18‏/12‏/2010

كانوا هنا - الجنوب الليبي






الصحراء الشاسعة النائية الآفاق تجعل المرء يشعر بضآلته ويلزم الصمت . الصحراء امرأة متقلبة المزاج تعبث بالرجال وتدفعهم الى الجنون ( 1). انساق لا نهاية لها من اشجار النخيل تشكل غابة تملأ آفاق الصحراء بزخم الحياة ، شجيرات الطلح ، الرسو ، الضمران ، العقول ، الرتم ، الاثل ، تصارع قسوة الطبيعة ، لترسم لوحة التناغم بين الحياة والموت ، في لوحة ربانية رائعة الجمال ، يملؤها الوفاق والتنافر ، فاللون الاخضر لون الامل والحياة ، في طلع النخيل يداعب كثبان الرمال وقفر الماء .
سكينة الصحراء حلما قصيا ، اذ لا شيء اكثر وقعا في النفس من ذلك الصمت الذي يغلف الصحراء . هسيس الريح في سعف النخيل يبعث الدفء والطمأنينة . اماعندما يتسارع ايقاع الزمن والوقائع فقد تبدي رغبة جارفة للخروج عن صمتها ، ذاك الصمت الذي يحمل اجابات لكل تساؤلات المرء ، عن الكون والحياة ، واقوام ذهبت اثارهم ، وازمنة غابرة ، وآخرون من بعدهم ، ومن ذا الذي يمكنه فك الغازها ، والتحدث بلغتها . هؤلاء فقط هم اصدقاء الصحراء .
هناك لا مجال للمصادفة ، ولا مكان للعبث ، ولا مجال لإرتهان المستقبل ، فكل ما نعلمه قد علمتنا اياه الصحراء . يكفي ان تتأمل ذرة رمل بسيطة لترى فيها كل عجائب الخلق . كثبان وصخور ونباتات تتشبث بالعيش حيث يبدو العيش محالا . الصحراء حالمة حكيمة تحب ابنائها ، وتبلغهم رسالتها الواجب نقلها للاجيال التي ستأتي من بعدهم ، انها حريصة على الوفاء لاصدقائها ، لكنها صارمة لا ترحم المخالفين لقوانين المقايضة معها ، قانونها الحياة تجتذب الحياة ، اذن لا تتهاون ، ولا تكن انانيا فتلتهم ما تجود به بلا هوادة ، انها ان افقرت افقرت .

عندما كانوا هنا كانوا اصدقاء لها ، فلم تبخل عليهم ، احتفضت لهم بالماء عصب الحياة على مد الادرع ، واغدقت عليهم بنمط عيش الاكتفاء . كان ما كان ، وخلفهم من لا يعترف بقوانينها ، ولا يصغي لحلمها وحكمتها ، ففي بداية عقد السبعينات من القرن الماضي دخلت الميكنة واستثمار الطاقة الكهربائية في سحب المياه الجوفية التي اكتنزتها في حضنها لملايين السنين ، وطغت القيم المادية على كل شيء ، فألتهم الطمع بداية ما يزخر به الخزان العلوي من كميات مياة وفيرة عاصرت اجيال واجيال ، وامدتهم بالكافية للزراعة البسيطة ولرى الحيوان في مقابل المحافظة على الغطاء النباتي الصحراوي .. اى عندما كانت المياه الجوفية على مقربة من سطح الارض يصل مداها الى الخمسة امتار واحيانا المترين في بعض المناطق ، ولا تزيد عن العشرة امتارالى 25 متر في مواطن اخرى .. وهي المسافة التي تمكن جدور الاشجار والاعشاب الصحراوية من تلمس فرصة الارتواء .. الميكنة بقدر تيسيرها لفرصة الحصول على الماء إلا ان الاستنزاف الهائل حرم الغطاء النباتي من الاستمرار في الحياة ، وشكل عامل اختلال للتوازن الطبيعي ، وعبث بقوانين الحياة في الصحراء .. فكان الاعلان لامتداد رقعة التصحر . . هذا وذاك تنقله عدستي من خلال صورة لاطلال مزرعة قديمة . . فهل آن موعد الهجرة الى الشمال .. ليقال عنا ما نقول .. كانوا هنا ..
عبدالقادر الفيتوري - الجنوب الليبي - واحة الزيغن – 70 كم شمال مدينة سبها حاضرة اقليم فزان
---------------------
(1) باولو كويلهو ، الخيميائي ، ت . عز الدين محمود ، دار وارد ، سوريا

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

استاذى الكريم . شكرا لأنك وضعتنا أمام تساؤلات تنقلنا ين الاسف والرجاء ... بين مد من جبروت الصحراء .. و جزر يستمطر الترفق ببقايا كائنات تعبث يها يد الانسان ..الصحراء هذا العالم المثير بكل تناقضات الطبيعة تعرف دائما كيف تمنحنا الحياة بميزان .. ونحن ابدا لم نتقن لعبة الميزان .
ستشوح المرأةالمزاجية بوجهها يوما . وتنوء باطلالتها البهية خلف اكتبان الفقيرة حيث لاشىء الا البور .. شكرا على الرسالة القوية والتعبيرات الجميلة .

عابدالقادر الفيتوري يقول...

شكرل لك اخي العزيز على هذه الاضافة القيمة والرائعة .. مودتي