06‏/08‏/2009

- اعتزال الكتابة


لما لا يستقيل الكاتب فعلا ويعتزل دسيسة الكتابة عند حد معين او تاريخ يحدده ، كما هو حال اعتزال لاعب كرة القدم مثلا .. الا يمكن ان تتحول متعة تسلية الكتابة الى حالة ادمان قد تستلزم فعلا وقفة من الكاتب مع نفسه ، واعادة تأمل موقفه..؟ وماذا فيما لو تحول الامر الى ظاهرة ، واصبحنا نشاهد ونسمع عن كتاب يعلنون عن موعد اعتزالهم الكتابة , الا تشكل هذه البادرة ظاهرة صحية ,,! ؟.... الجواهر النفيسة تأتي بعد لآى .. ولربما من الاجدى للكاتب ان يحتفظ بكتاباته في رأسهِ ، كي لا يضيّع الوقت في كتابتها ، ومن ثمّ يندمُ على نشرها.

قصة " اعتزال الكتابة " تذكّر بالروائي العالمي " غابريل غارسيا ماركيز " والجدل الذي اثير حول اعلان عزمه اعتزال الكتابة .. وايضا الى روائع من التراث الانساني خطها بقلمه .. وتذكر بروايته العظيمة " مائة عام من العزلة " ..التي عدت اهم رواية صدرت باللغة الاسبانية بعد رواية سرفانتس " دون كيشوت " . وبقصة قصيرة لماركيز " اجمل رجل غريق في العالم " قدمها : : " أ. لانا فارس قبق " و " د . فؤاد عبدالمطلب " الى العربية بلسان رائع ضمن مجموعة قصصية لماركيز " عاصفة الاوراق وقصص اخرى " . واعربا في المقدمة عن ثقل المهمة .. حمل الترجمة : " دون شك ان الترجمة ليست مجرد عملية نقل لغوي لعمل لغة في لغة اخرى ، فالترجمة عملية معقدة تنطوي بالاضافة الى سعة الاطلاع بلغتين على فهم للادآب والثقافة الحاملة لكل من هاتين اللغتين " .. الى شيء منها ..: " ليس الا رجلا غريقا ..وقالوا فيما بينهم : انه كذلك ربما لانه كان عائما لفترة طويلة في البحر، فقد تسربت الى عظامه . وعندما وضعوه .. المنزل بصعوبة كاد يتسع له ، مما جعلهم يعتقدون ان امكانية النمو بعد الموت قد تكون جزءا من طبيعة الغرقى .. بقيت النسوة بجوار الغريق ازحن الوحل عنه بمماسح مصنوعة من العشب .. وبينما كن يقمن بذلك لاحظن ان النباتات العالقة به قد أتت من محيطات بعيدة ذات مياه عميقة .. ولاحظن ايضا أنه يحمل موته بكبرياء ، لانه لم تكن على وجهه تلك النظرة الموحشة لبعض الغرقى الذين لفظهم البحر ، ولا تلك النظرة المنهكة المستغيثة لرجال غرقوا في الانهار .. لم يكن لديهن ما يكفي من قماش الاشرعة . فكان سرواله الذي فصل على عجل ، وخيط بشكل سيىء ، ضيقا جدا ، كما ان القوة الكامنة في صدره كادت تقطع الازرار في قميصه .. واستطعن تخيله وهو حي ، وقد حكم عليه ان يدخل من الابواب بشكل جانبي ، فيصطدم راسه بالعوارض الخشبية . ويبقى واقفا اثناء الزيارات لا يعرف ماذا يفعل بيديه الناعمتين المتوردتين الضخمتين بينما تهم سيدة المنزل بالبحث عن كرسي اكثر مقاومة ، وترجوه .. فيبتسم وهو مستند الى الجدار : ! لا تهتمي سيدتي ، انني استريح هكذا ! .. ولا تهتمي يا سيدتي فأنا بخير حيث انا ! ويقول هذا فقط ليتجنب احتمال كسر الكرسي عندما يجلس عليه ، فهو قد يعلم أبدا أن اؤلئك الذين كانوا يقولون لا تذهب .. هم انفسهم يهمسون فيما بعد : يا لطيف اخيرا غادر ذلك المغفل الظخم .. هناك حيث الرياح الهادئة .. هناك تسطع الشمس باشاعتها الذهبية ، فتحتار أزهار دوار الشمس ، فلا تعرف الى اية جهة تستدير "
--------------

غابريل غارسيا ماركيز ، عاصفة الاوراق وقصص اخرى ، ت . أ . لانا فارس قبق ، د . فؤاد عبدالمطلب ، دار التوحيدي للنشر ، سوريا ، حمص .