10‏/05‏/2010

- استحضار اللحظة الرشدية

الحديث عن الاصلاح ومشروع مستقبلي اصلاحي الذي تعج به صفحات الصحف الليبية خلال الفترة المنقضية ، يقود القارىء احيانا الى تذكر اللحظة الرشدية داخل اروقة ذلك الكل المعرفي المتراكم عبر خمسة عشر قرنا من الزمان ، والى رعاية أبي يعقوب يوسف عبد المؤمن (1123-1184م) للفيلسوف العربي ابن رشد (1126م/520 هـ) وللفلسفة بوجه عام ، في بيئة تنعم بالحرية الفكرية والأمن السياسي . وأيضا الى شهادات تاريخية حديثة ومعاصرة لتقييّم تلك اللحظة .

في كتابه ( تاريخ الفلسفة الغربية ) يقول الفيلسوف الانجليزي برتراند رسل : ” اما ابن رشد (1126 ( ولد في قرطبة حيث كان ابوه وجده قاضيين ، وكان هو نفسه قاضيا في اشبيلية اولا ثم في قرطبة ، بدا بدراسة الدين و الفقه ، ثم الطب و الرياضة والفلسفة ، وقد اوصى به “للخليفة ” ابى يعقوب يوسف ، ..فقربه هذا الحاكم اليه .. وجاء خلفه يعقوب المنصور ، فلبت احد عشر عاما يواصل خطة ابيه في رعايته لابن رشد ، لكنه فزع لمعارضة المتمسكيين باصول الدين لابن رشد فجرده من منصبه ، ثم نفاه الى مكان صغير بالقرب من قرطبة اول الامر ، ثم الى مراكش ، وكانت تهمته انه يرعي فلسفة الاقدميين على حساب الديانة الحق ، واصدر المنصور مرسوما يقول فيه ان الله قد اعد نار الجحيم لاولئك الذين يحسبون العقل وحده قادر على بلوغ الحقيقة ، والقى في النار كل ما وجده من كتب في المنطق والميتا فزيقا.. وطغت على العالم الاسلامي موجة من التعصب الجامد لاصول الدين ، فانتهى بذلك التامل الفكري . فعلى الرغم من ان ابن رشد كان مؤمنا ، .. فقد كان هناك مذهب يأخد به رجال الدين الذين لم يتهاونوا قط في الاستمساك باهذاب الدين في اصوله ، وهو معارضة الفلسفة كلها ، باعتبارها وخيمة العواقب على العقيدة الدينية ، و كان من هذا الفريق الغزالي ، كتب كتابا بعنوان ” تهافت الفلاسفة”. يقول فيه مادام القران قد ذكر كل الحقيقة الضرورية ، فلا حاجة بنا للتامل الذي لا ينبى على الوحى ، فرد عليه ابن رشد بكتاب اسماه “تهافت التهافت ” يعتبر الدين مشتملا علي حقيقة فلسفية صبت في قالب رمزي . وابن رشد اهم في الفلسفة المسيحية منه في الفلسفة الاسلامية ، فهو في الفلسفة الاسلامية يعد نهاية طريق مغلق ، بينما هو في الفلسفة المسيحية بداية الطريق .. وكان تاثيره في اوربا عظيما جدا . حفز المسلمون والبيزنطيون كلاهما بلاد الغرب على النهوض بعد ان زالت عنها غمرة البرابرة ” .

وحول استحضار اللحظة عينها يقول الدكتور انطوان سيف من لبنان : ” ولعل ابرز هذه المواقف هو المجلد الضخم ( 466 صفحة ) الذي أصدرته ( لجنة الفلسفة والاجتماع ) التابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر : بعنوان : ” الفيلسوف ابن رشد .. مفكرا عربيا ورائدا للاتجاه العقلي ” ( تصدير د. عاطف العراقي أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة ، وهو من ابرز المختصين في فلسفة ابن رشد ، وصاحب كتاب ” النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد “) : “هذا المجهود لاستحضار الغائب الكبير ” ابن رشد ” لا يداور لحجب غايته : الوقوف بوجه حركات التطرف الديني المنتشرة في بعض بلدان العالم العربي اليوم ، التي تتوسل العنف المسلح كطريق أوحد للعمل السياسي وللتعبير عن مواقفها ، وترفض الحوار العقلاني الحر والاعتراف بالآخر والحق في الاختلاف . وان الخوف الواسع من هذه التوجهات وأمثالها ، ينبع من كون ذاكرة الناس تعج بالعديد من الأمثلة التاريخية الحية المرعبة “.

ومختصر كلام المفكر المغاربي محمد عابد الجابري الفائز بجائزة ابن رشد للفكر الحر لعام 2008 : ” الفلسفة اليوم اما غائبة واما مهمشة ، كما في اقطار المشرق . اما في المغرب العربي حيث كان للفلسفة مكان و اعتبار في المدارس الثانوية والجامعات وسوق الثقافة عموما .. فقد تراجع حضورها وتقلص لاسباب سياسية في الغالب .

الفلسفة مطلوبة ، اليوم على الاقل .. من الكلام في الشؤون العامة ومناقشتها وابداء الراي فيها والحجاج حولها نشات الفلسفة في اليونان ، ومعلوم ان الكلام والمناقشة و الحجاج والجدال في الشئون العامة ، كل ذلك انما يتم بواسطة اللغة ، واللغة السياسية بالتحديد. وبتعبير – (جان فيرمان ) في كتاب له صغير لكنه جيد و مرجع في الموضوع –.. الحضور الدائم للكلام وتفوقه على الوسائل الاخري التى تمارس بها السلطة.. “العقل اليونانى لم يتشكل من خلال علاقة الانسان بالاشياء (الطبيعة) بقدر ما تكون خلال علاقة الناس بعضهم ببعض”. العودة الي الفلسفة هى اليوم ، كما كان الشان بالامس ضروره .. العودة الي الفلسفة حكمة.

- حوار مع قط سمين

حوار مع قط سمين

مختالا زهوا . وكما طننت ، قطا سمينا . يجلس على اريكة مطرزة كالطاووس المنفوش ، قدمت له نفسي منتحلا صفة الصحفي الذي يرغب في ان ينهل من تجاربه ونجاحاته ما قد يجد الآخرون فيه العبر لرسم خطوات مستقبلهم الواعد . وبعد ديباجة من الاسئلة ( على الهامش كما يقولون ) ولجنا الى صلب الموضوع وتسألت باستطراد ينبىء عن ميلي الى تكذيب ما يقال عنه :

س : يظنون انك لا تحس بوطأة معاناة الفقراء ، لانك ذو ثراء ، وكلنا يعلم ان الثراء يخفف كثيرا من الآلام ، ولكن في كثير من الاحيان يعتقد الاثرياء ان جميع الناس اثرياء . ما تعليقك ؟

ج : ادرك ان كثيرون يحسدونني فلا اهتم بهذه الاقاويل .

س : يقولون انك لم تشتهر بفضل مواهبك الخاصة ، ولكن باستثمارك لإنتماء قبلي .

ج : وهذا ايضا هراء الحاقدين ، فأنا حتى عندما صعدت امينا كان باجماع جميع اعضاء المؤتمر . فهل جميعم غفل ولا يدركون مهاراتي ومواهبي .

س . الثراء لن يجعل من الشرير شخصا قانعا راضيا بحاله أبدا . هل توافق على هذا القول ؟

ج . الاشرار .. هذا صحيح . احمد الله انني لست منهم .

س . هل لي ان اسألك عما اذا كان الجزء الاكبر من ثروتك موروثا ام مكتسبا ؟

ج . كل ما ترى امامك وما اذخر بحساباتي من الملايين سواء بالداخل او الخارج ثمرة جهدى وكفاحي ، وسأشعر بالرضا لو خلفت لأبنائي أكثر قليلا ، لا اقل قليلا مما تلقيت .

س . لدى جامعي الاموال حب مضاعف للمال ، وكما يحب الشعراء اشعارهم او الأباء ابناءهم فإنهم يتعلقون بثرواتهم ، لانها من خلقهم ، ولا يكتفون بحب الثروة من أجل ما فيها من نفع ، وعلى ذلك فإن صحبتهم مكروهة دائما ، اذ ليس لديهم ما يتحدثون به سوى الثراء . ماذا عن زمرة الاصدقاء ؟

ج : اصدقائي هم ممن اتعامل معهم اكثر في مبادلاتي ، يحبونني جميعم ولا اعاني هذه العقدة .

س : ان اكبر ما في الثراء من غنم ، لا اقول للجميع ، ولكن للعقلاء من الناس ، هو أن الثري لا يحتاج الى خداع الآخرين او غشهم ، لا عامدا ولا مرغما ، ولا شك ان للثراء فوائد كثيرة أخرى ، ولكن موازنة مزاياه العديدة كفيلة بأن تقنع كل عاقل بأن هذه اعظمها . اتوافق على هذا الرآى ؟

ج : ( تنحنح قليلا تم أجاب ) : الى حد ما .

س : من العدل اعطاء كل ذي حق حقه ، فالوديعة حق لصاحبها على سبيل المثال ، ماذا لو ترك لديك احد وديعة ؟

ج : ( احم احم ) في هذه قولان ، فمثلا ليس لي ان ارد الوديعة إن اراد استردادها شخص به مس من الجنون . وماذا عن الاعداء ؟ اينبغي أن نرد اليهم ما ندين به لهم ؟ أليس الذي يعرف كيف يسرق خطط الاعداء ومشروعاتهم هو الاقدر على حماية معسكره ؟ أليس أقدر الناس على تسديد الضربات في مبارة ملاكمة أقدرهم على تجنبها ؟ وهكذا . ما اسهل الاسئلة بالقياس الى الاجابات .

س : تقدم المرء الى منصب بدلا من الانتظار حتى يدفع الى توليه ، أمر غير مشرف أحيانا . كما ان خيار الناس يأبون أن تمتد أيديهم خلسة الى اموال الشعب حتى لا يعدهم الناس لصوصا او قططا سمان . ما تعليقك ؟

ج : ساد الصمت لحظة بعد ان قلت كلماتي الاخيرة ، لم يطق صبرا على السكوت ، فاستجمع قواه عندما علا صوته كالرعد صارخا. ماذا دهاك ؟ ولم تسمعني هذه البلاهات اللفظية ؟ اغرب عن وجهي ، انتهت المقابلة . ولكن مهلا قبل ان تغادر ، اسمع مني هذه : المرء يا عزيزي لا يكون في حاجة الى الطبيب حين يكون في صحة جيدة . وانا لست مضطرا للاجابة ، ولكن أعلم جيدا ان المرء الثري يمكنه ان يختار ، وان يصاهر من الاسر ما يشاء ، وفي وسعه أن يتاجر ويتعامل كما يريد ، وهو الرابح على الدوام ، وهو الظافر على كل خصومة في كل نزاع خاص او عام ، والغانم على حسابهم ، إذن فهو الأخلق بأن ينال الحظوة ، والناس سوف يتظافرون على جعل حياته اسعد . انتهت المقابلة .

- مناشدات لسيف الاسلام

مناشدات لسيف الاسلام القذافي

بات من المألوف للمتصفح لواجهات الصحف والمواقع الليبية عبر الشبكة العنكبوتية ان لا يخلو اى منها من تخصيص زاوية لمناشدة المهندس سيف الاسلام معمر القذافي المنسق العام للقيادة الشعبية الاجتماعية . بل وقبل ان يكلف بتولي هذه المهمة كراعي لمؤسسة القذافي للاعمال الخيرية والتنمية .

نداءات على عجل بضرورة واهمية التدخل الفوري لحل ازمة ما مستعصية ، احيانا لاغاتة طفلة استعصى علاجها بالداخل ، واخرى لايقاف مسلسل تلفزيوني ، واخرى لاعادة موظف للخطابة والوعظ ، وموظف احيل خارج الملاك ، وطلبة دارسين بالخارج ، وطلبة لم تتهيأ لهم فرصة الدراسة بالخارج ، واملاك واراضي نزعت من مستحقيها بمعرفة اصحاب الحل والعقد ، ولاستعادة حقوق اعلاميي قناة فضائية ، ومن مؤسسة للاغاثة والتنمية ، واخرى لذوى الاحتياجات الخاصة ، ونداء من جماهير نادي رياضي ، وآخرلكبح جماح القطط السمان ، ولاطلاق سجين ، وللحصول على تعويض مقرر سلفا ، .. الخ .. الخ . وجميعها تحمل عنوان واحد ( رفع المعاناة اوالظلم الواقع ) .

السؤال اين هي اللجنة الشعبية العامة والاجهزة التنفيدية والرقابية امام زخم كل هذه المناشدات ؟ وهل حقا يمكن لمنسق عام ان يجد من الوقت ما يكفي للاطلاع على كل هذه الرسائل اليومية ؟ وهل دوره حقا ان يستجيب لها جميعا ؟ وكيف له ان يحدد باب الاولوية والضرورة الملحة حقا من بين هذا الكل المتنامي ؟

في كل الاحوال تبقى اللائمة تلحق به مصداقا للمثل القائل : ” لا تكن رأسا فإن الرأس كثير العلل ” .


- رد رابطة القطط السمان

رد رابطة القطط السمان

قرأنا ما دونتم ونشرتم تحت عنوان ( حوار مع قط سمين ) ، وقد تسورتم على احد اعضاء الرابطة بما لا ينبغي لكم ، وحسنا فعل عندما قرر طردكم ، فمثلكم من يصدق عليه المثل الشعبي الخليجي القائل ” اللي ما يطول العنب حامضا عنه يقول ” . ولتعلم ان ما سأسديه لكم اليوم هو ما افتقدتم معرفته ، فخذ الامور من اهل التجربة والمراس لا التنظير والافلاس ، حيث وجدنا ضالتنا المفقودة من جاه وثراء ، وعن خلاصة لتجارب مثقنة الاداء ، كاشفة للاسرار الخفية لمن شاء ولمن لم يشاء ، وميسرة للجهد والمال لمن اصابه الكلل والاعياء ، ومن عمىّ عن مخالجة الطبيعة البشرية العرجاء ، فاستمع اليّ واصغي بكل حواسك دون ملل أوغباء ، وبلا سخط ولا استهزاء ، ولا تغافل او رياء :

اولا : فلتعلموا ان النفع يكتسب بممارسة لفن الدفع ، مضافة الى ممارسة للفن الذي تتقنون . فعندما تشيرون الى ان الطمع في المال او الجاه أمر مخز في نظر الناس ، وان السيطرة لا تمارس إلا بالعدالة !! ، وأن الظلم يخلق الانشقاق والبغضاء والتشاحن بين الناس ، في حين ان العدل ينشر الود والآخاء بينهم !! ، نذكركم بأنكم جانبتم الصواب ، وفاتكم أن حياة الظالم أكثر غنما من حياة العادل ، والظلم أمرا مشرفا وعده غيركم مظهرا من مظاهر القوة لا الضعف . ووفقا للطبيعة تكون ممارسة الظلم خيرا ، واننا نعتقد بذلك وان كانت معاناة الظلم شرا . كما ان اؤلئك الذين يمارسون العدالة يفعلون ذلك مكرهين ، لانهم عاجزون عن أن يقترفوا الظلم فقط ، ولا تغيب عن اذهاننا في هذا قصة الخاتم السحري الذي عثر عليه راعي الغنم في سابق الدهر والآوان ، وجاء الى الاجتماع وتصادف وهو جالس بينهم أن ادار الخاتم الى داخل يده ، وفي تلك اللحظة أختفى عن انظار بقية المجتمعين ، فأخذوا يتكلمون عنه وكأنه لم يكن بينهم ، فتملكه العجب ، وادار الخاتم الى الخارج ، فعاد الى الظهور من جديد . واعاد التجربة بالخاتم مرات متعددة ، وانتهى في كل مرة الى النتيجة ذاتها . فلو تصورت مخلوقا لديه القدرة على الاختفاء ، دون ان يقترف او يمس ما لا يملك ، لظنه من يسمع عنه تعسا أبله ، على الرغم من أنهم يثنون عليه علنا ، ويتظاهرون بذلك بعضهم أمام البعض خوفا من ان يلحقهم ظلم بدورهم . فمن المحال ان تجد من توافرت له من العزيمة الحديدية ما يجعله يثبت على العدالة ، ولن تجد مخلوقا تعف يده عما لا يملك ، ان كان بوسعه أن يستولي دون ان يخشى شيئا ، على ما يشتهيه من السوق او ما يفتقد وهو في متناوله . والعادل لا يكون عادلا باختياره ، وانما هو عادلا رغم أنفه ، إذ انه حيث يبدو له اقتراف الظلم مأمونا ، يغدو بالفعل ظالما .

ثانيا : انكم كمن يحمل الماء في شباك . وواقع الامور يقول : في وسع الناس ان يصلوا الى ما تسمونه الرذيلة بيسر وفي جماعات كبيرة ، فالطريق اليها سهل ممهد ، ومقرها قريب ، أما الفضيلة التي تدعونها فقد بثت في طريقها العقبات . وانه لطريق وعر وصعب المنال . وهذا ما لايمكن لاحد بلوغه ، وتمة حكمة تقول ” اذا اشتهرت بين الناس بالعدل ، وانا في الحقيقة ظالم ، فحينئذ تتفتح أمامي أبواب الحياة الرغدة الهنيئة . فمادام المظهر يطغى على الحقيقة ويتحكم في السعادة ، فعلي أن اكرس جهودي للمظهر وحده ، وسأختبى وراء صورة الماكر الخداع ، فإن قيل ان اخفاء الشر غالبا ما يكون عسيرا ، كان جوابي عن ذلك أن كل أمر عظيم عسير ، وهناك محامون واساتذة للبلاغة يعلمون فن الاقناع في المحاكم . وعلى اية حال فهذا هو الطريق الذي يجب ان يسلكه من شاء أن يكون سعيدا ” . فتوخوا الحذر وانتم تشقون طريقكم . وتريثوا فيما تكتبون وما تنشرون .

- حوار مع شيخ كهل

ليس احب الىّ من محادثة الكهول ، اذ انني اعدهم سائحين أتموا رحلة قد يكون علىّ أن اقوم بها بدوري ، وبودي لو سألتهم عن طبيعة هذا الطريق ، وعن ما إذا كان معبدا ممهدا ، ام وعرا صعبا . لذا كان لقائي معه وقد اوغل في الشيخوخة كما ظننت ، فسألته وهو في هذه السن المتقدمة : ” ما دمت قد بلغت المرحلة التي يسميها الشعراء بمشارف الكهولة ، عما إذا كان يجد طريق الحياة شاقا ، ام ان لديه رأيا آخر ؟

فأجاب : سأنبئك . إن الرجال في سني غالبا ما يتجمعون معا ، فنحن كالطيور على اشكالها تقع ، كما يقول المثل القديم . وفي هذه الاجتماعات ترى معظمنا يجأر بالشكوى : فهم يأسفون على لذات الشباب ، ويذكرون متعة الحب ، ويحزنون كما لو كانوا قد فقدوا شيئا عزيزا : حقا لقد مرت بنا اوقات طيبة ، غير ان هذا كله قد مضى ولم تعد الحياة اليوم تستحق ان تسمى حياة . وقد يشكو البعض مما جلبته عليهم الكهولة من اهانات ألحقها بهم اقرباؤهم ، ويعددون بقلوب مفعمة بالأسى ما سببته لهم كهولتهم من أضرار . غير أن رأيي هو أن اولئك الكهول لا يصلون إلى السبب الحقيقي : فلو كان هو الكهولة لكان له نفس الأثر عليّ وعلى كل من بلغوا من العمر مثلما بلغت .

أحمد الله . إذ لا شك أن الكهولة تتصف بميزة عظيمة من الهدوء والحرية . فعندها ترخى الانفعالات قبضتها ، عندئذ نتحرر ، لا من قبضة سيد واحد ، بل من قبضة أسياد عديدين . والحق أن ما تسمعه من شكوى عن الأقارب ، يجب ان تعزى الى سبب واحد ، ليس هو الكهولة ، وانما اخلاق الناس وطباعهم ، إذ أن من كان على خلق سمح هادىء لن يشعر بضغط الشيخوخة ، أما من كان على عكس ذلك ، فكهولته وشبابه معا حمل ثقيل عليه .

إن المرء عندما يحس أنه أصبح على شفا الموت ، فإن ذهنه يحتشد بمخاوف وهموم لم يكن يعرفها من قبل . فقد كان فيما مضى يسخر من اساطير العالم والعقاب الذي يلحق المرء فيه على ما ارتكبه هنا من مظالم ، فتشعر نفسه بالقلق خوفا ، وهكذا يزداد اهتمامه بهذه الامور لاقترابه من العالم الآخر ، وتتراكم الشكوك والمخاوف في نفسه ، فيبدأ بالتفكير وفي تذكر ما قد يكون قد الحقه بالآخرين من اضرار . فإذا وجد أن موازينه قد ثقلت ، فإنه يفزع من نومه مرار كالطفل ، وتمتلىء رأسه بنذر الشر المظلمة . أما من لم يحمل وزرا ، فإن الأمل الجميل هو الذي يتعهده بالرعاية في كهولته . إن الأمل ليسعى الى نفس من يعيش عادلا ، وهو الذي يتعهده ويرعاه في كهولته ، وهو رفيقه في رحلته ، إنه الأمل الذي يبدد بقوة طاغية ما في نفس الانسان من قلق . . فاحذر يا بني !!!

- الخبز الحافي وإرادة الحياة

الخبز الحافي وارادة الحياة

كتب الدكتور نوالدين البيار تعليقا على رواية ” الخبز الحافي ” للروائي المغربي محمد شكري رحمه الله ، تحت عنوان ” ثورة الخبز في زمن الجبن ” ، وعتبه على الروائي انه لم يكن مدركا لكل الابعاد والخيوط عندما لم يتطرق الى انواع اخرى من الخبز سوى الخبز الحافي ، واهمها الخبز بالجبن ، مع العلم ” ان لا شيء يجعل الخبز لذيذا كالجبن ، خصوصا ساعة الإفطار صباحا، وهناك من يفضله في المساء .. وأن الخبز الحافي لن يكون مقنعا بدون جبن ” . وهذا باقرار اهل الاختصاص حسب رأيه .

ثم يعود ليذكّر بالرأى الآخر: ” وبأن الخبز الحافي أيضا له لذته في زمن الجبن .. وأن الخبز بدون جبن مقبول جدا ومستساغ ، بينما الجبن بدون خبز طعمه لا يستساغ ، وقد يصيب المعدة بذبحة الجبن التي يقال والله أعلم أنها من أخطر أمراض العصر ” .

ومعاتبا لانصار الخبز بالجبن ، يعلن في رده بهتان حجتهم لينتهي الى بلوغ حقيقة تقرر : ” أن كل المصائب والكوارث في العالم اليوم بسبب تفضيل الجبن على الخبز ، وعدم الاهتمام بالأولويات ، فأنتم تتبنون نظرية الجبن ونحن نتبنى نظرية الخبز حتى ولو كان حافيا ” .

بعض المعلقين حاول تذكيره بفائدة الجبن الجيدة للصغار والكبار. وخصوصا لمن يخاف على عظامه الكسر . وان كان الجبن غير الجبن الذي لا يكون له معنى عندما يتعلق الامر بقضايا الوطن ” .

لا يبدو ان البيار وهو يرجح كفة الروائي يعلم بإزدراء الثائر – المارتينيكي الاصل الجزائري النضال الفرنسي الجنسية ” فرانز فانون “- للمثل القائل ” الجوع مع الكرامة خير من الخبز مع العبودية ” . لكن فانون آن ذاك اراد تعرية المستعمر الفرنسي ومخططاته في الجزائر وافريقيا الفرنسية بوجه عام ، وارد للشعوب الافريقية ان تعي الحقيقة ، وانه يجب عليها ان تقتنع بأن الاستعمار عاجز عن ان يوفر للشعوب المستعمرة الظروف المادية التي يمكن ان تنسيها اهتمامها بالكرامة .


لقد سبق لي الاطلاع على الرواية منذ وقت مضى ، ولا اكاد اذكر عنها الكثير ، واجزم ان تصنيفي لها آن ذاك ضمن قائمة الادب الفضائحي ان صح التعبير ، وقلت حينها : اما كان للروائي ان يحمل لنا ثمرة افكاره بغير هكذا وعاء ، وبدا لي وكأن الادب ليس بخير ، اوعلى حافة الهاوية ، وحتى عندما بلغ صيت الرواية مبلغا واسع الانتشار ، وترجمت الى لغات عدة ، لم اتنازل عن رأيي وقلت : يكتبون والشعب لا يجيد الإختيار ، وخياره لا يرجح إلا من وراء جوقة إعلامية . واحيانا اخرى همست في داخلي وقلت : ومن انت حتى تقيّم الادب والادباء .. هل تعرف عنهم الكثير ؟ بالطبع لا . انت مجرد متدوق والعمل الروائي عالم له قوانينه فإن لم يروق لك هذا ، فابحث عما يروق لك !! وكان افضل جواب اهتديت اليه .
لست روائي ولا شاعر ولا اديب .. مجرد متذوق او لاعق فضول موائد الادباء حسب تصنيف ابوتمام ، عندما دخل عليه أحد “أدعياء” الشعر وألح عليه لاسماعه قصيدة نظمها ، ولما انتهى هذا ” المدعي” من روايتها سأل أبا تمام : مارأيك ؟
قال له ابو تمام اسمع يابني :

الشعراء ثلاثة :
شاعرٌ، فمتشاعرٌ، فلاعقٌ فضولَ موائد الشعراء..
أما أنا فمتشاعرٌ..
وتقاسمْ انت وامرؤ القيس البقية..!!

في المناسبة عدت ثانية لاتصفح تلك الرواية ” الخبز الحافي ” ، فحيثما رسمت آن ذاك خطا تحت العبارة على عادتي في القراءة ، سوف يسعفني في اعادة التقييم واختصار الوقت . جمعت تلك العبارات الى بعضها البعض بعد عزلها وتصفيفها ، واعدت القراءة . وقد بدت مع الاحتفاظ بالتواتر في ترتيبها ، تؤلف نصا يكتسي عنوان ” ارادة الحياة ” ، الفكرة الاساس التي اراد الروائي محمد شكرى معالجتها في صدر الرواية ومن خلال سرد تجربته الشخصية بكل ما تحكي من صور العوز والفقر والتشرد ، ومأساة سجون امتصت برودة زنازينها أحلامه الطرية ، الى خفايا بيوت الليل ومافيا التهريب .. هي كما هي :

( النص )

” – ها انا اعود لأجوس ، كالسائر نائما ، عبر الازقة والذكريات ، عبر ما خططته عن حياتي الماضية الحاضرة .. كلمات وندوب لا يلئمها القول .
- اين عمري من هذا النسيج الكلامي ؟
- عبير الامآسي والليالي المكتضة بالتوجس واندفاع المغامرة يتسسل الى داخلي ليعيد رماد الجمرات غلالة شفافة آسرة .
- فيا ايها الليليون والنهاريون ، ايها المتشائمون والمتفائلون ، ايها المتمردون ، ايها المراهقون ، ايها العقلاء .. لا تنسوا ان ” لعبة الزمن ” أقوى منا ، لا يمكن أن نواجهها إلا بأن نعيش الموت السابق لموتنا ، لإماتتنا : أن نرقص على حبال المخاطرة نشدانا للحياة .
اقول : يخرج الحي من الميت .
- يخرج الحي من النتن ومن المتحلل . يخرجه من المتخم والمنهار .. يخرجه من بطون الجائعين ومن صلب المتعيشين على الخبز الحافي .

- يبزغ قرص الشمس القرمزي يحفه النور مثل بيضة مكسورة في صحن ازرق . تسبح الكائنات . يصفر عصفور والحمام يهدل وديك يصيح ونهيق حمار يغطي كل الاصوات التي لا اراها .. ما اجمل أن تظن أن احدا لا يراها ! .

- لكننا ما دمنا نستطيع الحصول على الخبز والبصل فإن كرامتنا ستظل مصونة .

- في الليل يصير للحياة طعم الخلود … كل صوت حزين يصلني من بعيد او همسا عن قرب .
- دخلنا عالم الصمت الابدي .
- الموتى لا يتاجرون ، لا يخافون ، لا يحزنون ولا يتخاصمون ، كل ميت في مكانه . حين يتهدم قبره يدفنون مكانه ميتا آخر . اذا كان العام قديما فإن الارض كلها قبور .

- ارادة الحياة معناها هو انه اذا كان هناك شعب مستعبد او انسان ما واراد ان يتحرر فإن الله يستجيب له ، والفجر يستجيب والقيد يتهرس بقوة إرادة الانسان .

قال الشابي :
اذا الشعب يوما اراد الحياة
فلابد ان يستجيب القدر
ولابد لليل ان ينجلي
ولابد للقيد ان ينكسر ”

- تأوهآت طبية

الناس يضحون بكل شيء ما عدا الحرص على صحة اجسامهم . وها انا اموت بيأس المواطن الذي يعيش من مرتباته ، ويندد اشد التنديد بأجور الاطباء العالية . ويحذر بجد وحرارة من الوثوق بهم ، وقد اضناه الكلل والملل وهو يجوب من مصحة لأخرى ، قبل ان يتخد قراره ويحزم أمره ، مفضلا خيار المعالجة بأحدى الدول الشقيقة .


ها هم الاطباء يحاصرون فراش مرضي ، وطبيعي أن يملأ هذا قلبي خوفا بعد طول المراس . ذلك أن آراءهم متضاربة على الدوام ، وأن من لا يجد منهم جديد ينطق به يجلله عار التخلف عن غيره من الاطباء . وهم يتجرون بحياتنا لكي تديع شهرتهم بما يستحدثونه من جديد ، وحسب الواحد منهم أن يقول إنه طبيب لكي يؤمن الناس بكل كلمة يقولها ، وليس هذا من شأن الحرف الأخرى ، مع أن كذبة الطبيب يكمن فيها من الأخطار ما لا يكمن في كذبة غيره . وهم يتعلمون مهنتهم على حسابنا ، وحتى موتنا يهيء لهم أسباب الخبرة ، فالطبيب وحده من حقه أن يقتل الناس دون أن يخشى عقابا ، ألا يا أرحم الراحمين ! انظر الى عصبتهم نضرتك إلى جيش من الأعداء ، واذكر القبرية المحذرة التي نقشها رجل بائس على شاهد قبره : ” لقد مت من كثرة الأطباء ! ” .


” لا .. لست انا الحجر يلقى في الماء ، لكنني البذرة تبذر الحقل ” . لست متحاملا .. ادرك انه ينبغي ان لا يسمح لأى طبيب بأن يشخص مرضا خطيرا إلا إذا ضم إليه زميلا له . وأن يشرف على تحضير الدواء الذي يصفه لنا ومتابعة انتقاء الوصفة الطبية مع الصيدلي ، هذا قراري منذ زمن بعيد صاغه المؤتمر في ثنايا قوانين ولوائح المسؤولية الطبية ، وادرك ايضا ان المستشفيات تضاعف عددها . ولكن يبدو أنه من نحس طالع الطب أن امراضا جديدة تقابل تقدمه في العلاج ، وتكاد تعقبه على الدوام . اليوم – على سبيل المثال – انفلونزا الخنازير وقبلها الدجاج وربما بعدها الماعز والكلاب والفكاريين ، حسب ما يشاع ، عن آخر ما توصلت اليه الشركات المنتجة للادوية ، في مناخ الازمة الاقتصادية العالمية ، لتفادي انهيار دول امبروطورية .


كيف لي ان أثق في أمل شاحب ولا اتسأل عن حجم المأساة الحقيقي . صحفية نمساوية متخصصة في الشؤون العلمية فجرت قنبلة مدوية بكشفها ان ما بات يعرف بفيروس أنفلونزا الخنازير، الذي اجتاح بلدان العالم في ظرف قياسي، ما هو إلا مؤامرة يقودها سياسيون ورجال مال وشركات لصناعة الأدوية في الولايات المتحدة الأمريكية . اتهمت الصحفية النمساوية يان بيرجرمايستر منظمة الصحة العالمية، وهيئة الأمم المتحدة، والرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومجموعة من اللوبي اليهودي المسيطر على أكبر البنوك العالمية ، بارتكابهم ما أسمته “الإرهاب البيولوجي”.


الجمعيةَ البرلمانية لمجلس اوروبا لا تستبعدُ أن تكون منظمةُ الصحةِ العالمية قد ساندت شركاتِ الادويةِ الضخمة لانها قامت بصورةٍ غيرِ علمية بتضخيمِ المخاوفِ من خطورة انفلونزا الخنازير .

عالم الاوبئة الالماني وولف غانغ فو دارغا يقول : أن الهستيريا التي صاحبت مرض انفلونزا الخنازير يمكن ان تصبحَ من اكبرِ الفضائحِ الطبيةِ التي حدثت خلال 100 عام .



وزيرة الصحة البولندية وهى تخاطب برلمان بلدها تشكك في الامر ثم تتسأل : ما هو واجب وزير الصحة ؟ ان يوقع اتفاقيات لصالح الشعب ,أم يوقع اتفاقيات لصالح شركات الأدوية ؟ وان كان هذا لا ينال من اصرار مسؤولي الصحة في بلادنا على سلامتنا عندما اقدموا على استيراد ستة مليون لقاح .


تأوهاتي سأحتفظ بها الى الجلسة القادمة للمؤتمر .. وسوف يخاطبنا ايضا امين الصحة بالتفصيل ؟؟؟؟!!!! .. سأنتظر ومزيج من الحرج والحذر والخوف والحيرة والعادة تمنعني من الاقدام على تجربة المصل ، واجراء التطعيم !! انا لا اريد ان اكون حقل تجارب ، او ان أقذف بمفتاح حياتي من النافذة . وسأحتفظ بتأوّهاتي ..! الى الجلسة القادمة للمؤتمر .

- تأوهآت قانونية


اصلاح القضاء آخر ما تفعله الديمقراطية .. هكذا يقال . وإذا ادركنا ان الديمقراطية تعني سلطة كل الناس ، وان بذورها الاولى نمت في بلاد اليونان عهد ما قبل الميلاد ، حيث عرفت اثينا في اوج ازدهارها ما سمي بالديمقراطية الشعبية انسجاما والقاعدة الطبيعية التي تقول : ” لو خير الناس ان يكونوا حكاما او محكومين لأختاروا حكاما ” . فليس بالبعيد ان نتأمل في بلادنا وهي تقتفي الأثر اليوناني وتحتفي في الثاني من شهر الربيع من كل عام بذكرى الاعلان عن قيام سلطة كل الناس ، سلطة الجماهير . ان تكون قد بلغت بعد مرور ثلاثة عقود من الممارسة حدا ملائما يعطي صورة مثلى لهيئات القضاء والتحكيم وفض المنازعات ، إذ العلاقة بالقوانين والتشريعات الصادرة باقرار الجميع في مثل هذا النوع من صور الحكم تتحول في العادة الى حالة التزام اكثر من كونها حالة الزام . وقد تنتفي الحاجة الى وظيفة القاضي ، ويكون من المخجل ، ومما ينم عن عيب اساسي في التربية ، أن يلجأ المرء الى عدالة يستعيرها من الغير ، او ان ينصب من غيره أوصياء عليه وقضاة لحقوقه . ومن المخجل ايضا ان يبلغ سوء الادراك بالمواطن حدا يجعله يباهي بخروجه على القانون ، او ان يفخر بقدرته على التلون بشتى الطرق ، وعلى التهرب بمختلف الوسائل ، والتلوى كالغصن اللين من أجل تجنب العقاب .


لم يعرف عن الاثينين اصحاب التجربة في مهدها إستحداث وظيفة مدع عمومي ، فقد كانت الحكومة تعتمد على المواطنين أن يتهموا أمام المحاكم كل من يرتكب جريمة خطيرة ضد الاخلاق العامة او الدولة ، دولة الجماهير. ومن هنا نشأت طائفة من ” النمامين ” ديدنهم وعملهم اتهام الناس ، فلما تعقدت الاجراءات القضائية ، وتبين المتقاضون تأثر القضاة بعض الشيء ببلاغة الالفاظ ، نشأت عادة استخدام خطيب او رجل بليغ متضلع في القانون ، يؤيد المدعى او المدعى عليه . وفي اثينا نجد للمرة الاولى في التاريخ حكم القوانين لا حكم الناس . يقول سقراط : “ ليس ثمة من ينكر أن شرائعنا مصدر كثير من الخير العظيم في حياة البشرية ” .



القاضي يعالج النفس بالنفس . ومن هنا لم يكن من الخير أن يخالط نفسه منذ حداثتها نفوس الاشرار . ولا أن تمر هي ذاتها بتجربة كل الشرور والآثام حتى تستطيع أن تتصور أثآم الغير على نحو صحيح ، وإنما لابد أن تكون قد شبت منذ حداثتها على البراءة والبعد عن كل رذيلة ، إن شئنا أن يكون حكمها على ما هو عادل صحيحا ، بفضل تجاربها النزيهة الخاصة . وعلى ذلك ، لا يمكن أن يكون القاضي الصالح شابا ، وإنما ينبغي أن يكون شيخا ، عرف كنه الظلم خلال تجاربه الطويلة ، على ألا يكون قد عرفه عن طريق ممارسته للرذيلة في نفسه ، وإنما ينبغي أن يكون قد عرفها ، بخبرته الطويلة ، من حيث هي رذيلة غريبة عنه ، توجد في نفوس الآخرين ، وأن يدرك ما تنطوى عليه من شرعن طريق الدراسة لا الممارسة .



لا شك ان قاضيا كهذا هو القاضي الأمثل حقا . وهو ايضا القاضي الخير . لأن من طويت نفسه على الخير كان خيرا ، أما الرجل الماكر الذي يسارع ذهنه الى الشك في الشر دائما ، والذي يبدو ، من بعد ما أقترفه هو ذاته من مظالم لا حصر لها ، بارعا ذكيا يتعامل مع اشباهه ، مثل هذا الرجل إنما يثبت مهارة وفطنة لأن ضميره يعكس صورة ضمائر الأشرار ، اما اذا تعامل مع أناس خيرين تقدم بهم العمر ، فعنئذ يتبدى غباؤه حين ينظر اليهم نظرة ملؤها الريبة ، وحين يجهل معنى استقامتهم ، لأنه لا يجد في نفسه أى نظير . واذا كان يبدو لنفسه وللآخرين أقرب الى الفطنة منه الى الجهالة ، فما ذلك إلا لأن روابطه بالأشرار أوثق من روابطه بالاخيار .

الفضيلة تصل على مر الزمان ، بمعونة التعليم الذي يصقل النفس ، الى معرفة ذاتها ومعرفة الرذيلة . وعلى ذلك يكون الفاضل ، لا الشرير ، هو الأجدر بأن يكون قاضيا حكيما .



ان خير ما يعني به المرء هو ما يحبه . إذن ينبغي دائما مراعاة اختيار القضاة من بين اصلح الناس للمحافظة على وجه العدالة ، وهؤلاء يمكن اقتفاءهم ، فهم الاكثر حماسة للقيام طوال حياتهم بما يرونه نافعا لمجتمعهم ، وممن يأبون ان يفعلوا ، بأى ثمن ، ما يتعارض والصالح العام .

- عدوى الرحيل


الرحيل بعيدا عن الوطن والاهل هو ما نعته الاديب والروائي السوداني الطيب صالح (1929 – 2009) بالعدوى ، وجعل منه حجر زاوية البناء في ثنايا روايته الشهيرة ” موسم الهجرة الى الشمال ” . الرواية التي لاقت اهتمام بالغ ومنقطع النظير و]داع صيتها حتى قيل انها غطت على أعمال الطيب صالح ، بل وغطت عليه هو نفسه كما يصفها النقاد . وقد بلغت العالمية وترجمت الى لغات عدة . وشقت طريقها إلى قلوب القراء .


صنفت الرواية من منظور يربطها بمرحلة ما بعد الكولونيالية ، و بمثابة دراسة استكشافية اعتمدت على الفن الروائي لرسم صورة مركبة تعكس الآثار التى تركها الاستعمار في نفسية المستعمر من خلال الشخصية الرئيسة ، ( صديقه ) مصطفى سعيد ، ذلك المهاجر المهمش القادم من السودان للدراسة فى لندن والذي يرغب في الانتقام بطريقته الخاصة من الغرب المستعمر .


ادب الطيب صالح عموما اضافة الى ما حمله من قيمة انسانية وادبية وانطلاقة من اغراق في غور المحلية وتفاصيلها ، الى آفاق ارحب وفضاءات انسانية اعم . معنياً برصد ثنائيات الأنا والآخر، الحداثة والموروث، التقدم والتخلف ، ودون الوقوع في مأزق التبعية الذهنية التي وقع فيها معظم المثقفين العرب. اعتبره البعض محطة بارزة وجسرا مثينا مهد الطريق أمام الأدباء العرب للوصول إلى القارئ الغربي بفضل ترجمة أعماله إلى لغات عدة .



في صدر الرواية ” موسم الهجرة الى الشمال ” ينقل لنا رسالة تحمل وصية صديقه مصطفى سعيد وقد استشعر لحظة الوداع وقرب المنية ، يتأمل فيه العناية بأبنائه وترشيدهم ، ويؤكد بوجه خاص على حمايتهم من عدوى الرحيل التي يبدو انها سمة متفشية بين جيل الشباب آن ذاك .

تلك العدوى التي هي اشبه بفيروس عصر ما بعد الكولونيالية لا يزال – على ما يبدو الى اليوم – تأثيرها ماض بمجتمعات افريقيا والعالم الثالث بوجه عام ، بل وتزداد حمى الاصابة كلما نهشت بحدة مخالب العوز والفقر جسد قاطرة الأمل .

في بلادنا لا يبدو ان شبابنا يشكل حالة استثناء .. طرقت أذني تأوهاّت عدة متفائلة ، تطمح وتتسأل وتنتظر موعد الرحيل ، وموسم الهجرة الى الشمال .. ما ذكرني بوصية من خاض التجربة واراد لها ان تبقى دخيرة لاجيال تأتي من بعده .. مصطفى سعيد على لسان الروائي والاديب الكبير الطيب صالح :


” اطلب منك أن تؤدي هذه الخدمة لرجل لم يسعد بالتعرف اليك كما ينبغي .. ان تشمل أهل بيتي برعايتك ، وان تكون عونا ومشيرا ونصيحا لولديّ ، وان تجنبهما ما استطعت مشقة السفر . جنبهما مشقة السفر . وساعدهما ان ينشأ نشأة عادية ويعملا عملا مفيدا .


حياتي مهما كان من أمرها ليس فيها عظة او عبرة لأحد .. اترك لك مفتاح غرفتي الخاصة .. ستجد في تلك الغرفة التي لم يدخلها احد غيري من قبل ، قصاصات ورق وشذورا متفرقة ومحاولات لكتابة مذكرات وغير ذلك . ارجو على أى حال ان تساعدك على تزجية السعات التي لا تجد وسيلة افضل لقضائها ، وانا اترك لك تقدير الوقت المناسب لتعطي ولديّ مفتاح الغرفة وتساعدهما على ادراك حقيقة امري . إنه يهمني أن يعلما أى نوع من الناس كان ابوهما – إذا كان ذلك ممكنا اصلا – وليس هدفي أن يحسنا بي الظن ، حسن الظن هو آخر ما ارمي اليه – ولكن لعل ذلك يساعدهما على معرفة حقيقتهما ، في وقت لا تكون المعرفة فيه خطرا .


اذا نشأ مشبعين بهواء هذا البلد وروائحه والوانه وتاريخه ووجوه اهله وذكريات فيضاناته وحصاداته وزراعاته ، فإن حياتي ستحتل مكانها الصحيح لشيء له معنى الى جانب معان كثيرة أخرى اعمق مدلولا . لا ادري كيف يفكران في حينئذ . وقد يحسان نحوي بالرثاء ، وقد يحولانني بخيالهما الى بطل . هذا ليس مهما . المهم ان حياتي لن تجيء من وراء المجهول كروح شريرة تلحق بهما الضرر . وكم كنت اتمنى أن أظل معهما ، اراقبهما يكبران امام عيني ويكونان على الأقل مبررا لوجودي ، إنني لا ادري أى العملين أكثر انانية ، بقائي ام ذهابي . ومهما يكن فإنه لا حيلة لي ، ولعلك تدرك قصدي إذا عدت بذكراك الى ما قلته لك تلك الليلة ، لا جدوى من خداع النفس . ذلك النداء البعيد لا يزال يتردد في أذني وقد ظننت أن حياتي وزواجي هنا سيسكتانه . ولكن لعلي خلقت هكذا ، او ان مصيري هكذا ، مهما يكن معنى ذلك ، لا ادري .


انني اعرف بعقلي ما يجب فعله ، الأمر الذي جربته في هذه القرية ، ومع هؤلاء القوم السعداء . ولكن أشياء مبهمة في روحي وفي دمي تدفعني الى مناطق بعيدة تترآى لي ولا يمكن تجاهلها .

واحسرتي إذا نشأ ولدايّ احدهما او كلاهما ، وفيهما جرثومة هذه العدوى ، عدوى الرحيل ، إنني أحملك الأمانة .. لا أدري متى اذهب يا صديقي ، ولكنني أحس ان ساعة الرحيل أزفت ، فوداعا ” .



- اضغات أحلام


أحلم أني اتملك الارض الشاسعة ، والقصور الجميلة الشامخة الحافلة بالأثاث المترف ، أكنز المعادن الثمينة ، اتنقل واجوب اصقاع الارض ورحلات الى البلدان النائية للترويح على النفس وتقديم الهدايا للعشيقات ، والانفاق كما أشاء في وجوه المتعة .





احلم أني أطير او اعيش في قصر مفروش بالحرير وألوان لامعة تزين الجدران ، وستائر وردية منتقاة بعناية ، وسجاد سندسي ووسائد من ريش النعام ، والبسط والبخور والعطور . أشير بيدي فيأتيني طبق مليء بما أشتهي . أصفق بيدي فتأتي فتاة رائعة لم تمسها يد انسان . ترقص وسط ضباب من بخور الصندل المحروق ، وضياء الشموع . ولحن الجدود الاندلسية .

يا ليلة حزت الجمال

والسعد أقبل

لك المفاخر والكمال

والعز أجمل


احلم بليلة قمراء والجو دافيء .. وبستان يعبق بروائح الزهور . ورائحة مسك الليل القوية ، وعبيرأشجار الليمون .. جنة الارض مفروشة مخضرة مزرقة ممتدة تناديني .. وفي صفاء ذهني تنتعش الروح و تتبخر الافكار .. أحس نفسي سارقا ومسروقا .. الكلمات التي افكر أن اقولها تضيع مني قبل أن ألفظها .. انا صحراء الظمأ .. متاهة الرغائب الجنونية.. .. أكره أن اتكلم حين لا أريد .. عطور شرقية نفادة .. اووه ، لقد آلفتها . إذا كانت الألفة هي الحب فإني أحبها . اميل كما الناس الى احدث ما ينشد المغنون :

إني أغار من الكؤوس فجنبي

كأس المدامة أن يقبل فاك




احلم بالثراء وأكره الفقر ، الفقر يحيل قلوب البشر الى صحارى تتعارك رمالها ويجف فيها صوت العندليب ، الثراء والفاقة ضدان ام وجهان لعملة واحدة ؟ لا ادري .. يقال أن كلاهما ابتلاء . اكرمه ونعمه او قدر عليه رزقه . الاولي تورث الطراوة والخمول ، وتولد نزوعا هداما ، والثانية تؤدي الى جانب هذا النزوع الهدام ، الى الضعة والرغبة في اقتراف الشر .


احلم بالثراء واكره الفقر .. الفقر كما عرفه عروة بن الورد في الجاهلية ، وكان يقال له عروة الصعاليك ، لأنه كان يؤويهم ويحسن إليهم كثيرا. قال :

ذريني للغنى أسعى فإني ** رأيت الناس شرهم الفقير

وأبعدهم وأهونهم عليهم ** وإن أمسى له حسب وخير

ويقصيه الندي وتزدريه ** حليلته وينهره الصغير

وتلقى ذا الغنى وله جلال ** يكاد فؤاد صاحبه يطير

قليل ذنبه والذنب جم ** ولكن الغنى رب غفور

احلم بالثراء واكره الفقر .. وإن كان من عجيب أمر الاثرياء أنهم ينظرون بعين الحقد والعداء الى من ينبئهم صراحة أنهم لم يكفوا عن الاغراق في المشرب والمأكل ، وعن اللهو والترف ، لذا لن ينفعهم دواء ولا كي ولا استئصال ولا تعاويد ولا احجبة . ولا خير في أمرىء يغضب ممن يسدي النصح السديد اليه . أما من يتملق مشاعرهم ويتقرب إليهم بوضاعة ، ويعلم رغباتهم فيحاول تحقيقها ، هو في نظرهم صالح حكيم ، يستحق أن تغدق عليه مظاهر التكريم .

احلم .. واحلم .. ويأخدني الحنين الى ماض تليد .. الى مجالس الجدود .. من قرطبة وزمان الوصل بالاندلس الى بغداد .. في مجلس الجراحي أبي الحسن قاضي الكرخ .. بردائه المحشى ، وكميه المفدرين ووجنتيه المتخلجتين وكلامه الفخم ، وإطراقه الدائم ؛ فانه يغمز بالحاجب إذا رأى مرطا، وأمل أن يقبل خدا وقرطا ؛ على غناء شعلة :

لابد للمشتاق من ذكر الوطن

واليأس والسلوى من بعد الحزن

وقيامته تقوم إذا سمعها ترجع في لحنها:

لو أن ما تبتليني الحادثات به

يلقى على الماء لم يشرب من الكدر

فهناك ترى شيبة قد ابتلت بالدموع ، وفؤاد قد نزا إلى اللهاة ، مع أسف قد ثقب القلب، واوهن الروح ، وجاب الصخر، وأذاب الحديد، وهناك ترى والله إحداق الحاضرين باهتة ، ودموعهم متحدرة ، وشهيقهم قد علا رحمة له ، ورقة عليه ، وهذه صورة إذا استولت على أهل المجلس وجدت لها عدوى لا تملك ، وغاية لا تدرك ، لأنه قلما يخلوا إنسان من صبوة أو صبابة ، أو حسرة على فائت، أو فكر في متمني ، أو خوف من قطيعة ، أو رجاء لمنتظر ، أو حزن على حال.

احلم .. واحلم.. وسأظل أحلم مثل ملايين البشر ، لست معصوما من جرثومة العدوى التي ينتزى بها جسم الكون .. احلم والدنيا تسير، باختيارنا او رغم أنوفنا ، في قافلة طويلة ليست كلها شر . احلم وما تزال في عقلي بقية تدرك سخرية الموقف .. احلم حتى يئن الحجر ويبكي الشجر.. فإن فاتني أن أكون ثريا او ملاكا ارضيا . سأظل احلم .. احلم .!

- تأوهآت سياسية ( 1 )


يقال ان الناس لا رأى لهم ، وهم فقط يرددون ما يروق لحكامهم أن يلقنونه لهم ، ويفعلون على غرار ما يتوقعون ان يكلفوهم به . والخارج عن هذا الناموس انما هو مخاتل ، وسيحكم عليه الناس انه مخاتل ، وان عمله في غاية الحماقة . وفاقد لحسن التدبير في حياته الخاصة والعامة . وغير متبصر للحكمة القائلة : ” الناس على دين ملوكهم ” .


ويقال ايضا أنه عندما يتعلق الامر بشأن من شؤون الدولة او فن السياسة ، يخطىء حدس من يظن ان هذا الفن من الممكن ان يعلّم او ان يلقنه رجل لرجل . إذ ان كل فرد حر في ان يقول رأيه سواء في ذلك الغني والفقير ، بل اى فرد يحب الادلاء برأى ، فلا أحد يلومه على انه لم يتعلم فن السياسة . ومع ذلك يبدي مشورته لأنهم يسلمون جليا بأن هذا النوع من المعرفة لا يمكن تعلمه ، ولا يصدق هذا على امور الدولة فقط ، بل يصدق ايضا على الاشخاص ، فلا يستطيع خير مواطنينا واعقلهم أن يمنحوا الآخرين حكمتهم السياسية ، ولا ان يهيء من نفسه استاذا لهم فيها ، بل يتابعونها بمحض ارادتهم ، ويهتدوا الى الفضيلة السياسية فيها من تلقاء انفسهم . وإذا اعترض على أقل جزء من حديثهم تراهم يطنطنون بحديث طويل يشبه القرع على أوعية نحاسية تواصل اصدار الصوت – إذا قرعت – ما لم يوقف صدى صوتها تدخل انسان .


لذا حينما يتناولون موضوع الفضيلة السياسية التي تتطلب نوعا من العدالة والحكمة ، فإنهم يتقبلون بدرجة كافية أى شخص يتكلم عنها ، وهذا أمر طبيعي ، ذلك لأنهم يعتقدون أن كل انسان ينبغي أن يحظى بنصيب في هذا النوع من الفضيلة ، وان الدولة لا يمكنها أن توجد إذا كان الأمر على النقيض من ذلك .

حينما تكون الأمانة او بعض الفضائل السياسية الأخرى مجالا للسؤال ، فحتى إذا عرفوا أن هذا الشخص غير أمين او صرح الرجل نفسه علنا بأنه غير أمين حقيقة ، فإن الذين رأوه في هذه الحالة من الجنون ، يعتبرون أن ما يعد في نظرهم جنون يعبر عن احساسا طيبا . فهناك صعوبة في أن تصير خيرا ، وهو ممكن لبعض الوقت فقط ، ولكن أن تصير خيرا وتظل خيرا فهذا غير ممكن ولا يسلم به . وهم يقرون في قرارة انفسهم بأن الرجال ينبغي أن يعترفوا بالأمانة سواء كانوا أمناء ام لا ، وأن المجنون هو الذي لا يعترف بها بنوع ما ، وفي تقديرهم أن الرجل ينبغي أن يكون له درجة ما من الأمانة ، فلا ينبغي أن لا يكون له أى شيء منها على الاطلاق . ولا يشارك فيها بنصيب .

لا عجب في هذا . لأن وجود الدولة يتضمن أن الفضيلة السياسية ليست ملكا لأى شخص ، ولا شيء يمكن أن يكون هو الأصدق . لأن لكل منا الأهتمام المتبادل بعدالة وفضيلة الآخر ، وهذا هو السبب في أن كل شخص على استعداد أن يعلم العدالة والقوانين .


يقال ايضا أن من السياسة ترك السياسة ، او مجرد الحديث في السياسة . لكن ماذا لو طلب مني احدهم ، ممن يقفون على رأس الهرم ، او ممن هو جالس على كرسي الجمر رأيا سياسيا . هل من الحكمة أن لا اجيب ؟ ام ان في إجابتي : ” لا تترك البر والجو عاصفا فيشق كل شراع طريقه في محيط الكلمات ” مجانبة للصواب . ؟؟؟

- تأوهآت أدبية ( 1 )

عربدت في الصدر آهات الحزين ، ودموع القلب فاضت من تباريح السنين ، ورياح عصفت بالحب وبالوجد والحنين . . كلمات في ذكرى الشاعر الليبي مصطفى بن زكري الطرابلسي ، وفي مناسبة الاعلان على اصدار الطبعة الثانية لديوانه بعد121 عاما من الطبعة الاولى ، بمعرفة دار ( مداد ) للنشر بالقاهرة ، والتي تعمل على نشر الكتاب الليبي وتقديم الثقافة الليبية بكافة ألوانها.


الخبرتوالت على نقله باهتمام بالغ صحف ومواقع عدة منذ اكثر من شهر مضي ، في اشادة بمبادرة دار النشر . وقد طبعت النسخة الأولى من الديوان في القاهرة بالمطبعة العثمانية عام 1892 . ويشتمل الديوان على قصائد شعرية لغوية على غرار ألفية ابن مالك وضعها في أبواب.. فيقول في باب أبنية الاسم الثلاثي :


فافتح وضم العين وألفا واكسرا


وزد سكون العين نحو الصورا


وأسقطوا الذي يكون كدثل



وعكسه وقيل أنه يقل


وفعل حلقيّ عين وجدا


كفعل فعل وفعل وردا


وغير فعل أجز بكالكتف


وضم عين فعل قد ينحذف


كضم عين فعل وكسر ما


كابل وعين فعل اضمما


ولد الشاعر ابن زكريا في 1853 بطرابلس ودرس بجامع عثمان باشا وجامع شائب العين في طرابلس، وتعلم اللغة التركية والفرنسية، حيث سافر الى مصر والحجاز وبعض دول أوروبا، ونشر انتاجه الأدبي والشعري في عدد من الصحف التي كانت تصدر آنذاك في ليبيا منها جريدة الترقي، وعمل بالتدريس ثم التجارة، وتولى ادارة مكتب الفنون والصنائع بطرابلس في عهد رجب باشا الحاكم العثماني في هذا التوقيت، وتوفي في 1917م


وفي مقدمة الديوان يقول الشاعر الليبي مصطفى بن زكري” هذا ماسمح به فكري من طرائف الأبيات الغزلية ولطائف النكات الأدبية، ولا يغرك ما أدّعيه، ولست من أربابه وذويه، فغاية مرامي، ومرمى سهامي أن أرد من فم الأدب رضابه وأرتشف من راحة حبابة ، وأقرع باب معانيه، وأسوم شباب أغانيه، وأتضلع من محكم آياته، وأستجلي مخدرات نكاته، ولا أدعي مجارات فرسانه بغروري، وكيف وأنا أتعاثر في ذيل قصوري .


ولما تفقدت شواردها وتقفيت أوابدها، صادفت جلّ الأبيات في جُب الخمول مقبورا، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، وحذرا من ضياعها ودثور رقاعها، طفقت أجوس مفاوز أفكاري، وأطارد شوارد أوطاري، إلى أن ظفرت ببعضها، وقمت بقضاء فرضها،فركّضتُ جواد أقدامي وفوّقت سنان أقلامي، وثنيت عنان البنان إلى ميدان الطروس، وأدرت من بديع المعاني ألذ الكؤوس، واعتبرت في الترتيب البحور دون الحروف، وإن كان غير المألوف، لكي لاتذهب عند القراءة طلاوة الإتصال، بوحشية تباين الأوزان والانتقال.

الباحث والصديق الدكتور قريرة زرقون في دراسة بعنوان ( الحركة الشعرية في ليبيا في العصر الحديث ) يصنف الاتجاهات الشعرية التي شهدتها ليبيا خلال عقود القرن العشرين الى مدارس ادبية تضم عددا من الشعراء ذوي الاوجه الثقافية المتنوعة الى ثلاثة مدارس . يتصدرالشاعر مصطفي بن زكري قائمة رواد المدرسة التقليدية ، التي سارت على خطى الشعر العربي الملتزم بالعروض الخليلي . وينقل لنا من ابداعاته في فن اشبه بالموشحات يقول :


بين آس وأقاح


وصبوح في صباح


روح الروح براح


واغتنم صفو الزمان


خندريس من رحيق


قرقفا تدعى بريق


في كؤؤس من عقيق


عصرت من اقحوان


يذكر ايضا ان بيت الشاعر بطرابلس كان صالونا أدبيا وفكريا تلتقي فيه النخبة البارزة من رجال الأدب والفكر والسياسة, والتي اعتبرته رائدها, وأصبغت عليه لقب ( شاعر ليبيا الأول). وعندما غزت ايطاليا ليبيا العام 1911 انزوى بن زكري في بيته والتزم الصمت حتى وفاته العام 1917 .


شعره ينبع من روح القصيدة الأندلسية ومن تجاربه الحياتية الغنية بالسفر والرحلات . وله باع ايضا في قرض شعر الغزل ، منه :


بأبي مـن زرانــي ملتثمــا وجلا من رقباء الحــرس


فهو كالبــدر بدا مبتسمــا يتوارى تحت ذيل الغلس

***


قالوا : له خال بصفحة خده وتفننوا في كنهه وصفاته


وأراه عبدا يسرق من جنــا خـديه مغترا بفعل سناته


فرماه ناظره بسهم صائب ونظر إلى دمه على وجناته


قرأت الخبر واحسست بعربدة آهات ، منها ما يشير الى عناية مسبقة للمؤرخ الليبي على مصطفي المصراتي بتحقيق الديوان وقد نشر بمعرفة ، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت عام 1966 . وكذلك بمعرفة دار الفكر، طرابلس عام 1972 . وأخرى تتسأل عن اسباب تفضيل خيار الطباعة والنشر بمعرفة مطابع ودور النشر خارج بلادنا ليبيا ؟؟

اما عندما تصنف المادة المحققة ضمن ابرز ذخائر التراث الليبي خلال قرن مضى ، فلا بد لها ان تعربد وتعربد في الصدر آهات الحزين ، وتفيض دموع القلب من تباريح السنين ، وتعصف رياح الحب بالوجد والحنين .

- تأوهات بيئية ( 1 )


17 يونيو يمثل اليوم العالمي لمواجهة التصحر والجفاف ، وفي كل عام يقف العالم أشبه بالمشدوه امام هول الظاهرة ، ظاهرة التصحر وهي تجتاح الكوكب ، حيث تتعرض الارض للتدهور في المناطق القاحلة وشبه القاحلة ، مما يؤدي الى فقدان الحياة النباتية والتنوع الحيوي بها . وفي كل عام يفقد العالم حوالي 691 كيلو متر مربع من الأراضي الزراعية نتيجة لعملية التصحر والتي تتمظهر في انحسار الغطاء النباتي والاثار المفجعة الناجمة عنه . وحسب تقرير الصندوق العالمي للطبيعة (World Wide Fund for Nature) فقدت الأرض حوالي 30% من مواردها الطبيعية ما بين سنتيّ 1970م و1995م.

يُعَدّ التصحر من أخطر المشكلات التي تواجه العالم بصفة عامة ، والقارة الأفريقية بصفة خاصة ، وقد لوحظ في الآونة الاخيرة ان الرياح المثيرة للأتربة تجتاح هذه الصحاري والأراضي الجافة ليصل تأثيرها الى الكثير من المدن في الشمال، في اندفاعة يتجاوز تأثيرها الى اوربا ايضا .

يعزي الخبراء تفشي ظاهرة التصحر الى العديد من العوامل . لعل ابرزها اختلال التوازن البيئي الناجم عن الاستثمار السيء للموارد الطبيعية ، كإزالة الغابات وما ينجم عنها من فقدان التربة لحالة التماسك . والرعي الجائر او الافراط الرعوي وما ينتج عنه من اشتداد التعرية وانحسار الغطاء النباتي ، حيث يساهم الضغط الرعوي بخلق التصحر ، والذي يقصد به تحميل أراضي المراعي عددا من الماشية أو أنواعا معينة منها لا تتفق وطاقة هذه المراعي على تغذيتها . اضافة الى أساليب الريّ الرديئة ، اى سوء استخدام الأراضي الزراعية من أجل إنتاج أكبر كمية ممكنة من المحصول، وهو ما يؤدي إلى تدهور التربة ، وبالتالي تعريتها ، والتي تمثل بداية عملية التصحر . يضاف الى ذلك ايضا اسباب اكثر قهرا تتعلق بعوامل الطقس والتغيرات المناخية التي يشهدها عالم اليوم .



من الصعب جداً كما يقول الخبراء إعادة الحياة من جديد إلى الأرض الصحراوية أو المتجهة إلى التصحر الشامل ، لذلك يجب المحافظة علي الأراضي الخصبة قبل تدهورها والعمل على إزالة أسباب التصحر . والاسراع في خلق برامج تهدف الى نشر الوعي البيئي ، وتعليم الأساليب الملائمة للزراعة في مواجهة انخفاض كمية ونوعية المياه الجوفية والسطحية .


اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر تعترف بأن الكفاح من أجل حماية الأراضي الجافة سيكون طويلا ولن يكون هناك موعد محدد سريع . ويرجع ذلك إلى أن أسباب التصحر كثيرة ومعقدة تتراوح بين أنماط التجارة الدولية وأساليب إدارة الأراضي غير المستدامة في المجتمعات المحلية. وسوف يتعين إجراء تغييرات حقيقية وصعبة على المستويين الدولي والمحلي لتحقيق ذلك.


لعل من بين ابرز الجهود لمكافحة التصحر على مستوى العالم ما تقوم به الحكومة الصينية الآن . اولى تجلياته ( الحملة القومية لتشجير الصحراء ) . واصدار تشريعات تمنع إزالة الغابات .


في بلادي ليبيا كنا سباقين الى اتخاذ هاتين الخطوتين منذ زمن بعيد ، فقد صدرت التشريعات التي تحظر الاعتداء على الشجرة او اغتصابها ، وواكبتها مساهمة الفعاليات الشعبية للعمل التطوعي ، ومعسكرات الشباب ، وفرق الكشافة ، وطلاب المدراس في الحملة الوطنية للتشجير التي انطلقت اوائل السبعينات بزخم قوي . ونلحظ اخيرا بعد توقف طويل عادت جهود جديدة يتولى المهمة فيها جهاز حكومي للتشجير وتطوير الغابات .. غير ان ما ينفث التآوهات اليوم ويدفع بها لتتدفق بزفرة حادة . ان نلحظ الشريط الساحلي الاخضر سابقا وقد تحول الى كثلة اسمنتية . وان جهود مضنية لانقاد غابات النخيل بالواحات قد توقفت هي الاخرى في مراحلها الاخيرة منذ عهد بعيد . ما قد ينبىء بفشل الجهود الآنية .

******

جهود لانقاد غابات النخيل بواحات الجنوب الليبي ( فزان ) توقفت عند هذا الحد منذ عام 1997


تأوهآت بيئية ( 2 )


قفزت الى الواجهة تأوهآت بيئية تحمل رائحة جرائم تقترف في الجوار .. انا جنوبي .. من مدينة سبها حاضرة الاقليم .. ملتقى ومعبر الوافدين من اهل الجنوب .. القادمون من بلاد ما وراء الصحراء .. افريقيا السمراء .


تأوهآت تحمل مؤازرة لمعاناة اهلنا في الجوار .. في قرى ومداشر شمال النيجر .. تأوهات تحمل الآم ضحايا وجريمة .. تأوهات شهيقها مشبع بعبيرحبات الرمل ، ورياح القبلي الموسمية المنتشية بالأتربة وغبار تلك المناطق .. تأوهات كشف عنها تقرير لمنظمة السلام الاخضر Greenpeace نشر بعد زيارتهـا لمدينــة آرليت و ضواحيهـــا شمال النيجر ، بتاريخ 1 إلي 9 من شهر نوفمبر 2009 ولم يحضى باهتمام اعلامي . يشير الى أن مستوي الأشعاع الذري في المدينة و ضواحيها يفوق بمقدار 500 مرة الحد المسموح به دولياً ، ويؤكد على الاخطار الجدية المنتظرة للساكنة وللاطفال الذين يلعبون في شوارع تلك القرى والمدن ، والناجمة عن مخلفات التعدين الناتجة من نشاط شركة AREVA الفرنسية التي تقوم بسرقة اليورانيوم من تلك المناطق منذ 50 سنة ، وقد دعت المنظمة الى ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة لحماية السكان ، ويبدو ان مقترف الجريمة يدرك حجمها فلم يسمح لفريق المنظمة بالاقتراب من مناطق نشاط الشركة المحاط باجراءات امنية مشددة .




النيجر دولة فقيرة حسب معايير الأمم المتحدة ، بسبب التصحر الذي تعاني منه .. هناك تشتعل الأزمات وتُنهب الثروات والموارد .. يعد النيجر ثاني أكبر دولة منتجة لليورانيوم في العالم ، ومنذ 40 سنة ومؤسسة “أريفا” الفرنسية تستنزف مصادر هذا البلد .. هذا البلد الأشد فقرًا في العالم يزود دولة فرنسا الغنية في الشمال بحوالى 80% من حاجته للطاقة الكهربائية .. ويموِّل مشروعات فرنسا لإنتاج الطاقة النووية.. بالمجان تقريبًا . واكبارا لكرمه تترك ورائها ازمات صحية مزمنة ، لا تتوقف عند تلوث التربة والهواء بالمكان ، بل ان المنظمة تحدثت عن ارتفاع مستوى الاشعاع بالمياه الجوفية.. وبالنظر الى ما يحتاجه هذا النوع من الانشطة التعدينية من كميات كبيرة من المياه ، فقد برز في الافق نضوب المراعي وتراجع نشاط الرعي كاحد اهم الانشطة الرئيسية التي يمارسها السكان وتشكل مصدر استمرار الحياة بتلك الاقاليم .




هذه هي التكلفة الخفية للطاقة النووية ، الفقراء الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال المعرضين للإشعاع ، ومناطق مهددة بفقدان التوازن البيئي وإنعدام الحياة .


هذه هي صورة من صور شتى تبرز مدى استغلال العالم المتقدم للعالم النامي ، دون اكثرات بتدمير المكان وافقار الحياة . صورة من صور تدمير قارتنا ( افريقيا ) . وتبقى هذه الكلمات مجرد تأوهات تزفر بروائح كريهة ، روائح ارتكاب دولة عظمى لجريمة ضد الانسانية . على مرأى ومسمع .. تخرس الالسن .. يحدث هذا !!!!!!!!!!



شاهد الفيدو الذي اعدته منظمة السلام الاخضر خلال زيارتها للمكان

للاطلاع على تقريرها المنظمة :


( اضغط هنا )

محطة السفر من مدينة سبها الى النيجر ( تصوير سند )

فيديو002

فيديو002

مقطع الفيديو هذا يتطلب Adobe Flash حتى يتم تشغيله.