05‏/07‏/2010

- في المسألة الافريقية ( 1 )

كتاب " احداث افريقية " (1) للمؤلف " بيير بين " تعريب " بهجت ابو العلا " ، يعرض صفحات من تاريخ الحراك السياسي بالقارة الافريقية مرحلة ما بعد الكولونيالية .. يستهل المؤلف الافتتاحية بسرد احداث " قضية غامضة " كما يصفها ، ملخصها :
( في ليلة الخميس ، كان السفير السابق .. عائدا من السينما في سيارته ، ترافقه زوجته وابنته . امام المنزل نزلت زوجته وابنته ودخلتا الى البيت الذي يقع في شارع مضاء .. وفي اللحظة التي انحنى فيها .. لاقفال سيارته ؟ خرج رجل من الظلام واطلق عليه عيارين ناريين من مسدسه . هوى السيد .. أرضا مطلقا صرخة سمعت صداها زوجته فأسرعت الى الخارج فعالجها القاتل بطلقة أصابتها أسفل الكتف إصابة بالغة . وخرجت الطفلة بدورها بتأثير الخوف . فوجه القاتل صوبها ثلاث رصاصات واصيبت بفخدها وصرخت قبل ان تهوي .
خرج رجل ثان من سيارة بيضاء كانت واقفة على بعد امتار وجر بمعاونة القاتل الجثة حتى السيارة ووضعاه داخلها وانطلقا تحت جنح الليل .
في جلسة استثنائية لمجلس الوزراء ترأسها الرئيس .. عكف المجلس على دراسة هذه القضية بحضور اعضاء الحكومة والمكتب السياسي ومسؤولي المخابرات وقيادات القوات المسلحة .
اقتيدت السيدة .. التي احضرتها سيارة اسعاف الى قاعة اجتماع المجلس ، ودخلت حافية القدمين ، شاحبة الوجه يعينها طبيب . وبعد أن روت الحادثة ختمت باكية : " أنا لا أطلب إلا شيئا واحد ، أن يعاد لي جثمان زوجي لكي اواريه وفق الاصول " .
حتى الآن ، باءت كل عمليات البحث عن ؟أثر السيد .. بالفشل .
البيان الرسمي الذي صدر عن مجلس الوزراء جا فيه : " إن المجلس يدعو الى الحذر والحس السليم لعدم تزكية الشائعات السارية " .
.. العاصمة القابعة على مصب النهر الجالسة وسط الخضرة الاستوائية اضطربت . واخذت مجموعات تتشكل عند هبوط الليل . إلا ان جندرمة الجنرال .. الصديق المخلص للرئيس ، وشرطة مدير الأمن العام .. شقيق زوجة الرئيس مستعدون لمعالجة أى احتمال .
مخبرون عديدون ينقلون سبب الاضراب في الاحياء الشعبية : يقولون انه قام بتنفيد الاعدام بالمعارض .. الاكثر شهرة .
.. عندما قام المظليون الفرنسيون .. بتثبيت الرئيس المخلوع في منصبه بواسطة انقلاب سارع بالاستقالة ليسجل شجبه . وقد كان لموقفه صدى واسع أسهم بتوسيع الحملة الصحفية ضد " الموقف الاستعماري لباريس " . وقد برز .. منذ هذه الواقعة كعنصر معيق للدوران في الدائرة المغلقة . وملفوظ من باريس والعاصمة .
إلا ان الرئيس العجوز من موقع زعامته الفعلية لأفريقيا ( الفرنكفو- افريقية ) لم ينظر بعين الرضى لهذا المعارض الذي ينتقد الحلة الجديدة للاستعمار الفرنسي .
واستخدم وسائل ضغطه العديدة على نظيره الشاب الرئيس الجديد .. اعرب الحكيم العجوز عن رغبته بأعادة ادخاله في اللعبة السياسية .. مستندا الى مبررين يظهرهما بوضوح الحوار الذي دار بين الرجلين :
- انت تدعي أنك رجل المصالحة والتجديد ، فلا يسعك الابقاء على احد شباب البلد اللامعين بهذا المقدار خارج البلاد .
- انه يريد أخذ مكاني .
- أضمن لك أنه لن يقوم بأية محاولة فيما لو اسندت اليه مركزا يتوافق مع مؤهلاته .
- حسنا ، بإمكانه العودة .
- أتقسم لي بأنك لن تنتهز عودته .. للنيل منه .
- أقسم لك .
بعد هذا الحوار بفترة غير بعيدة ، التحق بالنظام ، فعينه " عدوه " مستشارا اقتصاديا ، ومن ثم سفيرا .
ماذا تروي الشائعة التي سرت ..؟
ان الرئيس طرح عليه مرارا .. المعضلة ، لم يشأ في مرحلة اولى الدخول في مغامرة على هذه الارضية ، لا لطيبة قلبه ، فهو على العكس من ذلك قد اشتهر عنه قسوته ، ففي نظره كما يقال ، لا يحسب الحساب لشيء أمام " منطق الدولة " وهي جملة يرددها في كل مناسبة . وقد اجاب في البداية بأنه يفضل بأن لا تدرج المعضلة في اطار مهمته ، ولكن تحت طائلة العجوز الحكيم ادعى بأنه لا يمتلك وسيلة الحل . فالرئيس العجوز سعى الى توفير هذه الوسائل لإنهاء هذه القضية التي تسمم حياته .)
كتاب " احداث افريقية " يحمل تعرية لواقع المأساة الافريقية في مرحلة ما بعد الكولونيالية .. ويفرض على المرء قراءته .
------------------------
(1) بيير بين ، احداث افريقية ، ت : بهجت ابو العلا ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان ، ليبيا