29‏/12‏/2010

- حي بن يقظان


قصة " حي بن يقظان " قصة كتبها الأديب والطبيب والفيلسوف الأندلسي أبا بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي الذي عاش في القرن السادس الهجري ، الثاني عشر الميلادي ، قصة تعرض سيرة الانسان منذ بدء الخليقة وكيف تمرس بالمحيط وتمكن بفطرته المتقذة ان يرتقي سلم المعرفة ، او بالاحري هي محاولة لرسم فصول وتاريخ سيرة المعرفة الانسانية . وفاعلية استثمار الانسان لمواهبه الفطرية ،العقل والحواس واعمال النظر والتأمل والمقارنة والقياس والاستنتاج وما تجود به معطيات التجربة الذاتية للارتقاء بمداركه الى تعقل الوجود وحقائق عالم الكون والفساد ، وصولا الى تعقل واجب الوجود ، وقد غمره نور العالم العلوي بفيض الحقيقة السرمدية الكامنة وراء هذا الوجود الفاني .
عاش ابن طفيل عهد دولة الموحدين عصر الامير يوسف أبي يعقوب بن عبد المؤمن (558هـ -1163 - 580هـ -1184م. ) وحضي بمكانة عند الامير حتى صار من ندمائه المقربين . وقد عرف عن ابي يعقوب اهتمامه بتقريب العلماء واقتناء الكتب والمؤلفات وتشجيعه وولعه بالعلوم والمعارف . ذكر عنه عبد الواحد المراكشي في كتابه "المعجب في أخبار المغرب" أنه لم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب ويبحث عن العلماء وخاصة أهل علم النظر إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله من ملوك المغرب " . وقد كان ابن طفيل من بين هؤلاء ، بل وكان له الفضل بتقديم الفيلسوف ابن رشد (520/1126- 594/1198 ) للامير والتعريف به وبفضله .قال المراكشي في حق ابن طفيل وعلاقته بالملك الموحدي: "ولم يزل أبو بكر هذا يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبهه عليهم ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم. وهو الذي نبه على أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد. فمن حينئذ عرفوه ونَبُهَ قدره عندهم". وهي الخطوة التي انتجت فيما بعد شروع ابن رشد في شرح وتلخيص اعمال ارسطو تلبية لطلب الامير الموحدي.

حي بن يقظان قصة تروي حياة العزلة والانفراد تحوي تنويه بإمعان النظر لبلوغ الحكمة المفضية الى ترقية النفس لمراتب العلى ودوحة الاطمئنان ، مرتكزها وسندها سلامة الفطرة . وهو ما منح القصة رتبة نفائس الثرات الانساني ووضعها في مقدمة الاثار العربية التي تستحق الخلود في تاريخ الفكر البشري . وقد ترجمت الى لغات شتى . واشاد بذكرها البحاث والمفكرين . قال المستشرق دي بور : " قصة حي بن يقظان اقرب الى ان تمثل تاريخ الانسان في تطوره " .
لعل الفصول الاولى من القصة وحدها كافية لبيان عبقرية ابن طفيل وسعة اطلاعه ، اذ يقدم لنا صورة لحال الفلسفة بالاندلس في عصره ضمنها نقدا مؤجز لجهابدة الفلسفة العربية . ابن باجة ، وابونصر الفارابي ، وابن سينا ، وابوحامد الغزالي . لينتهي بتقييم لمآثرهم فيقول : ( ولا تظنن ان الفلسفة التي وصلت الينا في كتب ارسطو طاليس ، وابي نصر ، وفي كتاب " الشفاء " تفيء بالغرض الذي اردته ، ولا ان احد من اهل الاندلس كتب فيه شيئا فيه كفاية ، وذلك ان من نشأ بالاندلس من اهل الفطرة الفائقة قبل شيوع علم المنطق والفلسفة فيها قطعوا اعمارهم بعلوم التعاليم .. ثم خلف من بعدهم آخر احدق نظرا واقرب الى الحقيقة . ولم يكن فيهم اثقب ذهنا ، ولا اصدق رؤية ، من ابي بكر بن الصائغ ( 1 ) .. واكثر ما يوجد له من التأليف ، انما هي كاملة ومجزومة من أواخرها ، ككتابه في " النفس " ، و " تدبير المتوحد " وما كتبه في علم المنطق وعلم الطبيعة . . واما ما وصل الينا من كتب ابي نصر ، فأكثرها في المنطق . وما ورد منها في الفلسفة فهي كثيرة الشكوك .. واما كتب ارسطوطاليس فقد تكفل الشيخ ابوعلي بالتعبير عما فيها ، وجرى على مذهبه ، وسلك طريق فلسفته في كتاب " الشفاء " ، وصرح في اول الكتاب بأن الحق عنده غير ذلك ، وانه إنما ألف ذلك الكتاب على مذهب المشائين ، وان من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه فعليه بكتابه في " الفلسفة " ( 2 ) . ومن عني بقراءة كتب " الشفاء " وبقراءة كتب ارسطو ظهر له في اكثر الامور انها تتفق ، وإن كان في كتاب " الشفاء " أشياء لم تبلغ الينا عن ارسطو .. واما كتب الشيخ ابي حامد الغزالي ، فهي بحسب مخاطبته للجمهور ، تربط في موضع وتحل في آخر ، وتكفر بأشياء ثم تنتحلها .) .
---------------------
( * ) الفيديو نقلا عن يونيوب موقع المجلة
( 1 ) ابن الصائغ المعروف بابن باجه .
( 2 ) " الفلسفة المشرقية " للشيخ الرئيس ابوعلي بن سينا
------- الفيثو .. 12 / 2010


في خاتمة الرواية نلتمس شيئا عن الغرض الذي اراده المؤلف عندما شرع في التأليف . يقول : " ما ظهر في زماننا من اراء مفسدة نبغت بها متفلسفة العصر ، وصرحت بها حتى انتشرت في البلدان وعم ضررها ، وخشينا على الضعفاء الذين اطرحوا تقليد الانبياء صلوات الله عليهم وارادوا تقليد السفهاء والاغبياء ان يظنوا ان تلك الاراء هي المظنون بها على غير اهلها ، فيزيد حبهم فيها وولعهم بها . فرأينا ان نلمح اليهم بطرف من سر الاسرار لنجتذبهم الى جانب التحقيق ، ثم نصدعهم عن ذلك الطريق " .

هؤلاء هم من سعي الى المجاهدة في تقويمهم واصلاح أمرهم ، عندما اختار " حي بن يقظان " مغادرة الجزيرة وحياة العزلة ليعود مع رفيقة " ابسال " الى الارض المعمورة ومجتمع الناس ، وهو ينظر الى ما آلت اليه احوالهم من الضلال ، وقد ظهر اشفاقه عليهم ورغبته في الرفق بهم طمعا في هدايتهم الى طريق الحق علهم يظفرون بالنجاة على يديه. فتصفح طبقاتهم ، وتبين له ( أن كل حزب بما لديهم فرحون. وقد اتخذوا الهمم هواهم ومعبودهم شهواتهم وتهالكوا في جمع حطام الدنيا. ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر. لا تنجح فيهم الموعظة ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة، ولا يزدادون بالجدل إلا إصراراً. وأما الحكمة فلا سبيل لهم إليها ولا حظ لهم منها. وقد غمرتهم الجهالة وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم" ).

قصة " حي بن يقظان " للفيلسو ف الاندلسي ابن طفيل لؤلؤة من أعذب لآلئ الثرات العربي . تثق في سلامة الفطرة وحرية الفكر او الرآى والكلمة . تستحق بجدارة ان يجهد المرء نفسه لتأمل فصولها ، والاستمتاع والاستئناس بقراءتها .

 

هناك تعليق واحد:

متحف الفيديو يقول...

مرحبا! لديك موقع للاهتمام. من الجميل ان الزيارة هنا.