10‏/05‏/2010

- استحضار اللحظة الرشدية

الحديث عن الاصلاح ومشروع مستقبلي اصلاحي الذي تعج به صفحات الصحف الليبية خلال الفترة المنقضية ، يقود القارىء احيانا الى تذكر اللحظة الرشدية داخل اروقة ذلك الكل المعرفي المتراكم عبر خمسة عشر قرنا من الزمان ، والى رعاية أبي يعقوب يوسف عبد المؤمن (1123-1184م) للفيلسوف العربي ابن رشد (1126م/520 هـ) وللفلسفة بوجه عام ، في بيئة تنعم بالحرية الفكرية والأمن السياسي . وأيضا الى شهادات تاريخية حديثة ومعاصرة لتقييّم تلك اللحظة .

في كتابه ( تاريخ الفلسفة الغربية ) يقول الفيلسوف الانجليزي برتراند رسل : ” اما ابن رشد (1126 ( ولد في قرطبة حيث كان ابوه وجده قاضيين ، وكان هو نفسه قاضيا في اشبيلية اولا ثم في قرطبة ، بدا بدراسة الدين و الفقه ، ثم الطب و الرياضة والفلسفة ، وقد اوصى به “للخليفة ” ابى يعقوب يوسف ، ..فقربه هذا الحاكم اليه .. وجاء خلفه يعقوب المنصور ، فلبت احد عشر عاما يواصل خطة ابيه في رعايته لابن رشد ، لكنه فزع لمعارضة المتمسكيين باصول الدين لابن رشد فجرده من منصبه ، ثم نفاه الى مكان صغير بالقرب من قرطبة اول الامر ، ثم الى مراكش ، وكانت تهمته انه يرعي فلسفة الاقدميين على حساب الديانة الحق ، واصدر المنصور مرسوما يقول فيه ان الله قد اعد نار الجحيم لاولئك الذين يحسبون العقل وحده قادر على بلوغ الحقيقة ، والقى في النار كل ما وجده من كتب في المنطق والميتا فزيقا.. وطغت على العالم الاسلامي موجة من التعصب الجامد لاصول الدين ، فانتهى بذلك التامل الفكري . فعلى الرغم من ان ابن رشد كان مؤمنا ، .. فقد كان هناك مذهب يأخد به رجال الدين الذين لم يتهاونوا قط في الاستمساك باهذاب الدين في اصوله ، وهو معارضة الفلسفة كلها ، باعتبارها وخيمة العواقب على العقيدة الدينية ، و كان من هذا الفريق الغزالي ، كتب كتابا بعنوان ” تهافت الفلاسفة”. يقول فيه مادام القران قد ذكر كل الحقيقة الضرورية ، فلا حاجة بنا للتامل الذي لا ينبى على الوحى ، فرد عليه ابن رشد بكتاب اسماه “تهافت التهافت ” يعتبر الدين مشتملا علي حقيقة فلسفية صبت في قالب رمزي . وابن رشد اهم في الفلسفة المسيحية منه في الفلسفة الاسلامية ، فهو في الفلسفة الاسلامية يعد نهاية طريق مغلق ، بينما هو في الفلسفة المسيحية بداية الطريق .. وكان تاثيره في اوربا عظيما جدا . حفز المسلمون والبيزنطيون كلاهما بلاد الغرب على النهوض بعد ان زالت عنها غمرة البرابرة ” .

وحول استحضار اللحظة عينها يقول الدكتور انطوان سيف من لبنان : ” ولعل ابرز هذه المواقف هو المجلد الضخم ( 466 صفحة ) الذي أصدرته ( لجنة الفلسفة والاجتماع ) التابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر : بعنوان : ” الفيلسوف ابن رشد .. مفكرا عربيا ورائدا للاتجاه العقلي ” ( تصدير د. عاطف العراقي أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة ، وهو من ابرز المختصين في فلسفة ابن رشد ، وصاحب كتاب ” النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد “) : “هذا المجهود لاستحضار الغائب الكبير ” ابن رشد ” لا يداور لحجب غايته : الوقوف بوجه حركات التطرف الديني المنتشرة في بعض بلدان العالم العربي اليوم ، التي تتوسل العنف المسلح كطريق أوحد للعمل السياسي وللتعبير عن مواقفها ، وترفض الحوار العقلاني الحر والاعتراف بالآخر والحق في الاختلاف . وان الخوف الواسع من هذه التوجهات وأمثالها ، ينبع من كون ذاكرة الناس تعج بالعديد من الأمثلة التاريخية الحية المرعبة “.

ومختصر كلام المفكر المغاربي محمد عابد الجابري الفائز بجائزة ابن رشد للفكر الحر لعام 2008 : ” الفلسفة اليوم اما غائبة واما مهمشة ، كما في اقطار المشرق . اما في المغرب العربي حيث كان للفلسفة مكان و اعتبار في المدارس الثانوية والجامعات وسوق الثقافة عموما .. فقد تراجع حضورها وتقلص لاسباب سياسية في الغالب .

الفلسفة مطلوبة ، اليوم على الاقل .. من الكلام في الشؤون العامة ومناقشتها وابداء الراي فيها والحجاج حولها نشات الفلسفة في اليونان ، ومعلوم ان الكلام والمناقشة و الحجاج والجدال في الشئون العامة ، كل ذلك انما يتم بواسطة اللغة ، واللغة السياسية بالتحديد. وبتعبير – (جان فيرمان ) في كتاب له صغير لكنه جيد و مرجع في الموضوع –.. الحضور الدائم للكلام وتفوقه على الوسائل الاخري التى تمارس بها السلطة.. “العقل اليونانى لم يتشكل من خلال علاقة الانسان بالاشياء (الطبيعة) بقدر ما تكون خلال علاقة الناس بعضهم ببعض”. العودة الي الفلسفة هى اليوم ، كما كان الشان بالامس ضروره .. العودة الي الفلسفة حكمة.

هناك تعليق واحد: