10‏/05‏/2010

- اضغات أحلام


أحلم أني اتملك الارض الشاسعة ، والقصور الجميلة الشامخة الحافلة بالأثاث المترف ، أكنز المعادن الثمينة ، اتنقل واجوب اصقاع الارض ورحلات الى البلدان النائية للترويح على النفس وتقديم الهدايا للعشيقات ، والانفاق كما أشاء في وجوه المتعة .





احلم أني أطير او اعيش في قصر مفروش بالحرير وألوان لامعة تزين الجدران ، وستائر وردية منتقاة بعناية ، وسجاد سندسي ووسائد من ريش النعام ، والبسط والبخور والعطور . أشير بيدي فيأتيني طبق مليء بما أشتهي . أصفق بيدي فتأتي فتاة رائعة لم تمسها يد انسان . ترقص وسط ضباب من بخور الصندل المحروق ، وضياء الشموع . ولحن الجدود الاندلسية .

يا ليلة حزت الجمال

والسعد أقبل

لك المفاخر والكمال

والعز أجمل


احلم بليلة قمراء والجو دافيء .. وبستان يعبق بروائح الزهور . ورائحة مسك الليل القوية ، وعبيرأشجار الليمون .. جنة الارض مفروشة مخضرة مزرقة ممتدة تناديني .. وفي صفاء ذهني تنتعش الروح و تتبخر الافكار .. أحس نفسي سارقا ومسروقا .. الكلمات التي افكر أن اقولها تضيع مني قبل أن ألفظها .. انا صحراء الظمأ .. متاهة الرغائب الجنونية.. .. أكره أن اتكلم حين لا أريد .. عطور شرقية نفادة .. اووه ، لقد آلفتها . إذا كانت الألفة هي الحب فإني أحبها . اميل كما الناس الى احدث ما ينشد المغنون :

إني أغار من الكؤوس فجنبي

كأس المدامة أن يقبل فاك




احلم بالثراء وأكره الفقر ، الفقر يحيل قلوب البشر الى صحارى تتعارك رمالها ويجف فيها صوت العندليب ، الثراء والفاقة ضدان ام وجهان لعملة واحدة ؟ لا ادري .. يقال أن كلاهما ابتلاء . اكرمه ونعمه او قدر عليه رزقه . الاولي تورث الطراوة والخمول ، وتولد نزوعا هداما ، والثانية تؤدي الى جانب هذا النزوع الهدام ، الى الضعة والرغبة في اقتراف الشر .


احلم بالثراء واكره الفقر .. الفقر كما عرفه عروة بن الورد في الجاهلية ، وكان يقال له عروة الصعاليك ، لأنه كان يؤويهم ويحسن إليهم كثيرا. قال :

ذريني للغنى أسعى فإني ** رأيت الناس شرهم الفقير

وأبعدهم وأهونهم عليهم ** وإن أمسى له حسب وخير

ويقصيه الندي وتزدريه ** حليلته وينهره الصغير

وتلقى ذا الغنى وله جلال ** يكاد فؤاد صاحبه يطير

قليل ذنبه والذنب جم ** ولكن الغنى رب غفور

احلم بالثراء واكره الفقر .. وإن كان من عجيب أمر الاثرياء أنهم ينظرون بعين الحقد والعداء الى من ينبئهم صراحة أنهم لم يكفوا عن الاغراق في المشرب والمأكل ، وعن اللهو والترف ، لذا لن ينفعهم دواء ولا كي ولا استئصال ولا تعاويد ولا احجبة . ولا خير في أمرىء يغضب ممن يسدي النصح السديد اليه . أما من يتملق مشاعرهم ويتقرب إليهم بوضاعة ، ويعلم رغباتهم فيحاول تحقيقها ، هو في نظرهم صالح حكيم ، يستحق أن تغدق عليه مظاهر التكريم .

احلم .. واحلم .. ويأخدني الحنين الى ماض تليد .. الى مجالس الجدود .. من قرطبة وزمان الوصل بالاندلس الى بغداد .. في مجلس الجراحي أبي الحسن قاضي الكرخ .. بردائه المحشى ، وكميه المفدرين ووجنتيه المتخلجتين وكلامه الفخم ، وإطراقه الدائم ؛ فانه يغمز بالحاجب إذا رأى مرطا، وأمل أن يقبل خدا وقرطا ؛ على غناء شعلة :

لابد للمشتاق من ذكر الوطن

واليأس والسلوى من بعد الحزن

وقيامته تقوم إذا سمعها ترجع في لحنها:

لو أن ما تبتليني الحادثات به

يلقى على الماء لم يشرب من الكدر

فهناك ترى شيبة قد ابتلت بالدموع ، وفؤاد قد نزا إلى اللهاة ، مع أسف قد ثقب القلب، واوهن الروح ، وجاب الصخر، وأذاب الحديد، وهناك ترى والله إحداق الحاضرين باهتة ، ودموعهم متحدرة ، وشهيقهم قد علا رحمة له ، ورقة عليه ، وهذه صورة إذا استولت على أهل المجلس وجدت لها عدوى لا تملك ، وغاية لا تدرك ، لأنه قلما يخلوا إنسان من صبوة أو صبابة ، أو حسرة على فائت، أو فكر في متمني ، أو خوف من قطيعة ، أو رجاء لمنتظر ، أو حزن على حال.

احلم .. واحلم.. وسأظل أحلم مثل ملايين البشر ، لست معصوما من جرثومة العدوى التي ينتزى بها جسم الكون .. احلم والدنيا تسير، باختيارنا او رغم أنوفنا ، في قافلة طويلة ليست كلها شر . احلم وما تزال في عقلي بقية تدرك سخرية الموقف .. احلم حتى يئن الحجر ويبكي الشجر.. فإن فاتني أن أكون ثريا او ملاكا ارضيا . سأظل احلم .. احلم .!

ليست هناك تعليقات: