10‏/05‏/2010

- الخبز الحافي وإرادة الحياة

الخبز الحافي وارادة الحياة

كتب الدكتور نوالدين البيار تعليقا على رواية ” الخبز الحافي ” للروائي المغربي محمد شكري رحمه الله ، تحت عنوان ” ثورة الخبز في زمن الجبن ” ، وعتبه على الروائي انه لم يكن مدركا لكل الابعاد والخيوط عندما لم يتطرق الى انواع اخرى من الخبز سوى الخبز الحافي ، واهمها الخبز بالجبن ، مع العلم ” ان لا شيء يجعل الخبز لذيذا كالجبن ، خصوصا ساعة الإفطار صباحا، وهناك من يفضله في المساء .. وأن الخبز الحافي لن يكون مقنعا بدون جبن ” . وهذا باقرار اهل الاختصاص حسب رأيه .

ثم يعود ليذكّر بالرأى الآخر: ” وبأن الخبز الحافي أيضا له لذته في زمن الجبن .. وأن الخبز بدون جبن مقبول جدا ومستساغ ، بينما الجبن بدون خبز طعمه لا يستساغ ، وقد يصيب المعدة بذبحة الجبن التي يقال والله أعلم أنها من أخطر أمراض العصر ” .

ومعاتبا لانصار الخبز بالجبن ، يعلن في رده بهتان حجتهم لينتهي الى بلوغ حقيقة تقرر : ” أن كل المصائب والكوارث في العالم اليوم بسبب تفضيل الجبن على الخبز ، وعدم الاهتمام بالأولويات ، فأنتم تتبنون نظرية الجبن ونحن نتبنى نظرية الخبز حتى ولو كان حافيا ” .

بعض المعلقين حاول تذكيره بفائدة الجبن الجيدة للصغار والكبار. وخصوصا لمن يخاف على عظامه الكسر . وان كان الجبن غير الجبن الذي لا يكون له معنى عندما يتعلق الامر بقضايا الوطن ” .

لا يبدو ان البيار وهو يرجح كفة الروائي يعلم بإزدراء الثائر – المارتينيكي الاصل الجزائري النضال الفرنسي الجنسية ” فرانز فانون “- للمثل القائل ” الجوع مع الكرامة خير من الخبز مع العبودية ” . لكن فانون آن ذاك اراد تعرية المستعمر الفرنسي ومخططاته في الجزائر وافريقيا الفرنسية بوجه عام ، وارد للشعوب الافريقية ان تعي الحقيقة ، وانه يجب عليها ان تقتنع بأن الاستعمار عاجز عن ان يوفر للشعوب المستعمرة الظروف المادية التي يمكن ان تنسيها اهتمامها بالكرامة .


لقد سبق لي الاطلاع على الرواية منذ وقت مضى ، ولا اكاد اذكر عنها الكثير ، واجزم ان تصنيفي لها آن ذاك ضمن قائمة الادب الفضائحي ان صح التعبير ، وقلت حينها : اما كان للروائي ان يحمل لنا ثمرة افكاره بغير هكذا وعاء ، وبدا لي وكأن الادب ليس بخير ، اوعلى حافة الهاوية ، وحتى عندما بلغ صيت الرواية مبلغا واسع الانتشار ، وترجمت الى لغات عدة ، لم اتنازل عن رأيي وقلت : يكتبون والشعب لا يجيد الإختيار ، وخياره لا يرجح إلا من وراء جوقة إعلامية . واحيانا اخرى همست في داخلي وقلت : ومن انت حتى تقيّم الادب والادباء .. هل تعرف عنهم الكثير ؟ بالطبع لا . انت مجرد متدوق والعمل الروائي عالم له قوانينه فإن لم يروق لك هذا ، فابحث عما يروق لك !! وكان افضل جواب اهتديت اليه .
لست روائي ولا شاعر ولا اديب .. مجرد متذوق او لاعق فضول موائد الادباء حسب تصنيف ابوتمام ، عندما دخل عليه أحد “أدعياء” الشعر وألح عليه لاسماعه قصيدة نظمها ، ولما انتهى هذا ” المدعي” من روايتها سأل أبا تمام : مارأيك ؟
قال له ابو تمام اسمع يابني :

الشعراء ثلاثة :
شاعرٌ، فمتشاعرٌ، فلاعقٌ فضولَ موائد الشعراء..
أما أنا فمتشاعرٌ..
وتقاسمْ انت وامرؤ القيس البقية..!!

في المناسبة عدت ثانية لاتصفح تلك الرواية ” الخبز الحافي ” ، فحيثما رسمت آن ذاك خطا تحت العبارة على عادتي في القراءة ، سوف يسعفني في اعادة التقييم واختصار الوقت . جمعت تلك العبارات الى بعضها البعض بعد عزلها وتصفيفها ، واعدت القراءة . وقد بدت مع الاحتفاظ بالتواتر في ترتيبها ، تؤلف نصا يكتسي عنوان ” ارادة الحياة ” ، الفكرة الاساس التي اراد الروائي محمد شكرى معالجتها في صدر الرواية ومن خلال سرد تجربته الشخصية بكل ما تحكي من صور العوز والفقر والتشرد ، ومأساة سجون امتصت برودة زنازينها أحلامه الطرية ، الى خفايا بيوت الليل ومافيا التهريب .. هي كما هي :

( النص )

” – ها انا اعود لأجوس ، كالسائر نائما ، عبر الازقة والذكريات ، عبر ما خططته عن حياتي الماضية الحاضرة .. كلمات وندوب لا يلئمها القول .
- اين عمري من هذا النسيج الكلامي ؟
- عبير الامآسي والليالي المكتضة بالتوجس واندفاع المغامرة يتسسل الى داخلي ليعيد رماد الجمرات غلالة شفافة آسرة .
- فيا ايها الليليون والنهاريون ، ايها المتشائمون والمتفائلون ، ايها المتمردون ، ايها المراهقون ، ايها العقلاء .. لا تنسوا ان ” لعبة الزمن ” أقوى منا ، لا يمكن أن نواجهها إلا بأن نعيش الموت السابق لموتنا ، لإماتتنا : أن نرقص على حبال المخاطرة نشدانا للحياة .
اقول : يخرج الحي من الميت .
- يخرج الحي من النتن ومن المتحلل . يخرجه من المتخم والمنهار .. يخرجه من بطون الجائعين ومن صلب المتعيشين على الخبز الحافي .

- يبزغ قرص الشمس القرمزي يحفه النور مثل بيضة مكسورة في صحن ازرق . تسبح الكائنات . يصفر عصفور والحمام يهدل وديك يصيح ونهيق حمار يغطي كل الاصوات التي لا اراها .. ما اجمل أن تظن أن احدا لا يراها ! .

- لكننا ما دمنا نستطيع الحصول على الخبز والبصل فإن كرامتنا ستظل مصونة .

- في الليل يصير للحياة طعم الخلود … كل صوت حزين يصلني من بعيد او همسا عن قرب .
- دخلنا عالم الصمت الابدي .
- الموتى لا يتاجرون ، لا يخافون ، لا يحزنون ولا يتخاصمون ، كل ميت في مكانه . حين يتهدم قبره يدفنون مكانه ميتا آخر . اذا كان العام قديما فإن الارض كلها قبور .

- ارادة الحياة معناها هو انه اذا كان هناك شعب مستعبد او انسان ما واراد ان يتحرر فإن الله يستجيب له ، والفجر يستجيب والقيد يتهرس بقوة إرادة الانسان .

قال الشابي :
اذا الشعب يوما اراد الحياة
فلابد ان يستجيب القدر
ولابد لليل ان ينجلي
ولابد للقيد ان ينكسر ”

هناك تعليق واحد:

ع . الفيثو يقول...

انا اريد قتل الشهرة التي منحتني اياها رواية "الخبز الحافي" . لقد كتبت زمن الاخطاء" ولم تمت، كتبت "وجوه" ولم تمت. ان " الخبز الحافي " لا تريد ان تموت، وهي تسحقني، اشعر انني مثل اولئك الكتّاب الذين سحقتهم شهرة كتاب واحد شأن سرفانتس مع »دون كيخوت«، او فلوبير مع »مدام بوفاري«، او د. هـ. لورنس مع " عشيق الليدي تشارلي". فـ "الخبز الحافي " لا تزال حية رافضة ان تموت، . الاطفال في الشوارع لا ينادونني شكري، بل ينادونني " الخبز الحافي ". هذا الكتاب يقول لي يوميا ها انا، هنا، حي .