14‏/12‏/2011

إطلالة علي قضبان الذات


تقديم  بقلم : د . طلعت مراد بدر
إطلالة علي قضبان  الذات

...  من منا لا يتمني إن يأتي  الماضي غدا حينما  يغدو  الحاضر سجن  مترامي  الاطراف  المسجون  فيه  هو  الوطن  ليذوب  كحفنة  رمل  بين  شدقي الطغيان  اختزل  التاريخ في حبة دواء ازدردها ومعها ازدرت مقدرات الوطن وثروته ليغذي أوهام المجد الواهي . لقد برر مصادرة الماضي في كتاب (اخضوضر)  لونه حتي أصبح كفطر الماء الراكد يقدم حلولا هي نفسها كانت مشكلات أرهقت كاهل الإنسان الليبي ... وهكذا  وجد  الإنسان  الليبي  نفسه  مرغما كي  يودع  جزءا  أساسيا  من  تاريخه  كمن  يودع  ماض  عزيز  ولي  .
   وكانت  قضبان  السجن  هي  الوليد  الشرعي  لدولة  الطغيان  ليكبل  بها  عقل  الإنسان  الليبي  قبل  أرجله , الصديق  الدكتور  عبدالقادر  الفيتوري  جاء  نموذجا  لهذا  الإنسان  القابع  خلف  قضبان  سجنه  قانطا من  بزوغ  فجر  جديد  إلي  أن  فاجأته  رياح  الحرية  ونسائمها  مع هطول  أمطار 17  فبراير  المباركة  والتي  بحق  جاءت  مفخرة  للإنسان  العربي  وهي  تدك  بنجاعة  معاقل  الطاغية  فسطر  كتيبه  هذا  وقد  عادت  إليه  الثقة  في  الإنسان  الليبي  الذي  اثبت انه  قادر حتي  النخاع  علي  تبديل  حاضره  وكسر أغلاله وأصفاده  .
   إن  كل  جزء  من  الكتيب  يحكي عن  مرحلة  من  مراحل  الذات الحائرة  وهي  تحث  الخطي  علي  تجاوز  واقع  مرفوض  لكي  يحل  مكانه  واقعا  اختارته  هي  فلا  يعيبها  صبرها  في  مرحلة  الطغيان  فإنها  نبضات  قلب  الثائر الذي  عندما  يتجاوز  بتجربته  مصاف  الحس  الزائل  تتجاوز  هي  به  إلي  مراقي  الفكر  الثابت  .
   وهكذا  جاء  في ( سجن انفرادي مع الذات ) مناجاة  مقطبة  الجبين  مع  الذات  الحائرة يستعرض  فيها  ولها  موضوعات  عدة  ذات  علاقة  بصلب  الطغيان  وجسمه   عندما  يحشر  الوطن  في  زنزانة  وضعت  علي  احد  جدرانها  صورة  طبيعية  لميكيافللي . هذه صورة موجزة من سيرة العدالة في بلاد الممنوع ومملكة الصمت كما  يقول  الكاتب . وحيث العدالة  لا تمنحنا فرصة التمتع بحرية استنشاق الأكسجين من الهواء الجوي مباشرة دون إذن مسبق من الحكومة . العدالة التي باسمها ينال الأحمق كل شيء ولا ينال الطيب والحكيم سوى الكراهية والاضطهاد ، وباسمها يحشر الضعفاء في  زنزانة  واحدة  . 
  أما ( قصاصات قادتني إلي الزنزانة ) فإنها مجموعة من الرسائل  الصغيرة  التي  من  خلالها  يرسل  المؤلف  زفراته  وآهاته  إلي  وطن  غائب  عن  الساحة  مستلب   ومسروق  من عدة  جوانب  الاقتصادي والثقافي والسياسي والتاريخي . من  خلال  أقسام  هذا  الجزء  التي  جاءت  لغتها متوهجة  تعكس  معاناة  الكاتب  كأنه  يناجي  فيها  نفسه  فلم  يكن  يدور  بخاطره  أن  الفجر آلات  مع  ثورة  17  فبراير  بقريب , وهكذا من  خلال  - الفقر والقلق تؤام  الطغيان - تأؤهات  سياسية – ليبيا  وحيتان  النفط – تقرير امني – تأبين  ليبيا  الغد – من أكون؟- وداعا  يا  وطن -  كنا  بلاد – الغروب  ومولد الظلام – أيقونة  الرعب – وغيرها من  الرسائل – يستشرف  بشارة  الثورة  وبواكير  فجرها  .
   أما  في  ( صديقي وكتابي ) فإن المؤلف يعرج  من  خلال  عرض  علمي  فلسفي  تضمنه  كتابه  الي  طرح  فلسفي لقضية  الديمقراطية  والحاكمية  والطغيان  حول   إرادة  الطاغية المستبد وقدرته على الإكراه تلعب دورا أهم مما يضطلع به العقل والحقيقة في تكوين الآراء المسيطرة وتنصيب  هذه  الآراء كايدولوجيا  مضللة  متنقلا  بين  صفحات  التاريخ  العربي  والإنساني  لإظهار  تهافت  هذا  الطغيان  وفساده من  خلال  محادثة  متخيلة  مع  صديق  كان  قد  اطلع  علي  كتاب  المؤلف  حول  منطق  ابن  حزم  وفلسفته  .
   وها هو الوقت قد أزف ليشرك الكاتب الاخر الشريك في الوطن والغبن في قراءة خلجات نفسه لينتقل تساعده الثورة في الانتقال المشروع من محض مناجاة مع الذات خطها من خلال قصاصات كانت قد قادته الي السجن لا لشيء الا لأنه كان ناقدا لاذعا لتخريجات نظام الطغيان الذي  كان يريد ان يبني ليبيا الغد ....... داخل السجون والمعتقلات .

صحيح ان الكتاب قد تجاوز بأعجوبة مراحل أساسية في منهجية الكتابة لكن عزاؤه انه امتطى الكاتب ظهر الكلمة المتوهجة فهي وحدها التي بمقدورها ان تبوح بما يجيش به صدره ومكنون قلبه الذي اعتصره الألم زهاء أربعة عقود ونيف .. وهي وحدها التي ستمكنه من ان يفرك كلتا عينيه وهو ما بين مصدق ومكذب ... انبلاج فجر جديد ..

د . طلعت مراد بدر