10‏/05‏/2010

- تأوهآت قانونية


اصلاح القضاء آخر ما تفعله الديمقراطية .. هكذا يقال . وإذا ادركنا ان الديمقراطية تعني سلطة كل الناس ، وان بذورها الاولى نمت في بلاد اليونان عهد ما قبل الميلاد ، حيث عرفت اثينا في اوج ازدهارها ما سمي بالديمقراطية الشعبية انسجاما والقاعدة الطبيعية التي تقول : ” لو خير الناس ان يكونوا حكاما او محكومين لأختاروا حكاما ” . فليس بالبعيد ان نتأمل في بلادنا وهي تقتفي الأثر اليوناني وتحتفي في الثاني من شهر الربيع من كل عام بذكرى الاعلان عن قيام سلطة كل الناس ، سلطة الجماهير . ان تكون قد بلغت بعد مرور ثلاثة عقود من الممارسة حدا ملائما يعطي صورة مثلى لهيئات القضاء والتحكيم وفض المنازعات ، إذ العلاقة بالقوانين والتشريعات الصادرة باقرار الجميع في مثل هذا النوع من صور الحكم تتحول في العادة الى حالة التزام اكثر من كونها حالة الزام . وقد تنتفي الحاجة الى وظيفة القاضي ، ويكون من المخجل ، ومما ينم عن عيب اساسي في التربية ، أن يلجأ المرء الى عدالة يستعيرها من الغير ، او ان ينصب من غيره أوصياء عليه وقضاة لحقوقه . ومن المخجل ايضا ان يبلغ سوء الادراك بالمواطن حدا يجعله يباهي بخروجه على القانون ، او ان يفخر بقدرته على التلون بشتى الطرق ، وعلى التهرب بمختلف الوسائل ، والتلوى كالغصن اللين من أجل تجنب العقاب .


لم يعرف عن الاثينين اصحاب التجربة في مهدها إستحداث وظيفة مدع عمومي ، فقد كانت الحكومة تعتمد على المواطنين أن يتهموا أمام المحاكم كل من يرتكب جريمة خطيرة ضد الاخلاق العامة او الدولة ، دولة الجماهير. ومن هنا نشأت طائفة من ” النمامين ” ديدنهم وعملهم اتهام الناس ، فلما تعقدت الاجراءات القضائية ، وتبين المتقاضون تأثر القضاة بعض الشيء ببلاغة الالفاظ ، نشأت عادة استخدام خطيب او رجل بليغ متضلع في القانون ، يؤيد المدعى او المدعى عليه . وفي اثينا نجد للمرة الاولى في التاريخ حكم القوانين لا حكم الناس . يقول سقراط : “ ليس ثمة من ينكر أن شرائعنا مصدر كثير من الخير العظيم في حياة البشرية ” .



القاضي يعالج النفس بالنفس . ومن هنا لم يكن من الخير أن يخالط نفسه منذ حداثتها نفوس الاشرار . ولا أن تمر هي ذاتها بتجربة كل الشرور والآثام حتى تستطيع أن تتصور أثآم الغير على نحو صحيح ، وإنما لابد أن تكون قد شبت منذ حداثتها على البراءة والبعد عن كل رذيلة ، إن شئنا أن يكون حكمها على ما هو عادل صحيحا ، بفضل تجاربها النزيهة الخاصة . وعلى ذلك ، لا يمكن أن يكون القاضي الصالح شابا ، وإنما ينبغي أن يكون شيخا ، عرف كنه الظلم خلال تجاربه الطويلة ، على ألا يكون قد عرفه عن طريق ممارسته للرذيلة في نفسه ، وإنما ينبغي أن يكون قد عرفها ، بخبرته الطويلة ، من حيث هي رذيلة غريبة عنه ، توجد في نفوس الآخرين ، وأن يدرك ما تنطوى عليه من شرعن طريق الدراسة لا الممارسة .



لا شك ان قاضيا كهذا هو القاضي الأمثل حقا . وهو ايضا القاضي الخير . لأن من طويت نفسه على الخير كان خيرا ، أما الرجل الماكر الذي يسارع ذهنه الى الشك في الشر دائما ، والذي يبدو ، من بعد ما أقترفه هو ذاته من مظالم لا حصر لها ، بارعا ذكيا يتعامل مع اشباهه ، مثل هذا الرجل إنما يثبت مهارة وفطنة لأن ضميره يعكس صورة ضمائر الأشرار ، اما اذا تعامل مع أناس خيرين تقدم بهم العمر ، فعنئذ يتبدى غباؤه حين ينظر اليهم نظرة ملؤها الريبة ، وحين يجهل معنى استقامتهم ، لأنه لا يجد في نفسه أى نظير . واذا كان يبدو لنفسه وللآخرين أقرب الى الفطنة منه الى الجهالة ، فما ذلك إلا لأن روابطه بالأشرار أوثق من روابطه بالاخيار .

الفضيلة تصل على مر الزمان ، بمعونة التعليم الذي يصقل النفس ، الى معرفة ذاتها ومعرفة الرذيلة . وعلى ذلك يكون الفاضل ، لا الشرير ، هو الأجدر بأن يكون قاضيا حكيما .



ان خير ما يعني به المرء هو ما يحبه . إذن ينبغي دائما مراعاة اختيار القضاة من بين اصلح الناس للمحافظة على وجه العدالة ، وهؤلاء يمكن اقتفاءهم ، فهم الاكثر حماسة للقيام طوال حياتهم بما يرونه نافعا لمجتمعهم ، وممن يأبون ان يفعلوا ، بأى ثمن ، ما يتعارض والصالح العام .

ليست هناك تعليقات: