أي الوقت الذي قيل فيه الحكم . فلو قال واحد "زيد كاتب"فلابد أن يحدد الزمن الذي قيل فيه الحكم لأنه قد يكون زمان لم يكن فيه زيد كاتبا فإذا نفيت عن زيد الكتابة في هذا الوقت فلا يكون ذلك نفيا للقائل بأن زيدا كاتب حيث أن هذا القول قيل في زمن مغاير .
4- أن تكون أطراف النسبة أو الإضافة في الإيجاب والنفي واحدة فلو قلت أن س والد ص فيجب أن تراعي عند النفي أن يكون نفيك لوجود هذه العلاقة بين نفس الأطراف .

القسمة الثالثة للقضايا الحملية هي من ناحية الجهة أو "العنصر" حسب تعبير ابن حزم
(4) . والجهات عنده ثلاثة : الوجوب والامكان والامتناع . بالنسبة للواجب فهو يسمي في الشريعة "الفرض اللازم "، والممكن يسمي "الحلال والمباح"، والممتنع يسمي "الحرام والمحظور".
الواجب كما يقول ابن حزم هو الموجود ، أما الممكن فلم يأت بعد ، والممتنع فلا يكون ولا يظهر فهو باطل
(1) .
والممكن (2) قد يكون ممكنا قريبا كإمكانية وقوع المطر إذا ما تكاثف الغيم في الشتاء وقد يكون ممكنا بعيدا كهزيمة عدد كبير من الشجعان أمام عدد قليل من الجبناء . لكن من الممكن ما يستوي حدوثه وعدم حدوثه وهو الممكن المحض . كالشخص الواقف في البيت فإمكانية بقائه كإمكانية ذهابه . في الشريعة نجد هذه الثلاثة . فهناك مباح مستحب كالصلاة ركعتين نافلة إذا فعلتها أجرت وإذا تركتها لم تأثم . ثم مباح مكروه كالأكل متكئا إذا فعلته لم تأثم ولم تؤجر وإذا تركته أجرت . وأخيرا مباح مستوي فهو إذا فعلته أو تركته لم تأثم ولم تؤجر مثل صبغك ثوبك أي لون شئت.
أما الممتنع فمنه نسبي (أو "ممتنع بالإضافة") . أي قد يكون ممتنعا في زمان معين وليس في زمان آخر أو في مكان معين وليس في آخر . فامتناع وجود الفيل في ارض الصقالبة – علي حد قوله – امتناع بالإضافة . لأنه قد لا يمتنع في مكان آخر . هناك أيضا الممتنع في العادة . أي أن العادة جرت بحيث يمتنع أن لا يحصل حريق إذا قربنا النار من الورق . يلاحظ هنا أن ابن حزم يسير في هدي نفي الاشاعرة لمبدأ الضرورة في الأحداث الطبيعية وقولهم بأنه ما نظنه ضرورة إنما وليد تكرار الظواهر وتكوين العادات النفسية .

وابن حزم مثل الاشاعرة يري أن معجزة الأنبياء تتكون في أنهم قد يكسرون العادة كما حصل لإبراهيم عليه السلام الذي لم يحترق عند وضعه في النار . هناك أيضا الممتنع في العقل وهو المتناقض أو ما يخالف بديهة العقل ككون الشيء موجودا وغير موجود في آن واحد ومن نفس الجهة . يضيف ابن حزم صنفا رابعا من الامتناع وهو الممتنع المطلق
(3) كامتناع التغير على الله تعالي .
ينظر ابن حزم بعد ذلك في القضايا الموجهة موجبة ومنفية ليحدد متي تكون كل منها صادقة ومتي تكون كاذبة
(4) .
يري ابن حزم أن (أ) الواجبة الموجبة (بالمعني العام للإيجاب) صادقة دائما أما نفيها فكاذب أبدا . و (ب) الواجبة الموجبة (بالمعني الخاص للإيجاب) صادقة أبدا ونفيها كاذب أبدا . و (جـ) الممكنة الموجبة (بالمعني العام ) فكاذبة أبدا ونفيها صادق أبدا . و (د) الممكنة الموجبة (بالمعني الخاص) صادقة أبدا . أما (هـ) الممتنعة الموجبة (بالمعني العام) فكاذبة أبدا ونفيها صادق أبدا . و (و) الممتنعة الموجبة (بالمعني الخاص) كاذبة أبدا ونفيها صادق أبدا .
ينهي ابن حزم كلامه في القضايا بفصل يفرده لما يسميه "الملائمات"
(1) وهي القضايا المختلفة الألفاظ المتفقة المعني . وهي علي ذلك فقد تثير الإشكال بالنسبة لغير المتعلم . الغريب أن مثاله الأول ينعكس عليه . فهو يقول بان القضية "كل ما ليس لحم خنزير حلالا " تساوي في المعني وان اختلفت في اللفظ القضية " بعض ما ليس لحم خنزير ليس حلال " .
يقول ابن حزم أن هناك اتفاق في المعني بين القضيتين اللتين تقرر أن "أن من الممكن أن يكون "و "أن من الممكن أن لا يكون ". هذا بالطبع يصدق في الممكن المحض كما يسميه . كذلك هناك اتفاق في المعني واختلاف في اللفظ بين "غير ممتنع أن يكون" و "غير ممتنع أن لا يكون" و "غير واجب أن لا يكون" .

هناك أيضا اتفاق في المعني بين "واجب أن لا يكون" و "ممتنع أن يكون " و "غير ممكن أن يكون" . وأيضا بين "غير ممتنع أن يكون " و "غير ممتنع أن لا يكون ".

يعطي ابن حزم قاعدتين تتعلقا باتفاق المعني بين الموجبات والمنفيات . فالقضية الموجبة تتفق في المعني مع نفس القضية إذا ما نفيناها مرتين باعتبار أن نفي النفي إثبات . والقاعدة الثانية أن القضية الموجبة تتفق في المعني مع نفي القضية إذا نفينا سلب الصفة التي أوجبتها الموجبة . مثال ذلك قولنا "الإنسان حي" التي تتفق في المعني مع "ليس الإنسان ليس حيا" . وهو يقرر أيضا أن نفي "ممكن أن يكون" هو "لا ممكن أن يكون "وليس نفيه "ممكن أن لا يكون " . لان الأخيرة كما ذكرنا متفقة في المعني مع الأولي . كذلك يقرر بان نقيض "واجب أن يكون" هو "لا واجب أن يكون" وضدها "واجب أن لا يكون" . أما نقيض "ممتنع أن يكون " فهو "لا ممتنع أن يكون " و ضدها "ممتنع أن لا يكون" .

(1) التقريب ، ص 38 و 82 .
(2) التقريب ، ص 38 .
(3) التقريب ، ص 38 – 40 .
(4) التقريب ، 38 .
(5) التقريب ، ص 38 .
(1) التقريب ، ص 38 .
(2) التقريب ، ص 40 .
(3) التقريب ، ص 40
(1) التقريب ، ص 39 ، يعالج ابن حزم الشرطيات في "كتاب الأخبار" التقريب ص 38 ولكن باقتضاب سنلحق هذا الجزء بما قاله في هذا الموضوع في "كتاب البرهان"
(2) التقريب ، ص 84 .
(3) التقريب ، ص 83 .
(4) التقريب ، ص 83-84 .
(5) التقريب ، ص 83 -84 .
(6) التقريب ، ص 84 .
(7) التقريب ، ص 84 .
(1) التقريب ، ص 84 .
(2) التقريب ، ص 84 -85 .
(3) التقريب ، ص 85 .
(4) التقريب ، ص 85 .
(5) التقريب ، ص 85 .
(6) التقريب ، ص 85 ، انظر أيضا ص 107 .
(1) التقريب ، ص 85.
(2) التقريب ، ص 85 .
(3) التقريب ، ص 89 .
(4) التقريب ، ص 89 و 98 .
(5) التقريب ، ص 89-90 و 99 .
(6) التقريب ، ص 91 .
(7) التقريب ، ص 91 .
(1) التقريب ، ص 91 .
(2) التقريب ، ص 89-90 .
(3) يعطي ابن حزم ثمانية شروط ذكرنا منها فيما يلي أربعة فقط لان الأربعة الباقية تدخل في واحدة من الأربعة المذكورات هنا .
(4) التقريب ، ص 86 – 89 و 93 – 98 .
(1) التقريب ، ص 87 .
(2) التقريب ، ص 86 .
(3) في النص "المنطلق" (التقريب ، ص 88 )لكني اعتقد أنها ع