عربدت في الصدر آهات الحزين ، ودموع القلب فاضت من تباريح السنين ، ورياح عصفت بالحب وبالوجد والحنين . . كلمات في ذكرى الشاعر الليبي مصطفى بن زكري الطرابلسي ، وفي مناسبة الاعلان على اصدار الطبعة الثانية لديوانه بعد121 عاما من الطبعة الاولى ، بمعرفة دار ( مداد ) للنشر بالقاهرة ، والتي تعمل على نشر الكتاب الليبي وتقديم الثقافة الليبية بكافة ألوانها.


الخبرتوالت على نقله باهتمام بالغ صحف ومواقع عدة منذ اكثر من شهر مضي ، في اشادة بمبادرة دار النشر . وقد طبعت النسخة الأولى من الديوان في القاهرة بالمطبعة العثمانية عام 1892 . ويشتمل الديوان على قصائد شعرية لغوية على غرار ألفية ابن مالك وضعها في أبواب.. فيقول في باب أبنية الاسم الثلاثي :


فافتح وضم العين وألفا واكسرا


وزد سكون العين نحو الصورا


وأسقطوا الذي يكون كدثل



وعكسه وقيل أنه يقل


وفعل حلقيّ عين وجدا


كفعل فعل وفعل وردا


وغير فعل أجز بكالكتف


وضم عين فعل قد ينحذف


كضم عين فعل وكسر ما


كابل وعين فعل اضمما


ولد الشاعر ابن زكريا في 1853 بطرابلس ودرس بجامع عثمان باشا وجامع شائب العين في طرابلس، وتعلم اللغة التركية والفرنسية، حيث سافر الى مصر والحجاز وبعض دول أوروبا، ونشر انتاجه الأدبي والشعري في عدد من الصحف التي كانت تصدر آنذاك في ليبيا منها جريدة الترقي، وعمل بالتدريس ثم التجارة، وتولى ادارة مكتب الفنون والصنائع بطرابلس في عهد رجب باشا الحاكم العثماني في هذا التوقيت، وتوفي في 1917م


وفي مقدمة الديوان يقول الشاعر الليبي مصطفى بن زكري” هذا ماسمح به فكري من طرائف الأبيات الغزلية ولطائف النكات الأدبية، ولا يغرك ما أدّعيه، ولست من أربابه وذويه، فغاية مرامي، ومرمى سهامي أن أرد من فم الأدب رضابه وأرتشف من راحة حبابة ، وأقرع باب معانيه، وأسوم شباب أغانيه، وأتضلع من محكم آياته، وأستجلي مخدرات نكاته، ولا أدعي مجارات فرسانه بغروري، وكيف وأنا أتعاثر في ذيل قصوري .


ولما تفقدت شواردها وتقفيت أوابدها، صادفت جلّ الأبيات في جُب الخمول مقبورا، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، وحذرا من ضياعها ودثور رقاعها، طفقت أجوس مفاوز أفكاري، وأطارد شوارد أوطاري، إلى أن ظفرت ببعضها، وقمت بقضاء فرضها،فركّضتُ جواد أقدامي وفوّقت سنان أقلامي، وثنيت عنان البنان إلى ميدان الطروس، وأدرت من بديع المعاني ألذ الكؤوس، واعتبرت في الترتيب البحور دون الحروف، وإن كان غير المألوف، لكي لاتذهب عند القراءة طلاوة الإتصال، بوحشية تباين الأوزان والانتقال.

الباحث والصديق الدكتور قريرة زرقون في دراسة بعنوان ( الحركة الشعرية في ليبيا في العصر الحديث ) يصنف الاتجاهات الشعرية التي شهدتها ليبيا خلال عقود القرن العشرين الى مدارس ادبية تضم عددا من الشعراء ذوي الاوجه الثقافية المتنوعة الى ثلاثة مدارس . يتصدرالشاعر مصطفي بن زكري قائمة رواد المدرسة التقليدية ، التي سارت على خطى الشعر العربي الملتزم بالعروض الخليلي . وينقل لنا من ابداعاته في فن اشبه بالموشحات يقول :


بين آس وأقاح


وصبوح في صباح


روح الروح براح


واغتنم صفو الزمان


خندريس من رحيق


قرقفا تدعى بريق


في كؤؤس من عقيق


عصرت من اقحوان


يذكر ايضا ان بيت الشاعر بطرابلس كان صالونا أدبيا وفكريا تلتقي فيه النخبة البارزة من رجال الأدب والفكر والسياسة, والتي اعتبرته رائدها, وأصبغت عليه لقب ( شاعر ليبيا الأول). وعندما غزت ايطاليا ليبيا العام 1911 انزوى بن زكري في بيته والتزم الصمت حتى وفاته العام 1917 .


شعره ينبع من روح القصيدة الأندلسية ومن تجاربه الحياتية الغنية بالسفر والرحلات . وله باع ايضا في قرض شعر الغزل ، منه :


بأبي مـن زرانــي ملتثمــا وجلا من رقباء الحــرس


فهو كالبــدر بدا مبتسمــا يتوارى تحت ذيل الغلس

***


قالوا : له خال بصفحة خده وتفننوا في كنهه وصفاته


وأراه عبدا يسرق من جنــا خـديه مغترا بفعل سناته


فرماه ناظره بسهم صائب ونظر إلى دمه على وجناته


قرأت الخبر واحسست بعربدة آهات ، منها ما يشير الى عناية مسبقة للمؤرخ الليبي على مصطفي المصراتي بتحقيق الديوان وقد نشر بمعرفة ، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت عام 1966 . وكذلك بمعرفة دار الفكر، طرابلس عام 1972 . وأخرى تتسأل عن اسباب تفضيل خيار الطباعة والنشر بمعرفة مطابع ودور النشر خارج بلادنا ليبيا ؟؟

اما عندما تصنف المادة المحققة ضمن ابرز ذخائر التراث الليبي خلال قرن مضى ، فلا بد لها ان تعربد وتعربد في الصدر آهات الحزين ، وتفيض دموع القلب من تباريح السنين ، وتعصف رياح الحب بالوجد والحنين .