10‏/05‏/2010

- حوار مع شيخ كهل

ليس احب الىّ من محادثة الكهول ، اذ انني اعدهم سائحين أتموا رحلة قد يكون علىّ أن اقوم بها بدوري ، وبودي لو سألتهم عن طبيعة هذا الطريق ، وعن ما إذا كان معبدا ممهدا ، ام وعرا صعبا . لذا كان لقائي معه وقد اوغل في الشيخوخة كما ظننت ، فسألته وهو في هذه السن المتقدمة : ” ما دمت قد بلغت المرحلة التي يسميها الشعراء بمشارف الكهولة ، عما إذا كان يجد طريق الحياة شاقا ، ام ان لديه رأيا آخر ؟

فأجاب : سأنبئك . إن الرجال في سني غالبا ما يتجمعون معا ، فنحن كالطيور على اشكالها تقع ، كما يقول المثل القديم . وفي هذه الاجتماعات ترى معظمنا يجأر بالشكوى : فهم يأسفون على لذات الشباب ، ويذكرون متعة الحب ، ويحزنون كما لو كانوا قد فقدوا شيئا عزيزا : حقا لقد مرت بنا اوقات طيبة ، غير ان هذا كله قد مضى ولم تعد الحياة اليوم تستحق ان تسمى حياة . وقد يشكو البعض مما جلبته عليهم الكهولة من اهانات ألحقها بهم اقرباؤهم ، ويعددون بقلوب مفعمة بالأسى ما سببته لهم كهولتهم من أضرار . غير أن رأيي هو أن اولئك الكهول لا يصلون إلى السبب الحقيقي : فلو كان هو الكهولة لكان له نفس الأثر عليّ وعلى كل من بلغوا من العمر مثلما بلغت .

أحمد الله . إذ لا شك أن الكهولة تتصف بميزة عظيمة من الهدوء والحرية . فعندها ترخى الانفعالات قبضتها ، عندئذ نتحرر ، لا من قبضة سيد واحد ، بل من قبضة أسياد عديدين . والحق أن ما تسمعه من شكوى عن الأقارب ، يجب ان تعزى الى سبب واحد ، ليس هو الكهولة ، وانما اخلاق الناس وطباعهم ، إذ أن من كان على خلق سمح هادىء لن يشعر بضغط الشيخوخة ، أما من كان على عكس ذلك ، فكهولته وشبابه معا حمل ثقيل عليه .

إن المرء عندما يحس أنه أصبح على شفا الموت ، فإن ذهنه يحتشد بمخاوف وهموم لم يكن يعرفها من قبل . فقد كان فيما مضى يسخر من اساطير العالم والعقاب الذي يلحق المرء فيه على ما ارتكبه هنا من مظالم ، فتشعر نفسه بالقلق خوفا ، وهكذا يزداد اهتمامه بهذه الامور لاقترابه من العالم الآخر ، وتتراكم الشكوك والمخاوف في نفسه ، فيبدأ بالتفكير وفي تذكر ما قد يكون قد الحقه بالآخرين من اضرار . فإذا وجد أن موازينه قد ثقلت ، فإنه يفزع من نومه مرار كالطفل ، وتمتلىء رأسه بنذر الشر المظلمة . أما من لم يحمل وزرا ، فإن الأمل الجميل هو الذي يتعهده بالرعاية في كهولته . إن الأمل ليسعى الى نفس من يعيش عادلا ، وهو الذي يتعهده ويرعاه في كهولته ، وهو رفيقه في رحلته ، إنه الأمل الذي يبدد بقوة طاغية ما في نفس الانسان من قلق . . فاحذر يا بني !!!

ليست هناك تعليقات: