10‏/05‏/2010

- عدوى الرحيل


الرحيل بعيدا عن الوطن والاهل هو ما نعته الاديب والروائي السوداني الطيب صالح (1929 – 2009) بالعدوى ، وجعل منه حجر زاوية البناء في ثنايا روايته الشهيرة ” موسم الهجرة الى الشمال ” . الرواية التي لاقت اهتمام بالغ ومنقطع النظير و]داع صيتها حتى قيل انها غطت على أعمال الطيب صالح ، بل وغطت عليه هو نفسه كما يصفها النقاد . وقد بلغت العالمية وترجمت الى لغات عدة . وشقت طريقها إلى قلوب القراء .


صنفت الرواية من منظور يربطها بمرحلة ما بعد الكولونيالية ، و بمثابة دراسة استكشافية اعتمدت على الفن الروائي لرسم صورة مركبة تعكس الآثار التى تركها الاستعمار في نفسية المستعمر من خلال الشخصية الرئيسة ، ( صديقه ) مصطفى سعيد ، ذلك المهاجر المهمش القادم من السودان للدراسة فى لندن والذي يرغب في الانتقام بطريقته الخاصة من الغرب المستعمر .


ادب الطيب صالح عموما اضافة الى ما حمله من قيمة انسانية وادبية وانطلاقة من اغراق في غور المحلية وتفاصيلها ، الى آفاق ارحب وفضاءات انسانية اعم . معنياً برصد ثنائيات الأنا والآخر، الحداثة والموروث، التقدم والتخلف ، ودون الوقوع في مأزق التبعية الذهنية التي وقع فيها معظم المثقفين العرب. اعتبره البعض محطة بارزة وجسرا مثينا مهد الطريق أمام الأدباء العرب للوصول إلى القارئ الغربي بفضل ترجمة أعماله إلى لغات عدة .



في صدر الرواية ” موسم الهجرة الى الشمال ” ينقل لنا رسالة تحمل وصية صديقه مصطفى سعيد وقد استشعر لحظة الوداع وقرب المنية ، يتأمل فيه العناية بأبنائه وترشيدهم ، ويؤكد بوجه خاص على حمايتهم من عدوى الرحيل التي يبدو انها سمة متفشية بين جيل الشباب آن ذاك .

تلك العدوى التي هي اشبه بفيروس عصر ما بعد الكولونيالية لا يزال – على ما يبدو الى اليوم – تأثيرها ماض بمجتمعات افريقيا والعالم الثالث بوجه عام ، بل وتزداد حمى الاصابة كلما نهشت بحدة مخالب العوز والفقر جسد قاطرة الأمل .

في بلادنا لا يبدو ان شبابنا يشكل حالة استثناء .. طرقت أذني تأوهاّت عدة متفائلة ، تطمح وتتسأل وتنتظر موعد الرحيل ، وموسم الهجرة الى الشمال .. ما ذكرني بوصية من خاض التجربة واراد لها ان تبقى دخيرة لاجيال تأتي من بعده .. مصطفى سعيد على لسان الروائي والاديب الكبير الطيب صالح :


” اطلب منك أن تؤدي هذه الخدمة لرجل لم يسعد بالتعرف اليك كما ينبغي .. ان تشمل أهل بيتي برعايتك ، وان تكون عونا ومشيرا ونصيحا لولديّ ، وان تجنبهما ما استطعت مشقة السفر . جنبهما مشقة السفر . وساعدهما ان ينشأ نشأة عادية ويعملا عملا مفيدا .


حياتي مهما كان من أمرها ليس فيها عظة او عبرة لأحد .. اترك لك مفتاح غرفتي الخاصة .. ستجد في تلك الغرفة التي لم يدخلها احد غيري من قبل ، قصاصات ورق وشذورا متفرقة ومحاولات لكتابة مذكرات وغير ذلك . ارجو على أى حال ان تساعدك على تزجية السعات التي لا تجد وسيلة افضل لقضائها ، وانا اترك لك تقدير الوقت المناسب لتعطي ولديّ مفتاح الغرفة وتساعدهما على ادراك حقيقة امري . إنه يهمني أن يعلما أى نوع من الناس كان ابوهما – إذا كان ذلك ممكنا اصلا – وليس هدفي أن يحسنا بي الظن ، حسن الظن هو آخر ما ارمي اليه – ولكن لعل ذلك يساعدهما على معرفة حقيقتهما ، في وقت لا تكون المعرفة فيه خطرا .


اذا نشأ مشبعين بهواء هذا البلد وروائحه والوانه وتاريخه ووجوه اهله وذكريات فيضاناته وحصاداته وزراعاته ، فإن حياتي ستحتل مكانها الصحيح لشيء له معنى الى جانب معان كثيرة أخرى اعمق مدلولا . لا ادري كيف يفكران في حينئذ . وقد يحسان نحوي بالرثاء ، وقد يحولانني بخيالهما الى بطل . هذا ليس مهما . المهم ان حياتي لن تجيء من وراء المجهول كروح شريرة تلحق بهما الضرر . وكم كنت اتمنى أن أظل معهما ، اراقبهما يكبران امام عيني ويكونان على الأقل مبررا لوجودي ، إنني لا ادري أى العملين أكثر انانية ، بقائي ام ذهابي . ومهما يكن فإنه لا حيلة لي ، ولعلك تدرك قصدي إذا عدت بذكراك الى ما قلته لك تلك الليلة ، لا جدوى من خداع النفس . ذلك النداء البعيد لا يزال يتردد في أذني وقد ظننت أن حياتي وزواجي هنا سيسكتانه . ولكن لعلي خلقت هكذا ، او ان مصيري هكذا ، مهما يكن معنى ذلك ، لا ادري .


انني اعرف بعقلي ما يجب فعله ، الأمر الذي جربته في هذه القرية ، ومع هؤلاء القوم السعداء . ولكن أشياء مبهمة في روحي وفي دمي تدفعني الى مناطق بعيدة تترآى لي ولا يمكن تجاهلها .

واحسرتي إذا نشأ ولدايّ احدهما او كلاهما ، وفيهما جرثومة هذه العدوى ، عدوى الرحيل ، إنني أحملك الأمانة .. لا أدري متى اذهب يا صديقي ، ولكنني أحس ان ساعة الرحيل أزفت ، فوداعا ” .



ليست هناك تعليقات: